← Общие книги

Общие книги · id 1963

رؤية شرعية في الجدال والحوار مع أهل الكتاب

الشريف محمد بن حسين الصمداني

Полный текст (67 стр.). Показаны 36–67 · переход к 41.

стр. 36

إنَّ الرد على جاحد الحق الذي يقيم الحجج والشبه على باطله لا ينبغي أن يكون من باب الدعوة بالحكمة أو الموعظة الحسنة بل يجب أن يكون من باب دفع ضرره عن المسلمين وصياله عليهم فإذا صال عسكر الكفر على المسلمين بالسلاح المادي وجب أن يرد ذلك بالسلاح المادي إنْ كان في المسلمين طاقة وقدرة والقدرة بالسيف ليست دائمة للمسلمين بخلاف ما إذا صال عسكر الكفر بالحجج الباطلة فإنه يجب على أهل العلم والإيمان الدفاع عن الإسلام بإقامة حججه الصحيحة ودلائله الصريحة وذلك أن الإسلام منصور أبدا في مقام الحجة والبرهان هذا هو الأصل.

стр. 37

ولا يغيظ الكفار شيء كما يغيظهم إقامة حجة الإسلام وبيان براهينه والتدليل على أباطيل الكفر وأحابيله. يقول أبو محمد ابن حزم -وهو كلام نفيس-: ((وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ . ولا غيظ أغيظ على الكفار والمبطلين من هتك أقوالهم بالحجة الصادعة وقد تهزم العساكر الكبار والحجة الصحيحة لا تغلب أبدا فهي أدعى إلى الحق وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمة وأفاضل الصحابة الذين لا نظير لهم إنما أسلموا بقيام البراهين على صحة نبوة محمد ﷺ عندهم فكانوا أفضل ممن أسلم بالغلبة بلا خلاف من أحد المسلمين. وأول ما أمر الله نبيه محمدا ﷺ أن يدعو له الناس بالحجة البالغة بلا قتال فلما قامت الحجة وعاندوا الحق أطلق الله تعالى عليهم السيف حينئذ؛ وقال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ . وقال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ . ولا شك في أن هذا إنما هو بالحجة لأن السيف مرة لنا ومرة علينا وليس كذلك

стр. 38

البرهان بل هو لنا أبدا ودامغ لقول مخالفينا ومزهق له أبدا. ورب قوة باليد قد دمغت بالباطل حقا كثيرا فأزهقته منها يوم الحرة ويوم قتل عثمان ﵁ ويوم قتل الحسين وابن الزبير ﵃ ... وقد قتل أنبياء كثير وما غلبت حجتهم قط ... )) . أهـ. (١) وإذا تقرر ذلك فإنَّ المجادل عن الإسلام عليه أن يدرك أحوال من يجادل ويحاور في قبوله أورده للحق فإنْ أنزلهم منزلة واحدة فهناك يفقد الكلام معناه ويصبح الأمر مضطربا محيرا لمن قلَّتْ بصيرته في هذا الباب ويكون ذلك داعيا لفتنة بعض المسلمين ببعض. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((الإنسان له ثلاثة أحوال: إما أن يعرف الحق ويعمل به. وإما أن يعرفه ولا يعمل به. وإما أن يجحده. فأفضلها أن يعرف الحق ويعمل به. والثاني: أن يعرفه لكن نفسه تخالفه فلا توافقه على العمل به. والثالث: من لا يعرفه بل يعارضه. فصاحب الحال الأول هو الذي يدعى بالحكمة فإنَّ الحكمة هي العلم بالحق والعمل به فالنوع الأكمل من الناس من يعرف الحق ويعمل به فيُدْعون بالحكمة. والثاني: من يعرف الحق لكن تخالفه نفسه فهذا يوعظ بالموعظة الحسنة.

стр. 39

فهاتان هما الطريقان: الحكمة والموعظة. وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا فإنَّ النفس لها هوى تدعوها إلى خلاف الحق وإنْ عرفته؛ فالناسُ يحتاجون إلى الموعظة الحسنة والى الحكمة فلا بد من الدعوة بهذا وهذا. وأما الجدلُ فلا يدعى به بل هو من باب دفع الصائل؛ فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي هي أحسن. ولهذا قال: ﴿وَجَادِلْهُمْ﴾ فجعله فعلا مأمورا به مع قوله: ادِعُهُمْ فأمر بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأمره أن يجادل بالتي هي أحسن وقال في الجدال: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ولم يقل بـ الْحَسَنَةِ كما قال في الموعظة؛ لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة والموعظة لا تدافع كما يدافع المجادل فما دام الرجل قابلا للحكمة أو الموعظة الحسنة أولهما جميعا لم يحتج إلى المجادلة فإذا مانعَ جودل بالتي هي أحسن)) . انتهى. (١)

стр. 40

اللازم الأول: العلم والعدل:

стр. 41

الأصل في العلم علم الكتاب والسنة والدوال عليهما وليس كل من انتسب للعلم صلح أن ينافح عن الإسلام أو يدعو إليه بل ربما أفسد هؤلاء ما لا يمكن إصلاحه. (١) قال شيخ الإسلام: (( ... ولا ريب أن المؤمن يعلم من حيث الجملة أن ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل. لكن كثير من الناس لا يعلم ذلك في المسائل المفصلة لا يعرف ما الذي يوافق الكتاب والسنة وما الذي يخالفه؛ كما قد أصاب كثير من الناس في الكتب المصنفة في الكلام في أصول الدين وفي الرأي والتصوف وغير ذلك ... )) . (٢) ويقول رحمه الله تعالى: (( ... والإنسان خلق ظلوما جهولا فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من الشر فيحتاج دائما إلى علم مفصل يزول به جهله وعدل في محبته وبغضه ورضاه وغضبه وفعله وتركه وإعطائه ومنعه وأكله وشربه ونومه ويقظته فكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله وعدل ينافي ظلمه فإنْ لم يمن الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل وإلا كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم وقد قال تعالى لنبيه ﷺ بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا

стр. 42

مُسْتَقِيمًا﴾ فإذا كان هذه حاله في آخر حياته أو قريبا منها فكيف حال غيره؟!)) . (١) وقال ابن القيم في ((الهدي)) عمن يتهرب عن مجادلة أهل الكتاب: (( ... ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة فليولِ ذلك إلى أهله وليخلِ بين المطي وحاديها والقوس وباريها ... )) . (٢) وقال أيضا رحمه الله تعالى: ((والمقصود: أن رسول الله ﷺ لم يزل في جدال الكفار على اختلاف مللهم ونحلهم إلى أن توفي وكذلك أصحابه من بعده وقد أمره الله سبحانه بجدالهم بالتي هي أحسن في السورة المكية والمدنية وأمره أن يدعوهم بعد ظهور الحجة إلى المباهلة وبهذا قام الدين وإنما جعل السيف ناصرا للحجة وأعدل السيوف سيف ينصر حجج الله وبيناته وهو سيف رسوله وأمته)) . (٣)

стр. 43

اللازم الثاني: معرفته بما ينكي وينجع في رد صيال الخصم وجداله . (١) قال ﷺ : ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم)) . (٢) وفي الحديث أنَّ من أقسام الجهاد: الجهاد باللسان؛ ولا يعني ذلك مجرد الكلام وعموم المنافحة فإنَّ هذا يُحسِنُهُ كلُّ أحد! ولهذا كان شعر حسان ﵁ ليس كشعر غيره فقد كان يقع من الكفار موقع النبل. قالت عائشة ﵂: إنَّ رسول الله ﷺ قال: اهجوا قريشا فإنه أشد عليها من رشق النبل فأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهجهم فهجاهم فلم يُرضِ! فأرسلَ إلى كعب بن مالك ثم أرسلَ إلى حسَّان بن ثابت فلما دخل عليه قال حسَّان: قد آنَ لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلعَ لسانه فجعل يحركه فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم ... " ثم قالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هجاهم حسَّان فشفى واشتفى)) رواه مسلم. (٣) قال النووي ﵀ في شرح الحديث -: ((وأما أمره ﷺ بهجائهم وطلبه ذلك من أصحابه واحدا بعد واحد ولم يرض قول الأول والثاني حتى أمرَ حسَّان فالمقصود منه: النكاية في الكفار ... )) . (٤)

стр. 44

وكما أن الجهاد باليد لا بد من إعداد العدة فيه وإلا كان ملوما على تفريطه فكذا الجهادُ في ميدان اللسان والكلمة بل أمرُهُ أخطر وأشدُّ من الجهاد باليد فإنَّ غاية المجاهد في سبيل الله بيده إذا خسر المعركة أنْ يُقتلَ في سبيل الله ولا يلام عند عامة المسلمين على تفريطه في اتخاذ العُدد كما يلام من يتخلف عن إعداد العدة لمواجهة الكفر في ميدان النظر والمجادلة وذلك أن الإسلام منصور دوما وأبدا في مقام الحجة والظهور بخلاف الظهور بالسيف فإنه يكون مرة له ومرة عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظرُ ضعيفَ العلم بالحجة وجواب الشبهة فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل كما ينهى ذلك الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجا قويا من علوج الكفار فإنَّ ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة)) (١) أهـ.

стр. 45

ومما يلتحق بهذا اللازم خطاب كل قوم باصطلاحهم الذي تعارفوا عليه إذا كانت هناك حاجة وكانت المعاني صحيحة. قال ابن تيمية:: (( ... وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعُرفهم فإنَّ هذا جائزٌ حسن للحاجة وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتاجوا إليه)) . (١) وقال ﵀: (( ... ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات كالسلاح في المحاربات. فإذا كان عدو المسلمين - في تحصنهم وتسلحهم - على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس والروم: كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع وهو الأصلح في الدنيا والآخرة. وقد يكون الخبير بحروبهم أقدر على حربهم ممن ليس كذلك لا لفضل قوته وشجاعته ولكن لمجانسته لهم كما يكون الأعجمي المتشبه بالعرب - وهم خيار العجم - أعلم بمخاطبة قومه الأعاجم من العربي وكما كون العربي المتشبه بالعجم - وهم أدنى العرب - أعلم بمخاطبة العرب من العجمي ... )) . (٢)

стр. 46

ومما يعين على تحقيق هذا اللازم اهتداء المجادل بطريقة القرآن والسنة في مجادلة ومناظرة أهل الكتاب إذْ بذلك تتم النصرة وتقوم الحجة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وكثير من المصنفين في الكلام لا يردون على أهل الكتاب إلا ما يقولون: إنه يُعلم بالعقل مثل تثليث النصارى ومثل تكذيب محمد ولا يناظرونهم في غير هذا من أصول الدين. وهذا تقصير منهم ومخالفة لطريقة القرآن فإنَّ الله يبين في القرآن ما خالفوا به الأنبياء ويذمهم على ذلك والقرآن مملوء من ذلك)) . أهـ. (١) ويفيد في هذا الشأن النظر في القواعد الجدلية المشروعة المستنبطة من الكتاب والسنة ومما دلت عليه العقول والفطر السليمة. (٢) ومن فوائد ما قالوه: أن المناظر لا يحتاج - أحيانا - أن يظهر الحق للمخالف المعاند عند انقطاعه وإنما عليه الاشتغال برد دليله وقلبه عليه ودمغ باطله وبيان تناقضه فيترك في عماية حتى يفيق ويتبين له فساد ما كان عليه.

стр. 47

وهذه الطريقة نافعة في كثير من المسائل المطروحة في الحوار والجدال مع أهل الكتاب اليوم كقضية تعدد الزوجات في الإسلام وحقوق الإنسان مثلا فلوسئل عنها المرء فليس من الضرورة تبيين حكم الإسلام فيها لكل سائل لأن السؤال - في الغالب - سؤال تعنت واستنقاص للإسلام حتى أصبحت أمثال هذه المسائل من مسائل الشعار التي يعير بها المسلمون فهاهنا يبين لهم ما في واقعهم من تناقض في قضية المرأة واستعبادهم للشعوب ومصادرة الحريات ونحو ذلك من الأمور التي يسمعها الأصم ويراها الأعمى! والأصل عدم العمل بهذه الطريقة - عند عدم الحاجة إليها - لأنها تخالف أصل بيان الحق والصدع به (١) والله تعالى أعلم. وأحيانا قد يضطر المجادل المسلم إلى الاحتجاج على الخصم الكتابي بمقدمات يسلمها ولوكانت في نفسها باطلة وذلك من أجل بيان تناقضهم لا لتقرير الحق (٢) ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((والله تعالى لا يأمر المؤمنين أن يجادلوا بمقدمة يسلمها الخصم إنْ لم تكن علما فلو قُدرَ أنه قال باطلا لم يأمر الله أن يحتج عليهم بالباطل لكنَّ هذا قد يفعل لبيان فساد قوله وبيان تناقضه لا لبيان الدعوة إلى القول الحق ودعوة العباد إليه ... )) (٣) أهـ.

стр. 48

اللازم الثالث: الصدع بالحق والجهر به . الأصل في المسلم جهره بالحق وصدعه به. قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الحجر ١٥ / ٩٤] . وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [سورة آل عمران ٣ / ١٨٧] . وفي قصة جعفر ﵁ مع النجاشي دليلٌ على الجهر بالحق والصدع به في وقت الضعف وهم بديار الكفر ولم يمنعه كونه في دار الكفر من بيان الحق. (١)

стр. 49

وربما ظنَّ ظان أن مجرد مناظرة أهل الكتاب فيها تنازل عن الحق ومخالفة لوجوب الصدع بالحق وهذا الظن ليس بشيء لأننا في هذا المقام نتكلم بطريق التنزل مع الخصم وهي من طريقة القرآن ولهذا فإننا - كما يقول شيخ الإسلام -: (( ... نتنزل لليهودي والنصراني في مناظرته وإنْ كنا عالمين ببطلان ما يقوله اتباعا لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل ١٦ / ١٢٥] وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة العنكبوت ٢٩ / ٤٦] وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول ويصدون به عن سواء السبيل وإن جعلوه من المعقول بالبرهان أعظم من أن يبسط في هذا المكان)) . (١) وهذا الصدع لا يعني ترك أدب الجدال والحوار أو التخلي عن أخلاق وآداب الإسلام فالمسلم هو المسلم في كل الأحوال وإنما يصول ويجول بالله ولله لا بنفسه ولا لهواه.

стр. 50

الشرط الثاني: استقامة المسلم وتخلقه بأخلاق الإسلام . وهذا المعنى متفق عليه والكلام فيه قد أشبع في كتب الحوار والجدل. ويدخل فيه الكلام عن آداب الحوار والجدال وهو من المتقرر أمره فلا نطيل بتأصيله والتدليل عليه. (١) تنبيه: قد يعرض للمجادل المسلم أثناء رده مسألة تخطئة أعمال واجتهادات المسلمين إذا أوردها عليه الكتابي فما حكم ذلك في وقت الحوار أو الرد ودفع الصيال؟! يجاب بالقول: إن جواز ذلك يشترط له أمور تدور مع قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد ومن ذلك: ١- أن يكون الحرص على تأليف المسلمين بكلامه أولى من حرصه على تأليف الكفار به. وتأليف القلوب مقصد شرعي لا يفرط فيه. ٢- أن يكون وجه التخطئة لأعمال المسلمين صحيحا من جهة النظر الشرعي. وهذه الأعمال لا تخلو من حالين: الحال الأول: أن تكون صحيحة شرعا. فهذه لا يجوز ردها أو تأثيمها وهذا كمسائل إقامة الحدود وحكم الردة والختان والجهاد في سبيل الله وتعدد الزوجات وأحكام أهل الذمة والرق. وذلك لأنَّ عرضَها والدفاعَ عنها دفاعٌ عن الدين وبيان له. ويبقى على المجادل توخي أحسن وأنجع الأساليب في عرضها والدفاع عنها وهو مقام تتفاوت فيه المدارك.

стр. 51

الحال الثاني: ألا يقرها الشرع. وهذا الحال على درجتين: الدرجة الأولى: أن يكون القول بها من الشذوذ أو اتباع الهوى المحض. الدرجة الثانية: أن تكون من محال الاجتهاد؛ والخلاف فيها سائغ أو يكون العمل فيها بناءً على تقليد عالم. والدرجة الأولى لا يلزم المجادل التزامها إذ ليست من الدين ويخشى أن يكون في التزامها نوع من العصبية للجنس والإقليم وليس هذا من باب الولاء والبراء؛ فإنَّ شذوذها واتباع صاحبها للهوى المحض مما يخرجها عن الإسلام فلا يلزم أن يوالى فيها ويقرر بإنصاف أنَّ هذا ليس من دين الإسلام. أما الدرجة الثانية فهي من محال النظر ولا ضابط يضبط جزئياتها فإنها تتنوع بتنوع الأحوال والبلدان وتختلف باختلاف الأشخاص والمسائل. والأصل أنه إذا كان الخلاف فيها سائغا فإنَّ المجادلَ يبينُ وجهَ الاجتهاد ولا محذور في ذلك. ٣- أن يُفَرَّقَ بين أخطاء واجتهادات المكلفين وبين الحكم على الإسلام كدين لا غنى للبشر عنه وهذا من الوضوح بمكان.

стр. 52

٤ - ألا يؤدي كلامه في ذلك إلى مفسدة أعظم من المصلحة المنشودة. فإنَّ المصلحة المنشودة - في أحسن الأحوال - تألف قلب الكافر لدخول الإسلام وقد يكون هذا الكافر غير جاد في التفكير في الدخول في الإسلام وإنما يثير الكلام ويردد ما يقال ويذاع في بلاده وإعلامه وليس عنده أدنى باعث للدخول في الإسلام!

стр. 53

المبحث الثاني: شروط المحاور الكتابي: ليس هناك شروطا خاصة بالمحاور الكتابي في الشريعة سوى عدم الظلم (١) والدليل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [سورة العنكبوت ٢٩ / ٤٦] . فإنْ كان منهم فيخرج الجدال معه عن مسمى ((الجدال بالتي هي أحسن)) ؛ وينتقل الخطاب معه إلى مجادلة بغير التي هي أحسن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((فالظالم لم يؤمر بجداله بالتي هي أحسن فمن كان ظالما مستحقا للقتال غير طالب للعلم والدين فهو من هؤلاء الظالمين الذين لا يجادلون بالتي هي أحسن بخلاف من طلب العلم والدين ولم يظهر منه ظلم سواء كان قصده الاسترشاد أو كان يظن أنه على حق يقصد نصر ما يظن أنه حقا ومن كان قصده العناد يعلم أنه على باطل ويجادل عليه فهذا لم يؤمر بمجادلته بالتي هي أحسن لكن قد نجادله بطرق أخرى نبين فيها عناده وظلمه وجهله جزاءً له بموجب عمله)) . أهـ. (٢)

стр. 54

(( ... والامتناع عن الجدال مع الظالمين واتخاذه منهجا مطردا يخالف منهج النبي ﷺ فقد جادل اليهود بالتي هي أحسن في المدينة وكانوا يكتمون ما أنزل الله ويلبسون الحق بالباطل؛ كما جادل نصارى نجران ودعاهم إلى المباهلة فرفضوا ... فالأصل أن يقبل الجدال مع كل أحد لأن كل كافر ترجى هدايته. نعم قد تكون المصلحة في الامتناع عن مجادلة طائفة منهم أو مع أفراد لسبب أو لآخر وهذا استثناء ... )) . (١)

стр. 55

المبحث الثالث: موضوعات الحوار أو الجدال مع أهل الكتاب: موضوعات الحوار والجدال لها أهمية كبرى إذ إنها ركن من أركانه لا يتم إلا بها. (١) وإنَّ الناظرَ في الكتاب والسنة يجد أنهما يدوران في مجادلة أهل الكتاب على محورين أساسين: التوحيد والنبوة؛ (٢) وما يتعلق بهما من قضايا فتجد فيهما: ١- الأمر بتوحيد الله وعبادته وحده لا شريك له. كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران ٣ / ٦٤] . وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة ٥ / ٧٢] . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [سورة المائدة ٥ / ٧٣] الآية.

стр. 56

٢- الأمر بالإيمان برسالة محمد ﷺ وأنه رسول إلى العالم أجمع وهم داخلون تحت عموم رسالته. كقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة المائدة ٥ / ١٩] . وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة ٢ / ١٤٦] . ٣- إثبات القرآن لنسخ أديانهم وتحريف كتبهم وبطلانها ووجوب إيمانهم بالقرآن. قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة ٢ / ٧٥] . وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [سورة المائدة ٥ / ٤٨] الآية.

стр. 57

٤- الرد على شبهاتهم وافتراءاتهم ونهيهم عن الغلو في الدين. وهذا كثير في القرآن والسنة. والأصل في مواضيع الجدال معهم ما يلي: (١) أولا: كل موضوع يخدم الأهداف التي شرعها الله في مجادلة أهل الكتاب فهو مطلوب وذلك مثل: دعوتهم للإسلام وبيان ما هم عليه من الباطل ورد شبهاتهم وطعنهم في الإسلام وتثبيت المؤمنين بإظهار علو حجة الإسلام وتحقيق مصالح مشروعة للمسلمين عبر الحوار معهم مثل: تحييد بعضهم والضغط عليهم وكشف مؤامراتهم وفضح طرقهم في التنصير ونحو ذلك. (٢) ثانيا: كل موضوع يخدم أهدافا نهى الله عنها فهو ممنوع وذلك مثل: موالاة الكفار ومودتهم؛ أو التقارب معهم؛ أو التنازل عن شيء من دين الإسلام كإلغاء الجهاد أو تحوير معناه أو التنصل من أحكام أهل الذمة أو إبطال الرق؛ ونحو ذلك. (٣) ثالثا: إذا كان الموضوع من الاصطلاحات والألفاظ الحادثة التي ربما جمعت حقا وباطلا أو كانت باطلا ولكنها مشتبهة. ففي هذا تفصيل يقوم على أمور منها: ١- معرفة أقسام الناس في موافقة ألفاظ ومعاني الكتاب والسنة. الناس في موافقة نصوص الكتاب والسنة على أقسام: أحدها: من يوافقها لفظا ومعنى. وهؤلاء أسعد الناس بالحق.

стр. 58

الثاني: من يوافقها في المعنى دون اللفظ. وفيه تفصيل. الثالث: من يوافق النصوص في اللفظ دون المعنى. وهذا مثل استخدام الباطنية وأشياعهم لألفاظ الشرع للدلالة على معانٍ فاسدة خارجة عن حد الإسلام كاستعمالهم لألفاظ: الصلاة والصيام والحج. ومنه استعمال العصرانيين وأشياعهم للفظ ((الكلمة السواء)) في غير ما أنزله الله تعالى. الرابع: مخالفة ألفاظ الكتاب والسنة لفظا ومعنى. وهؤلاء أشقى الطوائف. (١) وينبغي على المرء أن ينظر حين يستخدم تلك المصطلحات الحادثة هو في أي قسم منها. ٢- العلم بملابسات نشأتها وتأريخها وطرائق ودرجات استعمال المخالف لها. العلم بنشأة هذه المصطلحات (التسامح والتعايش والحوار وغيرها) وتأريخها مما يعين على استبانة الحق فيها. ٣- وزنها بوزن السلف الصالح في الاصطلاحات الحادثة.

стр. 59

يتميز السلف الصالح ومن يسير على أثرهم بأنهم ينهون عن: ((إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق ولا قصور أو تقصير في بيان الحق ولكن لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق وباطل ففي إثباتها حق وباطل وفي نفيها حق وباطل فيمنع من كلا الإطلاقين بخلاف النصوص الإلهية فإنها فرقان فرق الله به بين الحق والباطل ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه..)) . (١) والأصل في ((الاصطلاحات الحادثة)) أن توزن بوزنهم في مثلها وأخواتها من الألفاظ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( ... فإذا عرفت المعاني المقصودة بهذه العبارات ووزنت بالكتاب والسنة بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة وينفى الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم بهذه الألفاظ نفيا وإثباتا في الوسائل والمسائل: من غير بيان التفصيل والتقسيم الذي هو من الصراط المستقيم وهذا من مثارات الشبه)) (٢) أهـ. ٤- تحرير محل الإجمال والإيهام في تلك الألفاظ والمصطلحات. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (٣)

стр. 60

فعليك بالتفصيل والتمييز فالـ ... إطلاق والإجمال دون بيان قد أفسدا هذا الوجود وخبَّطا الـ ... أذهان والآراء كل زمان فإطلاق الأقوال المجملة والمعاني المشتبهة يثير النزاع بين المتخاصمين أمَّا التفصيل والبيان فهو إمَّا أن يرفع النزاع أو يقلله ولهذا كان كثير ((.. من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره فضلا عن أن يعرف دليله ولوعرف دليله لم يلزم أن من خالفه يكون مخطئا بل يكون في قوله نوع من الصواب وقد يكون هذا مصيبا من وجه وهذا مصيبا من وجه وقد يكون الصواب في قول ثالث..)) . (١)

стр. 61

ويقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ((.. فإذا عرفت المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء وما خالفه فهذا عظيم المنفعة وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [سورة البقرة ٢ / ٢١٣] وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنة ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف)) (١) أهـ.

стр. 62

الخاتمة وبعد فقد ظهر لنا قبس من نور الكتاب والسنة فيما يحتاج إليه أهل الإسلام في مواجهة أهل الكتاب فالمعركة قائمة معهم إلى قيام الساعة ... والبشرية اليوم تتخبط في عمايات لن ينجيها منها إلا الهداية إلى الإسلام وقد جربت نظريات وتصورات للكون والحياة ومناهج مختلفة فلم يزدها ذلك إلا حيرة وضلالا ... وبدأ كثير من الناس في الأرض يرمون بأبصارهم نحو الإسلام بعضها ينظر إليه باعتبار أنه العقيدة المؤهلة لتسود العالم أجمع في المرحلة المتبقية من عمر الدنيا والبعض الآخر يراه المنافس الأقوى لدينه ومبادئه فتحمله عقيدته ومصالحه الخاصة على الدس والتشويه والطعن في الإسلام وأهله وافتعال المعارك وتأجيج رحى الحرب على كافة المستويات كما هي عادة أئمة الكفر ... وتبقى شرائح كبيرة من الناس في العالم تائهة ضالة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ... أفيتركون كلا مباحا لدعاة التقريب بين الأديان؟ أم يتركون هنيئا مريئا للعصرانيين؟

стр. 63

لقد استجابت أمة الإسلام لنداء القرآن في القرون المفضلة فاهتزَّ العالم والوجود بحركتها حمل أسلافنا في تلك القرون لواء الإسلام بصدق وإخلاص فعمروا الكون وأخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد فأضاء نور أمة الإسلام في تاريخ الوجود ثم ترك أقوامٌ منا اللواء في مواطن دون مواطن ومشاهد دون مشاهد وأزمان دون أزمان ورجال دون رجال ... كان منا الظالم لنفسه وكان منا المقتصد وكان منا السابق بالخيرات ولا زلنا نعتقد ونؤمن أننا ((خير أمة أخرجت للناس)) وعندنا من الخيرية والاصطفاء على أهل الأرض ما يجعلنا نخرج العالم من ضيق الدنيا إلى سعتها ومن رق الهوى إلى رحاب عبودية الله ونرفع راية أنوار النبوة وأعلامها لا مشعل النار وحرياته المزعومة!

стр. 64

إنَّ من معالم منهج أهل السنة أنهم يعرفون الحق ويرحمون الخلق ويأمرون بالألفة وينهون عن الفرقة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ . وقد أمر الله المؤمنين بالصبر على أذى المشركين وأهل الكتاب مع التقوى فكيف بالصبر على أذى المؤمنين فيما بينهم؟!. قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية:".. فَأَمَرَ بالصبر على أذى المشركين وأهل الكتاب مع التقوى وذلك تنبيه على الصبر على أذى المؤمنين بعضهم لبعض متأولين كانوا أو غير متأولين. وقد قال : ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [سورة المائدة ٥ / ٨] فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا عليهم فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان؟ فهو أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك

стр. 65

على ألاَّ يعدل على مؤمن وإنْ كان ظالما. فهذا موضع عظيم المنفعة في الدين والدنيا فإنَّ الشيطان مُوْكَل ببني آدم وهو يعرضُ للجميع ولا يَسْلَمُ أحدٌ من مثل هذه الأمور - دع ما سواها - من نوع تقصير في مأمور أو فعل محظور باجتهاد أو غير اجتهاد وإنْ كان هو الحق ... )) . (١) وقال شيخ الإسلام ﵀: (( ... وكثيرٌ من هذه الطوائف يغضب على غيره ويرى القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع معترضا في عينه ويذكرُ تناقضَ أقوالِ غيره ومخالفتها للمنصوص والمعقول ما يكونُ له من الأقوال في ذلك الباب ما هو من جنس تلك الأقوال أو أضعف منها أو أقوى منها والله تعالى يأمر بالعلم والعدل ويذم الجهل والظلم كما قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [سورة الأحزاب ٣٣ / ٧٢] ... )) . (٢) ولن يصل المسلمون إلى النصر والتمكين إلا بفيئتهم للكتاب والسنة بفهم السلف الصالح علما وعملا وكفى بهم تربصا وتلفتا تارةً في الشرق وأخرى في الغرب فهم نقاوة العالم فإنْ فاءوا فإنَّ الله غفور رحيم وإنْ عزموا الطلاق فإنَّ الله سميع عليم وسيظل باب التوبة مفتوحا لا يؤصد إلى أن تطلع الشمس من مغربها.

стр. 66

وحَسْبُنا كتاب ربنا وسنة نبينا في هدايتنا لكل خير فإنه ﷺ ((لم يحوج أمته إلى أحد بعده وإنما حاجتهم إلى من يبلغ عنه ما جاء به. فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عمومٌ بالنسبة إلى المرسَل إليهم وعمومٌ بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه مَن بُعِثَ إليه في أصول الدين وفروعه؛ فرسالته كافية شافية لا تحوج إلى سواها ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وفي هذا فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به ... وقد عرَّفَهُم ﷺ من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو علموه وعقلوه ورعوه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبدا.. وكذلك عرَّفَهُم ﷺ من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكوامنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه وكذلك عرَّفَهم ﷺ من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة ... )) . (١)

стр. 67

إنَّ الواجب في مثل هذه الأزمان على من أعطاه الله هدى وتوفيقا وعلما وبصيرة أن يوصل ما خوله الله من نعمته إلى من به إليه حاجة من البشر وحَقٌّ على علماء أمة الإسلام ودعاتها ومثقفيها المخلصين أن يتهيأوا لقيادة العالم كلٌ وما يستطيع ولا تهولنهم الأراجيف فـ ((المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها قلوبهم واحدة موالية لله ولرسوله ولعباده المؤمنين معادية لأعداء الله ورسوله وأعداء عباده المؤمنين وقلوبهم الصادقة وأدعيتهم الصالحة هي العسكر الذي لا يغلب والجند الذي لا يخذل فإنهم هم الطائفة المنصورة إلى يوم القيامة)) ف (١) السعيد من كان له في ذلك حظ ونصيب و ((لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم)) ... وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.