← Общие книги

Общие книги · id 1963

رؤية شرعية في الجدال والحوار مع أهل الكتاب

الشريف محمد بن حسين الصمداني

Полный текст (67 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

رُؤْيَةٌ شَرْعِيَّةٌ في الجِدَالِ والحِوارِ مع أهْلِ الكِتَابِ راجعه وقدم له الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف تأليف الشريف محمد بن حسين الصمداني تقديم

стр. 2

الحمد لله الذي أمر وأوجب جدال الكفار ومحاورتهم بقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل ١٦ / ١٢٥] والقائل: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [سورة العنكبوت ٢٩ / ٤٦] والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة الذي امتثل لأمر الله وجادلهم في مكة والمدينة وفي حال القوة والضعف وفي السلم والحرب وأمر بذلك وسماه جهادا فقال ﵊: ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)) رواه أحمد وغيره. قال ابن حزم ﵀ ((وهذا حديث غاية في الصحة وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله)) ، وهذا الواجب قد فرَّط فيه كثيرٌ من الدعاة والمصلحين، ففي الوقت الذي نجد فيه دعاة التقريب بين الأديان ودعاة العصرانية ينشطون لذلك ويعقدون الندوات والمؤتمرات تارة باسم التعاون وأخرى باسم التسامح والتعايش وثالثة لتحاشي النزاعات وصدام الحضارات -زعموا- وغير ذلك من التُرَّهات؛ في الوقت نفسه نجد تقاعسا كبيرا وعزوفا من دعاة الحق عن هذا النوع من الجهاد وأحسنهم حالا من اهتم بدعوة أهل الكتاب -وفي هذا

стр. 3

خيرٌ كبير- مع أن دعوة أهل الكتاب والمشركين ليست هي جدالهم ومحاورتهم وما يُدرأ من المفاسد والشرور بالجدال لا يمكن درؤه بمجرد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة التي أُمرنا بها، قال شيخ الإسلام ﵀ ((أما الجدلُ فلا يدعى به، بل هو من باب دفع الصائل؛ فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي هي أحسن)) والله قد يدفع بالحجة واللسان ما لا يدفعه بالسنان قال العلامة ابن حزم ﵀: ((ولا غيظ أغيظ على الكفار والمبطلين من هتك أقوالهم بالحجة الصادعة وقد تهزم العساكر الكبار والحجة الصحيحة لا تغلب أبدا فهي أدعى إلى الحق وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمة)) .

стр. 4

وما أحوج من أراد أن يتصدى لهذا النوع من الجهاد أن تكون له رؤية شرعية يتسلح بها في جهاده لأعداء الله، هذا وقد تكفل أخونا الفاضل الشريف محمد بن حسين الصمداني بإيضاح هذه الرؤية من خلال كتابة هذا البحث الموسوم بـ ((رؤية شرعية في الجدال والحوار مع أهل الكتاب)) وقد قرأته ووجدته بحثا قيما يجدر بمن تصدى للحوار مع أهل الكتاب أن يستفيد منه وقد ذكر فيه مؤلفه -جزاه الله خيرا- مباحث مهمة استوقفني منها الشرط الأول من شروط المحاور المسلم ولوازمه وهو الأهلية وإعطاء الإسلام حقه من النصرة والبيان ومن لوازم هذا الشرط -كما ذكر-: ١- العلم والعدل. ٢- معرفة ما ينكي وينجع في رد صيال الخصم وجداله. ٣- الصدع بالحق والجهر به. وقد علمت أنه أطلعه على عددٍ من المشايخ الفضلاء وطلاب العلم فاستحسنوه. أسأل الله أن يجزي الباحث خير الجزاء، وأن يرزقنا وإياه الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا وأن ينصر جنده ويعلي كلمته إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أقوال ابن تيمية وابن حزم منقولة من أصل البحث فليرجع إليها

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أمَّا بعد:

стр. 6

فإنَّ المواجهة مع أهل الكتاب قديمةٌ قِدمَ الإسلام بدءا بمظاهرة أهل الكتاب للمشركين بمكة على المؤمنين وقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [سورة النساء ٤ / ٥١] ومرورا بالمعاهدات والمواثيق بعد الهجرة الشريفة وجدالهم بالمدينة النبوية وإقامة الحجة عليهم ودعوتهم للإسلام والتحاكم إلى القرآن ثم إجلاء بني النضير، ثم قتل أهل الغدر منهم كما في قصة بني قريظة بعد الأحزاب، ثم كانت خيبر، ثم إرسال الرسل وكتابة الكتب لملوكهم ودعوتهم للإسلام ثم كانت مؤتة ثم النفير لبني الأصفر في الشام فكانت تبوك حتى ((أنزل الله تعالى في ذلك أكثر سورة براءة وذمَّ الذين تخلفوا عن جهاد النصارى ذما عظيما. والذين لم يروا جهادهم طاعة جعلهم منافقين كافرين وقال لنبيه ﷺ : ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [سورة المنافقون ٦٣ / ٦] وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [سورة التوبة ٩ / ٨٤] الآية. فإذا كان هذا حكم الله ورسوله فيمن تخلف عن جهادهم إذْ لم يره طاعة

стр. 7

ولا رآه واجبا فكيف حكمه فيهم أنفسهم ... )) (١) واستقبل بعد ذلك وفد نجران وطلب مباهلتهم فنكلوا ثم ختم جهاده ﷺ مع أهل الكتاب قبل موته بعملين جليلين هما: ١- الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب. ٢- إعداد العدة لجهاد النصارى. وبعد وفاة رسول الله ﷺ استخلف أبو بكر الصديق ﵁ فكان أول عمل يعمله إمضاء غزو الروم وجهاد أهل الكتاب وتابعته الأمة على هذا العمل الجليل فكان الفاروق عمر وعثمان ﵄ فقامت سوق الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا واستمر الأمر على ذلك مدة خلافة بني أمية وصدرا من خلافة بني العباس ثم خلفت خلوف تسلطت في زمنهم البدع على الرقاب وقامت سوق دولها.

стр. 8

بنوبويه بدار الخلافة ببغداد والعبيدية القداحية اليهود ببلاد مصر وما حولها فتراجع حال أمة الإسلام في مواجهة أهل الكتاب واستمر الأمر في تراخٍ وإدبار حاشا ما كان من الطائفة المنصورة القائمة بحجة الله في أرضه. وقد صوَّرَ ابن السبكي حال العلماء في عصره - القرن الثامن - بقوله: (( ... فقل لهؤلاء المتعصبين في الفروع: ويحكم ذروا التعصب ودعوا عنكم هذه الأهوية ودافعوا عن دين الإسلام وشمروا عن ساق الاجتهاد في حسم مادة من يسب الشيخين أبا بكر وعمر ﵄ ويقذف أم المؤمنين عائشة ﵂ التي نزل القرآن ببرائتها وغضب الرب تعالى لها حتى كادت السماء تقع على الأرض ومن يطعن في القرآن وصفات الرحمن فالجهاد في هؤلاء واجب فهلا شغلتم أنفسكم به!)) . ثم قال: (( ... ويا أيها الناس بينكم اليهود والنصارى قد ملأوا بقاع البلاد فمن الذي انتصب منكم للبحث معهم والاعتناء بإرشادهم بل هؤلاء أهل الذمة في البلاد الإسلامية تتركونهم هملا تستخدمونهم وتستطبونهم ولا نرى منكم فقيها يجلس مع ذمي ساعة واحدة يبحث معه في أصول الدين لعل الله تعالى يهديه على يديه.

стр. 9

وكان من فروض الكفايات ومهمات الدين أن تصرفوا بعض هممكم إلى هذا النوع فمن القبائح أن بلادنا ملأى من علماء الإسلام ولا نرى فيها ذميا دعاه إلى الإسلام مناظرة عالم من علمائنا بل إنما يسلم من يسلم إما لأمر من الله تعالى لا مدخل لأحد فيه أو لغرض دنيوي ... ثم ليت من يسلم من هؤلاء يرى فقيها يمسكه ويحدثه ويعرفه دين الإسلام لينشرح صدره لما دخل فيه بل والله يتركونه هملا لا يدرى ما باطنه: هل هو كما يظهر من الإسلام أو كما كان عليه من الكفر لأنهم لم يُرووه من الآيات والبراهين ما يشرح صدره فيا أيها العلماء في مثل هذا فاجتهدوا وتعصبوا ... )) . (١) وبهذا ومثله تكالب الأعداء وتسلط أهل الكتاب على رقاب المسلمين في ديارهم فكانوا هم الجباة والصيارفة وهم الوزراء والصيادلة وهم المتصرفون في الأموال والأبدان بالحساب والطب وهذا كثير في كتب التاريخ والسير. (٢)

стр. 10

وازداد المرض في أمة الإسلام واتسع الخرق على الراقع إلا بقايا من أهل العلم والذكر سجل التاريخ لنا ردودهم على أهل الكتاب. ولما كان المرض موجودا في بعض طبقات العلماء فإنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لم يعدم أن يقال في ردوده على الرافضة في "منهاج السنة النبوية" وعلى النصارى في "الجواب الصحيح" أنها من قبيل تضييع الزمان!! ... هذا خليل بن أيبك الصفدي يقول في شيخ الإسلام ابن تيمية: (( ... وضيع الزمان في رده على النصارى والرافضة ومن عاند الدين وناقضه ولو تصدى لشرح البخاري أو لتفسير القرآن العظيم لقلد أعناق أهل العلوم بدر كلامه النظيم)) . (١)

стр. 11

ولما كان الحال كذلك منذ مدد متطاولة واستيقظ الناس على انحلال أمر الخلافة بسقوط دولة بني عثمان وتفرق الأمة وتنازعها ورأوا استيلاء النصارى على الديار والعباد تباين الناس في كيفية التعامل مع هذا الواقع المؤلم فمنهم من ساير خطاب ما يسمى بتيار الإصلاح الذي ظهر في أواخر عهد الدولة العثمانية كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومدرستهما ومنهم من اجتر الطريقة المغروسة في جسد الأمة والتي لا تحتاج إلى مزيد تعريف ولا كثير بيان وهي مواصلة الانغلاق على النفس وترك العدو والاشتغال به لا دعوة وإرشادا ولا ردا على شبهاته وجهادا (١) ... ولهذا صحَّ أن يقال ( ... كثير من علماء أهل السنة وطلبة العلم من محبي شيخ الإسلام لا يكادون يتجاوزون كلامه في الفقه والتفسير والحديث إلى ما كتبه في الرد على الفلاسفة والمناطقة وأهل الكتاب والمتكلمين وإنما ظهر الاهتمام بهذه المخالفات منذ زمن قريب على يد طلاب الدراسات العليا في الجامعات ... )) . (٢) وقال الشيخ العلامة محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى مصورا لشيء من ذلك الحال: ( ... وكنا قبل هذا الوقت نقول: لا حاجة لقراءة ((الجهاد)) ؛ لأنه لا يوجد جهاد ولا لقراءة أحكام أهل الذمة؛ لأنهم غير

стр. 12

موجودين عندنا. أما الآن فلا بد لطلبة العلم من أن يقرؤوا ويحققوا أحكام الجهاد وأحكام أهل الذمة وسائر الكفار لأنه في هذا الوقت انفتحت جبهات للجهاد - ولله الحمد - في سبيل الله وأما الكفار فقد ابتلينا بهم وكثروا بيننا لا كثَّرهم الله فالواجب أن نعرف كيف نعامل هؤلاء الكفار ... ) . أهـ. (١) وبقيت أمة من الناس تهدي بالحق وبه تعدل لا يضرها من خالفها ولا من خذلها وهم الذين سكبوا في أقلامهم مداد الوحي فنشروا حجج الله وبيناته في الخلق. وقد أثنى ابن القيم رحمه الله تعالى على ((قلمهم)) وسماه بـ ((القلم الجامع)) وقال فيه: ((القلم الثاني عشر: القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين ورفع سنة المحقين وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها وبيان تناقضهم وتهافتهم وخروجهم عن الحق ودخولهم في الباطل. وهذا القلم في الأقلام نظير الملوك في الأنام وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت به الرسل المحاربون لأعدائهم وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال. وأصحاب هذا القلم حربٌ لكل مبطلٍ وعدو مخالف للرسل فهم في شأن وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأن)) (٢) أهـ.

стр. 13

ولما كانت الحاجة ماسة لبحث هذا الموضوع خاصة في مثل هذه الأزمان التي للكفر فيها جولة بالسنان وصولة بالحجج الباطلة والأدلة الفاسدة كان من المتعين التنبيه على ما يتعلق بأحكام ((الجدال والحوار مع أهل الكتاب)) وما يتعلق به من ألفاظ ومصطلحات حادثة وذلك بتقرير حكم الجدال مع أهل الكتاب في الشرع وما يتعلق به على وجه الاختصار. وهو أمر سهل التحرير لوضوحه في الكتاب والسنة ومنهج الأئمة الأعلام لكنَّ البيئة التي ينشأ فيها المرء ربما جعلته يظن أن هذا ليس من دين الإسلام خاصة إذا غُذيَ ذلك بما يرى ويرى عن الدعوات المشبوهة لإقامة الحوارات الحضارية ودعوات التعايش والسلم المدني ونحو ذلك. وقد اشتمل البحث - في اختصار - على: مقدمة وتمهيد وفصلين ثم خاتمة. وذلك على النحو الآتي: المقدمة: اشتملت على عرض مختصر للموضوع والسبب الداعي للكتابة فيه. أما التمهيد فتضمن أربعة مباحث: المبحث الأول: تعريف الحوار والجدل في اللغة والاصطلاح. المبحث الثاني: أنواع المنكرين لمجادلة أهل الكتاب. المبحث الثالث: أنواع المجادِلين لأهل الكتاب. المبحث الرابع: أنواع المجادَلين من أهل الكتاب.

стр. 14

وأما الفصل الأول فكان في: مشروعية مجادلة أهل الكتاب من القرآن والسنة وفيه: المبحث الأول: الأدلة من القرآن. المبحث الثاني: الأدلة من السنة. المبحث الثالث: حكم جدال وحوار أهل الكتاب. ثم يأتي الفصل الثاني وجعلته في: شروط الحوار والجدال مع أهل الكتاب وتضمن ثلاثة مباحث هي: المبحث الأول: الشروط الواجب توفرها في المحاور المسلم. المبحث الثاني: شروط المحاور الكتابي. المبحث الثالث: موضوعات الحوار والجدال مع أهل الكتاب. ثم كانت الخاتمة. ونسأل الله أن يلهمنا الرشد ويرزقنا حسن القصد وأن يجعلنا من القائلين بعلم وعدل وأن يعصمنا بالورع وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 15

التمهيد المبحث الأول: الحوار والجدل في اللغة والاصطلاح: أولا: الحوار والجدل في اللغة: الحوار في اللغة ((تراجع الكلام)) . (١) وفي ((لسان العرب)) : ((وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام. والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة)) . (٢) أما الجدل: فقال ابن فارس: ((الجيم والدال واللام أصل واحد وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام)) . (٣)

стр. 16

ثانيا: الحوار والجدل في الاصطلاح: الحوار في الاصطلاح: هو بنفس المعنى اللغوي السابق فهو إذا: مراجعة للكلام بين طرفين أو أكثر دون وجود خصومة بينهم بالضرورة. (١) أما الجدل: فكما يعرفه الجويني هو: ((إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامهما من الإشارة والدلالة)) (٢) أهـ. وتوجد ألفاظ قريبة من الحوار والجدال منها: المحاجة والمناظرة والمناقشة والمباحثة. وبحثنا سيدور حول الجدال مع أهل الكتاب لا مع عموم الكفار والمشركين.

стр. 17

المبحث الثاني: أنواع المنكرين للجدال مع أهل الكتاب: رأينا في المقدمة أن هناك إعراضا من بعض المنتسبين للعلم عن دعوة ومواجهة أهل الكتاب. ودعا إلى ذلك جملة أسباب منها: ١- الركون إلى انتشار الإسلام. ٢- أن الأصل في ذلك أنه من باب فروض الكفاية. ٣- الاشتغال بالفروع الفقهية والتعصبات المذهبية وحصر جانب الجدال في باب المذاهب الفقهية الأربعة أو بين المعتزلة والأشاعرة أو أهل الكلام والفلاسفة. وقد مرت فترات بالأمة ظهر فيها اشتغال مجرد بالعلم من قبل الطلبة وأهل العلم وهو اشتغال على مستوى الكتب والدراسة دون معرفة الواقع الذي يحتاج في كثير من مسائله إلى تفصيل وقول بعلم وعدل. ولئن كانت تلك جملة من الأسباب التي منعت طوائف من أمة الإسلام عن الاشتغال بالرد على أهل الكتاب أو الحوار معهم فإنَّ هناك طوائف رأتْ أنَّ الباب يجب أنْ يغلق والنافذة يجب أن تسد فأنكرت الاشتغال بالرد عليهم من باب الشرع الذي دعاهم للقيام بالجدال والدعوة للإسلام! فما هي أهم شبه هؤلاء وما هي أهم مرتكزاتهم؟ الشبهة الأولى: منع الجدال مع أهل الكتاب بناءً على ظهور دلائل النبوة.

стр. 18

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( ... ومما يعجب منه أن بعض المنكرين لمجادلة الكفار بناءً على ظهور دلائل النبوة نجده هو ومن يعظمه من شيوخه الذين يعتمد في أصول النظر على نظرهم ومناظرتهم ويزعمون أنهم قرروا دلائل النبوة قد أوردوا من الشبهات والشكوك والمطاعن على دلائل النبوة ما يبلغ نحو ثمانين سؤالا وأجابوا عنه بأجوبة لا تصلح أن تكون جوابا في المسائل الظنية بل هي إلى تقرير شبه الطاعنين أقرب منها إلى تقرير أصول الدين ... )) . (١) الشبهة الثانية: منع الجدال مع أهل الكتاب بناءً على نسخ آيات الجدال معهم بآيات السيف وفرضية الجهاد. ردَّ شيخ الإسلام على أصحاب هذا الاتجاه من تسعة أوجه حررها في كتابه العظيم ((الجواب الصحيح)) . يقول رحمه الله تعالى: ((فإنَّ من الناس من يقول: آيات المجادلة والمحاجة للكفار منسوخات بآية السيف لاعتقاده أن الأمر بالقتال المشروع ينافي المجادلة المشروعة وهذا غلط فإنَّ النسخ إنما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضا للحكم المنسوخ كمناقضة الأمر باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر باستقبال بيت المقدس بالشام ... ))

стр. 19

ثم قال رحمه الله تعالى: (( ... وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [سورة العنكبوت ٢٩ / ٤٦] فهذا لا يناقض الأمر بجهاد من أمر بجهاده منهم ولكن الأمر بالقتال يناقض النهي عنه والاقتصار على المجادلة. فأما مع إمكان الجمع بين الجدال المأمور به والقتال المأمور به فلا منافاة بينهما وإذا لم يتنافيا بل أمكن الجمع لم يجز الحكم بالنسخ ومعلومٌ أن كلا منهما ينفع حيث لا ينفع الآخر وأن استعمالهما جميعا أبلغ في إظهار الهدى ودين الحق ومما يبين ذلك وجوه: ... )) . (١) ثم عدَّدَ رحمه الله تعالى تسعة أوجه للقول بذلك وكلامه نفيس للغاية. (٢)

стр. 20

التيار الأول: دعاة التقريب بين الأديان: كروجيه جارودي (١) وأحمد كفتارو (٢) وغيرهما. ويستند هؤلاء في الغالب على عقائد الباطنية وكلام ابن عربي وغيره من ملاحدة الصوفية الذين ينادون بصحة كل الأديان. يقول جارودي: ((إنني عندما أعلنت إسلامي لم أكن أعتقد بأني أتخلى عن مسيحيتي ولا عن ماركسيتي ولا أهتم بأن يبدو هذا متناقضا أو مبتدعا)) . ويقول: ((هذا النضال هو نضال كل أصحاب العقيدة أو المؤمنين بعقيدة مهما يكن نوع إيمانهم ولا يهمني ما يقوله الإنسان عن عقيدته: أنا مسلم أو: أنا مسيحي أو: أنا يهودي أو: أنا هندوسي)) . (٣) ولما انتشرت بعض آراءه الكفرية الإلحادية قيل: ((إنه ارتد عن الإسلام)) ! قال الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله تعالى: ((لا يحكم عليه بأنه مرتد عن دين الإسلام كما توهمه بعضهم وإنما هو كافر أصلي لم يدخل في الإسلام)) . (٤) ولهذا قال العلاَّمة بكر أبوزيد فيه: (النصراني المتلصص إلى الإسلام) . (٥)

стр. 21

التيار الثاني: دعاة العصرانية: يجمع هذا التيار في طياته: ((الفقيه الذي أثقلت كاهله المتغيرات الحديثة..والصحفي الذي يفتقر إلى علوم الشريعة.. والعقلاني المغرق في عقلانيته)) . (١) .والمثقف الباحث عن موقع ثقافته الحضارية.. والقومي الذي يتخبط في خبال الجاهلية ... وهم درجات بحسب ما يغلب عليهم من مواد. ومن أبرزهم: الدكتور حسن الترابي والدكتور يوسف الحسن والدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري والدكتور محمد عمارة وعبده سلاَّم وغيرهم. ومن أهم الصيغ التي تحدد مباديء ((التعايش)) و ((الحوار)) بين ((المسلم)) و ((غير المسلم)) عند هؤلاء ما يلي: أولا: الاتفاق على استبعاد كل كلمة تخدش عظمة الله. ثانيا: الاتفاق على أن الله يختار رسله من أهل الصدق والأمانة. ثالثا: ما وجدناه متوافقا في تراثنا نرد إليه ما اختلف فيه وبذلك يمكن وضع قاعدة مشتركة بين الأديان. (٢) ويقرر بعض هؤلاء أنهم لا يستطيعون التقريب بين الأديان أو تذويب أحدها في الآخر وأنَّ أيَّ محاولة لذلك إنما هي من قبيل الغش الثقافي والخداع الفكري وهي أشد خطرا من الغش الاقتصادي والتجاري.

стр. 22

كما يدرك بعضهم أن النصارى لا يؤمنون بالتعايش ولا بالحوار ولا بالتعاون؛ وهم - أي النصارى - إذا نادوا بالتعايش أودعوا إلى الحوار قصدوا بذلك استغلالهما لفرض الهيمنة الدينية التي لا تكاد تختلف في شيء عن الهيمنة السياسية والاقتصادية. (١) ويرون أن المسلمين لا يمنعهم مانع من أن يستجيبوا لدعوة ((التعايش)) مع غيرهم حتى وإنْ كان مفهوم ((التعايش)) عند غير المسلمين منافيا - جزئيا أوكليا - للمفهوم الإنساني المتحضر الذي يؤمن به المسلمون. (٢) ويتذرع هذا التيار في دعوته لإقامة الحوار مع أهل الكتاب بشبهات شتى منها: ((مواجهة الإلحاد المادي)) و ((التعاون والتسامح)) و ((التعارف)) و ((الدعوة إلى الله وإفهام الغرب تعاليم الإسلام)) و ((أنه ضرورة يفرضها النظام العالمي الجديد)) و ((أنَّ الحوار وسيلة لتحاشي النزاعات والحروب وصدام الحضارات)) وأن ((الإسلام يدعو العالم لأن يكون منتدى حضارات)) (٣) و ((هو وسيلة لتحقيق الوحدة الوطنية بين مختلف طوائف الأمة)) و ((أنه وسيلة للمحافظة على الأقليات المسلمة في الغرب)) .

стр. 23

ولا ريب أنَّ هذه قضايا متفاوتة في نفسها ومتباينة في قائليها ولا يمكنُ رؤيتها من منظار واحد بل إن بعضها ربما دعا إليها تيار آخر كتيار دعاة التقريب بين الأديان وربما شاركهم فيها بعض الدعاة والمفكرين والقول في جميع تلك القضايا يحتاج إلى تفصيل في كل مسألة منها وليس هذا محل بسطها أو نقدها. (١)

стр. 24

التيار الثالث: بعض المتصدين للواقع من الدعاة والمفكرين . ويمكن تصنيف هؤلاء على وجه الإجمال إلى فريقين: الفريق الأول: من يلمس منه ضعف في التأصيل أو تذبذب في الموقف الشرعي. وربما اقترب هؤلاء من دعاة العصرانية في بعض المسائل والقضايا حتى لا يمكن التفريق بين أقوالهم. والفريق الثاني: من يلمس منه وضوح في التأصيل الشرعي. ومن أبرز من تصدى لبيان بطلان أديان النصارى والرد عليهم في العصور المتأخرة: الشيخ رحمة الله الدهلوي الهندي (١) والداعية أحمد ديدات.

стр. 25

المبحث الرابع: أنواع المجادَلين والمحاوَرين من أهل الكتاب: من استقرأ القرآن والسنة وكلام الأئمة يجد أنه لا يُستثنى أحد من أهل الكتاب من أصل الجدال فهناك الجدال مع كل من: أهل الذمة وأهل الهدنة والأمان وأهل الحرب لرد صيالهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((والمجادلة قد تكون مع أهل الذمة؛ والهدنة؛ والأمان؛ ومن لا يجوز قتاله بالسيف؛ وقد تكون في ابتداء الدعوة؛ كما كان النبي ﷺ يجاهد الكفار بالقرآن؛ وقد تكون لبيان الحق وشفاء القلوب من الشبه مع من يطلب الاستهداء والبيان ... )) . (١)

стр. 26

المبحث الأول: أدلة مشروعية مجادلة أهل الكتاب من القرآن: ١- قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . قال ابن كثير في تفسيرها: ((وقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل ١٦ / ١٢٥] أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب..)) (١) اهـ. وقال الشيخ ابن سعدي ﵀: (( ... فإنْ كان المدعو يرى أنَّ ما هو عليه الحق أو كان داعية إلى الباطل فيجادل بالتي هي أحسن وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا. ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها فإنَّه أقرب إلى حصول المقصود وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها ولا تحصل الفائدة منها بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها)) . أهـ. (٢)

стр. 27

٢- وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة العنكبوت ٢٩ / ٤٦] . قال الشوكاني ﵀: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: إلا بالخصلة التي هي أحسن وذلك على سبيل الدعاء لهم إلى الله والتنبيه لهم على حججه وبراهينه رجاء إجابتهم إلى الإسلام لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بأن أفرطوا في المجادلة ولم يتأدبوا مع المسلمين فلا بأس بالإغلاظ عليهم والتخشين في مجادلتهم)) . (١) والمتأمل في القرآن يجد أنَّ معظم القضايا التي جادل القرآن فيها أهل الكتاب تدور على محورين: ١- توحيد الله وعبادته. ٢- إثبات نبوة محمد ﷺ والإيمان به. (٢) والأمر بمجادلة أهل الكتاب في القرآن جاء مقرونا بالإحسان ومن الإحسان:

стр. 28

١- اتباع طريقة القرآن في جداله لأهل الكتاب ((والأصل في باب مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن هو آية آل عمران: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران ٣ / ٦٤] )) . (١) ولهذا امتثلها النبي ﷺ فكتبها في رسالته إلى هرقل عظيم الروم يدعوه إلى الإسلام ونبذ الشرك. وقد حرَّفَ العصرانيون معنى ((الكلمة السواء)) إلى معانٍ فاسدة. (٢) ٢- عدم تكذيب ما عندهم تكذيبا عاما لمجرد كونه من كتبهم بل ينبغي السكوت عن ذلك فلا يصدقون ولا يكذبون. (٣) ٣- ومنه: عدم تفضيل نبينا محمد ﷺ على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام على وجه الحمية والعصبية لحديث أبي هريرة عند البخاري: قال ﷺ : ((لا تخيروني على موسى ... )) . (٤) وفي رواية عند البخاري أيضا: ((لا تفضلوا بين أولياء الله)) . (٥)

стр. 29

٤- ومنه: أن تكون المجادلة:: ((بحسن خلق ولطف ولين كلام ودعوة إلى الحق وتحسينه ورد الباطل وتهجينه بأقرب طريق موصل لذلك وأن لا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق)) . (١) ٥- ومنه: أن ينزل خطاب كل طائفة منهم على ما يقتضيه فقه الواقع ومعرفة المجادل أوالمحاور بأحوالهم إذْ إنهم: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ . وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [سورة الأنعام ٦ / ٥٥] فيفوت من الإحسان في جدالهم على قدر تفريط المجادل في: ١- العلم بالحق ومعرفة تفصيل الآيات. ٢- ضعف استبانة سبيل المجرمين وما هم عليه من الضلال المبين.

стр. 30

أولا: غشيانهم في محافلهم ومجتمعاتهم لدعوتهم إلى الإسلام . من هذا حديث أنس ﵁ قال: ((كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: أسلم؛ فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطِعْ أبا القاسم ﷺ فأسلَمَ فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار)) . رواه البخاري. (١)

стр. 31

ثانيا: الكتابة إلى ملوكهم ورؤسائهم . روى ابن عباس - كما في حديث أبي سفيان الطويل مع هرقل - أن النبي ﷺ كتب إلى هرقل: ((بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلامٌ على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم يؤتِكَ اللهُ أجرَك مرتين. فإنْ توليتَ فإنَّ عليك إثمَ الأريسيين. و ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران ٣ / ٦٤] . رواه البخاري. (١)

стр. 32

ثالثا: استقبال وفودهم . من ذلك استقبال وفد نجران النصارى. قال حذيفة ﵁: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه. قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا. فقال: لأبعثن معكم رجلا أمينا حقَّ أمين فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ فقال: قُمْ يا أبا عبيدة ابن الجراح فلما قام قال رسول الله ﷺ : هذا أمين هذه الأمة)) رواه البخاري. (١)

стр. 33

المبحث الثالث: حكم مجادلة وحوار أهل الكتاب: ينقسم حكم الجدل معهم إلى قسمين: الأول: الجدل الممدوح: وهو الجدل الذي يقصد به تأييد الحق أو إبطال الباطل أو أفضى إلى ذلك بطريق صحيح. ومن هذا الجدل ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض على الكفاية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( ... والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهذا واجب على الكفاية منهم. وأما ما وجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ومعرفتهم ... )) . (١) وقال ﵀ أيضا: (( ... فأما المجادلة الشرعية كالتي ذكرها الله تعالى عن الأنبياء ﵈ وأمر بها في مثل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ وقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل ١٦ / ١٢٥] وأمثال ذلك فقد يكون واجبا أو مستحبا وما كان كذلك لم يكن مذموما في الشرع)) . (٢)

стр. 34

وذكر ابن القيم ﵀ في ((الهدي)) ضمن فقه قصة وفد نجران: ((ومنها: جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم بل استحباب ذلك بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم وإقامة الحجة عليهم ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة ... )) . أهـ. (١) وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد قصة أهل نجران -: ((وفيها جواز مجادلة أهل الكتاب وقد تجب إذا تعينت مصلحته)) . (٢)

стр. 35

الثاني: الجدل المذموم: وهو الجدل الذي يقصد به الباطل أو تأييده أو يفضي إليه أو كان القصد منه مجرد التعالي على الخصم والغلبة عليه فهذ ممنوع شرعا ويتأكد تحريمه إذا قلب الحق باطلا أو الباطل حقا. قال ابن تيمية ﵀: ((والمذموم شرعا ما ذمه الله ورسوله كالجدل بالباطل والجدل بغير علم والجدل في الحق بعدما تبين ... )) . (١) ويدخل في هذا النوع دعوات التقارب ونظريات الخلط بين الأديان فإنَّها من الباطل الصرف؛ كما يدخل فيه كثير من الحوارات الحضارية المعقودة مع أهل الكتاب لما تفضي إليه من الباطل. ومما يحسن مراعاته في هذا المقام التفريق بين مقام الدعوة ومقام دفع الصائل وهل هما على حد سواء أم لا؟ من استبان عنده الفرق بين المقامين لُمِسَ من كلامه نصرة الإسلام وعزته ولهذا فإنَّ الفرق جليٌ بين من يرد وينافح على سبيل الدعوة وبين من يرد على هيئة دفع الصائل!

стр. 36

إنَّ الرد على جاحد الحق الذي يقيم الحجج والشبه على باطله لا ينبغي أن يكون من باب الدعوة بالحكمة أو الموعظة الحسنة بل يجب أن يكون من باب دفع ضرره عن المسلمين وصياله عليهم فإذا صال عسكر الكفر على المسلمين بالسلاح المادي وجب أن يرد ذلك بالسلاح المادي إنْ كان في المسلمين طاقة وقدرة والقدرة بالسيف ليست دائمة للمسلمين بخلاف ما إذا صال عسكر الكفر بالحجج الباطلة فإنه يجب على أهل العلم والإيمان الدفاع عن الإسلام بإقامة حججه الصحيحة ودلائله الصريحة وذلك أن الإسلام منصور أبدا في مقام الحجة والبرهان هذا هو الأصل.

стр. 37

ولا يغيظ الكفار شيء كما يغيظهم إقامة حجة الإسلام وبيان براهينه والتدليل على أباطيل الكفر وأحابيله. يقول أبو محمد ابن حزم -وهو كلام نفيس-: ((وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ . ولا غيظ أغيظ على الكفار والمبطلين من هتك أقوالهم بالحجة الصادعة وقد تهزم العساكر الكبار والحجة الصحيحة لا تغلب أبدا فهي أدعى إلى الحق وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمة وأفاضل الصحابة الذين لا نظير لهم إنما أسلموا بقيام البراهين على صحة نبوة محمد ﷺ عندهم فكانوا أفضل ممن أسلم بالغلبة بلا خلاف من أحد المسلمين. وأول ما أمر الله نبيه محمدا ﷺ أن يدعو له الناس بالحجة البالغة بلا قتال فلما قامت الحجة وعاندوا الحق أطلق الله تعالى عليهم السيف حينئذ؛ وقال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ . وقال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ . ولا شك في أن هذا إنما هو بالحجة لأن السيف مرة لنا ومرة علينا وليس كذلك

стр. 38

البرهان بل هو لنا أبدا ودامغ لقول مخالفينا ومزهق له أبدا. ورب قوة باليد قد دمغت بالباطل حقا كثيرا فأزهقته منها يوم الحرة ويوم قتل عثمان ﵁ ويوم قتل الحسين وابن الزبير ﵃ ... وقد قتل أنبياء كثير وما غلبت حجتهم قط ... )) . أهـ. (١) وإذا تقرر ذلك فإنَّ المجادل عن الإسلام عليه أن يدرك أحوال من يجادل ويحاور في قبوله أورده للحق فإنْ أنزلهم منزلة واحدة فهناك يفقد الكلام معناه ويصبح الأمر مضطربا محيرا لمن قلَّتْ بصيرته في هذا الباب ويكون ذلك داعيا لفتنة بعض المسلمين ببعض. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((الإنسان له ثلاثة أحوال: إما أن يعرف الحق ويعمل به. وإما أن يعرفه ولا يعمل به. وإما أن يجحده. فأفضلها أن يعرف الحق ويعمل به. والثاني: أن يعرفه لكن نفسه تخالفه فلا توافقه على العمل به. والثالث: من لا يعرفه بل يعارضه. فصاحب الحال الأول هو الذي يدعى بالحكمة فإنَّ الحكمة هي العلم بالحق والعمل به فالنوع الأكمل من الناس من يعرف الحق ويعمل به فيُدْعون بالحكمة. والثاني: من يعرف الحق لكن تخالفه نفسه فهذا يوعظ بالموعظة الحسنة.

стр. 39

فهاتان هما الطريقان: الحكمة والموعظة. وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا فإنَّ النفس لها هوى تدعوها إلى خلاف الحق وإنْ عرفته؛ فالناسُ يحتاجون إلى الموعظة الحسنة والى الحكمة فلا بد من الدعوة بهذا وهذا. وأما الجدلُ فلا يدعى به بل هو من باب دفع الصائل؛ فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي هي أحسن. ولهذا قال: ﴿وَجَادِلْهُمْ﴾ فجعله فعلا مأمورا به مع قوله: ادِعُهُمْ فأمر بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأمره أن يجادل بالتي هي أحسن وقال في الجدال: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ولم يقل بـ الْحَسَنَةِ كما قال في الموعظة؛ لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة والموعظة لا تدافع كما يدافع المجادل فما دام الرجل قابلا للحكمة أو الموعظة الحسنة أولهما جميعا لم يحتج إلى المجادلة فإذا مانعَ جودل بالتي هي أحسن)) . انتهى. (١)

стр. 40

اللازم الأول: العلم والعدل:
следующие страницы →