وهذا نبي الله شعيب - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - يستفتح بالدعاء إلى الله ويبتهل إليه أن يحكم بينه وبين قومه بالحق، قال - تعالى - في دعائه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (١) .
وهذا لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام - يتضرع إلى الله أن ينجيه وأهله من قرية الخبائث، فتكون نجاته وهلاكهم - بإذن الله -، قال - تعالى - عنه: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (٢) .
стр. 177
وهذه ضراعة بني إسرائيل ونبييهما الكريمين وهم تحت وطأة قهر فرعون، فأبناؤهم يقتلون، ونساؤهم يستخدمن، ويؤذين من قوم فرعون، فيتضرع القوم ضراعة دائمة، ألا يفتنهم هذا الكيد عن دينهم، وأن ينجيهم ربهم من عدوهم، وهذا نبيهم يرشدهم إلى الضراعة إلى الله والاستعانة به وحده، والرغبة إليه في فك ورفع البلاء عنهم. قال - تعالى -: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١) .
стр. 178
ثم يرغب موسى وهارون - على نبينا وعليهم الصلاة والسلام - إلى الله ليفك عن قومهما كيد فرعون وبلاءه، وأن يشد وطأته عليهم، قال - تعالى -: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) .
ثم قال - سبحانه - بعد إخباره عن إغراق فرعون وقومه وإنجاء بني إسرائيل: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ... (٢) الآية.
стр. 179
وهنا نرى أن التمكين المذكور لبني إسرائيل في الآية سبقته ديمومة الضراعة منهم سنين طوال ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ وأخيرًا دعا نبي الله موسى وأمَن هارون، فاستجاب الله دعاءهما ورفع الكرب عنهما وعن قومهما، وأمرهم بالخروج إلى البحر، وفلقه لهم وأنجاهم وأغرق عدوهم.
قال - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ (١) .
ولقد ذكر أن الضراعة إليه ودعاءه هي القولة التي التزمها أهل التمكين من أتباع النبيين، واعتمدوها بل وأدمنوا عليها، حتى كأنهم لا يتلفظون بغيرها، وذلك في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) .
стр. 180
وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا﴾ ... فيه دلالة ديمومة الضراعة إلى الله، وإدمان الابتهال إليه في كل الأحوال، حتى لكأنهم لا يقولون قولًا ولا يلفظون كلامًا غير تلك الضراعة المبينة في الآية؛ وما كان بعد هذه الضراعة الدائمة إلا أن شهد الله أنه أنالهم "ثواب الدنيا" وهو الظفر والنصر والتمكين، "وحسن ثواب الآخرة" وشهد لهم - سبحانه - أنهم أحسنوا غاية الإحسان، وبلغوا بإحسانهم نعيم محبته لمن أحسن "والله يحب المحسنين".
قال - تعالى - في ذلك: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) .
стр. 181
ولقد ذكر الله ضراعة الطائفة المؤمنة الموقنة من بني إسرائيل وهم مع طالوت في حالة لقائهم لأعدائهم الكافرين المتكاثرين، وثنَّى بعدها - سبحانه - بذكر هزيمة أعدائهم مباشرة، مما يفيد أن للضراعة دورًا خطيرًا في انتصار أهل الإيمان، وهزيمة أعدائهم من حزب الشيطان قال - تعالى - في شأنهم: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١) .
стр. 182
ولقد أحسن التوجيه والإيراد الإمام الشوكاني ﵀ في تفسيره حين قال عند قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) : "وينبغي أن يكون الذكر في هذه الحالة بما قاله أصحاب طالوت - ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ -" (٢) .
إن الضراعة إلى الله عامل عظيم من عوامل نصر الله لدعوة الحق وتمكينها، وها هي دعوات المرسلين وأتباعهم من المؤمنين لا يكاد يذكر الله نصره لها إلا ويذكر قبله ضراعتهم ودعاءهم إذ به يستنزل النصر، ويعلم من تلك الطائفة صدق توجهها إليه فيرضى عنهم ويحقق لهم النصر، ولقد كان النبي ﷺ يركز على هذا العامل ويهتم به ويتطلبه ويسعى إلى من يكون مظنة حصوله وهم الضعفاء والفقراء من المؤمنين الذين يرحم الله بهم الجميع. فينزل نصره - سبحانه - على جماعة المسلمين بدعوات أولئك الضعفاء الصادقين.
стр. 183
عن أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أبغوني الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم» (١) .
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» (٢) .
إن المؤمن الضعيف خير من المؤمن القوي في دعائه وصلاته وإخلاصه في الغالب، وإن كان المؤمن القوي خير منه في عامة الأحوال إلا في هذه الحالة، حالة الدعاء والضراعة والإخلاص وذلك أن دعاء الضعيف وصلاته أخلص لله وأصدق لكونه منقطع الرجاء في الغالب من سبب فلا ملجأ له إلا الله في غالب أموره وأحواله ولذا فإنه يرسل الضراعة إلى الله بإقبالٍ إليه بالكلية ودون أدنى لفتة إلى سبب إذ السبب في الغالب معدوم فهو ضعيف لا يملك شيئًا إلا إيمانه وإخلاصه.
стр. 184
بينما المؤمن القوي في الغالب لا يسلم من التفات إلى ما لديه من أسباب القوة وأحيانًا يستند إليها في حين غفلة وغالبًا ما تلهيه أسباب القوة ومثولها أمامه عن التضرع إلى الله وإن تضرع فهو في الغالب لا يسلم من ميل قلبه وخلجات خواطره إلى الطمأنة بأن أسباب القوة موجودة لديه، فلا يرسل الدعاء - إن أرسله - مظرَّفًا بحرارة الإخلاص وضراعة الافتقار وانقطاع الرجاء عن سوى الخالق، مثل ما هو حاصل عند الضعيف.
ولما لدى الضعفاء من الإخلاص وصدق الضراعة كان القبول لهم من الله ولدعائهم، فكان رسول الله ﷺ يتطلب وجودهم في سراياه وغزواته ويحض صحابته على عدم احتقارهم ويبين أنهم سبب نصرهم بل وحتى رزقهم، فيقول لهم: «أبغوني الضعفاء» ..) . بل يأتي الحديث في أسلوب الحصر: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها» وكأنه لا نصر للأمة إلا بالضعفاء!.
وهنا يرد إشكال ظاهر فقد أمر الله بالجهاد وإعداد القوة والغلظة على الكافرين، وغير ذلك مما علق به نصر الأمة. فكيف يُحصر النصر هنا على وجود الضعفاء ودعائهم وإخلاصهم دون ما أمر الله به من أسباب القوة وعلق عليه النصر للأمة؟
стр. 185
والجواب: أنه لا إشكال البتة ولا تعارض إذ أول سبب ينصر الله به الأمة "الإيمان" وهي حين تفقد ذلك السبب أو تتهاون فيه فلن تجدي الأسباب الأخرى؛ ولن تنجح شيئًا مما يُعد من نصر الله للأمة وتمكينها.
وبما أن ديمومة الضراعة إلى الله هي المظهر الأكمل الذي يجسد الإيمان الخالص الناصع ويشهد به حقًا كما بين القرآن الكريم في قوله - تعالى -: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ .. (١) . الآية. فلقد شهد القرآن هنا أن أصحاب الضراعة الدائمة الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي هم أصحاب الإيمان الصادق الخالص فهم الذين يريدون وجه الله، فالإيمان الخالص الناصع تجسده تمامًا الضراعة الدائمة إلى الله.
والإيمان هو سبب نصر الله للجماعة من المسلمين الأول والأخير، ولكي يتوفر الإيمان الخالص الذي ينصر الله به أهل الحق فلا بد من أصحابه وهم أولئك الضعفاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه - أصحاب الضراعة الدائمة - فهم الطائفة التي يتحقق فيها ذلك الإيمان الخالص غالبًا فهم مظنته.
стр. 186
ونصر الله إنما يكون إذا توافر الإيمان الخالص، بل غالبًا ما يتخلف حين يُشاب الإيمان بشائبة (١) .
فلما كان النصر من الله شرطه الأول والأخير الإيمان الخالص كانت العناية بأهله وهم ضعفاء المؤمنين وكان حصر نصر الله للأمة في وجودهم ودعائهم وإخلاصهم إنما هو حرصٌ منه ﷺ ، وبيان أن الإيمان الخالص هو سبب نصر الأمة الإسلامية وعند اختلاله فإن النصر بعيد؛ فلذلك فليُحرص على حملته ومواضع مظنته ومن يمثلونه وهم الضعفاء من المؤمنين، فلا يحتقرون أو يمنعون من الانضمام إلى الجيوش أو يزهد في دعائهم وضراعتهم فهم بذلك نصر الأمة ومهبط رحمة الرحيم بها.
стр. 187
وأخيرًا نصل إلى لفتة جديرة بالوقوف والتأمل عندها، وهي أن الضراعة إلى الله - سبحانه - عامل النصر والنجاة الذي لا يمكن أن يفقد ألبتة من يد من سعى إلى التمكين؛ فإن كل العوامل الأخرى من الجماعة والجهاد والهجرة.. ونحوها عرضه لأن تفوت المؤمن أو جماعة المؤمنين. أما الضراعة فهي عامل النصر الذي مهما فات غيره فلا يفوت ولا يفقد، إلا أن يضيعه المؤمن أو جماعة المؤمنين، قال - تعالى -: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) .
وها هي دعوة نبي الله موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - وقومه - بني إسرائيل - كان عامل تمكينها ونصرها من كيد فرعون هو الضراعة فقط مع الصبر.
قال - تعالى -: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) .
стр. 188
بل وأحيانًا كثيرة ينصر الله جماعة المؤمنين بالضراعة فقط، دون غيرها من أسباب النصر الأخرى، وها هي دعوة نبي الله عيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - حين يرجع في المسلمين حكمًا مقسطًا في آخر الزمان ـ كما تظاهرت بذلك نصوص القرآن والسنة - فيخرج الله على المؤمنين يأجوج ومأجوج، فيظهرون على الأرض ويعيثون فيها قتلًا وإفسادًا، ثم يحاصرون المؤمنين ومعهم نبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام فلا ينجون من هذا المأزق لا بجهاد ولا غيره ولا فرار، وإنما يتضرعون ويدعون الله حتى تكون نجاتهم وهلاك يأجوج ومأجوج، ويخرج الله المؤمنين بعد هذه الضراعة من حصارهم فيجعلهم خلفاء الأرض.
стр. 189
عن النواس بن سمعان ﵁ في حديثه عن النبي ﷺ فيما ذكر لهم عن الدجال - وهو حديث طويل عند مسلم وغيره - جاء فيه من قوله ﵊: ( ... «إذ أوحى الله - تعالى - إلى عيسى ﷺ أني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم - أي لا طاقة لأحد بقتالهم - فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ... ويُحصر نبي الله عيسى ﷺ وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى ﷺ وأصحابه ﵃ إلى الله تعالى، فيرسل عليهم النغف في رقابهم - النغف: دود - فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى ﷺ وأصحابه ﵁ إلى الأرض» ... ) (١) الحديث.
وهنا نرى دور الضراعة إلى الله وأنها كانت هنا العامل الوحيد في هذا المأزق النصر الذي نصر الله به عيسى ﷺ وأصحابه وأنجاهم وأظهرهم على الأرض.
стр. 190
العامل الثاني عشر
إقامة الدين
إقامة الدين التي نتعرض لها هنا ليست للجماعة المؤمنة وهي في طور النشوء والسعي للتمكين، وإنما إقامة الدين التي نود الكلام عنها هنا حين تصبح دعوة الحق لها دولة ومجتمع ونظام وحكم، فما مدى دور إقامة الدين في نظام الحكم وتسيير المجتمع؟ وتطبيق حدوده وأحكامه تطبيقًا تامًا؟ ما دور ذلك في تمكين الدولة؟ وفي إرغاد عيشها وزيادتها من تمكين إلى تمكين؟
فلقد تعاقبت على حكم المسلمين دول إثر دول إلى هذا اليوم، وطالما حدثنا التاريخ والحاضر عن أكثر تلك الدول، وعن روغانها عن إقامة حدود من الدين وإقامة حدود أخرى منه حسب ما يلائم مزاج الحاكم الظالم أحيانًا. وأحيانًا تخوفًا على الدولة وصلاحيات الحكم، وأحيانًا لسوء ظن وضعف يقين بما أمر الله به ونهى عنه، وأن الفلاح والحل في غيره أصوب وأرشد.
ولكن هذا هو القرآن والتاريخ يشهد كل منهما أن إقامة دين الله رغد ما بعده رغد، وسعادة وهناءة للحاكم والمحكوم، وحتى للهوام والدواب وحشائش الأرض وأمطار السماء، وسبب لفتح بركات لا تنتهي، ونعيم كريم عظيم.
إن الله يؤكد هنا أن أهل الكتاب لو أقاموا ما أنزل الله على أنبيائه من كتب، لسعدوا في الدنيا قبل الآخرة، ولفتح الله له بسبب ذلك بركات الأرض وزروعها وثمارها، ولأصبحوا يجدون الرزق والأكل وأطيب الطعام تخرجه لهم زروع الأرض يتدلى فوق رؤوسهم، ويلتقطونه من تحت أرجلهم أينما كانوا في أرضهم أو طرقهم أو منازلهم، وهذا غاية عظيمة في النعيم وما ذلك إلا بسبب إقامة الدين، وهذه الحال المتعلقة بإقامة الدين ليست لأهل الكتاب خاصة، بل لكل أمة تقيم دين الله، إقامة جادة، فإن أهل القرى التي أهلكها الله من قبل أهل الكتاب لو أقاموا الدين وآمنوا واتقوا لفتح الله لهم بركات من السماء والأرض.
стр. 193
وكذلك هذه الأمة، أمة محمد ﷺ موعودة بذلك، وقد وقع في تاريخها مرارًا وتكرارًا حين أقامت دين الله، ففي عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم حين كان الدين مقامًا في الدولة، كانت تُثل عروش ممالك الدنيا ودولها شرقًا وغربًا، وتلفظ بركاتها وكنوزها وخيراتها في أيدي المسلمين، فكانوا سادة العالم وأرباب خيراته وغلاته، وهذا هو رسول الله ﷺ يقول في حديث عدي بن حاتم الذي رواه الإمام البخاري: «أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل، حتى يخرج العير إلى مكة بغير خفير. وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته، ولا يجد من يقبلها» (١) الحديث.
فيقول راوي الحديث عدي بن حاتم ﵁: فلقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف شيئًا حتى تبلغ هذا البيت، وكان عدي بن حاتم ﵁ لم يدرك تحقق النبوءة الثانية وهي فيضان المال، ولكنه كان ﵁ يحلف بالله لتكونن (٢) .
стр. 194
وبالفعل كانت بعد عدي بن حاتم ﵁ في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز حيث فاض المال في عهده حتى لم يوجد من يأخذ الصدقة؛ عن عمر بن أسيد قال: "والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح حتى يرجع بماله كله، قد أغنى عمر الناس" (١) .
стр. 195
إن ما بشر به النبي ﷺ من ظهور الأمن حتى رأي عدي بن حاتم راوي الحديث صدق بشارته، ورأى المرأة من العراق حاجة تؤم مكة تقطع الصحارى والقفار الموحشة وحيدة لا تخاف حتى تصل البيت، إنما كان ذلك الأمن المطمئن حين أقيمت شعائر الدين في دولة الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين، وما ذلك إلا لظهور دولة الإسلام المقيمة لدين الله، فكان الأمن الذي لا يعرفه العالم اليوم ولا يشهد له مثيلًا، ولقد تعاقبت دول في تاريخ الإسلام وتفاوتت في إقامة الدين إلا أنا نرى بشهادة التاريخ أن الأمن كان حليف كل دولة أقامت دين الله بين أمصارها وأفرادها، وجعلته نظام حكمها، ونراه يقل ويضمحل إلى أن يتلاشى حين يقل ويتراخى موقف الحكام من إقامة الدين وربما ينقلبون على دينهم، فيقلب الله عليهم الأمن خوفًا، أما فيضان المال في عهد عمر فليس لكثرة الفتوح في عهده، فالفتوح في عهده كما هي في عهد من سبقه، وليس ذلك ناتج عن حسن تخطيط لاقتصاد الدولة، وإنما كان السبب الأول والأخير هو إقامة دين الله وشعائره في عهد عمر فقد أحيا ﵁ مواقيت الصلاة بعد أن أميتت، ورد المظالم، وعزل العمال الظلمة، وأقام الدين (١) إقامة شهدت
стр. 196
له بها الرعية كلها برها وفاجرها، وشهد له بها التاريخ إلى يومنا الحاضر. فكان ذلك الرغد من العيش بسبب ذلك.
أما عند ترك إقامة الدين أو التخلف والتقهقر عنها فإن الله يعاقب تلك الأمة المسلمة التي تنكرت لدينها بإلباسها لباس الجوع والخوف، وتنكيد عيشها، وثل عروش ملكها، وينزل بها من أليم عقابه وشدة بأسه ما لا ينزله بالدول الكافرة ابتداءً، وذلك أن هذه الدولة المسلمة عرفت ثم أنكرت وآمنت ثم كفرت، ووصلت إلى الأمن والعز والرغد بدين الله وطاعتها لله ثم جحدت بعد ذلك؛ فيذيقها الله بذلك ما لا يذيق الكافرين وذلك أن الله "يعاقب على الكفران بالنعمة ما لا يعاقب على الكفر، وعلى الكنود ما لا يعاقب على الجحود" (١) .
وهذا القرآن يبين لنا حال الدولة التي تنكرت للدين وإقامته ومدى تأثير ذلك عليها قال - تعالى -: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٢) .
стр. 197
وقال - تعالى -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) .
وهذا هو رسول الله ﷺ يبين لنا أن إقامة الدين سبب لحفظ ملك الأمة الإسلامية وعزها وأن الله يمكن به الحاكم المسلم ويؤيده، وأنه لا ينزع الملك منه إلا إذا ترك إقامة الدين، وأن من يتخلى عن إقامة الدين يبعث الله له من يسومه سوء العذاب.
عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين» (٢) .
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أما بعد يا معشر قريش، فإنكم أهل هذا الأمر - يعني الخلافة - ما لم تعصوا الله فإذا عصيتموه بعث عليكم من يلحاكم كما يُلحى هذا القضيب» (٣) .
ولقد صدق ابن المعتز حين قال:
الملك بالدين يبقى والدين بالملك يقوى
стр. 198
ومما ورد في السنة مما يشهد بأن إقامة الدين ليست سببًا في حصول التمكين في الحكم والسلطة والنصر فحسب بل يتعدى بحصولها التمكين حتى يصل إلى التمكين من معايش الأرض بكثرة بركتها وسلامتها من الآفات والكوارث والمكدرات والمنغصات؛ وفي حديث أبي أمامة ﵁ في نزول عيسى ابن مريم وإقامة دين الله في الأرض أكبر شاهد على ذلك. قال ﵁: قال رسول الله ﷺ : ( ... «فيكون عيسى ابن مريم ﵇ في أمتي حكمًا عدلًا، وإمامًا مقسطًا، يدق الصليب، ويذبح الخنزير ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يُسعى على شاة ولا بعير وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة، حتى يُدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتُفِرُ الوليدةُ الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتُملأ الأرض من السِّلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها وتكون الأرض كفاثور الفضة تنبت نباتها بعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم» (١) .
стр. 199
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «طوبى لعيش بعد المسيح يؤذن للسماء في القطر، ويؤذن للأرض في النبات حتى لو بذرت حبك على الصفا لنبت، وحتى يمر الرجل على الأسد فلا يضره ويطأ على الحية فلا تضره، ولا تشاح، ولا تحاسد، ولا تباغض» (١) .
стр. 200
وسبب كل ذلك الرغد في العيش والبركة وزوال الأخطار حتى من الحيوانات، والتمكين من كل شئ في الأرض هو إقامة الدين في الأرض فقد أقام عيسى ابن مريم - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - دين الله في الأرض كلها ولم يبق منها بقعة إلا كانت على الإسلام، فانعدمت مساحة المعاصي على الأرض التي كانت تكدر العيش، وتقتل الطيور في أوكارها، فرجع ذلك التسخير الذي سخره الله للإنسان في كل شيء في الأرض من قبل، وهكذا يحصل دائمًا حين يقام الدين على مساحة أكبر من الأرض ولو لم تستوعب الأرض جميعًا فيحصل من التمكين وهناءة العيش وبركته قريبًا من هذا، والذئب حين رعى الغنم في عهد عمر بن عبد العزيز ليس ذلك بكذب ولا أساطير وإنما حقيقة من حقائق التمكين حين يُقام الدين، تشهد لها نصوص القرآن، وصحاح السنة، وسجلات التاريخ. فقد ذكر ابن سعد في الطبقات وأبو نعيم في الحلية عن مالك بن دينار قال: (لما ولي عمر بن عبد العزيز ﵀ قالت رعاة الشاء في رؤوس الجبال: من هذا الخليقة الصالح الذي قام على الناس؟ قال: فقيل لهم: وما أعلمكم بذلك؟ قالوا إنه إذا قام خليفة صالح كفت الذئاب والأسد عن شائنا) (١)
стр. 201
وذكر ابن كثير بالإسناد عن حماد بن زيد عن موسى بن أعين الراعي - وكان يرعى الغنم لمحمد بن عيينة - قال: كانت الأسد والغنم والوحوش ترعى في خلافة عمر بن عبد العزيز في موضع واحد، فعرض ذات يوم لشاة منها ذئب، فقلت: إنا لله، ما أرى الرجل الصالح إلا قد هلك، قال: فحسبناه فوجدناه قد هلك في تلك الليلة (١) .
стр. 202
خاتمة البحث
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبمعونته تدرك الغايات.
أما بعد فهذه خاتمة هذا البحث ألخص فيها أهم ما خرجت به في هذا البحث، وحققته في موضوعه:
١-أن القرآن الكريم قد اشتمل على كل عوامل التمكين الأساسية اعتنى بها وأبانها، وأن فيه من الوقائع والتذكير والتنبيه والعبر والأمر والنهي وقصص الماضين ما يكوِّن منهجًا كاملًا شاملًا تسير عليه جماعة المؤمنين في أي زمان ومكان ومجتمع كانت.
٢ - من أعظم ثمرات هذا البحث هو الاستهداء بما في القرآن من عوامل النصر والتمكين في دعوات المرسلين في هذا العصر وفي كل عصر - استهداء يجعلنا نستفيد من كل دعوة لرسول، وكل عامل ذكره القرآن من عوامل نصرها وتمكينها حسب حالة تلك الدعوة وظروفها.
فحين تكون جماعة المؤمنين في حالة ضعف بالغ، وفي دولة متسلطة قاهرة لهذه الجماعة المؤمنة فإن هذه الحالة تشبه حالة المؤمنين مع نبي الله موسى في ظل دولة فرعون، وبالتالي فأحسن طريق للجماعة المؤمنة هو التزام العامل الذي نصر الله به موسى من الصبر وإقامة الصلاة والتزام الشرائع التعبدية فيما بينهم، وإخفاء التدين، ودوام الضراعة وعدم رد الأذى حتى يأذن الله بالنصر.
стр. 203
وحينما تكون جماعة المؤمنين في حالة إمكانية إبلاغ الدعوة ومجادلة القوم والصبر على الأذى لكن لا تستطيع الهجرة فهذه حالة مشابهة لحالة قوم هود وصالح ونوح وشعيب ولوط وبالتالي فعامل نصر الجماعة المؤمنة في هذه الحالة هو ذات العامل الذي نصر الله به المرسلين في هذه الحالة من العذاب والإهلاك للأقوام المكذبين، وإنجاء المؤمنين، حين قاموا بما أوجب الله عليهم من الدعوة والبلاغ المبين.
أما في حالة ما إذا تمكنت الجماعة المؤمنة من الهجرة وإقامة الجهاد فإن هؤلاء الأقوام من المكذبين يكون إهلاكهم أو إسعادهم بأيدي المؤمنين - أي بالجهاد - كما وقع في سيرة نبينا محمد ﷺ .
стр. 204
وبهذا الاستهداء يتكون لدينا منهج كامل من عوامل التمكين نستفيده من كل دعوات المرسلين، فالحالة التي لم تكن في سيرة نبينا محمد ﷺ ووقعت للمؤمنين في عهد موسى أو هود أو غيرهما من الأنبياء - فنحن ملزمون بالعامل الذي نصر الله المؤمنين فيها، لقوله - تعالى - لرسوله ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وكما تقرره القواعد الأصولية: (شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ في شرعنا) وكما أوضحناه في المقدمة تمام الإيضاح.
٣-أن من أسباب اللوم والخلاف بين الجماعات الساعية لتمكين دعوة الحق هو الجهل والغفلة عما جاء في القرآن من عوامل التمكين أو لعدم الاعتناء باستخراج ذلك ومعرفته من القرآن.
٤-أن أمة محمد ﷺ وكذلك دعوته هما أعظم دعوة وأمة مكن الله لها على طول وجودها حتى قيام الساعة.
٥-أن أعظم مرتبة للتمكين ستبلغها أمة محمد ﷺ عند نزول عيسى ابن مريم - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - إذ يسلم كل من في الأرض ويموت ﵇ والحال على ذلك.
стр. 205
٦-أن الأمة مهما حلَّ بها من البلاء والنكبات والجمود والانحطاط فلن تنحط جميعها عن مرتبة وسطى من مراتب التمكين وهي "الظهور" وعدم الاكتراث بالمخالف، فهذه المرتبة من التمكين مضمونة للأمة لا يمكن أن تنعدم منها يومًا واحدًا على مدى السنين، بل تبقى طائفة منهم في شرق أو غرب تحافظ على عنوان المجد في تلك المرتبة.
٧-أن الملك جائز في شرعنا عند تعذر الخلافة، وأحيانًا بل غالبًا يكون أليق بحال الأمة من الخلافة، إذ يكون به قوام الناس كما قال ﵊: «قوام أمتي بشرارها» رواه أحمد عن ميمون بن سفيان وحسنه الألباني في صحيح الجامع ـ فالملوك الظلمة بهم قوام الأمة وتقويم اعوجاجات كثيرة، وإن كانوا في الواقع عوجة كبرى، فالملك جائز سائغ في شرعنا في جملته سواء كان الحاكم صالحًا أو معتديًا ظالمًا أو بين ذلك.
٨-أنه لا بد للناس من حكومة ظالمة كانت أو عادلة، فالظالمة رغم ظلمها تأمن بها السبل ويُهاب بها الأعداء من الدول الطامعة.
٩-أن الملوك الصالحين قلة في تاريخ الأمم جميعًا.
стр. 206
١٠-قوله - تعالى -: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المقصود هنا المؤمنون الخُلَّص المتجردون لله، أما أهل التسمي والتحلي والادعاء ومن شابت إيمانهم الشوائب فلا يتناولهم هذا الوعد في الآية وليس مضمونًا لهم وإن قاتلوا الكفار.
١١-أن سورة العصر قاعدة محكمة في التمكين وامتناع الخسران عن بني الإنسان، اشتملت على ست خصال لا تجتمع في طائفة فتلحقها خسارة أبدًا، وما لحق بأي طائفة من خسران أو هزيمة فتبفريط منها في خصلة من تلك الخصال وهي:
١. الإيمان.
٢. العمل الصالح.
٣. الجماعة، لقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ..
٤. وجود مبدأ التواصي لقوله: وتواصو ... وتواصوا
٥. التواصي بالحق وهو شرائع الدين.
٦. التواصي بالصبر.
١٢-الجماعة هم مادة الدعوة ووسطها، ولا تمكين للدعوة ما لم تكن لها جماعة.
١٣-تبليغ الدعوة واستقصاء مجالات النصح الصادق له دور في تمكين دعوة الحق وإهلاك أعدائها فقط دون غيره ولقد ذكر القرآن عدة أمم لم يجاهدوا ولم يفعلوا شيئًا تجاه الكفار إلا البلاغ والمداومة عليه حتى أهلك الله أعداءهم مثل أمة نوح المؤمنة وأمة صالح وهود عليهم الصلاة والسلام.
стр. 207
١٤-أهمية تبليغ الدعوة المتواصل المتكرر إذ هو سبب في إعانة الداعين على البطالين المكذبين، فإن الله لم يذكر في كتابه أمة أهلكها حتى ذكر كيف سبق لهم الإنذار والنصح والبلاغ المستمر قبل ذلك حتى ذكر لنا القرآن نصائح مؤمنيهم بجوار نصائح أنبيائهم.
١٥-الجهاد من أعظم عوامل التمكين وهو أعظمها على الإطلاق من حيث ما يترتب عليه من نتائج وآثار تمكينية للأمة.
١٦-إعداد الجيش وتعبئته واستعراضه وتفقده وتنظيمه كل تلك الأمور أشار إليها القرآن في مملكة نبي الله سليمان ﵊، وجعل تلك الخصائص من مزايا الدولة المؤمنة المُمَكَّن لها في الأرض والتي تسعى إلى نشر دعوة الحق وتمكينها جاهدة في كل أصقاع الأرض حتى لام وعاتب الهدهد ملكها حين لم يبلغ علمه دولة مشركة بالله تعيش في الأرض معه: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ .
стр. 208
١٧-الصناعة ذكرها القرآن وبين دورها في تمكين دعوة الحق من خلال سفينة نوح، وبناء سد ذي القرنين، وصناعة الدروع بيد داود ﵇، والثورة الصناعية في مملكة سليمان ﵇، وإنزال الحديد ليعلم الله من ينصره به، فالصناعة من أعظم مساندات الجهاد ونشر دعوة الحق وتمكينها، فالاهتمام بها مطلب قائم، وإجماع مجتمع مسلم على تركها إثم وعجر يلوم الله عليه.
١٨-لم يشجع الإسلام حرفة كما شجع صناعة أدوات الحرب وآلاته فالسهم الواحد يدخل به ثلاثة نفر الجنة: «صانعه والممد به والرامي به» فما بالك بمن صنع رصاصة أو مسدسًا أو صاروخًا.
١٩-ديمومة الضراعة إلى الله والالتجاء إليه في طريق السعي للتمكين عامل يجب الحرص عليه والعناية به أكثر من دراسة مخططات الأعداء وأساليب المواجهة.
стр. 209
٢٠-منع تطبيق شريعة الإسلام ليس ظلمًا للمسلمين أو حرمانًا للبشرية فحسب، بل يتعدى إلى الجناية على حشائش الأرض ومخزون الأمطار والسباع في الغابات، والطيور في الأعشاش وكل الدواب وحتى الجمادات، وذلك يتبين عند تمام إقامة الدين إذ يمكن الله للإنسان من معايش الأرض فتخرج الأرض بركتها، وتينع ثمرتها، ويسود الأمان، ويرعى الذئب الغنم ويحصل من التغيرات في السلوك والكائنات والمخلوقات ما لا يخطر ببال، وقد حصل ذلك مرارًا في تاريخ الإسلام حين أقامت دولة الإسلام الدين فضلًا عما تكون فيه الدولة بسبب إقامة الدين من العز والامتناع والسناء والتمكين الذي لا يدانيه سلطان في الأرض ألبتة.
تلك هي أبرز اللمحات الساطعة في غمرة هذا البحث، وأهم النتائج الماتعة النافعة من خلال دراسته، وأسأل الله ألاَّ يجعل حظنا التنظير والتفكير، وأن يجعل حظنا ونصيبنا من العمل بما علمنا الحظ الجليل الكبير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين..
стр. 210
فهرس المراجع
ت
المرجع المؤلف الطبعة
تفاسير القرآن وعلومه ١ تفسير الطبري محمد بن جرير الطبري المكتبة الفيصلية مكة
٢ تفسير القرآن العظيم ابن كثير دار المعرفة، بيروت، لبنان
٣ تيسير الكريم الرحمن ابن سعدي الرئاسة العامة للبحوث العلمية الرياض
٤ فتح القدير الشوكاني مكتبة المعارف، الرياض
٥ أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن محمد الأمين الشنقيطي طبع على نفقة الأمير أحمد بن عبد العزيز آل سعود
٦ الجامع لأحكام القرآن القرطبي دار إحياء التراث، بيروت
٧ مباحث في التفسير الموضوعي مصطفى مسلم دار القلم، دمشق
كتب الحديث ٨ صحيح البخاري محمد بن إسماعيل البخاري المكتبة الثقافية بيروت
٩ صحيح مسلم بشرح النووي مسلم بن الحجاج دار الريان القاهرة ط أولى ١٤٠٧هـ
١٠ فتح الباري ابن حجر العسقلاني دار الفكر
١١ سنن النسائي ت/ عبد الفتاح أبو غدة النسائي بيروت ط. ثانية ١٤٠٩هـ
١٢ سنن أبي داود أبو داود مكتبة الرياض الحديثة
١٣ سنن الترمذي الترمذي دار الفكر ١٤٠٨هـ
١٤ مسند الإمام أحمد ت/ أحمد شاكر الإمام أحمد بن حنبل دار المعارف ١٣٦٩هـ
١٥ سنن ابن ماجه ابن ماجه دار الفكر
стр. 211
١٦ الترغيب والترهيب الحافظ المنذري دار مكتبة الحياة ١٤٠٧٨هـ
١٧ صحيح الجامع الصغير وزيادته الألباني المكتب الإسلامي ط. ثالثة ١٤٠٨هـ
١٨ مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة السيوطي دار النفائس ١٤١٤هـ
كتب الفقه ١٩ مجموع الفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية دار عالم الكتب
٢٠ الإحكام في أصول الأحكام الآمدي دار الكتب العلمية
٢١ مذكرة في أصول الفقه الشنقيطي دار القلم بيروت
كتب اللغة ٢٢ المفردات في غريب القرآن الراغب الأصفهاني دار المعرفة بيروت
٢٣ لسان العرب ابن منظور دار صادر بيروت
٢٤ الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية الجوهري دار العلم للملايين
كتب دعوية ٢٥ منهاج السنة شيخ الإسلام ابن تيمية
٢٦ الدعوة والدعاة بين تحقيق التوكل واستعجال النتائج سليم الهلالي دار الصديق
٢٧ ردة ولا أبا بكر لها أبو الحسن الندوي دار مكتبة الحياة
السيرة والتاريخ ٢٨ سيرة النبي ﷺ عبد الملك بن هشام دار الكتاب العربي
٢٩ سير أعلام النبلاء الذهبي مؤسسة الرسالة
٣٠ البداية والنهاية ابن كثير دار البيان للتراث
٣١ مناقب أبي حفص عمر بن عبد العزيز الآجري