هي وضع كل الطاقات الممكنة في الجيش وتوجيه كل القوى في إعداده وإكماله، وهذا واضح في قوله - تعالى -: ... ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ ... فلقد كان يكفي الجن عن الإنس في إعداد جيش عظيم، أو لعله قد كان يكفي الإنس والجن في الجيش فما لازم الطير أن يكونوا في الجند، وتجرى عليهم أنظمة الجيش الحازمة الصارمة عند التخلف عن الحضور في صفوف الجند دون عذر مقنع، إن الطير يعرف موضعها عند ملوك الزمان في الغالب فهم يضعونها في القصور والغابات والصروح العظام للزينة، أما كون نبي الله سليمان وضعها ضمن جنده وفي جيشه مع الجن والإنس؛ فيدل ذلك على شدة الاعتناء بجيش الدولة وتعبئته بكافة الإمكانات المستطاعة، وذلك هو شأن الدولة القوية المؤمنة التي تسعى لإقامة دين الله وجهاد أعدائه ودوامها على ذلك.
(٣) اللفتة الثالثة:- ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي الجند من الجن والإنس والطير ومعنى يوزعون أي يكفون أي يسيرون بانتظام في حشرهم إليه، ويوجد على كل صنف من يزعه أي يكفه ويرده على نظام الجميع في التحرك والسير. قال ابن عباس ﵁:- "جعل على كل صنف من يرد أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير.." (١) .
стр. 142
ومن هذا نستفيد أن تلك الكثرة المختلفة الأصناف في ذلك الجيش على نظام فائق منضبط عند الاجتماع وعند السير والتنقلات، وهذه ميزة ضرورية لجند الدولة المجاهدة، فالكثرة دون تنظيم، ودون من يقوم على تنظيمها كثرة همجية غوغائية، وهي السبب المباشر في هزيمة الجيش عند المواجهة أو إنهاكه وضياعه عند التنقل والتحرك.
تلكم هي أهم خصال جيش الدولة المجاهدة التي مكن الله لها في الأرض والتي تسعى لنشر دعوة الحق وتمكينها فيمن حولها؛ فكثرة المجندين للجهاد سواءً في السلم أو الحرب مطلب ضروري والكثرة يُسعى إليها ولا يُتكل عليها، ولقد استعاذ نبينا محمد ﷺ من القلة وقرنها في دعاءه بالذلة، فقال ﵊: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة» ... ) (١) .
стр. 143
وبناءً على هذا فينبغي الإكثار من الجند والتجنيد عند الاقتدار، سواءً كان ذلك التجنيد في السلم أو لمواجهة الحرب وإنشاء الجهاد والفتوح كما قال نبي الله سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام:- ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) أما تعبئة الجيش بما أمكن من طاقات وقدرات وتقويته، فهو مطلب لقوة الجيش وتمكينه من النصر، وسبب له أمر الله هذه الأمة باعتماده وصرف القوى إليه.
قال - تعالى -: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢) .
стр. 144
فالله أمر في هذه الآية بإعداد كل ما في الوسع والاستطاعة من قوة لمواجهة الأعداء، والقوة كل ما يتقوى به في الحرب (١) ، ومن ذلك السلاح والقسي والحصون وآلات الحرب، ولقد ثبت عنه ﷺ من حديث عقبة بن عامر، قال: "سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: « ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي» ..) قالها ثلاث مرات (٢) . فتقوية الجيش مطلوبة بكل ما أمكن من عدة الحروب وعتادها وآلاتها، والرمي هو أقوى تلك القوى وأولاها بالاعتناء.
стр. 145
أما التعبئة العددية، واعتبار الأعداد، فهو أمر اعتبره القرآن ورتب عليه غلبة أهل الإيمان في حالة معينة، وعذرهم حين يقل العدد في حالة أخرى، وأوجب عليهم المواجهة ووعدهم النصر حين يبلغ العدد حالة ثالثة ويتحلى أهل الإيمان بالصبر قال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) .
стр. 146
جاء عن ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية من طرق عدة قوله ﵁: "لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مئتين ومئة ألفًا فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ .. الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم" (١) .
стр. 147
وهنا نرى كيف أن الله اعتبر الكمية العددية في لقاء المؤمنين لأعدائهم، وحدد لها حالات وأرقامًا تجاه أرقام كذلك من أعدائهم الكافرين وعليه يتعين لجند الإيمان وجيش الدعوة اعتبار العدد منهم تجاه العدد من أعدائهم، وبناء تقديراتهم في مواجهة الأعداء بما ورد في الآيات المذكورة آنفًا. وتعبئة جيوشهم وإرسال كتائب مقاومة الأعداء بناءً على القيمة العددية التي اعتبرت في الآيات، حتى لا يُؤتوا عن قلة، وما ورد في قوله - تعالى -: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ .. (١) ، إنما هو في حالة قلة أهل الإيمان وانعدام المدد، أما في حالة توافر أهل الإيمان وكثرتهم فينبغي لهم اعتبار العدد الذي عدَه الله - سبحانه - في كتابه وضمن لهم الغلبة إذا توفر مع الصبر.
стр. 148
ولقد أرشد النبي ﷺ إلى أفضل ما تكون عليه التعبئة العددية للجيوش وفصائلها من سرايا وكتائب؛ كل حسب ما يلائم دوره في الجيش ومهامه بحيث يتناسب العدد مع أداء المهام، فلا يثقل فتتعثر المهمة لكثرته ولا يقل فتكون الغلبة أو الانسحاب لقلته، فعن ابن عباس ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ «خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفًا من قلة» (١) . رواه أبو داود وغيره.
стр. 149
المطلب الثاني:الصناعة ودورها في النصر والتمكين
стр. 150
لقد ذكر الله في كتابه الكريم مصنوعات عدة ومتنوعة، إلا أنه لم يذكر مصنوعًا من تلك المصنوعات إلا في معرض تمكينه لدعوة الحق، وجعله مظهرًا من مظاهر تمكينها، أو عاملًا أساسيًا في تحققه لها عن طريق ذلك المصنوع أو يذكره في معرض امتنانه على أهل الإيمان وبني الإنسان، ويعد - سبحانه - تلك الصنعة أو ذلك المصنوع من نعمائه عليهم وتعليمه لهم، قال - تعالى - مبينا كيف أنجى نبيه نوحًا - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - بوسيلة صناعية علمه صناعتها وهي السفينة: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (١) ومعنى بوحينا أي: "بما أوحينا إليك من كيفية صنعها" (٢) وقال ابن كثير: "أي تعليمنا لك ما تصنعه" (٣) أما في معرض امتنانه بنتاج الصناعة فلقد قال : ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (٤) فامتن - سبحانه - بما علمه لنبيه داود من صناعة الدروع الواقية في الحروب من الطعن والضرب والرمي
стр. 151
وعد ذلك من نعمائه على الخلق وقال - تعالى - في سورة النحل: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (١) فعد استخدام ما أنتجته الصناعة من نعمائه وجوده راجعًا إلى تعليم منه واستخدام البشرية له في شؤون حياتها من تمام نعمته عليهم التي ينبغي لهم إذا ذكروها وتلبسوا بها أن يزدادوا انقيادًا للخالق المنعم الذي ألهمهم إياها ويسلموا له، ولقد بين الله في موضع آخر من كتابه أنه هو الذي علم داود تلك الصناعة حتى في دقائق من إحكامها وإتقانها قال - تعالى -: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) قال قتادة: "وهو أول من عملها - أي الدروع - من الخلق وإنما كانت قبل ذلك صفائح" (٣) أما السرد، فقال ابن عباس ﵁: "هو حلق الحديد" (٤) قال سيبويه: [معنى سرد الدروع إحكامها وأن يكون نظام حلقها ولاء غير مختلف..] (٥) ، قال ابن كثير ﵀: "هذا إرشاد من الله - تعالى - لنبيه داود ﵇ في
стр. 152
تعليمه صنعة الدروع" (١) .
ولنا في هذا البحث أن نستعرض منتجات الصناعة في القرآن التي اقترنت بتمكين دعوة الحق اقترانا ظاهرًا، وهذا بيانها:-
(١) سفينة نوح - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -
стр. 153
وهي أول اختراع من نوعه، والسفن إنما جاءت بعدها وبالاستفادة من طريقة صنعها التي أوحى الله بها إلى نبيه قال - تعالى -: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ (١) . فالآية هنا تدل على أن سفينة نوح هي الأولى ولم يكن قبلها سفن وذلك لقوله - تعالى -: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي مثل سفينة نوح، فجعلها الأولى وجعل ما بعدها أقل منها لقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ ويكفي دليلًا على متانة صناعتها أنها بوحي من الله وأنها وسعت من كل نوع من المخلوقات زوجين اثنين مما يدل على عظم حجمها ومتانة صنعها كما قال الله - تعالى -: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ (٢) ، وقال - تعالى -: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ (٣) وهذه الآية تدل على براعة تصميمها، وشاهدنا في هذا أن الله بقدرته على كل شيء كان قادرًا على أن ينجي نوحًا ومن معه وما يريد أن يستبقيه من مخلوقات الأرض من غير السفينة ودون الحاجة إلى صناعتها فهو قادر أن يحييهم بعد موتهم أو يبلغهم موضعًا من الأرض لا يغرقون فيه
стр. 154
وحدهم دون غيرهم من المغرقين، أو غير ذلك من قدرته - سبحانه - التي لا تحد، ولكنه أمر نوحًا بصنع السفينة ليُلهم خلقه تلك الصناعة، ويعلمهم كيف يستطيعون أن ينجوا من كوارث الأرض ويتوقوا منها عن طريق إعمال العقول واختراع الوسائل من صناعة وغيرها، ثم منَّ الله على خلقه فأبقى لهم من مثل تلك السفينة ما يركبون عليه ويمخرون البحار به، ولعل هنا بالذات لفتة إلى أهل الحق كيف أن لهم في وسائل الصناعة طريقًا للنجاة والخلوص بأنفسهم وبالتالي تمكينهم في الأرض.
(٢) سد ذي القرنين
стр. 155
من وسائل الصناعة التي ذكرها القرآن الكريم في معرض التمكين والنجاة والامتناع من عبث المفسدين، قال - تعالى - عن ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (١) وهنا نرى كيف أن ذا القرنين حال بين المفسدين العابثين وبين الأقوام التي كانت دون السدين "وهي سلسلة الجبال" ببناء ذلك الردم العظيم،
стр. 156
وهو سد بناه ذو القرنين لم يكن كغيره من سدود بني الإنسان التي تبنى باللبن والحجارة ونحوه، وإنما كان سدًا مبنيًا بأرقى طرائق البناء وأقوى معادن الصناعة وأتقن وسائل التصميم، وإليك بيان هذا مجملًا فلقد أتى ذو القرنين على أولئك الأقوام المتخلفين الذين لا يكادون يفقهون قولًا، ولا يعلمون شيئًا من أحوال التحضر، فشكوا إليه إفساد يأجوج ومأجوج وطلبوا منه إقامة سد ويعطونه أجرًا على ذلك، وطلبهم لإقامة سد كان وجيهًا، لأنه كان بينهم وبين يأجوج ومأجوج حواجز من شواهق الجبال الصم؛ تمتد بينهما على شكل سلسلتين من الجبال، بينهما فجوة هي منفذ يأجوج ومأجوج في هجماتهم على القوم الذين لا يكادون يفقهون قولًا وعند ذلك استعد ذو القرنين ببناء السد وسماه ردمًا أي أعظم مما طلبوه، وعمد إلى تلك الفجوة التي بين الصدفين - وهما الجبلان العظيمان المتقابلان - فملأ الفجوة بزبر الحديد أي قطَعهُ المقدرة مثل اللَّبِن حتى ساوى بين رؤوس الجبلين وبين ما في الفجوة من الحديد فجعلهم سواء، ثم أمر بالمياكير فنفخت الحديد بالنار حتى جعلت من قِطَع الحديد نارًا فأصبحت حمراء متوهجة فصب عليها وهي في تلك الحال النحاس المذاب وهو القِطْر،
стр. 157
فاستحكم البناء أيما استحكام وقوي كل قوة وأصبح غاية في الصلابة والملاسة قال - تعالى -: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (١) .
ولكي نعلم مدى ما وصل إليه ذو القرنين من العلم بطرائق الصناعة وخصائص المعادن، والاستفادة من ذلك، نرى العلم قد توصل في عصرنا الحاضر إلى أن خير طريقة لتقوية الحديد هي إضافة نسبة من النحاس إليه وأن ذلك يزيد من مقاومة الحديد وصلابته.
ولا أدل على قوة صناعية سد ذي القرنين وعلى ارتقاء علم الصناعة والعمران لديه من بقاء ذلك السد وعدم تغيره رغم تعاقب العصور والدهور حتى جاء رسول الله ﷺ والسد لا زال قائمًا وحتى يومنا هذا وحتى يأذن الله بقرب يوم القيامة وخروج يأجوج ومأجوج ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٢) . وهنا نرى كيف كان "السد" الذي هو من منتجات الصناعة الفائقة رحمة من رحمات الله - سبحانه - للناس ليتمكنوا من العيش آمنين، في عزلة من عبث المفسدين من يأجوج ومأجوج.
(٣) الثورة الصناعية في مملكة سليمان: - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -.
стр. 158
دولة نبي الله سليمان دولة ذات تمكين عظيم، بل لعلها أعظم دولة وجدت على ظهر الأرض من حيث ما مكن الله لها ولملكها النبي الصالح الشاكر - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -، ورغم كل ذلك ورغم تسخير الجن والطير لم تكن في غنىً عن منتجات الصناعة ومزاولتها، بل إن نصوص القرآن لتصور لنا ثورة صناعية دائبة مستمرة حية في تلك الدولة، حتى مات ملكها وهو واقف يشرف على تلك الأعمال الدائبة (١) قال - تعالى -: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (٢) .
стр. 159
ومما يوضح ويصور تلك الثورة الصناعية في مملكة سليمان - خلاف واقعة موته - مجيء التعبير عن عمل الجن في منتجات الصناعة بالفعل المضارع ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ .. الآية فالتعبير بالمضارعة في ﴿يَعْمَلُونَ﴾ يفيد الدوام والاستمرار والتجدد.
وكذلك مما يفيد ذلك قوله - تعالى - في الآية قبل آية ذكر أعمال الجن: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ .. (١) الآية. قال الواحدي في تفسير الآية: (قال المفسرون: أجريت له عين الصفر - أي النحاس - ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وإنما يعمل الناس اليوم بما أُعطي سليمان) (٢) .
стр. 160
فإعطاء الله لنبيه سليمان - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - النحاس بهذه الكمية والكيفية يدل على أن هناك استعمالات كثيرة له وهو المعدن العريق في منتجات الصناعة ومن أهم معادنها الذي تقوم عليه، ولذلك جاء التعبير بعمل الجن في صنائع الصناعة لسليمان عقيب ذكره - تعالى - لإسالة عين النحاس لسليمان، ولو لم يكن هناك إعمال لهذا المعدن في استخدام وصناعات لما كان هناك فائدة وطائل من إعطاء سليمان كل هذه الكمية منه، وبيانه - سبحانه - أنها من نعمائه وعطاياه التي أعطى سليمان وامتن بها عليه.
كل هذا يشهد بأن الاهتمام بالصناعة هو شأن الدولة المُمَكَّن لها المؤمنة المجاهدة لإعلاء كلمة الله، وأن ذلك مظهر من مظاهر تمكينها ومن نعم الله التي يتوجب شكرها وردها إليه - سبحانه -.
стр. 161
وبعد هذا الاستعراض لمنتجات الصناعة في القرآن الكريم ودورها في تمكين الله بها لدعوة الحق وجعلها من مظاهرها حال تمكينها نخلص إلى أن أوائل المخترعات من السفينة والدروع كانت على يد أنبياء بتعليم من الله حتى في دقائق صنعها وكيفيات تصميمها وللمتأمل في كتاب الله أن يذهب به العجب كل مذهب وهو يرى حال المسلمين في الصناعة اليوم، ويرى كتاب الله المنزل عليهم ولهم قد ذكرت فيه منتجات صناعية في أكثر من عشرة مواضع وفي كل موضع من تلك المواضع يمتن عليهم ويستحثهم للشكر عليها أو يبين لهم أن تلك الصنائع كانت وسائل نجاة لأمم وامتناع لآخرين من أعدائهم ووقاية من بأسهم، ويكفي للعلم بمدى حض القرآن على الصناعة وتشجيعه عليها أن سورة كاملة فيه جاءت باسم المعدن الأساسي للصناعة وهو الحديد وبين الله فيها أنه لم ينزله - سبحانه - إلا لشيء واحد وهو ليعلم من ينصر به دينه ويوظفه في صناعات ينصر بها الحق ويجاهد بها الكفر.
وعند التأمل في القرآن الكريم والاهتمام بالصناعة فيه لتمكين دعوة الحق، نجد أن نتاج الصناعة في القرآن على قسمين ونجد القرآن قد عرض كل قسم من ذلك النتاج عرضًا خاصًّا:-
стр. 162
القسم الأول:- كل ما تنتجه الصناعة من عتاد وآلات الحرب من سلاح أمثال السيوف والحراب والسنان والنصال والدروع وغير ذلك وقد جاء القرآن الكريم بذكر تلك المنتجات في كلمات تدل عليها من "قوة" أو "بأس شديد" ولم تذكر بأسمائها تفصيلًا، ولكن القرآن أوردها في سياق تلك الكلمات ذات الدلالة الواضحة عليها وعرضها آمرًا بها موجبًا على المسلمين إعدادها بكل ما أمكن قال - تعالى -: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ .. (١) الآية، ولقد ثبت - كما سبق ذكره - عن النبي ﷺ انه فسر القوة بالرمي، وإعداد الرمي إنما يكون قبل ذلك بإعداد آلته من السهم والقسي ولهذا جاء في السنة عظم ثواب صناعة السهم والإمداد به فضلًا عن رمايته، بل أن صانعه لا يقل أجرًا عن الرامي به في سبيل الله إذا احتسب نيته، بل إن صناعة سهم واحد - إذا احتسب النية - كفيلة بأن تكون سببًا مباشرًا في دخول الجنة، فعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة:
стр. 163
صانعه يحتسب في عمله الخير، والرامي به، والممد به» ..) (١) الحديث. رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وفي هذا الحديث نرى عظمة الصناعة الحربية في الإسلام وكيف أن سهمًا واحدًا أدخل ثلاثة الجنة، مما يدفع بالمسلمين لو عقلوا هذا الحديث أن يحترفوا صناعات الحرب ويجعلوها مهن الحياة وخير حرفة لكسب العيش، ونيل الدرجات في الجنة، الأمر الذي لا يكادون يجدونه في حرفة أخرى ألبتة، وما ورد هنا في شأن الرمي ينسحب كذلك على سائر آلات الحرب مما يتقوى به فيها للجهاد في سبيل الله، مثل السيف والرمح وغيره من وسائل وصناعات الحرب الحديثة كذلك وتقنية التسلح في هذا العصر الحاضر.
стр. 164
وفي هذا القسم قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١) . وهنا يبين أن "الحديد" معدن الصناعة الأول أنزله وعطف بإنزاله - سبحانه - على إنزال الكتاب والميزان على الرسل، ويبين - سبحانه - أنه إنما أنزله ليعلم من ينصره به ويوظف ما يصنع منه في نصرة دينه والجهاد في سبيله. قال ابن كثير ﵀: "فيه بأس شديد: يعني السلاح كالسيوف والحراب والسنان والنصال والدروع ونحوها" (٢) .
стр. 165
ومن هنا نصل إلى أن القرآن الكريم ذكر في آياته التقوي للحرب وللجهاد في سبيل الله، ورتب على الحديد نصرة ينصره بها أهل الإيمان به والجهاد في سبيله، وأن القرآن عنى بذلك منتجات الصناعة كالسلاح ونحوه فإن الحديد لا يمكن أن ينصر به أحدٌ أحدًا وهو خام، وأن الله أمر بالإعداد وأمر كذلك بنصرته في موضع آخر فقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ .. (١) الآية، وفي آية الحديد ربط إنزال الحديد بنصرته فتوجب بذلك نصرته بالاهتمام بصناعة آلات الحرب وإعدادها والإمداد بها، فهي واجبة على المسلمين متى تركوها أثموا جميعًا (٢) ، ودلالة نصوص القرآن ظاهرة واضحة في الأمر بها من ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ .. (٣) الآية، ومن ذلك ما سبق إيضاحه بشأن نصرته - سبحانه - بالاهتمام بصناعات الحرب وتوجب ذلك.
стр. 166
القسم الثاني: ما ذكره في كتابه من منتجات الصناعة مثل سفينة نوح والدروع - السابغات - وسد ذي القرنين وما ذكره لسليمان - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - من ذلك، ولقد عرض القرآن هذا القسم عرضًا يختلف عما في القسم الأول فلقد سمى تلك الصناعات بأعيانها ولكنه لم يأمر بها أو لم يوجه تجاهها أمرًا للمؤمنين بإعدادها أو نحوه كما سبق في القسم الأول، بل جعل منها ما هو آية وموضع عبرة لهم وبين - سبحانه - أن طريق النجاة كان بواسطتها مثل سفينة نوح قال - تعالى -: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ (١) . وقال - تعالى -: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢) .
وامتنَّ على بني الإنسان كذلك بصناعة السفينة والدروع وبيَّن أنها من نعمائه واستحثهم لشكر تمتعهم بها، وجعل السد من رحمته.
стр. 167
وبيَّن - سبحانه - موارد نفعها ودورها في تمكين أهل الحق فبصناعة السفينة كانت نجاة المؤمنين والخليقة في الأرض، وبسد ذي القرنين كان تمكين رعايا ذي القرنين من العيش آمنين هانئين ونحو ذلك وفي هذا عبرة لأهل الإيمان أن يعتنوا بالمخترعات ويعرفوا قيمتها وأنها من أسباب رحمته وسوابغ نعمته ووسائل النجاة من الكوارث والوصول إلى التمكين في الأرض، وعلى أهل الحق أن يأخذوا في الحسبان ما ورد في القرآن بخصوص هذا الشأن وأن يسعوا إلى الصناعة لتمكين دعوة الحق ونصرة الدين، معتبرين ومتأسين بهذه الوقائع التي دارت أدوارها على تلك الصنائع، حتى تحقق لأهل الحق التمكين ونُصِرَ بها الدين.
стр. 168
العامل الحادي عشر
الضراعة إلى الله
الضراعة في الأصل "الذلة والخشوع والاستكانة" (١) ، وهي تعني في اصطلاح القرآن الدعاء الممزوج بالذلة والتمسكن لله والانكسار بين يديه، ولقد أكَّدَ الله في كتابه الكريم أنها سبب من أسباب انكشاف السوء ونجاة المؤمنين، بل ونجاة أهل العذاب، الذين وصلوا درجة استحقاقه وعاينوه بأم عيونهم، فلو تضرعوا إلى الله لكشف الله عنهم العذاب.
قال - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) .
وقال - تعالى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ (٣) .
стр. 169
ولئن كانت دلالة الآيات هذه أن البأساء والضراء أرسلت لتستحث المكذبين إلى التضرع والانكسار إليه، وبالتالي قبول دعوة الرسل، فإن الآيات يستفاد من ظاهرها كذلك أن انكشاف البأساء والضراء يستلزم الضراعة الصادقة، وأنها سبب رئيس إذا كانت صادقة خالصة لانكشاف كل بأساء وضراء.
والذي نحن بصدده في هذا المبحث أن إبداء الافتقار إلى الله - تعالى - والالتجاء سب إليه وحده في الدعاء - وهو الضراعة - عامل عظيم من عوامل تمكين دعوة الحق، وسبب من أسباب نصر الرسل والأنبياء.
стр. 170
وباستقراء قصص الأنبياء في القرآن وقصص الهالكين من الأمم، لا نجد نصرًا حصل لنبي أو اتباع دعوة الحق إلا بعد رفع الضراعة ودوام الدعاء إلى الله، وكذلك نجد القرآن يقص لنا عن كثير من الأمم الهالكة، أن هلاكها سبقه ضراعة متضرع، أو جماعة مؤمنة التجأت إليه فألجأها وأنجاها، ثم أهلك من كايدها وعاداها، إن الضراعة سنة، لا تكاد تختلف في النصر والتمكين اللذين يصنعان على عين الله، ، ومتى قلت ضراعة الطائفة المؤمنة أو أصبح أفرادها وقادتها يتوارون أو يستحيون من أن يبدوا تمسكنهم وذلتهم وتذللهم وهم يدعون الله ويسألونه إنجاح أمورهم ونصرهم على عدوهم، وأصبحوا يعولون كل التعويل على حسن التخطيط والتدبير، وشدة التحري والتربص لمخططات أعدائهم وكيفية فضحها ودفعها، فإن تلك الطائفة - وإن كانت حسنة الإيمان في الجملة - جديرة أن تنحط عن رتبة النصر وجديرة كذلك بالخذلان من ربها، وأن يكلها إلى ما عولت عليه وركنت إليه.
ولعل من أحسن ما يبين هذا الأمر ويشهد له مثالان في كتاب الله؛ وهما حال طائفة الإيمان في بدر، وحالها في غزوة حنين.
стр. 171
ففي وقعة بدر نرى الضراعة والاستكانة أبين ما تكون، قال - تعالى - يصف دعاء المؤمنين ونبيهم ﷺ : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١) .
لقد كانت مشاعر المؤمنين قبل المعركة متوجهة إلى مالك النصر في لهفة واضطرار تطلب الغوث منه والنجدة، بنصر من عنده، فكان المدد بالملائكة والنصر من الله - سبحانه -، واستجابة الدعاء من الله، حتى لقد علم المؤمنون أنهم إنما نصروا بنصر الله، لا بعددهم ولا بسالتهم، ووصلوا إلى النصر بسهولة ودون عظيم خسارة هناك.
قال - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢) .
стр. 172
أما الحال في حنين، فيصوره القرآن كذلك ويذكر حال الجماعة المؤمنة، فلا يذكر عنهم أنهم تضرعوا ولا دعوا، فقلت لديهم الضراعة، بل اضمحلت فيهم اضمحلالًا ظاهرًا، بل بالعكس وقع في النفوس العجب بكثرة العدد والركون إليها والتعويل عليها، وهنا يأتي سياق القرآن بذكر ما استكن في قلوب المؤمنين وهم يسيرون إلى عدوهم فلا يذكر إقبالًا على دعاء الله منها، ولا طلب نصر منه، ولا استغاثة بربهم كما كان الحال في بدر، بل يذكر ما استكن فيها من العجب بالكثرة والالتفات إليها أكثر من الالتفات إلى دعاء واهب النصر، حتى كانت الكلمة الرائجة في الجيش (لن نغلب اليوم عن قلة) فكانت الهزيمة الفاضحة في أول الأمر حتى أثبتت للمؤمنين أن الاعتماد يجب أن لا ينصرف إلى كثرة عدد ولا قوة مدد، ولا وفرة العتاد والآلة؛ وإنما الاعتماد إلى واهب النصر وحده، الذي نصرهم وهم أذلة في بدر حين قصدوه، ووجهوا القلوب متضرعة إليه.
стр. 173
قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (١) .
وبعد أن تلقى أهل الإيمان درسًا فريدًا، وعلموا أن الكثرة ما أغنت ولا أجدت؛ شاء الله - سبحانه - أن يكمل لهم بقية الدرس ويريهم كيف ينزل النصر؟ وإذا أرادوه فمن أي باب يطرقونه؟ فهذا هو رسول الله ﷺ يثبت في رجال معه، وينزل عن بغلته ويقول: «اللهم نزِّل نصرك» ويستنصر الله ويدعوه فينزل الله سكينته عليه وعلى المؤمنين، وينزل - سبحانه - جنودًا لم يروها، فيكون النصر المبين من الله، والذي صنعه الله لنبيه ﷺ والمؤمنين حين دعوه وتضرعوا إليه وثبتوا على ذلك يدعون ويناضلون.
стр. 174
روى مسلم في صحيحه «عن البراء بن عازب ﵁ أن رجلًا قال له: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: " أشهد على نبي الله ﷺ ما ولى ولكنه انطلق أخفاءٌ من الناس وحُسَّر - والحاسر هو من لا درع له - إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها ِرجْل من جراد - أي قطعة من جراد - فانكشفوا فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ وأبو سفيان يقود به بغلته فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب اللهم نزِّل نصرك» ... ) (١) . الحديث.
وهكذا نرى رسول الله ﷺ يثبت ويدعو الله ويستنزله نصره حتى كان النصر من الله الموصوف في الآية: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) .
إن الضراعة والابتهال إلى الله بإنزال النصر لم تكن شأن النبي ﷺ في حنين فقط، بل "كان ﷺ إذا لقي عدوه، وقف ودعا واستنصر الله، وأكثر هو وأصحابه من ذكر الله" (٣) .
стр. 175
وهذا هو القرآن الكريم لا يكاد يذكر نصرًا وتمكينًا لدعوة الحق إلا ويذكر قبله أنه استنزل من خزائن مالك الملك بالضراعة والدعاء فهذا نبي الله نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام وضراعته، قال - تعالى - في شأنه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١) .
وقال - تعالى - في شأنه كذلك: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ (٢) .
стр. 176
وهذا نبي الله شعيب - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - يستفتح بالدعاء إلى الله ويبتهل إليه أن يحكم بينه وبين قومه بالحق، قال - تعالى - في دعائه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (١) .
وهذا لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام - يتضرع إلى الله أن ينجيه وأهله من قرية الخبائث، فتكون نجاته وهلاكهم - بإذن الله -، قال - تعالى - عنه: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (٢) .
стр. 177
وهذه ضراعة بني إسرائيل ونبييهما الكريمين وهم تحت وطأة قهر فرعون، فأبناؤهم يقتلون، ونساؤهم يستخدمن، ويؤذين من قوم فرعون، فيتضرع القوم ضراعة دائمة، ألا يفتنهم هذا الكيد عن دينهم، وأن ينجيهم ربهم من عدوهم، وهذا نبيهم يرشدهم إلى الضراعة إلى الله والاستعانة به وحده، والرغبة إليه في فك ورفع البلاء عنهم. قال - تعالى -: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١) .
стр. 178
ثم يرغب موسى وهارون - على نبينا وعليهم الصلاة والسلام - إلى الله ليفك عن قومهما كيد فرعون وبلاءه، وأن يشد وطأته عليهم، قال - تعالى -: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) .
ثم قال - سبحانه - بعد إخباره عن إغراق فرعون وقومه وإنجاء بني إسرائيل: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ... (٢) الآية.
стр. 179
وهنا نرى أن التمكين المذكور لبني إسرائيل في الآية سبقته ديمومة الضراعة منهم سنين طوال ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ وأخيرًا دعا نبي الله موسى وأمَن هارون، فاستجاب الله دعاءهما ورفع الكرب عنهما وعن قومهما، وأمرهم بالخروج إلى البحر، وفلقه لهم وأنجاهم وأغرق عدوهم.
قال - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ (١) .
ولقد ذكر أن الضراعة إليه ودعاءه هي القولة التي التزمها أهل التمكين من أتباع النبيين، واعتمدوها بل وأدمنوا عليها، حتى كأنهم لا يتلفظون بغيرها، وذلك في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) .
стр. 180
وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا﴾ ... فيه دلالة ديمومة الضراعة إلى الله، وإدمان الابتهال إليه في كل الأحوال، حتى لكأنهم لا يقولون قولًا ولا يلفظون كلامًا غير تلك الضراعة المبينة في الآية؛ وما كان بعد هذه الضراعة الدائمة إلا أن شهد الله أنه أنالهم "ثواب الدنيا" وهو الظفر والنصر والتمكين، "وحسن ثواب الآخرة" وشهد لهم - سبحانه - أنهم أحسنوا غاية الإحسان، وبلغوا بإحسانهم نعيم محبته لمن أحسن "والله يحب المحسنين".
قال - تعالى - في ذلك: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) .