Полный текст (224 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
تأليف المتعلم
[فصل] وينبغي أن يؤدب المتعلم على التدريج بالآداب السنية والشيم المرضية ورياضة نفسه بالدقائق الخفية ويعوده الصيانة في جميع أموره الباطنة والجلية ويحرضه بأقواله وأفعاله المتكررات على الإخلاص والصدق وحسن النيات ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات ويعرفه أن لذلك تتفتح عليه أنوار المعارف وينشرح صدره ويتفجر من قلبه ينابيع الحكم واللطائف ويبارك له في علمه وحاله ويوفق في أفعاله وأقواله
حكم التعليم
[فصل] تعليم المتعلمين فرض كفاية فإن لم يكن من يصلح إلا
стр. 37
واحد تعين وإن كان هناك جماعة يحصل التعليم ببعضهم فإن امتنعوا كلهم أثموا وإن قام به بعضهم سقط الحرج عن الباقين وإن طلب من أحدهم وامتنع فأظهر الوجهين أنه لا يأثم لكن يكره له ذلك إن لم يكن عذر
إخلاص المعلم
[فصل] يستحب للمعلم أن يكون حريصا على تعليمهم مؤثرا ذلك على مصالح نفسه الدنيوية التي ليست بضرورية
стр. 38
وأن يفرغ قلبه في حال جلوسه لإقرائهم من من الأسباب الشاغلة كلها وهي كثيرة معروفة وأن يكون حريصا على تفهيمهم وأن يعطي كل إنسان منهم ما يليق به فلا يكثر على من لا يحتمل الإكثار ولا يقصر لمن يحتمل الزيادة ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم ويثني على من ظهرت نجابته ما لم يخش عليه فتنة بإعجاب أو غيره ومن قصر عنفه تعنيفا لظيفا في ما لم يخش عليه تنفيره ولا يحسد أحدا منه لبراعة تظهر منه ولا يستكثر فيه ما أنعم الله به عليه فإن الحسد للأجانب حرام شديد التحريم فكيف للمتعلم الذي هو بمنزلة الولد ويعود من فضيلته إلى معلمه في الآخرة الثواب الجزيل وفي الدنيا الثناء الجميل والله الموفق
[فصل] ويقدم في تعليمهم إذا ازدحموا الأول فالأول فإن رضي الأول بتقديم غيره قدمه وينبغي أن يظهر لهم البشر وطلاقة الوجه ويتفقد أحوالهم ويسأل عمن غاب منهم
[فصل] قال العلماء ﵃ ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية فقد قال سفيان وغيره طلبهم للعلم نية وقالوا طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله معناه كانت غايته أن صار لله تعالى
стр. 39
أدب المعلم
[فصل] ومن آدابه المتأكدة وما يعتنى به أن يصون يديه في حال الإقراء عن العبث وعينيه عن تفريق نظرهما من غير حاجة ويقعد على طهارة مستقبل القبلة ويجلس بوقار وتكون ثيابه بيضا نظيفة وإذا وصل إلى موضع جلوسه صلى ركعتين قبل الجلوس سواء كان الموضع مسجدا أو غيره فإن كان مسجدا كان آكد فيه فإنه يكره الجلوس فيه قبل أن يصلي ركعتين ويجلس متربعا إن شاء أو غير متربع روى أبو بكر بن أبي داود السجستاني باسناده عن عبد الله بن مسعود ﵁ كان يقرئ الناس في المسجد جاثيا على ركبتيه
[فصل] ومن آدابه المتأكدة وما يعتني بحفظه أن لا يذل العلم فيذهب إلى مكان ينسب إلى من يتعلم منه ليتعلم منه فيه وأن كان المتعلم خليفة فمن دونه بل يصون العلم عن ذلك كما صانه عنه السلف ﵃ وحكاياتهم في هذا كثيرة مشهورة
[فصل] وينبغي أن يكون مجلسه واسعا ليتمكن جلساؤه فيه ففي الحديث عن النبي ﷺ :
خير المجالس أوسعها رواه أبو داود في سنته في أوائل كتاب الآداب بإسناد صحيح من
стр. 40
رواية أبي سعيد الخدري ﵁ في آداب المتعلم
[فصل] جميع ما ذكرناه من آداب المعلم في نفسه آداب للمتعلم
стр. 41
ومن آدابه أن يجتنب الأسباب الشاغلة عن التحصيل إلا سببا لا بد منه للحاجة وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول القرآن وحفظه واستثماره فقد صح عن رسول الله ﷺ : أنه قال ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب وقد أحسن القائل بقوله يطيب القلب للعلم كما تطيب الأرض للزراعة وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويتأدب معه وأن كان أصغر منه سنا وأقل شهرة ونسبا وصلاحا وغير ذلك ويتواضع للعلم فبتواضعه يدركه وقد قالوا نظما العلم حرب للفتى المتعالي * بن كالسيل حرب للمكان العالي *
стр. 42
وينبغي أن ينقاد لمعلمه ويشاوره في أموره ويقبل قوله كالمريض العاقل يقبل قول الطبيب الناصح الحاذق وهذا أولى
[فصل] ولا يتعلم إلا ممن تكلمت أهليته وظهرت ديانته وتحققت معرفته واشتهرت صيانته فقد قال محمد بن سيرين ومالك بن أنس وغيرهما من السلف هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم وعليه أن ينظر معلمه بعين الاحترام ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على طبقته فإنه أقرب إلى انتفاعه به وكان بعض المتقدمين إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشئ وقال اللهم استر عيب معلمي عني ولا تذهب بركة علمه مني وقال الربيع صاحب الشافعي رحمهما الله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال من حق المعلم عليك أن تسلم على الناس عامة وتخصه دونهم بتحية وأن تجلس أمامه ولا تشيرن عنده بيدك ولا تغمزن بعينيك ولا تقولن قال فلان خلاف ما تقول ولا تغتابن عنده أحدا ولا تشاور جليسك في مجلسه ولا تأخذ بثوبه إذا قام ولا تلح عليه إذا كسل ولا تعرض أي تشبع من طول صحبته وينبغي أن يتأدب بهذه الخصال التي أرشد إليها علي كرم الله وجهه وأن يرد غيبة شيخه إن قدر فإن تعذر عليه ردها فارق ذلك المجلس اه.
стр. 43
[فصل] ويدخل على الشيخ كامل الخصال متصفا بما ذكرناه في المعلم متطهرا مستعملا للسواك فارغ القلب من الأمور الشاغلة
* وأن لا يدخل بغير استئذان إذا كان الشيخ في مكان يحتاج فيه إلى * استئذان وأن يسلم على الحاضرين إذا دخل ويخصه دونهم بالتحية * وأن يسلم عليه وعليهم إذا انصرف كما جاء في الحديث فليست * الأولى أحق من الثانية ولا يتخطى رقاب الناس بل يجلس حيث ينتهي به المجلس إلا أن يأذن له الشيخ في التقدم أو يعلم من حالهم إيثار ذلك ولا يقيم أحدا من موضعه فإن آثره غيره لم يقبل اقتداء بابن عمر ﵄ إلا أن يكون في تقديمه مصلحة للحاضرين أو أمره الشيخ بذلك ولا يجلس في وسط الحلقة إلا لضرورة * ولا يجلس بين صاحبين بغير إذنهما وإن فسحا له قعد وضم نفسه
أدبه مع رفاقه
[فصل] وينبغي أيضا أن يتأدب مع رفقته وحاضري مجلس الشيخ فإن ذلك تأدب مع الشيخ وصيانة لمجلسه ويقعد بين يدي الشيخ قعدة المتعلمين لا قعدة
стр. 44
المعلمين ولا يرفع صوته رفعا بليغا من غير حاجة ولا يضحك ولا يكثر الكلام من غير حاجة ولا يعبث بيده ولا بغيرها ولا يلتفت يمينا ولا شمالا من غير حاجة بل يكون متوجها إلى الشيخ مصغيا إلى كلامه أدبه مع شيخه
[فصل] ومما يتأكد الاعتناء به أن لا يقرأ على الشيخ في حال شغل قلب الشيخ وملله واستيفازه سنة وروعه وغمه وفرحه وعطشه ونعاسه وقلقه ونحو ذلك مما يشق عليه أو يمنعه من كمال حضور القلب والنشاط وأن يغتنم أوقات نشاطه ومن آدابه أن يتحمل جفوة الشيخ وسوء خلقه ولا يصده ذلك عن ملازمته واعتقاد كماله ويتأول لأفعاله وأقواله التي ظاهرها الفساد تأويلات صحيحة فما يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق أو عديمه وأن جفاه الشيخ ابتدأ هو بالاعتذار إلى الشيخ وأظهر أن الذنب له والعتب عليه فذلك أنفع له في الدنيا والآخرة وأنقى لقلب الشيخ
стр. 45
وقد قالوا من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الاخرة والدنيا ومنه الأثر المشهور عن ابن عباس ﵄ ذللت طالبا فعززت مطلوبا وقد أحسن من قال
من لم يذق طعم المذلة ساعة * قطع الزمان بأسره مذلولا
حرصه على العلم
[فصل] ومن آدابه المتأكدة أن يكون حريصا على التعلم مواظبا عليه في جميع الأوقات التي يتمكن منه فيها ولا يقنع بالقليل مع تمكنه من الكثير ولا يحمل نفسه ما لا يطيق مخافة من الملل وضياع ما حصل وهذا يختلف باختلاف الناس والأحوال وإذا جاء إلى مجلس الشيخ فلم يجده انتظر ولازم بابه ولا يفوت وظيفته إلا أن يخاف كراهة الشيخ لذلك بأن يعلم من حاله الإقراء في وقت بعينه وأنه لا يقرئ في غيره وإذا وجد الشيخ نائما أو مشتغلا بمهم لم يستأذن عليه بل يصبر إلى استيقاظه أو فراغه أو ينصرف والصبر أولى كما كان ابن عباس ﵄ وغيره يفعلون وينبغي أن يأخذ نفسه بالإجتهاد في التحصيل في وقت الفراغ والنشاط وقوة البدن ونباهة الخاطر وقلة الشاغلات قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ تفقهوا قبل أن تسودوا
стр. 46
معناه اجتهدوا في كمال أهليتكم قبل وأنتم أتباع قبل أن تصيروا سادة فإنكم إذا صرتم سادة متبوعين امتنعتم من التعلم لارتفاع منزلتكم وكثرة شغلكم وهذا معنى قول الإمام الشافعي ﵁ تفقه قبل أن ترأس فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه
[فصل] وينبغي أن يبكر بقراءته على الشيخ أول النهار لحديث النبي ﷺ : اللهم بارك لأمتي في بكورها وينبغي أن يحافظ على قراءة محفوظه وينبغي أن لا يؤثر بنوبته غيره فإن الإيثار مكروه في القرب بخلاف الإيثار بحظوظ النفس فإنه محبوب فإن رأى الشيخ المصلحة في الإيثار في بعض الأوقات لمعنى
стр. 47
شرعي فأشار عليه بذلك امتثل أمره ومما يجب عليه ويتأكد الوصية به ألا يحسد أحدا من رفقته أو غيرهم على فضيلة رزقه الله إياها وأن لا يعجب بنفسه بما خصه الله وقد قدمنا ايضاح هذا في آداب الشيخ وطريقه في نفي العجب أن يذكر نفسه أنه لم يحصل ما حصله بحوله وقوته وإنما هو فضل من الله ولا ينبغي أن يعجب بشئ لم يخترعه بل أودعه الله تعالى فيه وطريقه في نفي الحسد أن يعلم أن حكمة الله تعالى اقتضت جعل هذه الفضيلة في هذا
стр. 48
فينبغي أن لا يعترض عليها ولا يكره حكمة أرادها الله تعالى ولم يكرهها
стр. 49
الباب الخامس في آداب حامل القرآن
قد تقدم جمل منه في الباب الذي قبل هذا ومن آدابه أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالا للقرآن وأن يكون مصونا عن دنئ الاكتساب شريف النفس مرتفعا على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا متواضعا للصالحين وأهل الخير والمساكين وأن يكون متخشعا ذا سكينة ووقار * فقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح لكم الطريق فاستبقوا الخيرات لا تكونوا عيالا على الناس
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصحته إذا الناس يخوضون، ويخسوعه إذا الناس يختالون وعن الحسن بن علي ﵁ قال إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها في النهار
стр. 50
وعن الفضيل بن عياض قال ينبغي لحامل القرآن أن لا تكون له حاجة إلى أحد من الخلفاء فمن دونهم وعنه أيضا قال حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو ولا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيما لحق القرآن
بعده عن التكسب به
[فصل] ومن أهم ما يؤمر به أن يحذر كل الحذر من اتخاذ القرآن معيشة يكتسب بها
стр. 51
فقد جاء عن عبد الرحمن بن شبيل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ : اقرؤوا القرآن من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه
ولا يتأجلونه رواه بمعناه من رواية سهل بن سعد معناه يتعجلون أجره إما بمال وإما سمعة ونحوها
стр. 52
وعن فضيل بن عمرو ﵁ قال دخل رجلان من أصحاب رسول الله ﷺ : مسجدا فلما سلم الإمام قام رجل فتلا آيات من القرآن ثم سأل فقال أحدهما إنا لله وإنا إليه راجعون سمعت رسول الله ﷺ : يقول سيجئ قوم يسألون بالقرآن فمن سأل بالقرآن فلا تعطوه وهذا الإسناد منقطع فإن الفضل بن عمرو لم يسمع الصحابة وأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن فقد اختلف العلماء فيه فحكى الإمام أبو سليمان الخطابي منع أخذ الأجرة عليه من جماعة من العلماء منهم الزهري وأبو حنيفة وعن جماعة أنه يجوز إن لم يشترطه وهو قول الحسن البصري والشعبي وابن سيرين وذهب عطاء ومالك والشافعي وآخرون إلى جوازها إن شارطه واستأجره إجارة صحيحة وقد جاء بالجواز الأحاديث الصحيحة واحتج من منعها بحديث عبادة بن الصامت أنه علم رجلا من أهل الصفة القرآن فأهدى له قوسا فقال له النبي ﷺ :
стр. 53
إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها وهو حديث مشهور رواه أبو داود وغيره وبآثار كثيرة عن السلف
وأجاب المجوزون عن حديث عبادة بجوابين
١ - أحدهما أن في إسناده مقالا
٢ - والثاني أنه كان تبرع بتعليمه فلم يستحق شيئا ثم أهدي إليه على سبيل العوض فلم يجز له الأخذ بخلاف من يعقد معه إجارة قبل التعليم والله أعلم
стр. 54
موقف السلف منه
[فصل] ينبغي أن يحافظ على تلاوته ويكثر منها وكان السلف ﵃ لهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه فروى ابن أبي داود عن بعض السلف ﵃ أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة واحدة وعن بعضهم في كل شهر ختمة * وعن بعضهم في كل عشر ليال ختمة * وعن بعضهم في كل ثمان ليال وعن الأكثرين في كل سبع ليال * وعن بعضهم في كل ست * وعن بعضهم في كل خمس * وعن بعضهم في كل أربع * وعن كثيرين في كل ثلاث * وعن بعضهم في كل ليلتين * وختم بعضهم في كل يوم وليلة ختمة * ومنهم من كان يختم في كل يوم وليلة ختمتين * ومنهم من كان يختم ثلاثا وختم بعضهم ثمان ختمات أربعا بالليل وأربعا بالنهار فمن الذين كانوا يختمون ختمة في الليل واليوم عثمان بن عفان ﵁ وتميم الداري وسعيد بن جبير ومجاهد والشافعي وآخرون
стр. 55
ومن الذين كانوا يختمون ثلاث ختمات سليم بن عمر ﵁ قاضي مصر في خلافة معاوية ﵁ وروى أبو بكر بن أبي داود أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات وروى أبو عمر الكندي في كتابه في قضاة مصر أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات قال الشيخ الصالح أبو عبد الرحمن السلمي ﵁ سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول كان ابن الكاتب ﵁ يختم بالنهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات وهذا أكثر ما بلغنا من اليوم والليلة وروى السيد الجليل أحمد الدورقي بإسناده عن منصور بن زادان عن عباد التابعين ﵁ أنه كان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر ويختمه أيضا فيما بين المغرب والعشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل وروى أبو داود بإسناده الصحيح أن مجاهدا كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء وعن منصور قال كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان وعن إبراهيم بن سعد قال كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن وأما الذي يختم في ركعة فلا يحصون لكثرتهم فمن المتقدمين عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير ﵃ ختمة في كل ركعة في الكعبة
стр. 56
وأما الذين ختموا في الأسبوع مرة فكثيرون نقل عن عثمان بن عفان ﵁ وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب ﵃ وعن جماعة من التابعين كعبد الرحمن بن يزيد وعلقمة وإبراهيم ﵏ والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر ما يحصل له كمال فهم ما يقرؤه وكذا من كان مشغولا بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم وليلة ويدل عليه الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال قال رسول الله ﷺ :
стр. 57
لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم قال الترمذي حديث حسن صحيح والله أعلم افتتاحه وختمه وأما وقت الابتداء والختم لمن يختم في الأسبوع فقد روى أبو داود أن عثمان بن عفان ﵁ كان يفتتح القرآن ليلة الجمعة ويختمه ليلة الخميس وقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء الأفضل أن يختم ختمة بالليل وأخرى بالنهار ويجعل ختمة النهار يوم الإثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما ويجعل ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعتي المغرب أو بعدهما ليستقبل أول النهار وآخره
стр. 58
وروى ابن أبي داود عن عمر بن مرة التابعي قال كانوا يحبون أن يختم القرآن من أول الليل أو من أول النهار وعن طلحة بن مصرف التابعي الجليل قال من ختم القرآن أية ساعة كانت من النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي وأية ساعة كانت من الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح وعن مجاهد مثله وروى الدارمي في مسنده بإسناده عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح وإذا وافق ختمه آخر الليل صلت عليه الملائكة حتى يمسي قال الدارمي هذا حسن من سعد
وعن حبيب بن أبي ثابت التابعي أنه كان يختم قبل الركوع قال ابن أبي داود وكذا قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وفي هذا الفضل بقايا ستأتي إن شاء الله تعالى في الباب الآتي
[فصل] في المحافظة على القراءة بالليل ينبغي أن يكون اعتناؤه بقراءة الليل أكثر قال الله تعالى من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين) وثتب وكان في الصحيح عن رسول الله ﷺ : أنه قال نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل
стр. 59
وفي الحديث الآخر من الصحيح أنه ﷺ : قال يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم تركه وروى الطبراني وغيره عن سهل بن سعد ﵁ عن رسول الله ﷺ : قال شرف المؤمن قيام الليل والأحاديث والآثار في هذا كثيرة وقد جاء عن أبي الأحوص الحبشي قال إن كان الرجل ليطرق الفسطاط طروقا أي يأتيه ليلا فيسمع لأهله دويا كدوي النحل قال فما بال هؤلاء يأمنون ما كان أولئك يخافون وعن إبراهيم النخعي كان يقول اقرؤوا من الليل ولو حلب شاة
وعن يزيد الرقاشي قال إذا أنا نمت ثم استيقظت ثم نمت فلا نامت عيناي قلت وإنما رجحت صلاة الليل وقراءته لكونها أجمع للقلب وأبعد عن الشاغلات والملهيات روى والتصرف في الحاجات وأصون عن الرياء وغيره من المحبطات مع ما جاء الشرع به من إيجاد الخيرات في الليل فإن الإسراء برسول الله ﷺ : كان ليلا وحديث ينزل ربكم كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل فيقول هل من داع فأستجيب له الحديث
стр. 60
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ : قال في الليل ساعة يستجيب الله فيها الدعاء كل ليلة وروى صاحب بهجة الأسرار بإسناده عن سليمان الأنماطي قال رأيت علي بن أبي طالب ﵁ في المنام يقول لولا الذين لهم ورد يقومونا * ولم وآخرون لهم سرد يصومونا * بين لدككت أهل أرضكم من تحتكم سحرا * حديث لأنكم قوم سوءلا عند تطيعونا * واعلم أن فضيلة القيام بالليل والقراءة فيه تحصل بالقليل والكثير وكلما كثر كان أفضل إلا أن يستوعب الليل كله فإنه يكره الدوام عليه وإلا أن يضر بنفسه
ومما يدل على حصوله بالقليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقسطين رواه أبو داود وغيره
стр. 61
وحكى الثعلبي عن ابن عباس ﵄ قال من صلى بالليل ركعتين فقد بات لله ساجدا وقائما
[فصل] في الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان
ثبت عن أبي موسى الأشرعي يا ﵁ عن رسول الله ﷺ : قال تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها رواه البخاري ومسلم وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : قال إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت رواه مسلم والبخاري
стр. 62
وعن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها رواه أبو داود والترمذي وتكلم فيه
стр. 63
وعن سعد بن عبادة عن النبي ﷺ : قال من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة وهو أجذم رواه أبو داود والترمذي
فيمن نام عن ورده
[فصل] عن عمر بن الخطاب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : من نام عن حزبه من الليل أو عن شئ منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنه قرأه من الليل رواه مسلم وعن سليمان بن يسار قال قال أبو أسيد ﵁ نمت البارحة عن وردي حتى أصبحت فلما أصبحت استرجعت وكان وردي سورة البقرة فرأيت في المنام كأن بقرة تنطحني رواه ابن أبي داود
стр. 64
وروى ابن أبي الدنيا عن بعض حفاظ القرآن أنه نام ليلة عن حزبه فأري في منامه كأن قائلا يقول له * عجبت من جسم ومن صحة * لو ومن فتى نام إلى الفجر * والموت لا يؤمن خطفاته * يكون في ظلم الليل إذا يسري *
стр. 65
الباب السادس في آداب القرآن
هذا الباب هو مقصود الكتاب وهو منتشر جدا وأنا أشير إلى أطراف من مقاصده كراهة الإطالة وخوفا على قارئه من الملالة فأول ذلك يجب على القارئ الإخلاص كما قدمناه ومراعاة الأدب مع القرآن فينبغي أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى ويقرأ على حال من يرى الله تعالى فإنه إن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه (١) .
стр. 66
[ ... ]
стр. 67
استعماله السواك
[فصل] وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظف فاه بالسواك وغيره والإختيار في السواك أن يكون بعود من أراك ويجوز بسائر العيدان وبكل ما ينظف كالخرقة الخشنة والأشنان وغير ذلك وفي حصوله بالإصبع الخشنة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي رحمهم الله تعالى
١ - أشهرها أنه لا يحصل ٢ - والثاني يحصل ٣ - الثالث: يحصل إن لم يجد غيرها ولا يحصل إن وجد * * *
ويستاك عرضا مبتدئا بالجانب الأيمن من فمه وينوي به الإتيان بالسنة
قال بعض العلماء يقول عند الإستياك اللهم بارك لي فيه يا أرحم الراحمين قال الماوردي من أصحاب الشافعي ويستحب أن يستاك في ظاهر الأسنان وباطنها ويمر السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه وسقف حلقه إمرارا رفيقا قالوا وينبغي أن يستاك بعود متوسط لا شديد اليبوسة ولا شديد الرطوبة قال فإن اشتد يبسه لينه بالماء ولا بأس باستعمال سواك غيره بإذنه
стр. 68
وأما إذا كان فمه نجسا بدم أو غيره فإنه يكره له قراءة القرآن قبل غسله وهل يحرم قال الروياني من أصحاب الشافعي عن والده يحتمل وجهين والأصح لا يحرم
محافظة على الطهارة
[فصل] يستحب أن يقرأ وهو على طهارة فإن قرأ محدثا جاز بإجماع المسلمين والأحاديث فيه كثيرة معروفة قال إمام الحرمين ولا يقال ارتكب مكروها بل هو تارك للأفضل فإن لم يجد الماء تيمم والمستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر حكمها حكم المحدث وأما الجنب والحائض فإنه يحرم عليهما قراءة القرآن سواء كان آية أو أقل منها
стр. 69
* ويجوز لهما إجراء القرآن على قلبهما من غير تلفظ به * ويجوز لهما النظر في المصحف وإمراره على القلب وأجمع المسلمون على جواز التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والصلاة على النبي ﷺ : إن قالا لإنسان خذ الكتاب بقوة وقصدا به غير القرآن فهو جائز وكذا ما أشبهه * ويجوز لهما أن يقولا عند المصيبة (إنا لله وإنا إليه راجعون إذا لم يقصدا القرآن قال أصحابنا الخراسانيون ويجوز أن يقولا عند ركوب الدابة سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وعند الدعاء ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار إذا لم يقصدا القرآن قال إمام الحرمين فإذا قال الجنب بسم الله والحمد لله فإن قصد القرآن عصى وإن قصد الذكر أو لم يقصد شيئا لم يأثم ويجوز لهما قراءة ما نسخت تلاوته كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة
стр. 70
لطيفة
[فصل] إذا لم يجد الجنب أو الحائض ماء تيمم ويباح له القراءة والصلاة وغيرهما
فإن أحدث حرمت عليه الصلاة ولم تحرم القراءة والجلوس في المسجد وغيرهما مما لا يحرم على المحدث كما لو اغتسل ثم أحدث وهذا مما يسأل عنه ويستغرب فيقال جنب يمنع من الصلاة ولا يمنع من قراءة القرآن والجلوس في المسجد من غير ضرورة كيف صورته فهذا صورته ثم الأقرب لا فرق مما ذكرناه بين تيمم الجنب في الحضر والسفر وذكر بعض أصحاب الشافعي أنه إذا تيمم في الحضر استباح الصلاة ولا يقرأ بعدها ولا يجلس في المسجد
стр. 71
والصحيح جواز ذلك كما قدمناه * ولو يتمم ثم صلى وقرأ ثم رأى ماء يلزمه استعماله فإنه يحرم عليه القراءة وجميع ما يحرم على الجنب حتى يغتسل * ولو تيمم وصلى وقرأ ثم أراد التيمم لحدث أو لفريضة أخرى أو لغير ذلك فإنه لا يحرم عليه القراءة على المذهب الصحيح المختار وفيه وجه لبعض أصحاب الشافعي أنه لا يجوز والمعروف الأول أما إذا لم يجد الجنب ماء ولا ترابا فإنه لا يصلي لحرمة الوقت على حسب حاله ويحرم عليه القراءة خارج الصلاة ويحرم عليه أن يقرأ في الصلاة ما زاد على فاتحة الكتاب وهل يحرم عليه قراءة الفاتحة فيه وجهان الصحيح المختار أنه لا يحرم بل يجب فإن الصلاة لا تصح إلا بها وكلما جازت الصلاة لضرورة مع الجنابة يجوز القراءة والثاني لا يجوز بل يأتي بالأذكار التي يأتي بها العاجز الذي لا يحفظ شيئا من القرآن لأن هذا عاجز شرعا فصار كالعاجز حسا والصواب الأول وهذه الفروع التي ذكرناها يحتاج إليها فلهذا أشرت إليها بأوجز العبارات وإلا فلها أدلة وتتمات كثيرة معروفة في كتب الفقه والله أعلم
стр. 72
نظافة المكان
[فصل] ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعا للنظافة وشرف البقعة ومحصلا لفضيلة أخرى وهي الإعتكاف فإنه ينبغي لكل جالس في المسجد الإعتكاف سواء أكثر في جلوسه
стр. 73
أو أقل بل ينبغي أول دخوله المسجد أن ينوي الإعتكاف وهذا الأدب ينبغي أن يعتنى به ويشاع ذكره ويعرفه الصغار والعوام فإنه مما يغفل عنه وأما القراءة في الحمام فقد اختلف السلف في كراهيتها فقال أصحابنا لا يكره ونقله الإمام المجمع على جلالته أبو بكر بن المنذر في الإشراف عن إبراهيم النخعي ومالك وهو قول عطاء وذهب إلى كراهته جماعات منهم علي بن أبي طالب ﵁ رواه عنه ابن أبي داود
وحكى ابن المنذر عن جماعة من التابعين منهم أبو وائل شقيق بن سلمة والشعبي والحسن البصري ومكحول وقبيصة بن ذؤيب
стр. 74
ورويناه أيضا عن إبراهيم النخعي وحكاه أصحابنا عن أبي حنيفة ﵃ أجمعين قال الشعبي تكره القراءة في ثلاثة مواضع ١ - في الحمامات ٢ - والحشوش ٣ - وبيوت الرحى وهي تدور وعن أبي ميسرة قال لا يذكر الله إلا في مكان طيب وأما القراءة في الطريق فالمختار أنها جائزة غير مكروهة إذا لم يلته صاحبها فإن التهى عنها كرهت كما كره النبي ﷺ : القراءة للناعس مخافة من الخلط وروى أبو داود عن أبي الدرداء ﵁ أنه كان يقرأ في الطريق وروى عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه أذن فيها قال ابن أبي داود حدثني أبو الربيع قال أخبرنا ابن وهب قال سألت مالكا عن الرجل يصلي من آخر الليل فيخرج إلى المسجد وقد بقي من السورة التي كان يقرأ فيها شئ قال ما أعلم القراءة تكون في الطريق وكره ذلك وهذا إسناد صحيح عن مالك ﵀
[فصل] يستحب للقارئ في غير الصلاة أن يستقل القبلة
فقد جاء في الحديث خير المجالس ما استقبل به القبلة ويجلس متخشعا بسكينة ووقار
стр. 75
مطرقا رأسه ويكون جلوسه وحده في تحسين أدبه وخضوعه كجلوسه بين يدي معلمه فهذا هو الأكمل ولو قرأ قائما أو مضطجعا أو في فراشه أو على غير ذلك من الأحوال جاز وله أجر ولكن دون الأول قال الله (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض) وثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ : يتكئ في حجري وأنا حائض ويقرأ القرآن رواه البخاري ومسلم وفي رواية يقرأ القرآن ورأسه في حجري وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال إني أقرأ القرآن في صلاتي وأقرأ على فراشي وعن عائشة ﵂ قالت إني لا أقرأ حزبي وأنا مضطجعة على السرير
حكم التعوذ
[فصل] فإن أراد الشروع في القراءة استعاذ فقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا قال الجمهور من العلماء
следующие страницы →