← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1969

التبيان في آداب حملة القرآن

النووي

Полный текст (224 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة حمدا لله على نعمائه، وشكرا له على مزيد الائمة، وصلاة وسلاما على سيدنا وحبيبنا محمد القائل: أدبني ربي فأحسن تأديبي، ورضي الله عن الصحابة الكرام، الذين لم يألوا جهدا في خدمتة القرآن، بل بذلوا وسعهم في تحقيق ما أمروا به، فجمعوه بعد شتات ونقلوه من الصدور إلى السطور، وهذا أمر ليس بالميسور، فجزا هم الله عن هذه الامة خيرا. وبعد، فقد أكرميني الله تعالى الكرامة الثالثة حيث سخرني لخدمة بعض مؤلفات هذا العالم الفاضل. ١ - فالاولى: بستان العارفين، الباحث عن نفائس النفائس من قصص وحكم وأحكام. ٢ - الثانية: كتاب الفتاوى، المتعلق بحقوق الله، وحقوق العباد: من عبادات ومعاملات. ٣ - الثالثة: وهذه - والحمد لله - الخدمة الثالثة التي تكشف للمريد آدابا دقيقة، وفوائد مفيدة: تتعلق بحامل القرآن: فالله أسأل أن يحقق أمنيتي في خدمة هذا الكتاب، الصغير حجمه، العظيم قدره، فينال المكانة القصوى في القلوب، ومقربا من علام الغيوب. تزيل المدينة المنورة الفقير إليه تعالى محمد الحجار

стр. 2

(ثم أورثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا) (١) . (قرآن كريم) بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ (٢) الفقيه (٣) الإمام العالم الورع الزاهد (٤) الضابط

стр. 3

المتقن (١) أبو زكريا يحيى محيى الدين بن شرف بن حزام النوي - رحمه الله تعالى - (٢) . الحمد لله (٣) الكريم. المنان ذي الطول (٤) ، الفضل، والإحسان، الذي هدانا للإيمان، وفضل ديننا على سائر الاديان، ومن علينا بإرساه إلينا أكرم خلقه عليه، وأفضلهم لديه، حبيبه وخليله، وعبده ورسوله، محمدا ﷺ فمحا به عبادة الاوثان، وأكرمه ﷺ بالقرآن المعجزة المستمرة على تعاقب الأزمان، التي يتحدى (٥) بها الإنس والجان بأجمعهم، وأفحم (٦) بها جميع أهل الزيغ والطغيان (٧) ، وجعله ربيعا لقلوب أهل البصائر والعرفان، لا

стр. 4

يخلق (١) على كثرة التردد وتغاير الأحيان (٢) ، ويسره للذكر حتى استظهره (٣) صغار الولدان، وضمن حفظه من تطرق التغير إلى والحدثان (٤) ، وهو محفوظ بحمد الله وفضله ما اختلف الملوان (٥) ، ووفق للإعتناء بعلومه من اصطفاه من أهل الحذق والإتقان، فجمعوا فيها من كل فن ما ينشرح له صدر أهل الإيقان، أحمده على ذلك وغيره من نعمه التي لا تحصى خصوصا على نعمة الايمان، وأسأله المنة علي وعلى سائر أحبابي وسائر المسلمين بالرضوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة محصلة للغفران، منقذة صاحبها من النيران، موصلة له إلى سكنى الجنان (٦) . [أما بعد] فإن الله من على هذه الأمة - زادها الله تعالى شرفا (٧) - بالدين الذي ارتضاه دين الإسلام (٨) ، وأرسل إليها محمدا خير الأنام، عليه منه أفضل الصلاة والبركات والسلام، وأكرمها بكتابه

стр. 5

أفضل الكلام، وجمع فيه جميع ما يحتاج إليه من أخبار الاولين والاخرين، والمواعظ والأمثال، والآداب، وضروب الأحكام، والحجج القاطعات الظاهرات، في الدلالة على وحدانيته، وغير ذلك مما جاءت به رسله صلوات الله عليهم وسلامه الدامغات (١) لأهل الإلحاد الضلال الطغام (٢) ، وضاعف الأجر في تلاوته، وأمرنا بالإعتناء به والإعظام، وملازمة الآداب معه، وبذل الوسع في الاحترام. وقد صنف في فضل تلاوته جماعة من الاماثل (٣) والأعلام، كتبا معروفة عند أولي النهي والأحلام (٤) ، لكن ضعفت الهممن عن حفظها، بل عن مطالعتها، فصار لا ينتفع بها إلا أفراد من أولي الإفهام، ورأيت أهل بلدتنا دمشق - حماها الله تعالى وصانها وسائر بلاد الإسلام - مكثرين من الإعتناء بتلاوة القرآن العزيز: تعلما وتعليما، وعرضا ودراسة، في جماعات وفرادى، مجتهدين في ذلك بالليالي والأيام، زادهم الله حرصا عليه، وعلى جميع أنواع الطاعات، مريدين وجه الله ذي الجلال والإكرام، فدعاني ذلك إلى جمع مختصر في آداب حملته، وأوصاف حفاظه وطلبته، فقد أوجب الله النصح لكتابه، ومن النصيحة له بيان آداب حملته وطلابه، وإرشادهم إليها، وتنبيههم عليها، وأوثر فيه الاختصار، وأحاذر التطويل والإكثار، وأقتصر في كل باب على طرف من أطرافه،

стр. 6

وأرمز (١) من كل ضرب من آدابه إلى بعض أصنافه، فلذلك أكثر ما أذكره بحذف أسانيده. وإن كانت أسانيده بحمد الله عندي من الحاضرة العتيدة (٢) ، فإن مقصودي التنبيه على أصل ذلك، والإشارة بما أذكره إلى ما حذفته مما هنالك. والسبب في إيثار اختصاره، إيثاري حفظه وكثرة الإنتفاع به وانتشاره. ثم ما وقع من غريب الاسماء واللغات في باب في آخر الكتاب، ليكمل انتفاع صاحبه، ويزول الشك عن طالبه، ويندرج في ضمن ذلك، وفي خلال الأبواب جمل من القواعد، ونفائس من مهمات الفوائد، وبين الأحاديث الصحيحة والضعيفة مضافات إلى من رواها من الأئمة الأثبات (٣) . وقد ذهلوا عن نادر من ذلك في بعض الحالات. وأعلم أن العلماء من الحديث وغيرهم جوزوا العمل بالضعيف في فضائل الأعمال (٤) ومع هذا، فإني أقتصر على الصحيح، فلا أذكر

стр. 7

الضعيف إلا في بعض الأحوال، وعلى الله الكريم توكلي واعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وأسأله سلوك سبيل الرشاد، والعصمة من أهل الزيغ والعناد، والدوام على ذلك وغيره من الخير في ازدياد، وأبتهل إليه - سبحانه - أن يوفقني لمرضاته، وأن يجعلني ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، وأن يهديني بحسن النيات، وييسر لي جميع أنواع الخيرات، ويعينني على أنواع المكرمات، ويديمني على ذلك حتى الممات، وأن يفعل ذلك كله بجيمع أحبابي، وسائر المسلمين والمسلمات، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اه -. ويشتمل هذا الكتاب على عشرة أبواب: الفهرس الاجمالي: ١٣ - الباب الأول: في أطراف من فضيلة تلاوة القرآن وحملته. ٢٣ - الباب الثاني: في ترجيح القرآن والقاري على غيرهما. ٢٦ - الباب الثالث: في إكرام أهل القرآن، والنهي عنه أذاهم. ٣١ - الباب الرابع: في آداب معلم القرآن ومتعلمه. ٥٤ - الباب الخامس: في آداب حامل القرآن. ٧٠ - الباب السادس: في آداب القرآن، وهو معظم الكتاب ومقصوده. ١٦٣ - الباب السابع: في آداب الناس كلهم مع القرآن. ١٧٦ - الباب الثامن: في الآيات والسور المستحبة في أوقات وأحوال مخصوصة. ١٨٥ - الباب التاسع: في كتابة القرآن وإكرام المصحف. ١٩٩ - الباب العاشر: فط ضبط ألفاظ هذا الكتاب.

стр. 8

الباب الأول في أطراف من فضيلة تلاوة القرآن وحملته قال الله إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (٣٠) وروينا عن عثمان بن عفان ﵁ قال قال رسول الله ص: خيركم من تعلم القرآن وعلمه

стр. 9

رواه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري في صحيحه الذي هو أصح الكتب بعد القرآن وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران رواه البخاري وأبو الحسين مسلم بن مسلم القشيري النيسابوري في صحيحهما

стр. 10

وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : * مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها طيب حلو

стр. 11

ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر

стр. 12

رواه البخاري ومسلم وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ : قال إن الله تعالى يرفع بهذا الكلام أقواما ويضع به آخرين رواه مسلم وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال سمعت رسول ﷺ : يقول

стр. 13

اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه رواه مسلم وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : قال لا حسد إلا في اثنتين ١ - رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ٢ - ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار رواه البخاري ومسلم وروينا أيضا من رواية عبد الله بن مسعود ﵁ بلفظ لا حسد إلا في اثنتين ١ - رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ٢ - ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف

стр. 14

رواه أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : قال يقول (من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وفضل كلام الله عن سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وعن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : إن الذي ليس في جوفه شئ من القرآن كالبيت الخرب رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ : قال

стр. 15

يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث حسن صحيح وعن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا رواه أبو داود وروى الدارمي بإسناده أن عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : قال اقرؤوا القرآن فإن الله تعالى لا يعذب قلبا وعى القرآن وإن هذا القرآن مأدبة الله فمن دخل فيه فهو آمن ومن أحب القرآن فليبشر

стр. 16

وعن الحميدي الجمالي قال سألت سفيان الثوري عن الرجل يغزو أحب إليك أو يقرأ القرآن فقال يقرأ القرآن لأن النبي ﷺ : قال خيركم من تعلم القرآن وعلمه

стр. 17

[ ... ]

стр. 18

الباب الثاني في ترجيح القراءة والقارئ على غيرهما ثبت عن ابن مسعود الأنصاري البدري ﵁ عن النبي ﷺ : قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى رواه مسلم

стр. 19

وعن ابن عباس ﵄ قال كان القراء أصحاب مجلس عمر ﵁ ومشاورته كهولا وشبابا رواه البخاري في صحيحه وسيأتي في الباب بعد هذا أحاديث تدخل في هذا الباب واعلم أن المذهب الصحيح المختار الذي عليه من يعتمد من العلماء أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وغيرهما من الأذكار وقد تظاهرت الأدلة على ذلك والله أعلم

стр. 20

[ ... ]

стр. 21

الباب الثالث في إكرام أهل القرآن والنهي عن أذاهم قال الله (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) وقال الله تعالى (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وقال تعالى (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقال تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنا ت بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا

стр. 22

وفي الباب حديث أبي مسعود الأنصاري وحديث ابن عباس المتقدمان في الباب الثاني وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط رواه أبو داود وهو حديث حسن وعن عائشة ﵂ قالت

стр. 23

[ ... ]

стр. 24

أمرنا رسول الله ﷺ : أن ننزل الناس منازلهم رواه أبو داود في سننه والبزار في مسنده قال الحاكم أبو عبد الله في علوم الحديث هو حديث صحيح وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ص: كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ثم يقول أيهما أكثر أخذا للقرآن فإن أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد رواه البخاري وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ص: إن الله قال من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب رواه البخاري وثبت في الصحيحين عنه ﷺ : أنه قال من صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله بشئ من ذمته وعن الإمامين الجليلين أبي حنيفة والشافعي ﵄ قالا إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي قال الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر ﵀ اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يغشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار

стр. 25

منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم

стр. 26

الباب الرابع في آداب معلم القرآن ومتعلمه قال هذا الباب مع البابين بعده مقصود الكتاب وهو طويل منتشر جدا فإني أشير إلى مقاصده مختصرة في فصول ليسهل حفظه وضبطه إن شاء الله تعالى [فضل] أول ما ينبغي للمقرئ والقارئ أن يقصدا بذلك رضا الله تعالى قال الله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة أي الملة المستقيمة وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى وهذا الحديث من أصول الإسلام

стр. 27

وروينا عن ابن عباس ﵄ قال إنما يعطى الرجل على قدر نيته وعن غيره إنما يعطى الناس على قدر نياتهم وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري رحمه الله تعالى قال الإخلاص إفراد الحق في الطاعة بالقصد وهو أن يريد بطاعته التقرب الى الله تعالى دون شئ آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس أو محبة أو مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى قال ويصح أن يقال الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين وعن حذيفة المرعشي رحمه الله تعالى الإخلاص استواء أفعال العبد في الظاهر والباطن وعن ذي النون رحمه الله تعالى قال ثلاث من علامات الإخلاص ١ - استواء المدح والذم من العامة ٢ - ونسيان رؤية العمل في الأعمال ٣ - واقتضاء ثواب الأعمال في الآخرة وعن الفضيل بن عياض ﵁ قال ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما وعن سهل التستري رحمه الله تعالى قال نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا أن تكون

стр. 28

حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى وحده لا يمازجه شئ لا نفس ولا هوى ولا دنيا وعن السري ﵁ قال لا تعمل للناس شيئا ولا تترك لهم شيئا ولا تغط لهم شيئا ولا تكشف لهم شيئا وعن القشيري قال أفضل الصدق استواء الصدق والعلانية وعن الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى قال الصادق هو الذي لا يبالي ولو خرج عن كل قدر له في قلوب الخلائق من أجل صلاح قلبه ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله ولا يكره إطلاع الناس على السئ من عمله فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم وليس هذا من أخلاق الصديقين وعن غيره إذا طلبت الله تعالى بالصدق أعطاك الله مرآة تبصر فيها كل شئ من عجائب الدنيا والآخرة وأقاويل السلف في هذا كثيرة أشرنا إلى هذه الأحرف منها تنبيها على المطلوب وقد ذكرت جملا من عن ذلك مع شرحها في أول شرح المهذب

стр. 29

وضممت إليها من آداب العالم والمتعلم والفقيه والمتفقه ما لا يستغني عنه طالب العلم والله أعلم [فصل] وينبغي أن لا يقصد به توصلا إلى غرض من أغراض الدنيا من مال أو رياسة أو وجاهة أو ارتفاع على أقرانه أو ثناء عند الناس أو صرف وجوه الناس إليه أو نحو ذلك * ولا يشوب المقرئ إقراءه بطمع في رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه سواء كان الرفق مالا أو خدمة وإن قل ولو كان على صورة الهدية التي لولا قراءته عليه لما أهداها إليه قال تعالى (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) وقال تعالى (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد) الآية وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : من تعلم علما يبتغي به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة رواه أبو داود بإسناد صحيح ومثله أحاديث كثيرة وعن أنس وحذيفة وكعب بن مالك ﵃ أن رسول الله ﷺ : قال

стр. 30

من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يكاثر به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار رواه الترمذي من رواية كعب بن مالك وقال أدخله النار إخلاص المعلم له [فصل] وليحذر كل الحذر من قصده التكثر بكثرة المشتغلين عليه والمختلفين إليه وليحذر من كراهته قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به وهذه مصيبة يبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين وهي دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته بل هي حجة فاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم فإنه لو أراد الله بتعليمه لما كره ذلك بل قال لنفسه أنا أردت الطاعة بتعليمه وقد حصلت وقد قصد بقراءته على غيري زيادة علم فلا عتب عليه

стр. 31

وقد روينا في مسند الإمام المجمع على حفظه وإمامته أبي محمد الدارمي رحمة الله عليه عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال يا حملة القرآن أو قال يا حملة العلم اعملوا به فإنما العلم من عمل بما علم ووافق علمه عمله وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم يخالف عملهم علمهم وتخالف سريرتهم علانيتهم يجلسون حلقا يباهي بعضهم بعضا حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى وقد صح عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم يعني علمه وكتبه أن لا ينسب إلي حرف منه

стр. 32

مكارم الاخلاق [فصل] وينبغي للمعلم أن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها والخصال الحميدة والشيم المرضية التي أرشده الله إليها من الزهادة في الدنيا والتقلل منها وعدم المبالاة بها وبأهلها والسخاء والجود ومكارم الأخلاق وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة والحلم والصبر والتنزه عن دنئ المكاسب وملازمة الورع والخشوع والسكينة والوقار والتواضع والخضوع واجتناب الضحك والإكثار من المزاح وملازمة الوظائف الشرعية كالتنظيف وتقليم بإزالة الأوساخ والشعور التي ورد الشرع بإزالتها كقص الشارب وتقليم الظفر وتسريح اللحية وإزالة الروائح الكريهة والملابس المكروهة

стр. 33

وليحذر كل الحذر من الحسد والرياء والعجب واحتقار غيره وإن كان دونه وينبغي أن يستعمل الأحاديث الواردة في التسبيح والتهليل ونحوهما من الأذكار والدعوات وأن يراقب الله تعالى في سره وعلانيته ويحافظ على ذلك وأن يكون تعويله في جميع أموره على الله تعالى الاحسان للمتعلم [فصل] وينبغي له أن يرفق بمن يقرأ عليه وأن يرحب به ويحسن إليه بحسب حاله فقد روينا عن أبي هرون العبدي قال كنا نأتي أبا سعيد الخدري ﵁ فيقول: مرحبا بوصية رسول الله ﷺ : إن النبي ﷺ : قال إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما وروينا نحوه في مسند الدارمي عن أبي الدرداء رضي الله عنه

стр. 34

إخلاص النصيحة له [فصل] وينبغي أن يبذل لهم النصيحة فإن رسول الله ﷺ : قال الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم رواه مسلم ومن النصيحة لله تعالى ولكتابه إكرام قارئه وطالبه وإرشاده إلى مصلحته والرفق به ومساعدته على طلبه بما أمكن وتأليف قلب الطالب وأن يكون سمحا بتعليمه في رفق متلطفا به ومحرضا له على التعلم * وينبغي أن يذكره فضيلة ذلك ليكون سببا في نشاطه وزيادة في رغبته ويزهده في الدنيا ويصرفه عن الركون إليها والإغترار بها

стр. 35

ويذكره فضيلة الإشتغال بالقرآن وسائر العلوم الشرعية وهو طريق العارفين وعباد الله الصالحين وأن ذلك رتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام * وينبغي أن يشفق على الطالب ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح ولده ومصالح نفسه ويجري المتعلم مجرى ولده في الشفقة عليه والصبر على جفائه وسوء أدبه ويعذره في قلة أدبه في بعض الأحيان فإن الإنسان معرض للنقائص لا سيما إن كان صغير السن * وينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه من الخير وأن يكره له ما يكره لنفسه من النقص مطلقا فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ : أنه قال لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وعن ابن عباس ﵄ قال أكرم الناس على جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت وفي رواية إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني وينبغي أن لا يتعاظم على المتعلمين بل يلين لهم ويتواضع معهم فقد جاء في التواضع لآحاد الناس أشياء كثيرة معروفة فكيف بهؤلاء الذين هم بمنزلة أولاده مع ما هم عليه من الاشتغال بالقرآن مع ما لهم عليه من حق الصحبة وترددهم إليه وقد جاء عن رسول الله ﷺ : أنه قال لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه وعن أبي أيوب السختياني ﵀ قال ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعا لله عز وجل

стр. 36

تأليف المتعلم [فصل] وينبغي أن يؤدب المتعلم على التدريج بالآداب السنية والشيم المرضية ورياضة نفسه بالدقائق الخفية ويعوده الصيانة في جميع أموره الباطنة والجلية ويحرضه بأقواله وأفعاله المتكررات على الإخلاص والصدق وحسن النيات ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات ويعرفه أن لذلك تتفتح عليه أنوار المعارف وينشرح صدره ويتفجر من قلبه ينابيع الحكم واللطائف ويبارك له في علمه وحاله ويوفق في أفعاله وأقواله حكم التعليم [فصل] تعليم المتعلمين فرض كفاية فإن لم يكن من يصلح إلا

стр. 37

واحد تعين وإن كان هناك جماعة يحصل التعليم ببعضهم فإن امتنعوا كلهم أثموا وإن قام به بعضهم سقط الحرج عن الباقين وإن طلب من أحدهم وامتنع فأظهر الوجهين أنه لا يأثم لكن يكره له ذلك إن لم يكن عذر إخلاص المعلم [فصل] يستحب للمعلم أن يكون حريصا على تعليمهم مؤثرا ذلك على مصالح نفسه الدنيوية التي ليست بضرورية

стр. 38

وأن يفرغ قلبه في حال جلوسه لإقرائهم من من الأسباب الشاغلة كلها وهي كثيرة معروفة وأن يكون حريصا على تفهيمهم وأن يعطي كل إنسان منهم ما يليق به فلا يكثر على من لا يحتمل الإكثار ولا يقصر لمن يحتمل الزيادة ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم ويثني على من ظهرت نجابته ما لم يخش عليه فتنة بإعجاب أو غيره ومن قصر عنفه تعنيفا لظيفا في ما لم يخش عليه تنفيره ولا يحسد أحدا منه لبراعة تظهر منه ولا يستكثر فيه ما أنعم الله به عليه فإن الحسد للأجانب حرام شديد التحريم فكيف للمتعلم الذي هو بمنزلة الولد ويعود من فضيلته إلى معلمه في الآخرة الثواب الجزيل وفي الدنيا الثناء الجميل والله الموفق [فصل] ويقدم في تعليمهم إذا ازدحموا الأول فالأول فإن رضي الأول بتقديم غيره قدمه وينبغي أن يظهر لهم البشر وطلاقة الوجه ويتفقد أحوالهم ويسأل عمن غاب منهم [فصل] قال العلماء ﵃ ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية فقد قال سفيان وغيره طلبهم للعلم نية وقالوا طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله معناه كانت غايته أن صار لله تعالى

стр. 39

أدب المعلم [فصل] ومن آدابه المتأكدة وما يعتنى به أن يصون يديه في حال الإقراء عن العبث وعينيه عن تفريق نظرهما من غير حاجة ويقعد على طهارة مستقبل القبلة ويجلس بوقار وتكون ثيابه بيضا نظيفة وإذا وصل إلى موضع جلوسه صلى ركعتين قبل الجلوس سواء كان الموضع مسجدا أو غيره فإن كان مسجدا كان آكد فيه فإنه يكره الجلوس فيه قبل أن يصلي ركعتين ويجلس متربعا إن شاء أو غير متربع روى أبو بكر بن أبي داود السجستاني باسناده عن عبد الله بن مسعود ﵁ كان يقرئ الناس في المسجد جاثيا على ركبتيه [فصل] ومن آدابه المتأكدة وما يعتني بحفظه أن لا يذل العلم فيذهب إلى مكان ينسب إلى من يتعلم منه ليتعلم منه فيه وأن كان المتعلم خليفة فمن دونه بل يصون العلم عن ذلك كما صانه عنه السلف ﵃ وحكاياتهم في هذا كثيرة مشهورة [فصل] وينبغي أن يكون مجلسه واسعا ليتمكن جلساؤه فيه ففي الحديث عن النبي ﷺ : خير المجالس أوسعها رواه أبو داود في سنته في أوائل كتاب الآداب بإسناد صحيح من

стр. 40

رواية أبي سعيد الخدري ﵁ في آداب المتعلم [فصل] جميع ما ذكرناه من آداب المعلم في نفسه آداب للمتعلم
следующие страницы →