← Общие книги

Общие книги · id 195

إسرائيل والتلمود - دراسة تحليلية

إبراهيم خليل أحمد

Полный текст (178 стр.). Показаны 141–178 · переход к 146.

стр. 141

"إن عصبة الأمم فكرة يهودية، لقد خلقناها بعد كفاح دام ٢٥ سنة. ستكون القدس يوما ما عاصمة للسلم العالمي. وإن ما حققناه نحن اليهود بعد كفاح ٢٥ سنة يرجع الفضل فيه إلى زعيمنا الخالد تيودور هرتزل". وكان أول عمل قام به عصبة الأمم هو قيام السير إيريك درموند Eric Drumond بتوجيه رسالة رسمية إلى الصهيوني الأ كبر حاييم وأيزمان يؤكد فيها بأن حماية حقوق اليهود ستكون من أهم واجبات عصبة الأمم، واستطاعت الحكومة اليهودية العالمية تسخير عصبة الأمم لفرض الإنتداب البريطاني على فلسطين من أجل تحقيق هدف أساسي واحد هو تنفيذ وعد بلفور وتهويد فلسطين. وكان الدكتور حاييم وايزمان - وهو روسي المولد والجنسية يهودي الديانة، تجنس بالجنسية البريطانية - قد اتصل بالزعيم الصهيوني روتشيلد كما اتصل بكبار رجال بريطانيا، وتمكن بمساعدتهم أن يجذب إليه لويد جورج، وونستون تشرشل، وبلفور وغيرم من المسيحيين الإنجليز، كما كان معه في تخطيطه للتآمر على فلسطين كثيرون من العظماء والوزراء البريطانيين مولدا وجنسية واليهود ديانة، منهم اللورد ريدنج، وهور بليشا والسر هربرت صموئيل، وكان في وزارة لويد جورج وزيران يهوديان هما السير الفريد موند والأونورابل إدوين مونتاجو، كما كان في المجلس الإستشاري الخاص ستة أعضاء من اليهود. وسعى هذا النفر القوي في التمهيد لاستيلاء اليهود على فلسطين، وكان لليهود فى تلك الأوقات أعضاء في الوزارة وفي مجلس العموم وفي مجلس اللوردات وكثير من رجال المال والصحافة منهم، كما كان لهم نفوذ كبير في الولايات المتحدة الأمريكية وفيها عدد منهم يقدر بالملايين، وقد تركز

стр. 142

نفوذهم هناك في المؤسسات المالية والتجارية وسيطروا على الصحف، وكانت قوتهم تظهر بوضوح في انتخابات رئاسة جمهورية أمريكا، وكذلك في انتخاب حاكم ولاية نيويورك، وكان نفوذهم ملحوظا في المحكمة العليا الأمريكية. فلما سيطر وايزمان وروتشيلد على عقول بعض الوزراء والعظماء في إنجلترا كان لا بد من وضع صيغة يعلنها "بلفور" ولايثير ظاهرها مخاوف العرب. . وهنا يعترف وايزمان في مذكراته بأن المفاوضات بينه وبين الإنجليز قد استمرت زمنا طويلا، إلى أن تم الإتفاق بوحي من اليهود أنفسهم على وضع الصيغة النهائية التي أعطاها بلفور إلى اللورد روتشيلد في ٢ نوفمبر سنة ١٩١٧. وينص وعد بلفور كما نشر في تقرير اللجنة الملكية لفلسطين على الأتي: "يسرني جدا أن أبلغكم عن حكومة جلالته التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود الصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته. "إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وستبذل جهدها للتسهيل تحقيق هذه الغاية على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يغير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذس يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى. ويوضح المستر لويد لويد جورج Lloyd George الظروف والملابسات التي خرج فيها التصريح إلى الوجود، فيقول في سياق شهادته التي أدلى بها أمام اللجنة الملكية لفلسطين - وكان لويد جورج رئيسا للوزارة البريطانية: "كان إعلان تصريح بلفور أمراً اقتضته موجبات الدعاية". ويمكننا أن نجزم أن الإنجليز كانوا يتفاوضون مع الشريف حسين في

стр. 143

الوقت الذي كانوا يتفاوضون فيه مع الصهيونيين، وانتهى الأمر بوضع حلفين متناقضين: أحدهما لأصحاب الحق سكان البلاد وهم العرب وثانيهما للغدر بالعرب وإقطاع اليهود أرض فلسطين. وتعمدوا أن يكون نص وعد بلفور مبهما مائعا لا يدل على شيء واضح مع الإتفاق سرا على أن تكون فلسطين تحت حماية إنجلترا، ومع الوعد الخطير بمنع إقامة حياة نيابية، وبضمان هجرة اليهود إلى فلسطين، حتى يصبحوا كثرة يمكن معها إقامة دولة يهودية. وبهذا سقطت مبادئ ولسن، كما سقط مبدأ عصبة الأمم الذي أعلن للناس "حق تقرير المصير" وأن "خير الشعوب وتقدمها أمانة مقدسة في عنق المدنية" ثم وضعت فلسطين تحت الإنتداب البريطاني. ويؤيد لويد جورج في وجهة نظره البرفسور أرنولد توينبي المؤرخ البريطاني المشهور وأستاذ الدراسات الدولية في جامعة لندن، ومدير المعهد الملكي البريطاني للأبحاث الدولية، فقد علل صدور وعد بلفور في الجزء الثامن من كتابه "دراسة في التأريخ" A Study of History بقوله: "عامل سياسي آخر أظهرته الحرب العالمية الأولى في الميدان، هو التنافس بين المتحاربين على كسب ود اليهودية العالمية، فإن كسب التأيد اليهودي - بل وأكثر من ذلك تجنب العداوة اليهودية كان أمراً على جانب عظيم من الأهمية للفريقين. ومع أن تحرر اليهود النفسي في منفاهم في الغرب لم يكن قد تم بعد، فإن تحررهم الإقتصادي والسياسي في ذلك الوقت كان قد قطع شوطا بعيدا في تقدير أصوات اليهود ومنحها وزنًا هاما، بل وربما حاسما في ميزان القوة الدولي المضطرب. لقد أصبح اليهود الآن قوة يحسب حسابها في الحياة السياسية القومية لدى دول وسط أوربا وغربها على السواء. وفي

стр. 144

الولايات المتحدة كانت لهم قوتهم لا تزال على مدى أوسع كثيرا وقد بلغ نفوذ يهود أمريكا قدرا عظيما في أعين المحاربين في أوربا الذين بدأوا يتحققون أن الكلمة الأخيرة في النزاع ستنطق بها أمريكا، وأن هذه الكلمة الأمريكية الأخيرة قد تتأثر بصورة ملحوظة بآراء المواطنين من يهود أمريكا". ويصف توينبي السباق بين الطرفين المتحاربين، وينتهي إلى القول بأن التصريح كان الورقة الرابحة في أيدي البريطانيين وحلفائهم. ٤ - الأمم المتحدة United Nations الأمم المتحدة وليدة اليهودية العالمية وأدواتها التنفيذية من ماسونية وصهيونية وجمعيات يهودية أخرى. خلق اليهود عصبة الأمم بعد الحرب الكونية الأولى التي دبروها وخططوا لها، لتقرر بدء عملية تهويد فلسطين ولتشرف على تنفيذ تلك العملية الإجرامية، ودبر اليهود وخططوا للحرب الكونية الثانية، وبعد انتهائها خلقوا الأمم المتحدة لتقوم بالمرحلة الثانية في جريمة فلسطين وهي إصدار قرار تقسيمها وإنشاء دولة لليهود في فلسطين. فالجمعيتان من صنع اليهودية العالمية وهما وسيلة من وسائلها للسيطرة على العالم. نجاح المؤامرة اليهودية: فى فبراير ١٩٤٧ تظاهرت الحكومة البريطانية بالعجز التام عن إيجاد حل لمشكة فلسطين وقررت إحالة القضية للأمم المتحدة، وهي أمنية طالما تمناها اليهود الذين يسيطرون على الأمم المتحدة سيطرتهم على سابقتها عصبة الأمم.

стр. 145

ومن الإحصائية التي أعقبت تأسيس هيئة الأمم المتحدة بعد انتهاء الحرب الكونية الثانية سنة ١٩٤٥ (١) يظهر أنها تضم ٦٠% من موظفيها من اليهود مع أن نسبة عدد اليهود إلى سكان العالم لا تزيد على نصف في المائة ٠.٥%. ونشطت اليهودية العالمية وحكومتها المستورة في تدبير اجتماع عاجل خاص للأمم المتحدة للنظر في قضية فلسطين، فعقدت دورة استثنائية في إبريل ١٩٤٧ اتخذ فيها قرار بإيفاد لجنة تحقيق دولية إلى فلسطين. وتألفت لجنة التحقيق الدولية من مندوبين عن: أستراليا، تشيكوسلوفاكيا، يوغوسلافيا، الهند، غواتيمالا، هولندا، إيران، البيرو، أورغواي. السويد، كندا، وكانت ميول أغلب أعضائها يهودية صهيونية. وقد اجتمعوا سراً بالمنظمات اليهودية الإرهابية وتبادلوا مع رؤسائها الآراء والعواطف. وحضرت اللجنة المذكورة إلى فلسطين ودرست المشكلة كما فعلت سابقاتها من لجان التحقيق العديدة، وعادت إلى سويسرة حيث وضعت قرارها بالأكثرية: قرر ثمانية أعضاء تقسيم فلسطين. وقرر مندوبو الهند وإيران ويوغوسلافيا تشكيل دولة فيدرالية في فلسطين. ورفعت اللجنة قرارها إلى الأمم المتحدة مطالبة بتقسيم فلسطين. ونظرت الأمم المتحدة في دورتها العادية سبتمبر سنة ١٩٤٧ في تقرير لجنة التحقيق، ووقعت مناورات ومؤامرات خطط لها ونفذها رجال الحكم في الولايات المتحدة وعلى رأسهم ترومان فنشرات جريدة New York Times في عددها الصادر بتأريخ ٢٧ نوفمبر سنة ١٩٤٧ مايلي: "أجلت الجمعية العامة للأمم المتحدة جلستها التي تصوت بها على تقسيم فلسطين أمس، بعد أن وجد مؤيدو الصهيونية أنهم لا يضمنون ثلثي الأصوات اللازمة لنجاح المشروع" وهكذا كانت الأمم المتحدة منذ إنشائها حتى يومنا هذا أداة في خدمة اليهودية العالمية.

стр. 146

الفصل الثالث انتفاضة الأمم واللاسامية تشهد التوراة على بني إسرائيل بأن الله شاء فأسكنهم بين قوم جبابرة عتاه لامتحانهم: هل يسمعون وصايا الرب أو يتنكرون لها؟ "فهؤلاء هم الأمم الذين تركهم الرب ليمتحن بهم إسرائيل كل الذين كل الذين لم يعرفوا جميع حروب كنعان. إنما لمعرفة أجيال بني إسرائيل لتعليمهم الحرب. الذين الذين لم يعرفوها قبل فقط. أقطاب الفلسطينيين الخمسة وجميع الكنعانيين والصيدونيين والحويين سكان جبل لبنان من جبل بعل حرمون إلى مدخل حماة، كانوا لامتحان إسرائيل بهم لكي يعلم هل يسمعون وصايا الرب التي أوصى بها آبائهم عن يد موسى" (١). إلا أن طبيعة بني إسرائيل المتمردة وقلوبهم الغلف جعلتهم ينحرفون: "فسكن بنو إسرائيل في وسط الكنعانيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسين، واتخذوا بناتهم لأنفسهم نساء وأعطوا بناتهم لبنيهم وعبدوا آلهتهم، فعمل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب ونسوا الرب إلههم وعبدوا البعليم والسواري. فحمى غضب الرب على إسرائيل، فباعهم بيد كوشان رشعتايم ملك آرام النهرين. فعبد بنو إسرائيل كوشان رشعتايم ثمان سنين" (٢). وتمر الأيام، "وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب وعبدوا البعليم والعشتاروث وآلهة آرام وآلهة صيدون وآلهة مواب وآلهة بني عمون وآلهة الفلسطينيين وتركوا الرب ولم يعبدوه. فحمى غضب الرب على إسرائيل وباعهم بيد الفلسطينيين وبيد بني عمون" (٣).

стр. 147

ويبدو أن أسفار التوراة تدلل على أن بني إسرائيل كانوا يعتقدون بتعدد الآلهة، فكانوا يرون أن ثمة إلها خاصا بهم يختلف عن آلهة الشعوب الأخرى: "وقال لابان ليعقوب: هوذا هذه الرجمة وهوذا العمود الذي وضعت بيني وبينك. شاهدة هذه الرجمة وشاهد العمود أني لا أتجاوز هذه الرجمة إليك وأنت لا تتجاوز هذه الرجمة وهذا العمود إليَّ للشر. إله إبراهيم وآلهة ناحور آلهة أبيهما يقضون بيننا" (١). أما إله إسرائيل فهو ذاك الذي أطلق على نفسه لقب "يهوه": وقال الله أيضاً لموسى: "هكذا تقول لبني إسرائيل: يهوه إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب أرسلني إليكم. هذا اسمي إلى الأبد وهذا ذكري إلى دور فدور" (٢). حتى سليمان ﵇ شارك بني إسرائيل في تعدد الآلهة حسب ما زعمته التوراة: "وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن قلبه كاملا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه. فذهب سليمان وراء عشتورث إلهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين وعمل سليمان الشر في عيني الرب ولم يتبع الرب تماما كداود أبيه. حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش وحى الموآبين على الجبل الذي تجاه أورشليم ولمولك وحى بني عمون وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن، فغضب الرب على سليمان. . . وأقام الرب خصما لسليمان هدد الأدومي. كان من نسل الملك أدوم (٣).

стр. 148

وقد تعاقب الأنبياء وأرعدت أصواتهم تنذر بالهلاك. وانقسمت المملكة إلى مملكتين توأمين هما مملكة يهوذا وقاعدتها أورشلم ومملكة إسرائيل وقاعدتها السامرة. وتناقص حجم المملكتين التوأمتين كلما أمعنتا في الخطيئة. وفي سنة ٧٢٢ ق. م غزا ملك أشور "سوريا" السامرة: "وكان أن بني إسرائيل أخطأوا إلى الرب إلههم .. وتركوا جميع وصايا الرب إلههم وعملوا لأنفسهم مسبوكات عِجلَين وعملوا سواري وسجدوا لجميع جئد السماء وعبدوا البعل. وعبروا بنيهم وبناتهم فى النار. . فغضب الرب جداً على إسرائيل ونحاهم من أمامه ولم يبق إلا سبط يهوذا وحده .. فَسُىبِيَّ إسرائيل من أرضه إلى أشور إلى هذا اليوم. وأتى ملك أشور بقوم من بابل. . وأسكنهم في مدن السامرة عوضا عن بني إسرائيل فامتلكوا السامرة وسكنوا في مدنها". (١). وفي سنة ٥٨٦ ق. م. غزا نبوخذ نصر ملك بابل مملكة يهوذا ودمر هيكلها: "إن جميع رؤساء الكهنة والشعب أكثروا الخيانة حسب كل رجاسات الأمم ونجسوا بيت الرب الذي قدسه في أورشلم. . فأرسل الرب إله آبائهم رسلا، فكانوا يهزأون برسل الله ورذلوا كلامه وتهاونوا بأنبيائه حتى ثار غضب الرب على شعبه فأصعد عليهم ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم. وأحرقوا بيت الله وهدموا سور أورشليم وأحرقوا جميع قصورها بالنار وأهلكوا جميع آنيتها الثمينة وسُبِيَّ الذين بقوا من السيف إلى بابل فكانوا له ولبنيه عبيداً " (٢). إلا أن حكمة الله التي تقتضي مولد المسيح ليكون خاتمة أنبياء إسرائيل اقتضت إعطاء فرصة لإسرائيل للعودة: "وأما بيت يهوذا فأرحمهم وأخلصهم بالرب إلهم، ولا أخلصهم بقوس وبسيف وبحرب

стр. 149

وبخيل وبفرسان" (١) فيجعل قلب كورش ملك فارس رحيما بإسرائيل ويأذن لهم بالعودة لبناء بيت الرب: " في السنة الأولى لكورش ملك فارس أطلق نداء في كل مملكته بأن الله أوصاني أن أبني له بيتا في أورشليم التي في يهوذا من منكم من جميع شعبه الرب إلهه معه وليصعد " (٢). وتعرض الشرق الأوسط للغزو المقدوني فاستولى على فلسطين سنة ٣٣٠ ق. م. ودارت الأرض دورتها وفي سنة ٦٣ ق. م أستولى الجنرال الروماني بومبي على القدس. وقدر لهؤلاء الرومانيين أن يكونوا سادة البلاد في إبان الخطوة العظيمة التالية لتطور فلسطين التطور الروحي بعد عودة اليهود من السبي. ففي بادئ الأمر حكموا اليهود عن طريق تابعهم الملك هيرودس الذي أعاد بناء الهيكل على جبل المريا حيث الصخرة العظمى وكان هيكلا أكبر حجما وأغنى أثاثا ورياشا من الهياكل التي سبقته حتى من هيكل سليمان. وأخذ اليهود المنتشرون في جميع أصقاع الأرض يحجون إلى الهيكل حاملين معهم الهبات السخية، وسنحت لليهود الفرصة مرة أخرى لإقامة عبادة دائمة نقية صافية للإله الأعلى. ولكن المصالح المادية طغت وأخذ اليهود يستغلون عبادة الله تجاريا فجباة عشور الهيكل دفعوا أنصارهم المتنافسين إلى أن يقاتلوا بعضهم بعضا في الشوارع كما يفعل اللصوص وقطاع الطرق، والصرافون الذين كانوا يجلسون إلى موائدهم في الهيكل نفسه كانوا يتخذون صفة السماسرة للكهنة الكبار ويبتزون الأموال دونما رحمة أوشفقة على الحجاج البائسين.

стр. 150

وإذ تتدهور القيم الأخلاقية ولا يرتجى من بيت الله خير يتحول الزمن في دورته وتستعد الدنيا لرائد يقود الإنسانية للحياة الفضلى، وكأن العناية تعد العدة لمجيء المسيح ﵇، وذهب المسيح مع رعيل الحجاج إلى الهيكل المبني على الصخرة (١)، ولما وصل أخذته الغيرة على بيت الله إذ ارتاع لهول مارأى من شرور وآثام كما ارتعد من قبله سائر الأنبياء. واستطاع أن يقوم بعمل مباشر: "وجاءوا إلى أورشليم. ولما دخل يسوع الهيكل ابتدأ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام. ولم يدع أحداً يجتاز الهيكل بمتاع. وكان يعلم قائلاً لهم: " أليس مكتوبا بيتي بيت صلاة يدعى لجميع الأمم وأنتم جعلتموه مغارة لصوص" (٢). ولم يكن غريبا أن يحكم كهنة اليهود الثائرون على يسوع بالإعدام: "وسمع الكتبة ورؤساء الكهنة فطلبوا كيف يهلكونه لأنهم خافوه إذ بهت الجمع كله من تعليمه " (٣). إلا أن يسوع المسيح تنبأ بالمصير الذي ينتظرهم، لا بمصير ملك اليهود السياسي لأن هذا كان قد ضاع فعلا منذ سنة ٥٨٦ ق. م، بل بزوال مركزهم الديني بهدم الهيكل: "وفيما هو خارج من الهيكل قال له واحد من تلاميذه:: يا معلم انظر ما هذه الحجارة وهذه الأبنية؟ فأجاب يسوع وقال له: أتنظر هذه الأبنية العظيمة؟ لا يترك حجر على حجر لا ينقض " (٤). ويقول: "يا أورشليم يا أورشلم ياقاتلة الأنبياء وراجمة

стр. 151

المرسلين إليها، مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا، هوذا بيتكم يترك لكم خرابا" (١). وكانت كلماته الأخيرة هذه خاتمة لسلسة من الويلات أنصبت على الكتبه والفريسيين منها ما قاله: "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون لأنكم تعشرون النعنع والشبث والكمون وتركتم أثقل الناموس: الحق والرحمة والإيمان. كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك " (٢). ولم تتحقق نبوءة خراب الهيكل بعد ذلك بخمسين عاما فحسب ولكن القدس كلها دمرها الإمبراطور هادريان سنة ١٣٥ م، إخماداً لثورة باركوبيه، وطرد منها اليهود جميعا، وبنيت مكانها مدينة رومانية جديده وحرام على جميع اليهود يدخلو إليها، وقد دامت الإمبراطورية الرومانية أكثر من ستمائة عام. الظاهر والباطن: كان الوضع الذي نتج في فلسطين مثقلا بالمتناقضات الجغرافية والتأريخية والسيكولوجية. فرقعة الأرض الواقعة غرب نهر الأردن "لبنان" هي أرض "إبراهيم" الجبلية وهي الرقعة التأريخية التي ثبت إسرائيل أقدامه فيها ثم توارثها السامريون فيما بعد. أما الرقعة الرئيسية التي تقوم عليها دولة إسرائيل الصهيونية الحالية في أرض الفلسطينيين والكنعانيين، ولم يسبق أن أستعمر هذه الأرض أي من شعب إسرائيل أو يهوذا على الإطلاق، كما أنها لم تتحد لا مع إبراهيم ولا مع مملكة يهوذا طوال الثلاثة عشر قرنا التي ظل الفلسطينيون

стр. 152

والإسرائيلون، يعيشون فيها جنبا إلى جنب، إلا في فترات قصيرة متقطعة كانت ضمن الفترات التي ساد فيها حكم الفلسطينيين على إسرائيل أو حكم اليهود على أرض فلسطين. وفي سنة ١٩٤٩ م كما في سنة ١٣٥ م وسنة ٧٠ م وسنة ٥٨٦ ق. م. وسنة ٧٢١ ق. م. وسنة ٧٣٢ ق. م. كان المجتمع الفلسطيني المنتزعة جذوره من أرضه الوطنية بفعل عاصفة عسكرية أو سياسية يواجه تحديا يبعثره في الخارج بين الأمم الأخرى لكي يظهر فيما إذا كان ذلك المجتمع قادرا على المحافظة على شخصيته في حالة التشريد كما فعلت مملكة يهوذا أو أنه سيضمحل ويذوب كما فعلت مملكة إسرائيل، إلا أن مشردي القرن العشرين الفلسطينين هؤلاء كانوا غير يهود، بينما كان الغزاة الذين اقتلعوهم من أرضهم هذه المرة من اليهود، وكانت هذه المتناقضات الجغرافية والتأريخية نتيجة لتناقض سيكولوجي عجز اليهود عن الصمود له. فحين يهجر اليهودي الليبرالي حياة التشرد بشكل إفرادي ثم يضع نفسه بين صفوف البرجوازية الغربية الحديثة فإنه يصهر نفسه من قائمة اجتماعية مسيحية قد عفى عليها الزمن. أما حين يهجر المشتتون اليهود ذلك بشكل جماعي، ومن أجل أن يبنوا أمة جديدة تتجمع على أرض واحدة مقلدة في ذلك آثار الرواد البروتستانت المسيحيين الذين خلقوا الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندة - فإن الصهيونيين يصهرون أنفسهم وينقلبون إلى طبقة مسيحية لا مثيل لها في حياة اليهود بعد النفي. كان الهدف الجريء الذي يسعى إليه الصهيونيون هو أن يقلبوا، ومن عندياتهم الخاصة، جميع الخصائص اليهودية المتميزة، وذات الأصول العميقة في الحياة التقليدية ليهود التشريد، ومن أجل ذلك شرعوا يعيدون أنفسهم إلى عمال يدويين بدلا من طبقة مثقفين وأخذوا يسكنون الأرياف والقرى بدلا من كونهم

стр. 153

سكان مدن و وصاروا جنودا مقاتلين وإرهابيين بدلا من شهداء، وساميين ذوي روح عدوانية بدلا من "لا - آريين" مستضعفين مسالمين وكان هذا التقيم "النيتشوي" (١). لجميع القيم اليهودية التقليدية، بغية الهدم بدلا من كونه بغية البناء، وفي سبيل الشر بدلا من توجيهه إلى صالح الخير، هو الذي تم توجيهه نحو ذلك الخيال الذي كان يلوح لليهود في الأفق، فيملأ قلوبهم الضيقة بالأمل في أن يجعلوا أنفسهم أبناء "أرض إسرائيل" (٢). في عهد متأخر. ولقد فشلت جميع العوامل لإذابة الشعب اليهودي ضمن أبناء الوطن الذين يعيشون فيه، ويرجع ذلك إلى الحاجز السيكولوجي بين المسيحيين الغربيين وبين اليهود، بعد أن كان الحاجز القانونى بينهما قد أزيل رسميا. كان لا يزال هنالك "غيتو" في عالم الغرب الليبرالي في القرن التاسع عشر، فظل المسيحى الغربي يحتجز اليهودي فيه كما ظل اليهودي من جانبه أيضاً يحشر نفسه وينعزل عن مواطنه المسيحي. وكان اليهودي الذي تم تحريره بصورة اسمية يجد نفسه مُقْصَى بالفعل - بحكم الواقع لا بحكم القانون - عن الفرص الإجتماعية الكثيرة، ومجردا من الحقوق التي يتمتع بها رفيقه المسيحي الذي يعترف به رسميا كعضو مساوٍ له في مجتمع متحد. وكان المسيحي يجد نفسه قبالة ماسونية حرة - وهي أيضاً واقعية أكثر منها مقصودة - بين اليهود الذين ظلوا يتوقون إلى المطالبة بالمنافع والخيرات دون الرغبة في الإنسجام، كما كانوا يدعون إلى المساواة الفعلية بين جميع أعضاء الطائفتين كنتيجة للإعتراف الرسمي بالمساواة فيما بينهما. وفي الحقيقة لقد ظل كل من الطرفين يتصرف حسب مستوى ازدواجى في سلوله: مستوى أرفع للتعامل مع أعضاء مجتمعه الذين من عرقه.

стр. 154

ومستوى أدنى للتعامل مع المواطنين الآخرين الذين يفترض ألا يجري وضعهم في مركز اجتماعي منفصل. وكان هذا شاهداً على أن تحرير الشعب اليهودي في القرن التاسع عشر بعد الميلاد كان إجراء جذريا كافيا لأن يعري طبيعة اليهود الغربيين لأول مرة في التأريخ، كما أنه خير محك صالح لأن يكشف علاقاتهم بجيرانهم المسيحيين ويعرضها لتأثير الأفكار الغربية السائرة والمثل الموجودة. وفي هذه الأثناء ولدت الصهيونية. فكانت بشهادة تيودور هرتزل نفسه شاهداً على القلق في نفوس يهود الغرب في القرن التاسع عشر خشية أن تصهرهم بوتقة، "الإمتصاص الفردي" وقد استيقظ اليهود بفعل اشتداد موجة القومية الغربية الحديثة التي أخذت تسير سيراً ملحاً في أعقاب الليبرالية السابقة، وبفعل قضية دريفوس (١٨٨٤ - ١٩٠٦) التي خضعت لموجتها فرنسا اللييرالية ساعة إذلالها وتردي معنوياتها بعد هزيمتها المنكرة عام عام ١٨٧٠ فكانت أعمق أثراً وأشد خطرا. وكان منظر المظاهرات المعادية لليهود في باريس في نفس الوقت الذي كانت فيه المعركة متأججة حول قضية دريفوس هو الذي حول الصحافي اليهودي النمسوي "هرتزل" من داعية قوي من دعاة إندماج اليهود مع مواطنيهم إلى كونه رسولا مبشراً للصهيونية، وأصبحت آمال تلك الطبقة الجديدة ومطامحها مشتقة من العهد القديم ومن سفر الخروج (١). بنو إسرائيل وجيرانهم: يؤمن الإسرائليون بما توحية إليهم توراتهم من السلوك الوحشي بين الأمم وممارستهم للحروب فيعلن يشوع خليفة موسى أن لله يأمر

стр. 155

إسرائيل بما نصه: "حرَّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، وطفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف. . وأحرقوا المدينة (١) بالنار مع كل ما بها. إنما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها في خزانة بيت الرب" (٢). وبهذه الروح الهمجية دخل اليهود أرض فلسطين بقيادة يشوع بن نون بعد وفاة نبيهم موسى، واضعين نصب أعينهم إبادة السكان الأصليين بلا شفقة ولا رحمة، ودون أي تمييز بين المحاربين وغير المحاربين من النساء والأطفال والشيوخ. وبهذه الروح الهمجية عاش بنو إسرائيل منذ العصور الأولى الموغلة في القدم مع جيرانهم تراودهم أحلام "الجنس المختار" ومن هذه الأحلام يتلذذون بإذلال الناس واستعبادهم ويزعمون أن التوراة توصيهم بهذا: "حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح. فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها. وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف" (٣). وتأريخ اليهود القديم الدامي في فلسطين العربية تأريخ أسود مفعم بالقتل والذبح والنهب والسلب والثورات والبطش والإرهاب والغدر. ويشهد التأريخ والدول التي استولت على فلسطين بوحشية هؤلاء القوم: الأشوريون والبابليون والفراعنة من قبلهم والفارسيون والرومانيون. والمسلمون.

стр. 156

ويبدو أن الله الذي منحهم الفرصة وأنقذم من طغيان فرعون، قد عاد وصب عليهم غضبة وسخطه، بعد أن كفروا وخالفوا شريعة موسى وأبوا أن يحيوا كبقية شعوب الأرض بأمان ووئام وتعاون لخير البشرية، فعادت أحقادهم وأخلاقهم الذميمة وطغيانهم بالويل والخراب والدمار، وسلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب ويبادلهم طغيانا بطغيان، وذبحا بذبح وإفناء بإفناء، وداستهم الأمم والشعوب تحت أقدامها طوال فترات التأريخ، ومع كل ذلك لم يغيروا ما بأنفسهم من كيد وحقد وتعصب وغرور وهمجية. بنو إسرائيل والإسلام: عاش اليهود في شبه الجزيرة العربية بعد أن وصلوا إليها نتيجة تشردهم وخاصة بعد خراب الهيكل على يد الإمبراطور الروماني تيطس سنة ٧٠ م. وحين بعث الله رسوله الكريم محمد ﵊ وحمله رسالة الإسلام تحقيقا لنبوءة موسى ﵇: "أقم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به " (١) وإتماما لنبوءة المسيح عنه: "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية" (٢). لما جاء سيد الرسل وخاتم النبيين ناصبه اليهود العداء وحاربوا دعوته. ونشب الصراع بين اليهود والمسلمين منذ هاجر النبي ﷺ إلى المدينة واتخذها مركزا لنشر الدعوة إلى توحيد الله وعبادته.

стр. 157

ورأى اليهود أن الدين الجديد قد أصبح منافسا يوشك أن يقضي على نفوذهم وينتزع منهم الزعامة الدينية التي كانوا يدعونها، وأدركوا ما سبق أن تنبأ به المسيح من قوله: "أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية. من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا. لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره " (١) "فكرهوا محمد ﷺ ، ونظروا إليه وإلى دينه الجديد وإلى أتباعه نظرة الحسد والحقد والضغينة والبغضاء وظهرت عداوتهم لدين الإسلام واضحة جلية حينما رأوا الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فأخذوا يكيدون للإسلام والمسلمين بالدس والإرجاف ثم بالمراء والجدال فيما يعلمون وفيما لا يعلمون وإذا سئلوا عن شيء في كتبهم حرفوا الكلم عن مواضعه ولبسوا الحق بالباطل ليكسبوا عطف المشركين بالغض من شأن الإسلام ونبي الإسلام، لا لسبب سوى كراهيتهم للرسول ﵊ لما اختصه الله به من الرسالة " (٢). وفد نعى الله عليهم ذلك بقوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٣). ولقد ناصر اليهود كفار قريش المشركين عبدة الأصنام وأيدوهم في عبادة الأوثان، وأكدوا لهم أنها أفضل من الدين الإسلامي الذي يقول: " لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله " ويقوم على التوحيد وعبادة رب العالمين. ولم يتوان اليهود عن السعي في دين الله معاجزين لكي يفتنوا الناس

стр. 158

عن دينهم، ويوهنوا من عقائدهم بالشبه الزائفة والأباطيل المختلقة، وفي ذلك تقول الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١). ولما رأى اليهود جماعة المسلمين تتكاثر والإسلام ينتشر، ويفتح الله قلوب الناس لقبوله، أيقنوا أن لاسبيل للمحافظة على كبريائهم وزعمهم أنهم شعب الله المختار وضمان مصالحهم وسيطرتهم على مقدرات البلاد المادية والمعنوية، إلا بالقضاء على محمد صلى الله عليه و سلم وأتباعه واجتثاث آثار دينه من أصولها، فأخذوا يكيدون للإسلام والمسلمين بكافة الطرق ومختلف الوسائل، وينتهزون الفرص لمحاولة قتل الرسول الكريم كما حدث له مع يهود خيبر يوم أن أعدوا له وليمة تكريم "شاة مسمومة". ولقد هادنهم ﵊ في بادئ الأمر ووادعهم وأبرم معهم العهود، فما لبثوا أن خانوها ونكثوها، كما حدث مع يهود بني قريظة الذين تعاونوا مع كفار وألَّبوا عليه وعلى صحابته من المسلمين سائر العرب من كفار قريش وشمال الحجاز، ومالئوا الأعداء وحزبوا الأحزاب ضد المسلمين لاستئصال شأفتهم وإبادتهم، وكما حدث مع يهود بني النضير وتآمرهم على المصطنى ﷺ ، ولكن الله تعالى أحبط سعيهم ونصر رسوله الكريم وأيد دينه الجديد، وأنزل على قلب المصطفى أيات كثيرة مشيره إلى كفر اليهود وحقادهم وجرائمهم منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (٢).

стр. 159

ولما كان الله يعلم مقدار ما يبطنه اليهود للإسلام والمسلمين من العداوة والخصام بين في كتابه العزيز بعبارة صريحة أن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود، لنعاملهم معاملة الأعداء الألداء، فقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (١). ويقول الشيخ صبرى عابدين في كتابه، اليهود وفلسطين: "حينما استقر الرسول العظيم في المدينة وحد كلمة العرب، وأخى بين المهاجرين والأنصار، وأصلح ذات بين الأوس والخزرج سكان يثرب، واجتث من قلوبهم آثار العداوة والبغضاء فأصبحوا بنعمة الله إخوانا، ونسوا ما كان بينهم من فتن وحروب دامت عشرات السنين. ولم يرق لليهود أن يروا الأوس والخزرج مؤتلفين لأن في اتفاقهم قوة لرسول الله وللمسلمين، فأخذوا ييثون أسباب الفتن ويثرون الأحقاد والضغائن ليشتتوا شملهم ويفرقوا جمعهم من جديد. واستطاعوا عن طريق شيخ من شيوخهم هو شاس بن قيس أن يثيروا بين مسلمي الأوس والخزرج الفتنة ويذكروهم بعداوة الجاهلية، فحملوا السلاح، ولولا خروج النبي إليهم وردهم عن غيهم وتبصيرهم بخطة اليهود، لوقعت الحرب من جديد بين قوم هداهم الله إلى الإسلام وأبعد عنهم دعوى الجاهلية. ونزل في الأوس والخزرج الذي كادوا يصدقون ما أدخله عليهم شاس اليهودي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).

стр. 160

الحرب بين الرسول ﷺ واليهود: ولم يكتف اليهود بالمقاومة السلبية للدين الإسلامي ولم يكفهم الدس والنفاق والفتن يثيرونها بين المسلمين، بل أخذوا يقفون إلى جانب كفار قريش معلنين عداءهم الصريح للإسلام ولنبي الإسلام. وكان أول إحتكاك إيجابي بين المسلمين واليهود وقع مع بني قينقاع في المدينة نفسها، فقد حدث أن جمعهم رسول الله ﷺ في سوق بني قينقاع وخاطبهم قائلا: "يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا. فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم، قالوا: يا محمد إنك ترى أنا قومك لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا واللّه لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس" (١). فأمهلهم الرسول الكريم إلى أن نقضوا العهد وتعرضوا لسيدة مسلمة كانت تمر بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ منهم فعمد إلى ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت. فوثب رجل من المسلمين على، الصائغ فقتله، وتجمع اليهود على المسلم فقتلوه. وكانت الشرارة التي حملت الرسول المصطفى ﷺ على على محاصرتهم خمس عشرة ليلة. وحينما استسلموا شفع فيهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وا كتفى الرسول بإجلائهم عن المدينة. وطلب المسلمون من اليهود الجلاء إلا من كان عنده عهد من رسول لله ﷺ ، وهكذا تم تطهير الجزيرة العربية من اليهود الذين كانوا شوكة في حلق الإسلام أول عهده.

стр. 161

اليهود والقرآن الكريم: ١ - سجل عليهم القرآن الكريم كفرم بالأنبياء والرسل وقتلهم الأنبياء بغير حق: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (١). ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (٢). ٢ - سبحان الله العالم بحقيقة هذا الفريق من خلقه، في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، لقد كتب الله على اليهود الذلة والمسكنة إلى يوم الدين. لقد أخزاهم الله تعالى بشر أعمالهم، ومهما حاولوا أن يتظاهروا بالقوة والمنعة فإن كلمة الله هي العليا، والقرآن الكريم يسجل إرادة الله وحكم السماء: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٣). إسرائيل والدول الأوربية: لم تكد الحرب العالمية الأولى تضع أوزارها حتى أحس المتأملون في أحوال الأمم هبوب ريح معاداة ومناوأة لليهود في معظم الأقطار، وقد

стр. 162

أخذت هذه الريح تشتد رويدا رويدا حتى عمت القارة الأوروبية بأكلها، بل تعدتها إلى أمريكا. وكان المظنون أنها أبعد من سواها عن التعصبات الجنسية والدينية. ولقد كثرت وقتئذ الحوادث الدالة على اتجاه هذا التيار العاطفي ولاسيما في أقطار أوربا الشرقية حيث يكثر العنصر اليودي، فمن هذا القبيل ما ذكرته الصحف وقتئذ عن مقتل رئيس جمورية بولونيا، ومنه هياج الطلبة في رومانيا ومطالبتهم بتحديد عدد اليهود الذين يؤذن لهم بتلقي العلوم في الجامعات الرومانية. وقد حصل مثل ذلك في الجامعات الأمريكية الكبرى. فإنها شرعت تقيم العقبات في سبيل طالبي دخولها من اليهود، بل إن قانون تحديد المهاجرة المسنون منذ بضع سنوات إنما كان غرضه الأول إقامة سد دون سيل المهاجرين من شرق أوربا، حتى في إنجلترا التي كانت تعد أصدق صديقة لليهود بتنا نرى دلائل عديدة على هذا العداء. وقد حمل جانب من الصحف الإنكليزية أخيراً حملات عنيفة على سيطرة اليهود في فلسطين وأحلامهم في خلق دولة باغتصاب أرض فلسطين بغير حق تأريخي أو سند قانوني. وليست هذه أول مرة يتحرج فيها مركز اليهود، فقد عرفوا صنوف الإضطهاد والمناوأة منذ أقدم الأزمنة. ولكن في التأريخ فترات ظهرت فيها هذه المناوأة على أشدها. ولعل هذا الإضطهاد الذي عاناه بنو إسرائيل على مر التأريخ هو الذي دفع هرتزل أن يقرر حقيقة حتمية مصيرية لشعب اليهود بقوله: "من السخافة أن ننكر وجود "مشكلة يهودية" فإنها موجودة حيثما توجد جماعة من اليهود، وإذا لم توجد في جهة لايلبث أن يحملها إليها المهاجرون. إننا نهاجر إلى جهات التي لا نضطهد فيها ولكن ظهورنا فيها يحمل على اضطهادنا ".

стр. 163

ويقول برنار لازار وهو من أوثق الباحثين في علم الإجتماع: "يتراءى لي أن شعوراً عاما كالمناوأة لليهود ظهر في كل مكان وكل زمان قبل المسيح وبعده، في الإسكندرية ورومية وأنطاكية وبلاد العرب وفارس وفي أوربا القرون الوسطى وأوربا الحديثة، أي بالإختصار في كل قطر قطنه اليهود، يتراءى لي أن شعوراً هذا انتشاره لا يمكن أن يكون طارئا عرضيا أو نزوعا وقتيا بل يجب أن يرجع إلى أسباب جدية وأصول بعيدة ". ولقد صدق هذا الكاتب فيما ذكر. فإن لروح المناوأة التي وصفناها فيما تقدم سببا يعود إلى مزاج اليهود الروحي وعقيدتهم الدينية ومذهبهم الإجتماعي، وهو أنهم لم يكونوا قابلين للإندماج في الشعوب التي حلوا بينها، فإن شخصيتهم الجنسية ما برحت تزداد بروزا مع الأيام حتى أصبح من أهم مميزات الشعب اليهودي تماسكه وتجانسه واعتداده بذاته وازدراؤه بسواه. ولابد لنا قبل خوض هذا البحث الدقيق أن نؤكد أن نظرتنا إلى مشكلة إسرائيل مجردة عن كل هوى، فإن كراهية اليهود في كثير من الأقطار حقيقة واقعية لا سبيل إلى إنكارها. وكل ما كان من قبيل الحقائق الراهنة جدير بعناية الباحث، لاسيما إذا كان ذا أثر في الحياة الإجتماعية، شأن العاطفة التي كان من نتائجها نشر الدعوة الصهيونية وإنشاء الوطن اليهودي في فلسطين. أما الأسباب الظاهرة فهي: يتهم اليهود في كل زمان ومكان بتهمتين متناقضتين لكنهما متلازمتان تلازم الليل والنهار، والظل والحقيقة وهما:

стр. 164

التهمة الأولى: أنهم زعماء الحركات الثورية والإنتفاضية، وإليهم ينسب قسط كبير من الفوضى المنتشرة في كل جهة. فمنهم رؤساء الأحزاب الإشتراكية المتطرفة ومنهم أركان النظام البلشفيكي وناشرو دعوته في العالم. وقد أتى وقت كانت فيه روسيا وما جاورها أشد أعداء اليهود وقد أذاقتهم الذل والمصادرة والطرد، لما اقترفوه من قسوة في معاملاتهم مع سكان أوربا الشرقية، وهي معاملات مالية واقتصادية. . ولما خلقوه من أسباب الفوضى والإضطرابات في تلك البلاد .. وكان لا بد لليهود من الإنتقام لما أصابهم من محن اضطرت الكثيرين إلى الهجرة من شرق أوربا، واتخذوا لذلك سبلا شتى: منها قيام كارل ماركس اليهودي الألماني بنشر نظرياته المعروفة في حرب الطبقات وفي وضع مبادئ الشيوعية، وقد اعتنقها كثير من الروس اليهود وغير اليهود، ومن هؤلاء لينين زعيم روسيا الأكبر وكان متزوجا بيهودية .. وتروتسكي الزعيم الجهنمي للشيوعية وهو يهودي لحما ودما - وكثير غيرهما - قاموا بالثورة الروسية الكبرى سنة ١٩١٧ وباغتيال القيصر والأمراء سنة ١٩١٨، كما فتكوا برجال الدين وألغوا الدين المسيحي نفسه. وكما أن "لينين" زعيم الشيوعية في روسيا كان زوجا ليهودية، فإن تروتسكى وراديك وزينوفيف وثلاثة أرباع قوميسارى الروس كانوا يهودا (١).

стр. 165

وفى أيام الثورة الأولى استولى اليهود على السلطة وانتقموا من الشعب الروسي وقتلوا ملايين الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال. وكانت نسبة اليهود في المكتب السياسي عند قيام الثورة كالأتي: لينين … (؟) … Lenin ستالين … (متزوج من يهودية) أورتسكي … (يهودي) … Uritski كامينيف … (يهودي) سوكولنكوف … (يهودي) … Skolnikov زينوفيف … (يهودي) يبنوف … (روسي) وفي مجلس إدارة الحرب والثورة كانت نسبة اليهود كما يلي (١): تروتسكي … (يهودي) … Trotsky جوف … (يهودي) … Joffe لينين … (؟) … Lenin بوكيج … (قفقاسي) … Bokig بودوسكي … (روسي) … Podwoiski مولوتوف … (متزوج من يهودية) … Molotov نيوسكي … (روسي) … Newski انتشلخت … (يهودي) … Unschlicht سفرديلوف … (يهودي) … Sverdlov أورتسكي … (يهودي) … Uritski أنتونوف … (روسي) … Antonov

стр. 166

ميكونسنين … (روسي) … Mechonoscnin جوسيف … (يهودي) … Gussev أرميجيف … (روسي) … Ermejev جير جنسكي … (بولندي) … Djerjinski ديبنكو … (أوكراني) … Dybenko راسكو لنكوف … (روسي) … Raskolnikov التهمة الثانية: أنهم ملوك الصيرفة والمال يسيطرون على أسعار الأشياء وعلى تقلب العملة والأوراق المالية ويجنون الأرباح الطائلة والثروات العظيمة في حين يعم الضيق والفقر سواد الناس. اليهود البارعون في جمع المال واكتنازه واستثماره صاروا في الولايات المتحدة منذ أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من هذا القرن ملوك المال، أستولوا بخططهم اليهودية الماكرة على مصادر الذهب والمعادن والبترول، استولوا على الشركات التجارية والصناعية والزراعية واستولوا على البنوك والبورصة المالية، استولوا على أسواق التموين ومخازن الحبوب وخاصة القمح، استولوا على مدينة السينما "هوليود" وأداروا صناعة السينما حسب الخطة المرسومة في بروتوكولات حكماء صهيون، استولوا على المسارح والملاهى، استولوا على الصحافة ودور النشر والإذاعة والتليفزيون، وأخطر من هذا كله استولوا على رؤساء الجمورية الأمريكية والبيت الأبيض ودوائر الحكومة وهيئة الأمم المتحدة بنيويورك. "ويبدو أن هناك ملاءمة وثيقة الصلة بين إثارة القلاقل والحروب وانتفاع أرباب الصيرفة والمضاربة. وتتوثق الملاءمة بين السببين لما اشتهر به اليهود من سبقهم لإذاعة الأنباء والأخبار وهذا ما يتيسر لهم لعنايتهم

стр. 167

بالإستعلام وجمع الأخبار ولما بينهم من الصلات الوثيقة والروابط المتينة على ما يفصلهم من المسافات (١). والأمر الذي تجدر ملاحظته هنا هو أن الطائفتين تعملان في خارج الحيز الوطني، فإن مراميهما دولية لا قومية، فمن جهة، يجاهر أرباب الإشتراكية والشيوعية بأن غرضهم إزالة الفوارق بين الأمم، واتحاد العمال من كل الدول لمناهضة أصحاب الثروة والسلطة. فهم بذلك يعملون على إضعاف الرابطة الوطنية والجامعة القومية. ومن الجهة الأخرى. يقوم أرباب الصيرفة والمال بأعمالهم في جهات مختلفة ومصالحهم مشتتة في بلدان متعددة وهم قلما "يشتركون في حياة الأمة الإحساسية إذ تهمهم حياتها الإقتصادية فقط. وقد قيل إن اليهودي، حتى في حالة انضمامه إلى وطن من الأوطان يختلف نظره إلى ذلك الوطن عن نظر بنيه الأصليين، فإن وطنه اقتصادي ووطنيته كذلك اقتصادية، بخلاف وطن هؤلاء ووطنيتهم المستقرة في أعماق نفوسهم. من ذلك كانت أغراض الطائفتين مضادة لتيار "القوميات" الذي اشتد بعد الحرب، ولذلك كانت الحركات القومية تعمل على تنقية الأمم من العناصر الغريبة التي لم تندمج فيها. وهذا شأن اليهود في كثير من الجهات فإنهم يعدون من عوامل الإنحلال القومي، ومن ثم ما يوجه إليهم من العداوة والمناوأة. وإن ما امتاز به اليهود من هذين الأمرين: الثورة والإثراء كان بفعل

стр. 168

الأحوال الخاصة التي اكتنفت تأريخهم، فإن مانالهم من الضغط والإضطهاد فيها مضى جعل في قرارة نفوسهم نزوعاً إلى قلب النظام الحاضر وانتقاضا على السلطات التي ناوأتهم. أما الماليون منهم فقد كسبوا ماكسبوا بمهارتهم وحذقهم في أساليب التجارة، وصدق نظرهم في الشئون الإقتصادية وحيازتهم المعلومات الصحيحة والأخبار الصادقة، فلا لوم عليهم ولا تثريب. أما السبب الحقيقي فهو: يعزى تقدم اليهود في الزمن الحديث إلى انتشار مبادئ الثورة الفرنسية في القارة الأوربية. فقد استفادوا من المساواة الإجتماعية وأصبح لهم نفوذ وسيطرة، ولا سيما إذا اعتبرنا قلة عددهم بالنسبة إلى سائر الشعوب. فهذا التفوق بعد المذلة والمسكنة فيما مضى من الأزمان، هو من أسباب تسيدهم كأرباب المال والتجارة، وإن المساواة الإجتماعية تهدم أنواع السيادة القائمة على اعتبارات سياسية أو جنسية أو نسبية أوغير ذلك ولا تبقى إلا سيادة الثروة، أي حكم الذهب وتحكمه. وهذا بلا ريب من أسباب تلك الكراهية التي نشاهد أثرها في كل مكان. بالإضافة إلى هذا أنهم عاشوا في عزلة في مجتمع عرف بالغيتو، وقد نجم عن هذه العزلة أنهم اكتسبوا صفات جسمانية ومعنوية خاصة بهم، وأنهم امتازوا بحدة الذهن وحسن التدبير وبعد النظر والإحتياط للطوارئ، وأنهم نزعوا إلى الديمقراطية وحب المساواة. ثم إن اليهودي عموما كان محروما من دخول الجيش والبحرية والنقابات الصناعية والتجارية، فأصبح بطبعية الحال وسيطا - أي تاجرا - وتمرن على طرق المعاملة وترقب السوق والإستفادة من الفرص، ولا سيما أن الكنيسة كانت تحرم الربا، فاتخذ الإتجار "بالمال" عملا له وبرع فيه أيما براعة.

стр. 169

فلما جاء القرن الماضي وأعلن فيه تحرير اليهود في معظم الدول الأوربية وألغيت القيود التي كانوا بها مقيدين لم يلبثوا أن اغتنموا هذه لفرصة السانحة واستخدموا الصفات التي اكتسبوها على مر السنين وبذا بلغوا المقام الرفيع الذى بتبوءونه في تلك البلاد. فنرى من ذلك أن كراهية اليهود لا ترجع إلى التعصب الديني، وإن يكن له فيها نصيب. ولا هي ترجع إلى التعصب الجنسي (١)، وقد يكون له نصيب أيضاً، بل ترجع إلى الأحوال الإجتماعية التي نجمت عن تحرر اليهود في القرن التاسع عشر. وإذا قابلنا الشعب اليهودي بسائر الشعوب القديمة وجدناه في مؤخرتها علماً وفناً وحضارة. فآثاره ضئيلة بجانب آثارها. على أنه كان يحمل في صدره عاطفة دينية عظيمة الشأن وهي الإيمان بإله واحد هو إله الإسرائيليين الشعب المختار دون الشعوب. فهذا الإيمان الشديد هو الذي أبقى الشعب اليهودي حيا مميزا واضح الصفات والأخلاق رغم صروف الزمان وتقلبات الأيام عن ثم نفهم كنه العصبية اليهودية، فإنها دينية في المقام الأول. قال سبينوزا اليهودي وهو من أكبر فلاسفة التأريخ: "لم يكن حب اليهود لوطنهم حبا بسيطا بل كان أشبه شيء بالورع. فهذا الورع - مع ما رافقه من الإحتقار للشعوب الأخرى - كان ينمو يوما فيوما مع ممارسة اليهود لديانتهم حتى أصبح متأصلا في نفوسهم ". اضطهاد اليهود كان العامل الأساسي لميلاد الصهيونية: إن الفكرة الصهيونية وليدة الكراهية التي مابرحت تظهرها الشعوب الأوربية. و لبيان الإتصال بين النزعتين نستشهد بالتأريخ: ففي سنة ١٨٨٢

стр. 170

خطت الفكرة الصهيونية الخطوة الأولى في حيز التنفيذ، وفي سنة ١٨٩٧ م عقد أول مؤتمر صهيوني وضعت فيه خطط هذا المشروع. فالسنة الأولى كانت ابتداء الإضطهاد العظيم الذي أصاب اليهود في روسيا، وفي السنة الثانية ابتدأت قضية دريفوس الشهيرة التي تجلى فيها العداء لليهود بأشد صوره. فالحركة الصهيونية إذن هي من قبيل رد الفعل، وغايتها حل المشكلة اليهودية بإيجاد وطن لهم، وليس من شأننا في هذا المقام سرد تأريخ هذه الحركة منذ نشأتها وبيان ما تقلبت فيه من الأدوار، وإنما نكتفي بقولنا إن الدعوة الصهيونية ترجع إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي كما يزعمون تستند إلى أيات من التوراة فيها إشارة إلى عودة اليهود، إلى وطنهم ودولتهم وهيكلهم "هيكل سليمان" الذي ما برحوا يندبونه منذ تفرقهم. وقد قوى هذه الدعوة انتشارا النزعات "القومية" في أوربا، وبشر الصهيونيون بإنشاء دولة يهودية يستقر فيها الشعب اليهودي التائه. على أن الروح الدينية ما برحت هي الباعث الأول والدافع الأكبر. فالصهونية بهذه الإعتبارات وكما وصفها أحد الكتاب، "مذهب ديني في لباس وطني". التآمر الإمبريالى الصهيوني على الشرق الأوسط: وقد ظل الصهيونيون يعملون بطرق غير رسمية إلى أن كانت الحرب، فاتفقت مصلحة الإنجليز ومصلحة الصهيونيين ونجم عن هذا الإتفاق وعد بلفور المشهور الذي قال عنه السيد الرئيس جمال عبد الناصر من رسالته إلى جون كنيدي رئيس جمهورية الولايات المتحدة الراحل: "لقد أعطى من لا يملك وعدا لمن لا يستحق ثم استطاع الإثنان - من لا يملك

стр. 171

ومن لا يستحق … بالقوة والخديعة أن يسلبا صاحب الحق الشرعي حقه فيما يملكه وفيما يستحقه ". تلك هي الصورة الحقيقية لوعد بلفور الذي قطعته بريطانيا على نفسها وأعطت فيه من أرض لا تملكها عهدا بإقامة وطن يهودي، أما مصلحة الإنجليز فرغبتهم في تأمين قناة السويس بإنشاء دولة خاضعة لإرادتهم. وأما مصلحة الصهيونين فالإتكاء على أمة قوية كإنجلترا لتنفيذ أغراضهم، فلما تحول ميزان القوة إلى أمريكا لم يتوانوا عن السيطرة عليها بما برعوا فيه من وسائل التأثير الدعائي والمالي، حتى أنهم استطاعوا أن يستميلوا كبار الساسة بل سواد الجمهور الغربي الأمريكي، إلى القضية الصهيونية. وهي في اعتقادنا وفي اعتقاد الأحرار من الأوروبيين والأمريكيين قضية لا تحتمل الإمتحان المنزه عن الأغراض، فإن بطلانها واضح ظاهر ياكاد يثب إلى ذهن المتأمل فيها .. إنها باطلة من الوجهة الجنسية ومن الوجهة السياسية ومن الوجهة التأريخية ومن الوجهة الإقتصادية وقد وصفها أحد كبار اليهود وهو المستر مورغنتو الذي كان سفيرا لأمريكا في الآستانة بقوله إنها "أعظم تضليل ظهر في التأريخ اليهودي". ويقرر السيد الرئيس جمال عبد الناصر وجهة النظر العربية في حديث إلى تلفزيون كولومبيا بقوله: "إننا نعتقد أن حقوق عرب فلسطين لا بد أن تستعاد لأكثر من مليون عربي طردوا من بلادهم وينبغي أن يعودوا ثانية إلى أراضهم .. هذه وجهة نظرنا القائمة على الحق والعدل: حل المشكلة اليهودية: يقول "أرنولد توينبي" في كتابه "فلسطين جريمة .. دفاع" عن ضرورة التزام الصهيونية بالتقليد اليهودي في الأخذ بالهدوء السياسي: "لقد كان هنالك أمل شبه مؤكد في ضرورة العودة لإحياء شتات بهوذا وإسرائيل الممزقة إلى وطنهم السابق في فلسطين كقاعدة أساسية في اليهودية الأرثوذكسية. وكانت تلك القاعدة هي التي ألهمت المشتتين

стр. 172

اليهود، وجعلتهم يحتفظون بشخصيتهم المتميزة الخاصة في المجتمع، طوال فترة تنوف على ١٧٦٢ سنة، هذا إذا حسبنا من إخضاع ثورة "باركوبيه" سنة ١٣٥ م حتى ابتداء الحركة الصهيونية سنة ١٨٩٧ وكان ستون جيلا من اليهود المشردين قد ظهروا وانقرضوا خلال هذه الفترة الطويلة من عصور التأريخ، وظلوا جميعاً يصرون على ترك مقاليد الأمور "ليهوه القدير" نفسه ليقوم بهذا العمل، وظلوا يرون أن ذلك من عمله هو وبمبادرة منه لا من عمل شعبه المختار ولا بمبادرة أبنائه. "كان هذا ما تأخذ به جميع المدارس اليهودية الأرثوذكسية حيث كانت تعتبر أن مهمة إعادة اليهود إلى فلسطين تقع على عاتق الله، وكان هذا الرأى هو السائد عند جميع اليهود فيما بعد عهد الإمبراطور "هادريان": الارثوذكس منهم والمتعصبين الدينيين، واللامبالين في الدين، وقد عاش لهذا الرأى "حزب أغودات إسرائيل، وأتباعه في اعتقادهم بأن أية محاولة للقيام بمجهود إنساني بغية محاولة العودة لن تكون أكثر من تجن واغتصاب يتجاوز حدود الدين ولا يقبل به الرب". والواقع أنه كان في الإمكان امتصاص يهود فلسطين في أوطانهم التي هاجروا منها لو تنازلت الإمبريالية عن مطامعها الإستعمارية. ولو تساهل اليهود في عصبتهم بإقلاعهم عن إعتزالهم، وتكيفهم باطنا وظاهرا بمقتضى المصلحة الوطنية. وما شأنهم في ذلك إلا شأن سائر الأقليات الجنسية والدينية التي يجب أن تشترك في تكوين قوميات لا تعرف دينا ولا جنسا غير حب الوطن. ومع هذا فهيهات أن يخضع الغرب لهذا الرأى وهم ينساقون لإرادة إلهية حتمية ومن يضلله الله فليس له من هاد. وهكذا تخاصم المسيحيون

стр. 173

وتحاربوا واقتتلوا، وبفضل الدهاء اليهودي تحالفت الشيوعية الشرقية مع الرأسمالية الغربية، وقامت الحرب الثانية وعرض هتلر على الغرب أن يتضامن معه لدفع الخطر الشيوعي فرفض الغرب عرضه. وكانت النتيجة المحتومة استمرار الحرب الثانية ضد المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان) الذي قام لمحاربة الشيوعية ثم انهزم المحور، واليوم يندم حلفاء الغرب على ما أظهروا من ود وتحالف مع الشيوعية، وهم يحصدون الآن ما زرعوه. وما دام هذا البله في الساسة المسيحيين مستمرا فسيظل العالم المسيحي مرعى خصيبا، تعمل فيه الصهيونية، وتنفذ مآربها التي ستنتهي لا محالة بانحلال العالم وسيادة اليهود. ومن غريب المشاهدات التي تحير العقول أن الصهيونية، التي كانت السبب في ثورة روسيا على القياصرة، وانتصار الشيوعية التي ألغت المسيحية في تلك البلاد ونشرت الإلحاد في ربوعها. . هذه الصهيونية هي الآن صديقة الغرب. وفيه من أصحاب الملايين والعلماء الصهيونيين، والفنانين والخبراء العدد الوفير. . وفيه من الوزراء والنواب وذوي النفوذ مالا يحصره عدد. . وفيه الكثير من السكرتيرين في هيئة الأمم المتحدة ولجانها المتعددة، كما كانوا في عصبة الأمم القديمة. كل هذا يوجب الدهشة والحيرة ويشعر بالخطر الجاثم على الغرب. وأشد من هذا كله وأنكى كثرة الأساتذة اليهود في الجامعات والمدارس في الغرب، واشتراك العلماء اليهود في صناعة القنابل الذرية والهيدروجينية وأسرارها. وهم الآن على علم بدقائق هذه الصناعة ومراكزها التي كان يجب إخفاؤها على غير المسيحيين، فأسرار هذه الصناعة التي يتوقف عليها مصير

стр. 174

الإنسانية أصبحت في أيديهم وفي أمانتهم. وليقل لنا رجال الغرب المسيحيون: كم من الصهيونيين أفشوا السر؟. . وكم من اليهود ثبتت عليهم تهمة التجسس لمصلحة الأعداء.؟ إن الصحف ووكالات الأنباء تطالعنا من وقت لآخر بأسماء الجواسيس الذين خانوا الغرب والشرق وكشفوا عن أسرار القنابل الذرية والهيدروجينية وأسرار الخطط والإستحكامات العسكرية، فهل بحث المتخاصمون، بين هؤلاء الجواسيس عن عدد اليهود الذين لا يبغون سوى تحطيم العالم كما أسافنا، وليست الوطنية عندهم سوى دينهم وعنصرهم؟! هل يعتقد رجال السياسة أن اليهودي الأمريكي مواطن أمريكي حقا؟ أو أنه يهودي قبل كل شيء ديناً وعنصراً، ومثل هذا يقال عن اليهودي في بريطانيا وفرنسا وغيرهما. وقد قال رئيس الوكالة اليهودية بيرل لوكر الأمريكي الجنسية (١): "إن راية إسرائيل هي رايتنا. ومن واجبنا أن نتألم من أجل هذه الراية. . وعلينا أن ننظر إلى هذه الراية الصهيونية التي بدأت تخفق فوق دولة إسرائيل وكأنها تخفق فوق رأس كل منا .. وإن كل آمالنا أن نراها تخفق فوق رأس جميع الشعب اليهودي وذلك بعد أن ننتهي من جمع المشتتين من اليهود ضمن هذه الدولة. وفي اجتماع وزاري عقد في ١٥/ ١٩٤٨/٧ قال بن غوريون رئيس حكومة إسرائيل ما يأتى: "إن أجيالنا السالفة لم تتحمل الإضطهاد والآلام لكي ترى ثمرة جهادنا التي تنحصر في جمع ٨٠٠،٠٠٠ يهودي فقط ضمن إسرائيل .. إن واجبنا يحتم علينا أن ننقذ جميع اليهود الموجودين في البلدان العربية والأوروبية ".

стр. 175

أشهر المراجع ١ - القرآن الكريم. ٢ - الكتاب المقدس طبعة بيروت ١٩٣٦. ٣ - السيرة النبوية لابن هشام. ٤ - فلسطين جريمة ودفاع - أرنولد توينبي. ٥ - خطر اليهودية العالمية على الإسلام والمسيحية - عبد الله التل. ٦ - الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام - الدكتور على عبد الواحد وافي. ٧ - يقظة العالم اليهودي - إيلي ليفي أبوعسل - مصر ١٩٢٤. ٨ - الماسونية منشئة ملك إسرائيل - محمد علي الزغبي - بيروت ١٩٥٦. ٩ - The Story of Civilization; Will Durant. ١٠ - The Key to the mystery Christian Nationalist - Missori ١٩٣٨ . ١١ - Freemasonry Arnold leese London ١٩٣٥ . ١٢ - Encyclopaedia Britanica ١٩١١ .

стр. 176

محتويات الكتاب تقديم ........ ٣ الباب الأول - منشأ التلمود ........ ٩ الفترة من سنة ١٣٥ إلى سنة ٥٦٥ .... ١١ اليهود يعيدون بناء أورشليم ............ ١٣ الفترة من ١٣٥ إلى ٣٦١ .............. ١٤ اليهود ينتشرون في الأرض .............. ١٦ منشأ التلمود .......................... ١٩ تحليل شخصية الأحبار ................ ٢١ كتابة التلمود ......................... ٢٢ التلمود - المشنا - الجمارا - الهلكا - الهجدة ..... ٢٥ الشريعة ................................... ٢٦ الحياة والشريعة ........................... ٣٠ المرأة في التلمود .......................... ٣٣ الباب الثاني - نماذج من التلمود .......... ٣٥ نشأة اللغة العبرية ......................... ٣٩ ترجمة التوراة ............................. ٤١ السامريون واليهود ....................... ٤٢ الشريعة في أسفار اليهود وقيامها على التفرقة العنصرية وعدم وحدتها … ٤٣ القصص في أسفار اليهود ............................ ٤٦ تقرير الإنجيل عن بني إسرائيل ........................ ٥٤ نماذج من التلمود .................................... ٥٦

стр. 177

الباب الثالث - البروتوكول الصهيوني .......... ٧٩ الفصل الأول - الطقوس اليهودية .............. ٨١ الفصل الثاني - الحكومة اليهودية العالمية ........ ١٠٣ ١ - الحركة الصهيونية .......................... ١١١ مقررات حكماء صهيون ........................ ١٢٣ ٢ - الجمعيات اليهودية العالمية ................ ١٣٣ ٣ - عصبة الأمم .............................. ١٤٥ ٤ - الأمم المتحدة ............................ ١٥٠ الفصل الثالث - انتفاضة الأمم واللاسامية ...... ١٥٣ أشهر المراجع ................................... ١٨٢ طبع بمطابع دار العهد الجديد للطباعة كامل مصباح وشركاه - تليفون ٩٠٢١٩٣

стр. 178

الناشر مكتبة الوعي العربي لصاحبها: رءَوف نعمان تليفون ٩١٩٩٦٥