Полный текст (264 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ولئن كانت قيمةُ الإنسان بمقدار ما يناله من لذائذه، فإن الحيوانَ أكثرُ منه قيمة، وأعلى قدرًا.
وحين ينطلق الإنسانُ وراء فتاةٍ يهواها، أو وراءَ الغانيات يشبع بهن لذائذَه، أيستطيع أن يزعم أنه حرٌّ من سلطانهن؟ !! أو تراه أسيرَ اللحظات، رهنَ الإشارةِ، شاردَ اللبِّ، مُعَنّى القلبِ أقصى أمانيه في الحياة بسمة من حبيبٍ هاجرٍ، أو وصال من جسم ممتنع؟ !
أيةُ عبوديةٍ أذلُّ من هذه العبودية، وهو لا يملك زِمامَ نفسِه، ولا حريّةَ قلبِه؛ فلا يتحكَّم في حبه ولا بغضه، ولا رضاه، ولا غضبه؟ !
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإنَّ أسْرَ القلبِ أعظمُ من أسر البدن، واستعبادَ القلب أعظمُ من استعباد البدن؛ فإن من استُعْبِد بدنُه، واستُرِقّ وأُسِر لا يبالي إذا كانَ قلبُه مستريحًا من ذلك مطمئنًّا، بل يمكنه الاحتيالُ في الخلاص؛ وأما إذا كان القلب - الذي هو مَلِك الجسم - رقيقًا مستعبدًا متيَّمًا لغير الله؛ فهذا هو الذلُّ، والأسرُ المَحْضُ، والعبوديةُ الذليلة لما استعْبَدَ القلبَ.
стр. 177
وعبوديةُ القلب، وأسرُه هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب؛ فإن المسلمَ لو أسره كافرٌ أو استرقّه فاجرٌ بغير حق؛ لم يضرَّه ذلك إذا كان قائمًا بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استُعْبِد بحق إذا أدّى حقَّ الله وحقَّ مواليه فله أجران، ولو أُكره على التكلّم بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضرَّه ذلك.
وأما من استُعْبِد قلبُه، فصار عبدًا لغير الله، فهذا يضره , ذلك ولو كان في الظاهر ملكَ الناس؛ فالحريةُ حريةُ القلب، والعبوديةُ عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس.
قال النبي ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض؛ وإنما الغنى غنى القلب» . اهـ.
أيها الصائمون الكرام! وحين يسترسل الإنسان في تناول المسكرات والمخدرات يعبُّ منها ما تناله يده؛ حتى تتلف أعصابه وصحته، وتسلبه عقلَه وكرامتَه، أيزعم بعد ذلك أنه حر؟ ! أيوجد أبشعَ من هذه العبودية لشراب قاتل، وسموم فتاكة؟ !
وقل مثل ذلك في التهالك على المال والجاه، إن ذلك حين يستولي على قلب الإنسان ونفسه ينقلب إلى عبودية ذليلة، وكلُّ هوًى يتمكَّن من النفس حتى تكون له السيطرة على الأعمال والسلوك يفضي بصاحبه إلى عبودية ذليلة مقيتة لا نهاية لقبحها.
стр. 178
ومن أعجب أساليب القرآن تعبيرُه عن مثل هذه الحالة بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: من الآية ٢٣) . فليست العبودية الذليلة - إذًا - قيدًا ولا سجنًا فحسب، فهذه أيسرُ أنواع العبودية، وأسرعُها زوالًا.
ولكن العبوديةَ الذليلةَ عادةٌ سيئةٌ تتحكم، وشهوة عارمة تستعلي، ولذةٌ محرمةٌ تُطاع.
وليست الحريةُ هي القدرة على الانتقال من بلد إلى بلد آخر، فتلك أيسرُ أنواعِ الحرية، وأقلُّها ثمنًا؛ ولكن الحريةَ الحقَّة: أن تستطيعَ السيطرةَ على أهوائك ونوازع الشر في نفسك، والحريّة الحقَّة ألا تستعبدَك عادةٌ، ولا تَستذِلَّك شهوةٌ.
وبهذا المعنى كان المؤمنون - حقًّا - هم أهلُ الحرية الحقَّة؛ فعبوديتهم لله، تحررهم من كل عبودية، وإخلاصُهم لله، يَصْرِفُ عنهم كلَّ ذِلَّةٍ وتبعيَّة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (من أراد السعادة الأبدية؛ فليلزم عتبةُ العبودية) .
стр. 179
وقال ﵀: (وإذا كان العبدُ مخلصًا لله اجتباه ربه، فأحيا قلبه، واجتذبه إليه، فينصرف عنه السوء والفحشاء، ويخاف من ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلصْ لله، فإن فيه طلبًا، وإرادةً، وحبًّا مطلقًا، فيهوى كلَّ ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه؛ كالغصن أيُّ نسيم مرَّ به عَطَفه وأماله؛ فتارة تجتذبه الصورُ المحرمةُ؛ فيبقى أسيرًا عبدًا لمن لو اتخذهُ هو عبدًا لكان ذلك عيبًا، ونقصًا، وذمًّا.
وتارة يجتذبه الشرفُ، والرئاسةُ، فترضيه الكلمةُ، وتغضبه الكلمةُ، ويستعبده مَنْ يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي مَنْ يذمه ولو بالحق.
وتارة يستعبده الدرهمُ والدينارُ، وأمثالُ ذلك من الأمور التي تستعبد القلوبَ، والقلوبُ تهواها؛ فيتخذُ إلهَه هواه، ويتبعُه بغير هدى من الله.
ومن لم يكن خالصًا لله عبدًا له، قد صار قلبُه مُعَبَّدًا لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون هو أحبَّ إليه مما سواه، ويكون ذليلًا له، خاضعًا، وإلا استعبدته الكائناتُ، واستولت على قلبه الشياطينُ، وصار فيه من السوء، والفحشاء ما لا يعلمه إلا اللهُ، وهذا أمرٌ ضروريٌّ لا حيلةَ فيه) . اهـ.
стр. 180
وهكذا يتبيَّن لنا أن المؤمنين الذين يخضعون لأمر الله ونهيه هم أكملُ الناس، وأعقلُهم، وأسعدُهم، وهم في الوقت نفسه أكثر الناس حريَّة؛ فخضوعهم لله حرَّرهم حتى من أنفسهم.
أيها الصائمون الكرام, بهذا المعنى الدقيق نستقبل رمضان على أنه شهر الحرية، وعلى أن الصيام مدرسةٌ لتخريج الأحرار بالمعنى العلمي الصحيح.
في رمضانَ جوعٌ وعطشٌ، وفيه قيدٌ وحرمانٌ، ولكنه يمنحنا الصحةَ، ويحررنا من العبودية؛ يحررنا من عبودية الطعام، والشراب، وعبودية العادة، والحياة المملة.
في رمضانَ امتناعٌ عن اللذة اختيارًا، وهذه هي الحريةُ؛ فحرية الإرادة أن تعمل وفق ما يمليه عليك دينُك، ووازع عقلك، لا ما تمليه عليك عاطفتك وشهوتك؛ فأنت - إذًا - قوي الإرادة، ضعيفُ الهوى، تضبط ميولَك بإحكام عقلك.
стр. 181
ومن اتَّصف بهذا كان جديرًا بالنصر في كل معركة يخوضها، وما قصة طالوت لما فصل بالجنود عنا ببعيد، قال - تعالى - ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (البقرة: من الآية ٢٤٩) .
فانظر كيف هزموا عدوهم بعد أن هزموا شهواتهم!!.
أيها الصائمون الكرام, في رمضان عبودية كاملة، وهذه هي الحريَّة الكاملة؛ فأكثر الناس حريَّة أشدهم لله عبودية.
في رمضان امتناع عن كل خلق رذيل، وقول ذميم، ومقالة ذميمة؛ فما أحلى هذه الحرية؛ فأنت في الخلق الكريم حرٌّ فلا تهان، ولا تُنْتَقَصُ في قدر ولا جاه، وأنت في القول الكريم حُرٌّ فلا تُضْطَرُّ إلى اعتذار، ولا تتعرضُ لملامة، ولا يملأ نفسَك ندمٌ.
وأنت في المعاملة الكريمة حرٌّ؛ فلا تلوكك الألسنُ، ولا تتحدث عن خيانتك المجالسُ، ولا تعلّق بذمتك الشهواتُ.
стр. 182
أيها الصائم الكريم هذا هو رمضان؛ يعلمنا الحرية بأجمل معانيها في جوعه، وعطشه، وقيوده، وحرمانه، أفلست تعشق هذه الحرية التي تنطلق من الجوع والحرمان؟ !.
لا إخالك إلا كذلك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 183
رمضان شهر الحرية (٢)
الحمد لله، الذي شرح صدور المؤمنين للإيمان، وحرَّرهم من عبودية الأصنام والأوثان، والصلاة والسلام على نبينا محمد ما تعاقب الملَوَان، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:
فقد كان الحديث بالأمس عن الحرية الحقّة، وعن أثر الصيام في بثها في نفوس الصائمين، ومرَّ بنا كيف تكون حال الإنسان إذا هو أطلق لنفسه باب الحرية، واستعبدته الشهوات، وسائر الرغبات.
وإذا أردت أيها الصائمُ الكريمُ مثالًا يثبِّتُ فؤادَك، ويدُلُّك على أن الحرية المطلقة شؤمٌ وبلاءٌ على أصحابها - فانظر إلى حال المجتمعات الكافرة المعاصرة؛ فها هي قد فتحت أبواب الحرية على مصاريعها، فلم يَعُدْ يردَعُها دينٌ، أو يزمُّها ورعٌ، أو يحميها حياءٌ؛ فمن كفرٍ وإلحادٍ، إلى مجون وخلاعة وإباحية مطلقة، ومن خمور ومخدرات إلى زنا ولواط وشذوذ بكافة أنواعه، مما يخطر بالبال ومما لا يخطر؛ فكيف تعيش تلك الأمم، وهل وصلت للسعادة المنشودة؟ !
والجواب: لا؛ فما زادهم ذلك إلا شقاءً وحسرةً؛ فسنة الله في الأمم هي سنته في الأفراد؛ فمتى أعرضت عن دينه القويم، وتنكبت صراطه المستقيم أصابها ما أصابها بقدر بعدها وإعراضها.
стр. 184
ولهذا تعيش تلك الأمم حياةً شقيةً تعيسةً صعبةً معقَّدةً؛ حيث يشيع فيها القلق والاضطراب، والتفكُّك، والقتل، والسرقة، والشذوذ، والاغتصاب، والمخدرات، وأمراض الجنس، وتُفقد فيها الطمأنينةُ، والراحةُ، والمحبةُ، والصلةُ، والتعاطفُ، والتكافلُ إلى غير ذلك من المعاني الجميلة.
قال الله - تعالى -: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٤) .
كيف تسعد تلك الأمم وفي داخل كلِّ إنسانٍ منها أسئلةٌ محيرة؟ مَنْ خَلَق الحياةَ؟ وما بدايتُها؟ وما نهايتُها؟ وما سرُّ تلك الروح التي لو خرجت لأصبح الإنسان جمادًا؟ !
إن هذه الأسئلة قد تهدأُ في بعض الأحيان؛ بسبب مشاغل الحياة، ولكنها لا تلبثُ أن تعودَ مرةً أخرى.
وكيف تسعدُ تلك الأممُ وهي تعيشُ بلا دينٍ يزكي نفوسَها، ويضبط عواطفَها، ويَرْدَعُها عن التمادي في باطلها، ويسدُّ جوعتَها بالتوجه إلى فاطرها؟ !
إن الكنيسة بتعاليمها المحرفةِ لا تستطيع أن تجيب عن الأسئلة الماضية بدقة ووضوح، ولا تملك منهجًا يزكي النفوس، ويقنع العقول، وتسير عليه أمور الناس بانتظام.
стр. 185
ولقد زاد هذا الأمرُ ضراوةً بعد أن تراجعت الكنيسةُ أمام ضربات الإلحاد؛ فما أغنت تلك الحريةُ المزعومةُ، والإباحيةُ المطلقةُ عن تلك المجتمعات فتيلًا، أو قطميرًا، ولا جلبت لها السعادة الحقّةَ، ولا الحياة الكريمةَ؛ ولهذا فإن الناس هناك يبحثون عمّا يريحهم من هذا العناء والشقاء؛ فمنهم من يلجأ إلى المخدرات والمهدئات التي تضاعف البلاء، وتزيد في الشقاء.
ومنهم من يروي غليلَه بالشذوذ الجنسي؛ حتى يفقد إنسانيته، ويلتحق بالأنعام في حياتها السافلةِ، ويفقد مع ذلك صحته وسعادته، ويكون عرضةً للإصابة بأمراض الشذوذ المتنوِّعة، وما يصاحبها من ضيق وتكدُّر.
ومنهم من يروي غُلَّته بالسطو، والسرقة، حتى إن الناس هناك لا يكادون يأمنون على أموالهم وممتلكاتهم، بل لقد أصبحت السرقة تعتمد على الدراسة، والتكنولوجيا الحديثة المجهزةِ بأحدث الوسائل والأساليب القائمة على أحدث المبتكرات، والتخطيط لكل عملية سطو.
وبعضُ أولئك يسلك طريقَ القتل؛ ليتشفّى من المجتمع، ويطفئَ نار الحقد المتَّقِدَةَ في صدره، فتراه يتحيَّن الفرص، وينتهز الغِرّة، ليهجم على ضحية يفقدها الحياة، ثم يبحث عن ضحية أخرى.
стр. 186
بل لقد أصبح القتل عند بعضهم متعةً، ونوعًا من اللذة، وكثيرًا ما يكون لأتفه الأسباب، حتى إن الواحد قد يقتل أقرب الأقربين إليه.
ومنهم مَنْ يبلغ به الشقاءُ والهمُّ غايتَه؛ فلا يجد ما يسعده، أو يريحه من همومه، وغمومه، ولا يرى ما ينفِّس به كربتَه، أو يعينه على تحمل أعباء حياته؛ فيلجأ حينئذ إلى الانتحار، رغبة في التخلُّص من الحياة بالكُلِّيَّة.
ولقد أصبح الانتحار سمةً بارزةً في تلك المجتمعات، وصارت نسبته تتزايد، وتهدد الحضارة الغربية بأكملها.
ولقد أقلق كثرةُ الانتحار علماءَ الاجتماع في تلك البلاد؛ حيث أصبح عددُ المنتحرين يفوق عددَ القتلى في الحروب، وفي حوادث السيارات.
أما طرق الانتحار: فتأخذ أساليبَ متنوعةً، فهذا ينتحر بالغَرَق، وذاك بالحَرْق، وهذا بابتلاع السموم، وذاك بالشنق، وهذا بإطلاق الرصاص على نفسه، وذاك بالتردِّي من شاهق، وهكذا ...
стр. 187
أما أسباب الانتحار: فمعظمُها تافهةٌ حقيرةٌ، لا تستدعي سوى التغافل، وغض الطّرف عنها؛ فهذا ينتحر بسبب الإخفاق في امتحان الدراسة أو الوظيفة، وذاك بسبب وفاة المطرب الذي يحبه، أو هزيمة الفريق الذي يميل إليه، وهذا ينتحر بسبب وفاة عشيقته، وهذه تنتحر بسبب تخلي عشيقها عنها، بل ومنهم من انتحر بسبب وفاة كلبه!!
بل ومنهم من ينتحر بلا سبب ظاهر، ويبقى السبب الأول للانتحار؛ وهو الكفر بالله، وما يستَتْبِعُه من الضَّنْك، والشدّة، وقلة التفكير في المصير.
والغريب في الأمر أن نسبةً كبيرةً من المنتحرين ليسوا من الفقراء حتى يقال: إنهم انتحروا لقلة ذات اليد؛ وإنما هم من الطبقات المُغْرِقة في النعيم، البعيدة الصيت والشهرة، الرفيعة في الجاه والمنصب؛ بل وينتشر الانتحار في طبقات الأطباء، والمثقفين، ومما يلفت النظر أن أشدَّ هذه البلاد تحلُّلًا وإباحية هي أكثرها انتحارًا.
ومن الأشياء التي استحدثوها للتّخفيف من الانتحارات المتزايدة - إنشاء مركز يتلقى مكالمات المُقْدِمين على الانتحار، أو من لديهم مشكلة عاطفية، أو الذين يعانون من ضيق الصدر.
стр. 188
والعجيب في الأمر أن يكون للانتحار مؤيدون وأنصار؛ حيث تكوَّنت في بريطانيا جمعيةٌ للمنتحرين، وأصدرت كُتيّبًا، وأَخَذَتْ توزِّعه على أعضائها الذين يحبذون، ويؤيدون حقَّ المرضى بالانتحار عندما يتألمون، وعندما يقرر الطبيب أن حالتهم ميؤوس منها!!.
وقد نصّ الكُتَيِّبُ على الوسائل السريعة وغير المؤلمة التي يمكن أن تساعد السّاعين إلى الانتحار على تنفيذ رغبتهم!
فلماذا ينتحر هؤلاء؟ ولماذا يستبدُّ بهم الألم، ويذهب بهم كل مذهب مع أن أبواب الحرية مفتوحة لهم على مصاريعها؟
والجواب: أنهم فقدوا ينبوعَ السعادة، وسببَها الأعظمَ؛ ألا وهو الإيمان بالله فلم تُغْنِ عنهم حريتُهم شيئًا، ولم يجدوا ما يطفئ لَفْح الحياة، وهجيرَها، وصخبَها، فلا يكادون يحتملون أدنى مصيبة تنزل بهم.
تُرَى! لو كانت قلوبُ أولئك مطمئنةً بالإيمان أتكون حالهم هكذا؟ ولو كانوا مسلمين يؤدون الصيام على الوجه المطلوب أتكون نفوسهم ضعيفة إلى هذا الحد؟
أيها الصائمون الكرام, هذه هي حال الأمم إذا هي أبعدت عن هداية الإسلام، وأطلقت لنفسها الحرية المطلقة.
стр. 189
ومع ذلك تراهم يصدِّرون إليها تعاستهم، وشقاءهم؛ فهل اطلع على تلك الحال المزرية مَنْ يريدون أن تكون بلاد الإسلام كتلك البلاد تهتكًا، وتوقُّحًا، ودعارة وفسادًا؟ !
وهل يريدون أن يكون مصير بلاد الإسلام كذلك المصير؟ !
إن كانوا لم يطلعوا؛ فتلك مصيبة، وإن كانوا مطلعين فالمصيبة أعظم.
وهكذا يتبيَّن لنا أثرُ الصيام في منح الحرية الحقّة.
اللهم إننا نسألك حبك، وحبَّ من يحبك، وحبَّ العمل الذي يقربنا إلى حبك، اللهم زدنا عبودية لك، وحرية مما سواك، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.
стр. 190
في السحور بركة
الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقد جاء في الحديث المتَّفقِ عليه أن النبي ﷺ قال: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة» .
ففي هذا الحديث أمرٌ بالتسحر، وهو الأكل والشرب وقت السحر؛ استعدادًا للصيام، وذكرٌ للحكمة من ذلك وهي حلولُ البركة.
والبركة - معاشر الصائمين - هي نزولُ الخيرِ الإلهي في الشيء، وثبوتُه فيه.
والبركة كذلك تعني الزيادة في الخير والأجر، وكلِّ ما يحتاجه العبد من منافع الدنيا والآخرة.
والبركةُ إنما تكون من الله، ولا تنال إلا بطاعته .
ومما يلحظ على بعض الصائمين أنه لا يأبه بوجبة السحور، ولا بتأخيرها؛ فربما تركها البتّة، وربما تناول الطعام في منتصف الليل، أو قبل أن ينام، إما لخوفه من عدم القيام، أو لرغبته في النوم فترة أطول، أو لقلة مبالاته بالسحور وبركاته، أو لجهله بذلك.
وهذا خلل ينبغي للصائم تلافيه؛ لما فيه من مخالفة السنة، وحرمان بركات السحور.
فَحَرِيٌّ بالصائم أن يتسحَّر، وأن يؤخر سحوره إلى ما قبيل الفجر، ولو كان السحور قليلًا؛ لما في ذلك من الخيرات والبركات العظيمة.
стр. 191
من بركات السحور:
من ذلك أنه استجابة لأمر الرسول ﷺ ، حيث قال في الحديث المتَّفق عليه: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة» .
وكفى بذلك فضلًا وشرفًا، قال الله - تعالى -: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: من الآية ٨٠) .
وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: من الآية ٧١) .
ومن بركاته أنه شعار المسلمين، وأن فيه مخالفةً لأهل الكتاب، قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلةُ السحر» .
ومن ذلك حصولُ الخيريةِ، والمحافظةُ عليها؛ فعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور» رواه البخاري ومسلم.
ومن بركات السحور أن فيه تقويةً على الطاعة، وإعانةً على العبادة، وزيادةً في النشاط والعمل؛ ذلكم أن الجائعَ الظامئَ يعتريه الفتور، ويَدِبُّ إليه الكسل.
стр. 192
ومن بركات السحور حصولُ الصلاةِ من الله وملائكته على المتسحِّرين، فعن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «إن الله وملائكته يصلون على المتسحِّرين» رواه ابن حبان، والطبراني في الأوسط، وحسنه الألباني. ومن بركات السحور أن فيه مدافعةً لسوء الخلق الذي قد ينشأ عن الجوع.
ومن بركاته أن وقت السحور وقت مبارك؛ فهو وقت النزول الإلهي - كما يليق بجلال الله وعظمته - قال النبي ﷺ : «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه، من يستغفرُني فأغفرَ له» رواه البخاري.
ومن ذلك أن وقتَ السحرِ من أفضل أوقات الاستغفار إن لم يكن أفضلَها، كيف وقد أثنى الله على المستغفرين في ذلك الوقت بقوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (آل عمران: من الآية ١٧) . وقوله: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: ١٨) .
فالقيام للسحور سببٌ لإدراك هذه الفضيلة، ونيلِ بركات الاستغفار المتعدِّدة.
стр. 193
ومن بركات السحور أنه أضمن لإجابة المؤذن بصلاة الفجر؛ ولا يخفى ما في ذلك من الأجر، وأنه أضمن لإدراك صلاة الفجر في وقتها مع الجماعة.
ومن بركات السحور أن تناولَه - في حد ذاته - عبادةٌ إذا نَوَى بها التَّقَوِّيَ على طاعة الله، والمتابعةَ للرسول ﷺ .
ومن ذلك أن الصائم إذا تسحَّر لا يملُّ إعادة الصيام، بل يشتاق إليه، خلافًا لمن لا يتسحَّر؛ فإنه يجد حرجًا ومشقةً يُثْقِلان عليه العودة إليه.
ومن بركات السحور أن الله - سبحانه - يطرحُ الخيرَ في عمل المتسحِّر؛ فحريٌّ به أن يوفَّق لأعمال صالحة في ذلك اليوم؛ فيجد انبعاثًا لأداء الفرائض، والنوافل، والإتيان بالأذكار، والقيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك.
بخلاف ما إذا ترك السحور؛ فإن الصيام قد يثقله عن الأعمال الصالحة.
وبالجملة فإن بركاتِ السحورِ كثيرةٌ، ولا يمكن الإتيانُ عليها أو حصرُها؛ فلله في شرعه حكمٌ وأسرار تحار فيها العقول، وقد لا تحيط منها إلا بأقل القليل؛ فحريٌّ بنا أن نستحضر هذه المعاني العظيمة، وأن نُذَكِّرَ إخواننا بها، والله المستعان، وعليه التكلان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 194
رمضان شهر الدعاء
الحمد لله مجيب الدعوات وكاشف الكربات، والصلاة والسلام على أزكى البريات، أما بعد:
فإن شأنَ الدعاء عظيم، ونفْعَهُ عميم، ومكانتَه عاليةٌ في الدين، فما استُجْلِبت النعمُ بمثله ولا استُدْفِعت النِّقَمُ بمثله، ذلك أنه يتضمَّن توحيد الله، وإفراده بالعبادة دون من سواه، وهذا رأس الأمر، وأصل الدين.
وإن شهرَ رمضانَ لفرصةٌ سانحة، ومناسبة كريمة مباركة يتقرَّب فيها العبد إلى ربه بسائر القربات، وعلى رأسها الدعاء؛ ذلكم أن مواطن الدعاء، ومظانَّ الإجابة تكثر في هذا الشهر؛ فلا غَرْوَ أن يُكْثِر المسلمون فيه من الدعاء.
ولعل هذا هو السر في ختم آيات الصيام بالحثّ على الدعاء، حيث يقول ربنا :
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦) .
وإليكم - معاشر الصائمين - هذه الوقفات اليسيرة مع مفهوم الدعاء، وفضله.
стр. 195
أيها الصائمون: الدعاء هو أن يطلبَ الداعي ما ينفعُه وما يكشف ضُرَّه؛ وحقيقته إظهار الافتقار إلى الله، والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمةُ العبوديةِ، واستشعارُ الذلةِ البشرية، وفيه معنى الثناءِ على الله وإضافةِ الجود والكرم إليه.
أما فضائلُ الدعاءِ، وثمراتُه، وأسرارُه - فلا تكاد تحصر، فالدعاءُ طاعةٌ لله، وامتثال لأمره، قال الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: من الآية ٦٠) .
والدعاء عبادة، قال النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة» .
رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه ابن ماجه، وصححه الألباني.
والدعاء سلامة من الكبر: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠) .
والدعاءُ أكرمُ شيءٍ على الله، قال النبي ﷺ : «ليس شيءٌ أكرم على الله من الدعاء» .
رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وابن ماجه، والترمذي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.
стр. 196
والدعاء سبب لدفع غضب الله، قال النبي ﷺ : «من لم يسألِ اللهَ يَغْضَبْ عليه» .
أخرجه أحمدُ، والترمذيُّ، وابن ماجه، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني.
والدعاء سبب لانشراح الصدر، وتفريج الهم، وزوال الغم، وتيسير الأمور، ولقد أحسن من قال:
وإني لأدعو اللهَ والأمرُ ضيّقٌ ... عليَّ فما ينفك أن يتفرّجا
وربَّ فتًى ضاقتْ عليه وجوهُهُ ... أصاب له في دعوة الله مَخْرَجا
والدعاء دليل على التوكُّل على الله، فسرُّ التوكلِ وحقيقتُه هو اعتمادُ القلبِ على الله، وفعلُ الأسباب المأذون بها، وأعظمُ ما يتجلَّى هذا المعنى حالَ الدعاء؛ ذلك أن الداعيَ مستعينٌ بالله، مفوضٌ أمرَهُ إليه وحده.
والدعاء وسيلة لكِبَرِ النفس، وعلو الهمة؛ ذلك أن الداعيَ يأوي إلى ركن شديدٍ ينزل به حاجاتِه، ويستعين به في كافّة أموره؛ وبهذا يتخلص من أَسْر الخلق، ورقِّهم، ومنَّتِهِم، ويقطعُ الطمعَ عما في أيديهم، وهذا هو عين عِزِّهِ، وفلاحِه.
стр. 197
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكلّما قوي طمع العبد في فضل الله، ورحمته، لقضاء حاجته ودفع ضرورته؛ قويت عبوديتُه له، وحريته مما سواه؛ فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديتَه له فَيأْسُهُ منه يوجب غنى قلبه) اهـ.
والدعاء سلامة من العجز، ودليل على الكَياسة، قال النبي ﷺ : «أعجز الناس من عجز من الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام» . رواه ابن حبان، وصححه الألباني.
ومن فضائل الدعاء: أن ثمرته مضمونة - بإذن الله - قال النبي ﷺ : «ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كفّ عنه من سوء مثلَه؛ ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» . رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني.
وقال ﷺ : «ما من مؤمنٍ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لله يسأله مسألةً إلا أعطاه الله إياها، إما عجّلها له في الدنيا، وإما ذخرها له في الآخرة، ما لم يعجل) قالوا: يا رسول الله وما عَجَلَتُه؟ قال: (يقول: دعوت ودعوت ولا أراه يُستجاب لي» . أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني.
стр. 198
ففي الحديثين السابقين وما في معناهما؛ دليل على أن دعاء المسلم لا يُهمل، بل يُعطى ما سأله إما مُعجلًا، وإما مُؤجلًا.
قال ابن حجر ﵀: (كلُّ داعٍ يُستجاب له، لكن تتنوع الإجابة؛ فتارةً تقع بعين ما دعا به، وتارةً بعِوَضِه) . اهـ.
قال بعضهم في وصف دعوة:
وربَّ ظلومٍ قد كُفِيتُ بحربهِ ... فَأَوقعَه المقدورُ أيَّ وقوعِ
فَما كان لي الإسلامُ إلا تَعَبُّدًا ... وأدعيةً لا تُتَّقى بدروعِ
وحسبك أن ينجو الظلومُ وَخَلْفَهُ ... سهامُ دعاءٍ من قِسِيِّ ركوعِ
مُرَيَّشةً بالهدب من كل ساهرٍ ... ومنهلةً أطرافها بدموعِ
ويقول:
أتهزأُ بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاءُ
سهامُ الليلِ لا تخطي ولكن ... لها أَمَدٌ وللأمدِ انقضاءُ
شروط الدعاء:
أيها الصائمون الكرام: للدعاء شروطٌ عديدةٌ لا بد من توافرها؛ كي يكون الدعاء مستجابًا مقبولًا عند الله.
стр. 199
فمن أهم تلك الشروط: أن يكون الداعي عالمًا بأن الله وحده هو القادر على إجابة الدعاء، وألا يدعو إلا الله وحده؛ لأن دعاء غير الله شرك، وأن يتوسّل إلى الله بأحد أنواع التوسُّل المشروعة كالتوسُّل إلى الله باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، أو أن يتوسَّل بصالح الأعمال، أو بدعاء رجل صالح حيٍّ حاضر قادر.
ومن شروط الدعاء: تجنبُ الاستعجال، والدعاءُ بالخير، وحسنُ الظنِّ بالله، وحضورُ القلب، وإطابةُ المأكل، وتجنُّبُ الاعتداءِ، هذه هي شروط الدعاء على سبيل الإيجاز.
آداب الدعاء:
وهناك آداب يحسن توافرها: كي يكون الدعاء كاملًا، ومنها الثناءُ على الله قبل الدعاء، والصلاةُ على النبي ﷺ والإقرارُ بالذنب، والاعترافُ بالخطيئة، والتضرعُ، والخشوعُ، والرغبةُ، والرهبةُ، والجزمُ في الدعاءِ، والعزمُ في المسألة، والإلحاحُ بالدعاء، والدعاءُ في كل الأحوال، والدعاءُ ثلاثًا، واستقبالُ القبلة، ورفعُ الأيدي، والسواكُ، والوضوءُ، واختيارُ الاسم المناسبِ أو الصفةِ المناسبةِ كأن يقول: يا رحمن ارحمني، برحمتك أستغيث.
стр. 200
ومن آداب الدعاء: خفضُ الصوتِ، وأن يتخيَّر الداعي جوامعَ الدعاء، ومحاسنَ الكلامِ، وأن يتجنَّب التكلُّفَ، والسَجْعَ، وأن يبدأ الداعي بنفسه، وأن يدعو لإخوانه المسلمين.
هذه بعض آداب الدعاء على سبيل الإجمال، والأدلة على ذلك مبسوطة في الكتاب والسنة، والمجال لا يتَّسع للتفصيل؛ فالإتيان بشروط الدعاء وآدابه من أعظم الأسباب الجالبة لإجابة الدعاء.
ومن الأسباب - أيضًا -: الإخلاص لله حالَ الدعاء، وقُوةُ الرجاء، وشدَّةُ التحرّي، وانتظارُ الفَرَجِ، والتوبةُ، وردُّ المظالمِ، والسلامةُ من الغفلة، وكثرةُ الأعمالِ الصالحةِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكر، والتقرُّبُ إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، وبِرُّ الوالدين، واغتنامُ الفُرصِ، وذلك بتحري أوقات الإجابة، واغتنامُ الأحوال، والأوضاع، والأماكن التي هي مظانُّ إجابة الدعاء.
مسألة تأَخّر الإجابة، والحِكَم من وراء ذلك:
أيها الصائمون الكرام: إن من البلاء على المؤمن أن يدعو فلا يُجاب؛ فيكرّر الدعاء، ويلحَّ فيه، وتطولَ المدة فلا يرى أثرًا للإجابة.
стр. 201
ومن هنا يجد الشيطان فرصته؛ فيبدأ بالوسوسة للمؤمن، وإيقاعه في الاعتراض على حكم الله، وإساءته الظن به .
فعلى من وقعت له تلك الحال ألا يلتفت إلى ما يلقيه الشيطان؛ ذلك أن تأخر الإجابة مع المبالغة في الدعاء يحمل في طيّاته حِكَمًا باهرةً، وأسرارًا بديعةً، وفوائدَ جمةً، لو تدبرها الداعي لما دار في خَلَدِه تضجُّر من تأخر الإجابة.
ومن تلك الحِكَم والأسرار والفوائد التي يحسن بالداعي أن يتدبرها، ويجمل به أن يستحضرها ما يلي:
أولًا: أن تأخر الإجابة من البلاء، كما أن سرعة الإجابة من البلاء - أيضًا - قال :
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: من الآية ٣٥) .
فالابتلاء بالخير يحتاجُ إلى شكر، والابتلاءُ بالشر يحتاج إلى صبر؛ فإياك أن تستطيل البلاء، وَتَضْجَرَ من كثرة الدعاء؛ فإنك ممتحنٌ بالبلاء متعبَّدٌ بالصبر والدعاء؛ فلا تيأسنّ من رَوْح الله وإن طال البلاء.
قال عمر بن عبد العزيز ﵀: (أصبحت وما لي سرورٌ إلا في انتظارِ مواقعِ القدرِ، إن تكنِ السراءُ فعندي الشكرُ، وإن تكن الضراءُ فعندي الصبرُ) .
стр. 202
ثانيًا: من حكم تأخر إجابة الدعاء: أن يستحضر الإنسان أن الله هو مالك الملك، فله التصرُّف المطلق، بالعطاء والمنع؛ فلا رادّ لفضله، ولا مُعقّب لحكمه، ولا اعتراض على عطائه ومنعه، إن أعطى فبفضل، وإن منع فبعدل؛ فلا حقّ - إذًا - للمخلوق المربوب على الخالق الرب .
ثالثًا: أن الله له الحكمة البالغة؛ فلا يعطي إلا لحكمة، ولا يمنع إلا لحكمة، وقد يرى الإنسان أن في ذلك الشيء مصلحةً ظاهرةً؛ ولكن الحكمةَ لا تقتضيه، فقد يخفى في الحكمة فيما يفعله الطبيب من أشياء تؤذي في الظاهر ويُقْصَد بها المصلحة، فلعل هذا من ذاك، بل أعظم؛ فقد يكون تأخرُ الإجابة، أو منعُها هو عين المصلحة.
رابعًا: قد يكون في تحقُّق المطلوب زيادةٌ في الشر، فربما تحقق للداعي مطلوبُه، وأجيب له سؤلُه؛ فكان ذلك سببًا في زيادةِ إثمٍ، أو تأخيرٍ عن مرتبةٍ، أو كان ذلك حاملا على الأشَر والبَطر، فكان التأخير أو المنع أصلح.
وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الغزو؛ فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أُسرت، وإن أُسرت تنصّرت.
стр. 203
قال ابن القيم ﵀: (فقضاؤه لعبده المؤمن عطاءٌ، وإن كان في صورة المنع، ونِعْمَةٌ وإن كان في صورة محنة، وبلاؤه عافية، وإن كان في صورة بلية.
وَلَكنْ لجهل العبدِ، وظلمِه لا يَعُدُّ العطاءَ والنعمةَ والعافيةَ إلا ما التذّ به في العاجل، وكان ملائمًا لطبعه.
ولو رزق من المعرفة حظًّا وافرًا؛ لعد المنعَ نعمةً والبلاءَ رَحمةً، وتلذّذ بالبلاء أكثرَ من لذته بالعافية، وتلذّذ بالفقر أكثرَ من لذته بالغنى، وكان في حال الِقلّةِ أعظمَ شكرًا من حال الكثرة.) اهـ.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: (ولهذا من لطف الله لعبده أنه ربما طمحت نفسُه لسبب من الأسباب الدنيوية التي يظُن بها إدراكَ بُغْيتِهِ، فيعلم أنها تضرّه، وتصدّه عما ينفعه؛ فيحول بينه وبينها، فيظل العبد كارهًا، ولم يَدْرِ أن ربه قد لَطَفَ به؛ حيث أبقى له الأمر النافع، وصرف عنه الأمر الضار) .
стр. 204
خامسًا: الدخول في زمرة المحبوبين لله فالذين يدعون ربهم، ويُبْتَلَون بتأخر الإجابة عنهم - يدخلون في زمرة المحبوبين المشرَّفين بمحبة الله؛ فهو إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، قال النبي ﷺ : «إن عِظمَ الجزاءِ مع عِظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السَّخط» أخرجه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الترمذي والألباني.
سادسًا: أن اختيارَ اللهِ للعبد خيرٌ من اختيار العبد لنفسه، وهذا سر بديع يحسن بالعبد أن يتفطَّن له حال دعائه لربه؛ فهذا يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويُفْرِغُ قَلْبَهُ من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عَقَبَة وينزل في أخرى.
وإذا فوّض العبد أمره إلى ربه، ورضي بما يختاره له - أمدّه الله بالقوة، والعزيمة، والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضةُ اختيارِ العبدِ لنفسه، وأراه من حسن العاقبة ما لم يكن ليصلَ إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.
стр. 205
سابعًا: أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والعكس بالعكس؛ بل إن عامةَ مصالحِ النفوس في مكروهاتها، كما أن عامَّةَ مضارِّها وأسباب هلكتها في محبوباتها قال : ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: من الآية ١٩) .
قال سفيان بن عيينة ﵀: (ما يكرهُ العبدُ خيرٌ له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يُهَيِّجُه للدعاء، وما يحبه يلهيه) .
ثامنًا: أن تأخر الإجابة سببٌ لِتَفَقُّدِ العبد لنفسه؛ فقد يكون امتناعُ الإجابة أو تأخرها لآفة في الداعي؛ فربما كان في مطعومه شبهةٌ، أو كان في قلبه وقتَ الدعاء غفلةٌ، أو كان متلبسًا بذنوب مانعةٍ؛ وبهذا ينبعث إلى المحاسبة، والتوبة، ولو عُجِّلَت له الإجابةُ لفاتته هذه الفائدة.
стр. 206
تاسعًا: قد تكون الدعوةُ مستجابةً دون علم الداعي؛ لأن ثمرة الدعاء مضمونة - بإذن الله - قال النبي ﷺ : «ما من مسلم يدعو ليس بإثم ولا بقطيعة رحم؛ إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها) قيل: يا رسول الله ﷺ إذًا نكثر؟ قال: (الله أكثر) » أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني.
إذا تقرر هذا؛ فكيف يستبطئ الداعي الإجابة طالما أن الثمرةَ مضمونةٌ، ولماذا لا يحسنُ العبدُ ظنَّه بربه ويقول: لعله استُجِيب لي، وآتاني ربي إحدى هذه الثلاثِ من حيثُ لا أعلم؟ !.
عاشرًا: التمتُّع بطول المناجاة، فكلما تأخرت الإجابة طالت المناجاة، وحصلت اللذة، وزاد القرب، ولو عجلت الإجابة لربما فاتت تلك الثمرة.
قال سفيان الثوري ﵀: (لقد أنعم الله على عبد في حاجة أكثرَ من تضرعه إليه فيها) .
حاديَ عَشَرَ: تكميلُ مراتب العبودية؛ فالله يحب أولياءه، ويريد أن يكمل لهم مراتب العبودية؛ فيبتليهم بأنواع من البلاء، ومنها تأخر إجابة الدعاء؛ كي يترقّوا في مدارج الكمال، ومراتب العبودية.
стр. 207
ومن تلك العبوديات العظيمة التي تحصل من جرّاء تأخر إجابة الدعاء - انتظار الفرج، وقوةُ الرجاء، وحصولُ الاضطرار، والافتقارُ إلى الله، والانكسارُ بين يدي جبار السماوات والأرض، ومجاهدةُ الشيطان ومراغمتُه.
أيها الصائمون: هذه بعض الوقفات اليسيرة مع مفهوم الدعاء، وفضله، وثمراته، وأسراره، وبعض الحكمِ والأسرار والفوائدِ المتلمَّسةِ من جرّاء تأخر إجابة الدعاء؛ فحريٌّ بالعبد أن يكثر من دعاء الله، وبعد ذلك يدعُ التقديراتِ، والتدبيراتِ للعليم الحكيم.
اللهم يسرنا لليسرى، وجنبنا العسرى، اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واقرن بالعافية غدوَّنا وآصالنا، اللهم انصر المجاهدين، وفرِّج هم المهمومين، ونفِّسْ كربَ المكروبين من المسلمين، واقض الدَّين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلِّ اللهم وسلّم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 208
رمضان شهر الذكر
الحمد لله الذي أمر بذكره، ووعد الذاكرين بثوابه وجزيل فضله، والصلاة والسلام على إمام الذاكرين، وقدوة الناس أجمعين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن رمضانَ موسمُ الخيرات، وميدان التنافس في القربات.
وإن ذكر الله لمن أعظم ما يُتقرب به، وأجلِّ ما يسابق ويتنافس عليه؛ إذ هو المقصود الأعظم في مشروعية العبادات؛ فما شرعت الصلاة إلا لإقامة ذكر الله ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: من الآية ١٤) .
ولا شُرِعَ الطوافُ بالبيت العتيق، ولا رميُ الجمار، ولا السعي بين الصفا والمروة، إلا لإقامة ذكر الله وهكذا بقية الأعمال الصالحة.
ونصوص الشرع متضافرةٌ متظاهرةٌ على فضل الذكر، وعموم نفعه، والثناء على أهله، والحث على الإكثار منه.
قال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الأحزاب: ٤١ -٤٢) . قال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (آل عمران: من الآية ١٩١) .
стр. 209
وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة: من الآية ١٠) .
وقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: من الآية ٣٥) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (مما هو كالإجماع بين العلماء بالله، وأمره أن ملازمة ذكر الله دائمًا هو أفضل ما شغل به العبدُ نفْسَه في الجملة.
وعلى ذلك دلَّ حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم « (سبق المفَرِّدون) . قالوا: يا رسول الله , ومن المفردون؟ قال: (الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات) .»
وفيما رواه أبو داود عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، ومن أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (ذِكرُ الله) .»
والدلائل القرآنية، والإيمانية بصرًا، وخبرًا، ونظرًا على ذلك كثيرة.
стр. 210
وأقل ذلك أن يلزم الإنسانُ الأذكارَ المأثورةَ عن معلم الخير، وإمام المتقين ﷺ ، كالأذكار المؤقتة في أول النهار، وآخره، وعند أخذ المضجع، وعند الاستيقاظ في المنام، وأدبار الصلوات، ودخول المنزل، والمسجد، والخلاء، والخروج من ذلك، وعند المطر، والرعد وغير ذلك.
وقد صنفت له الكتب المسمَّاة بعمل اليوم والليلة.
ثم ملازمة الذكر مطلقًا، وأفضله: (لا إله إلا الله) .
وقد تعرض أحوال يكون بقية الذكر مثل: (سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله أفضل منه) انتهى كلامه ﵀.
معاشر الصائمين: فوائد الذكر لا تكاد تحصى لكثرتها، وتنوع بركتها، وإليكم نبذةً عن تلكم الفوائد على سبيل الإجمال.
الذكر يرضي الرحمنَ، ويطرد الشيطانَ، ويزيل الهمَّ والغم، ويجلب البسطَ والسرور.
والذكر يجلب الرزق، ويحيي القلب، ويورث محبةَ الله للعبد، ومحبة العبد لله، ومراقَبَتهُ ومعرفتَه، والرجوعَ إليه، والقربَ منه.
والذكر يَحُطُّ السيئاتِ، وينفع صاحبَه عند الشدائد، ويزيل الوحشةَ ما بين العبد وربه.
стр. 211
ومن فوائد الذكر أنه يؤمِّن من الحسرة يوم القيامة، وأن فيه شُغْلًا عن الغيبة، والنميمة، والفحش من القول، وأنَّه مع البكاء من خشية الله سببٌ لإظلال الله للعبد يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
معاشر الصائمين: الذكر أمانٌ من النفاق، أمانٌ من نسيان الله.
ومن فوائده أنه غراس الجنة، وأنه أيسر العبادات، وأقلُّها مشقَّة، ومع ذلك فهو يعدل عتق الرقاب، ويُرَتَّبُ عليه من الجزاء ما لا يرتب على غيره.
والذكر يغني القلب، ويسدُّ حاجته، ويجمعُ على القلب ما تفرق من إراداته وعزومه، ويفرق عليه ما اجتمع من الهموم والغموم والأحزان، والأنكاد، والحسرات.
ويفرق عليه - أيضًا - ما اجتمع على حربه من شياطين الإنس والجن.
والذكر يقرِّب من الآخرة، ويباعد من الدنيا، ويعطي الذاكرَ قوةً، حتى إنه لَيفعلُ مع الذكر ما لا يُظن فعلُه بدون الذكر.
ومن فوائده أنه رأس الشكر؛ فما شكر الله من لم يذكره، وأن أكرم الخلق على الله من لا يزال لسانه رطبًا من ذكر الله.
وبالذِّكر تَسْهُل الصعاب، وتَخِفُّ المشاق، وتُيَسَّر الأمور، وتذوب قسوة القلب، وتُسْتَجْلَب بركة الوقت.
стр. 212
والذكر يوجب صلاةَ الله، وملائكتِه، ومباهاةَ الله بالذاكرين ملائكتَه.
وللذكر تأثير عجيب في حصول الأمن، ودفع الخوف، ورفعه؛ فليس للخائف الذي اشتدّ خوفه أنفعُ من الذكر.
ثم إن الجبال والقفار تباهي وتبشر بمن يذكر الله عليها.
ودوام الذكر في الطريق، والبيت، والحضر والسفر، والبقاع - تكثير لشهود العبد يوم القيامة.
وللذكر من بين الأعمال لذَّة لا تُعَادِلُها لذَّة.
وبالجملة فإن ثمرات الذكر وفوائده، تحصل بكثرته، وباستحضار ما يقال فيه، وبالمداومة على الأذكار المطلقة، والمقيدة، وبالحذر من الابتداع فيه، ومخالفة المشروع.
معاشر الصائمين: هناك أذكارٌ مطلقةٌ عظيمةٌ، وقد جاء في فضلها نصوصٌ كثيرة.
وأعظم هذه الأذكار: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله اكبر) .
وقد جاء في فضلها أحاديث كثيرة، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس» .
ومن الأذكار العظيمة (لا حول ولا قوة إلا بالله) .
стр. 213
ومعناها: لا تحوُّل للعبد من حال إلى حال، ولا قوّة له على ذلك إلا بالله.
وقد جاء في فضلها أحاديثُ كثيرةٌ، منها ما جاء في سنن الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما على الأرض أحدٌ يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله إلا كُفِّرتْ خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر» .
قال الترمذي: (وهذا حديث حسن غريب) .
وجاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس , ألا أدلك على كنز من كنوز الجنَّة) . قلت: بلى. قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله) .»
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (لا حول ولا قوة إلا بالله تُحمل بها الأثقال، وتُكابد الأهوال، ويُنال رفيعُ الأحوال) .
وقال ابن القيم ﵀: (وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يذكر أثرًا في هذا الباب، ويقول: إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش قالوا: يا ربنا, كيف نحمل عرشَك وعليه عظمتُك وجلالك؟
فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فلما قالوها حملوه) .
стр. 214
وقال ابن القيم - أيضًا -: (وهذه الكلمة - يعني لا حول ولا قوة إلا بالله - لها تأثيرٌ عجيبٌ في معاناة الأشغال الصعبة، وتَحملِ المشاقِّ، والدخولِ على الملوك، ومَنْ يُخاف، وركوب الأهوال، ولها - أيضًا - تأثيرٌ في دفع الفقر) .
قال: (وكان حبيبُ بنُ مسلمةَ يَستَحب إذا لقيَ عدوا، أو ناهض حصنًا، أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه ناهض يومًا حصنًا للروم فانهزم، فقالها المسلمون، وكبروا، فانهدم الحصن) .
معاشر الصائمين: ومن الأذكار المطلقة العظيمة (سبحان الله وبحمده) .
ولقد جاء في فضلها أحاديثُ كثيرةٌ، منها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» .
ومن الأذكار العظيمة - كذلك -: (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) .
فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» .
ومن الأذكار العظيمة الاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ .
стр. 215
وقد ورد في فضلهما آثارٌ كثيرةٌ، وألف في ذلك كتبٌ عديدةٌ، والمقام لا يتَّسع للتفصيل.
معاشر الصائمين: الناس في الذكر على أربع طبقات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إحداها: الذكر بالقلب، واللسان، وهو المأمور به.
الثاني: الذكر بالقلب فقط، فإن كان مع عجز اللسان فحسنٌ، وإن كان مع قدرته فتركٌ للأفضل.
الثالث: الذكر باللسان فقط، وهو كون اللسان رطبًا بذكر الله، ويقول الله - تعالى - في الحديث القدسي: «أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه» .
الرابع: عدم الأمرين، وهو حال الأخسرين) .
أيها الصائمون: للذكر مفهومٌ خاصٌّ، وهو ما مضى الحديث عنه، وله مفهوم عامٌّ شاملٌ، وهو كل ما تكلَّم به اللسان، وتصوَّره القلب، مما يقرب إلى الله، من تعلُّم علمٍ، وتعليمه، وأمرٍ بالمعروف، ونهيٍ عن المنكر - فهو ذكرٌ لله.
ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض، أو جلس مجلسًا يتفقه أو يفقه فيه الفقهَ الذي سماه الله ورسوله فقهًا، فهذا - أيضًا - من ذكر الله.
وكذلك من قام بقلبه محبّةُ الله، وخوفُه، ورجاؤه، ونحو ذلك فهو من ذكر الله.
следующие страницы →