دراسات في ضوء القرآن الكريم
عوامل النصر والتمكين
في
دعوات المرسلين
تأليف
أحمد بن حمدان بن محمد الشهري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العزة رب العالمين، ولي التمكين للدين، الملك الحق المبين، خير الناصرين، وأحكم الحاكمين، لا إله إلا هو يقص الحق وهو خير الفاصلين، مجّدَ نفسه في كتابه بامتلاكه وحده لأسباب النصر والتمكين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (١) وقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢) وصلى الله وسلم على نبيه محمد إمام المرسلين، المقطوع بنصرهم من رب العالمين في قوله - سبحانه -: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (٣) ورضي عن الصحابة أنصارهم والمهاجرين، الذين تجردوا من العلائق جادين، فخرجوا من أهلهم وديارهم ينصرون الله ورسوله حتى سماهم الله بالصادقين، أما بعد:-
стр. 2
فإن المؤمن إذا عظم إيمانه، وقوي يقينه، وصدقت محبته لخالقه صارت همته المؤكدة، ورغبته الشديدة، وأمنيته العزيزة نصرة هذا الدين ولقد بين ذلك - سبحانه - في كتابه المبين، فقال عن محبة المؤمنين للنصر: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (١) بل إن السعي لنصرة الدين خصيصة في عظماء الخلق من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين، وصفوة أتباعهم المؤمنين، ومن تأمل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وجد على ذلك شواهد كثيرة من النصوص الظاهرة، وموضوع تلمس أسباب النصر والتمكين في كتاب الله موضوع نفيس بالغ النفاسة، ولكن أود أن أنبه في هذه المقدمة على نقاط مهمة قبل الشروع فيه:-
١- الموضوع موضوع قرآني بالدرجة الأولى فهو من المواضيع التي تولاها القرآن أكثر من السنة، فإن الله ما ذكر دعوة نبي إلا وبين عامل نصرها، وذكر من عادى الدعوة وبين أسباب سخطه عليهم حتى إذا استقصى المستقصي ذلك خرج بمنهج متكامل في أسباب النصر وموجبات الخذلان والعقاب. ٢- عوامل التمكين في دعوات المرسلين:-
стр. 3
هذا العنوان فيه سجعة جميلة؛ ولكن ليس السبب في اختياره حلاوة السجع؛ ولكن لأن التمكين كلمة أعم وأشمل من النصر وسائر الألفاظ الدالة على الغلبة والقوة؛ لأنها كلمة تدل على التهيئة والتثبيت والقوة والغلبة والنصر العزيز الثابت الراسخ وهذا سر استعمال القرآن لها، أما "دعوات المرسلين" فلأن كل دعوة لرسول قد يظهر فيها عامل من عوامل النصر أكثر من غيره فدعوة نبي الله موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - ظهر فيها عامل الصبر أكثر من غيره، ولذا قال - سبحانه -: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (١) ودعوة نبي الله سليمان - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - جاء فيها عامل تجنيد الجند وتجييش الجيوش، في سبيل نصرة الدين أكثر من أي دعوة أخرى ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ (٢) الآية وأما كلمة المرسلين فلأمرين:-
стр. 4
الأمر الأول: أن الرسل مقطوع بنصرهم من الله - سبحانه - وعصمتهم من القتل بخلاف الأنبياء ومن تتبع تعبير القرآن رأى عجبًا فإن القرآن إذا قطع بالنصر عبر بلفظ الرسل كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (١) ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢) وإذا جاء ذكر القتل عبر بلفظ النبيين ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ،﴾ ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ والسبب - وعند الله العلم - أن رسول الأمة الأول لا يقتل أبدًا ولا بد من تمكينه ونصره في الدنيا فعلًا، ودليل ذلك قوله - تعالى - في سورة غافر: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ (٣) ، وقوله - جل ذكره - في سورة إبراهيم ﵇: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (٤) ، وقوله في سورة
стр. 5
الأنبياء: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ (١) .
أما الأنبياء الذين أرسلوا برسالة تجديدية لرسالة رسول الأمة الأول فإنهم قد يقتلون كرسل بني إسرائيل بعد موسى، وهذا ما يحمل عليه قوله - تعالى -: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (٢) وإذا كان الأمر كذلك فإن من قدر الله أن تكتمل عوامل النصر والتمكين في دعوة رسول الأمة أكثر من النبي المجدد ومن هنا كان الاختيار للعنوان "عوامل التمكين في دعوات المرسلين"
стр. 6
الأمر الثاني: أن الله يوجه رسوله ﷺ إلى أن يترسم مسالك المرسلين قبله في نصرة الدين، ويحذره من المسالك التي عاتب عليها المرسلين قبله كقوله - تعالى -: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ .. (١) الآية، وقوله : ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ .. (٢) الآية، وقوله - تعالى -: في سورة القصص بعد أن ذكر قول نبي الله موسى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ (٣) مخاطبًا نبيه محمدًا ﷺ ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ (٤) ، وقوله : ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ... (٥) الآية.
стр. 7
وبهذا يتبين لنا أن الله كان ينهج برسوله ﷺ مناهج المرسلين قبله، ويحدد له معالم تمكين الدين في قصصهم ويأمره باتباعها، وكان ﷺ يتحرى ذلك المنهج في دقائق الأمور من نصرته للدين، فقد قال لعلي بن أبي طالب ﵁ حين تركه بالمدينة في أهله وخرج لغزوة تبوك: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» ....) (١) مما يدل على أنه ﷺ في تركه لعلي ﵁ كان يترسم ما فعله موسى ﵇ من استخلاف أخيه، وقوله له: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢) وقوله ﷺ حين استشار أصحابه في شأن أسرى بدر: ( ... «إن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) ، ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) ، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى
стр. 8
الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (١) ، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ » (٢) .....) (٣)
٣- في مدارسة موضوع النصر والتمكين من خلال نصوص القرآن روح أيما روح وجنة وارفة من السكينة والإيمان كيف وقد كان ﷺ إذا دارس القرآن مع جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة، ففي مدارسة موضوع تمكين من خلال نصوص القرآن شحذ لعزائم المؤمنين وحفز لأن يجودوا بالغالي والرخيص والنفس والنفيس وصدق الله حين قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ ... (٤) الآية.
فضلًا عما في مدارسة الموضوع من خلال القرآن من الهداية والتوفيق كما قال - تعالى -: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٥) إلا أنه ينبغي هنا أن ننبه إلى أن الدخول إلى القرآن من غير السنة ضلالة مهلكة كما قال الإمام مالك - رحمه الله تعالى -: (السنة سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق) (٦) .
стр. 9
٤- ثمة عوامل تستحق الإفراد والتجريد أكثر وهي:
١. التوحيد.
٢. القيادة الراشدة.
٣. الثبات.
ولكن كل هذه العوامل داخلة في مباحث في هذا الكتاب فالتوحيد داخل في مبحث الإيمان الخالص لله.
والقيادة الراشدة داخلة في مباحث الحكمة في الدعوة والتواصي بالحق وأهمية الشورى.
والثبات داخل في مبحث الصبر، وإن كانت قناعتي الآن أن إفرادها بمباحث مستقلة هو الأولى ولكن لعل هذا يتحقق فيما بعد - إن شاء الله.
стр. 10
٥- دعوة خاتم المرسلين ﷺ دعوة خاتمة كاملة وعند دراسة موضوع النصر والتمكين فيها ومقارنتها بدعوات الرسل تجد أن دعوة نبينا ﷺ اشتملت على كافة عوامل النصر والتمكين في جلاء ظاهر وحسن باهر فمن القيادة الراشدة إلى الدعوة الصادقة بيانًا للحق ورحمة بالخلق إلى الصبر والثبات والتهيئة والإعداد والتضحية والجهاد. وعجبًا لمن يسعى لنصرة دين الله دون أن يتأمل السيرة ويتتبع قبل ذلك نصوص القرآن عن غزواته ﷺ ودعوته فقد أطال القرآن في ذلك كثيرًا، وأوسعته السنة تفصيلًا، ولا يتعامى عن هذا المنهج القويم إلا المحجوب بنفسه عن ربه، أو المقدم للعقل على النقل، والله المسؤول أن يهدينا سواء السبيل، وأن يعيذنا شرور أنفسنا وأن ينفعنا بالقرآن كل نفع، ويرفعنا به كل رفع، ويجعله لنا هدى وبشرى، وعظة وذكرى، وأن ينصر من نصر الدين، ويخذل من خذل الإسلام والمسلمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على خاتم النبيين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 11
دلالة التمكين
١ - دلالته في اللغة.
٢ - دلالته في اصطلاح القرآن.
دلالة التمكين في اللغة والقرآن
الدلالة اللغوية لكلمة "التمكين":
"التمكين" مصدر للفعل مكّن وهو من مزيد الثلاثي والأصل "مكَن" وقد وردت مادة "مكن" في كتب اللغة ولم تخرج عن أصل وضعها، قال الجوهري: ("مكن" مكنه الله من الشيء وأمكنه منه بمعنى، واستمكن الرجل من الشيء وتمكن منه بمعنى، وفلان لا يمكنه النهوض: أي لا يقدر عليه.
والمكْن: بيض الضب.. قال الكسائي: أمكنت الضبة جمعت بيضها في بطنها) (١) .
стр. 12
وقال صاحب اللسان: (وقد مكنت الضبة وهي مكون، وأمكنت وهي ممكن إذا جمعت البيض في جوفها.. وفي حديث أبي سعيد: "لقد كنا على عهد رسول الله ﷺ يهدى لأحدنا الضبة المكون أحب إليه من أن يُهْدى إليه دجاجة سمينة"؛ المكون التي جمعت المكن وهو بيضها، وقيل: الضبة المكون التي على بيضها.. والمَكِنة التمكن؛ تقول العرب: إن بني فلان لذوو مَكِنة من السلطان أي تمكن.. وقال ابن سيده: والمكانة المنزلة عند الملك؛ والجمع مكانات ولا يجمع جمع تكسير وقد مَكُن مكانة فهو مكين، والجمع مكناء، وتمكَّن كَمَكن. وتمكن من الشيء واستمكن ظفر، والاسم من كل ذلك المكانة. قال أبو منصور: ويقال أمكنني الأمر، يمكنني فهو ممكن، ولا يقال: أنا أمكنه بمعنى أستطيعه) (١) .
стр. 13
وقال صاحب المفردات عند مادة "مكن": (المكان عند أهل اللغة الموضع الحاوي للشيء، وعند بعض المتكلمين أنه عرض وهو اجتماع جسمين حاوٍ ومحويّ، وذلك أن يكون سطح الجسم الحاوي محيطًا بالمحوي، فالمكان عندهم هو المناسبة بين هذين الجسمين، قال: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ - ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ ويقال: مَكَّنتُه ومكنت له فتمكن. قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ - ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ - ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ - ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ .. وأمكنت فلانا من فلان ويقال: مكان ومكانة، قال - تعالى -: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ .. وقرئ: "على مكاناتكم". وقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي متمكن ذي قدر ومنزلة، ومَكَنات الطير ومَكُناتها مقارُّه..) (١) .
ومما سبق نخلص إلى أن مادة الكلمة قد استعملت بمعانٍ عديدة متقاربة لا تخرج عن أصل الاستعمال فقد استعملت بمعنى القدرة على الشيء والظفر به، وكذلك بمعنى السلطان والقدر والمنزلة.
стр. 14
التمكين في اصطلاح القرآن الكريم:-
وردت كلمة "التمكين" في القرآن الكريم باشتقاقاتها ثماني عشرة مرة، ولم يحدد لها القرآن اصطلاحًا خاصًّا بل استعملها في المعاني التي ذكرت معاجم اللغة، وباستقراء الآيات التي وردت فيها اشتقاقات الكلمة يتبين لنا أن القرآن استعمل الكلمة على سبعة معانٍ هي الآتي:-
أولًا: التمكين بمعنى الملك والسلطان:-
قال - جل ذكره - في شأن ذي القرنين: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ .. (١) قال ابن كثير ﵀: (أي أعطيناه ملكًا عظيمًا ممكنًا فيه من جميع ما يُعطى الملوك من التمكين والجنود..) (٢) .
ومن هذا القبيل قوله - تعالى -: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) ، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره: (أي ملكناهم إياها وجعلناهم المتسلطين عليها، من غير منازع ينازعهم، ولا معارض) (٤) .
ثانيًا: التمكين بمعنى المنزلة عند الملك:-
стр. 15
قال - تعالى - في شأن يوسف - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (١) ، وقال - تعالى - في جبريل ﵇: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (٢) ، وكذلك قال - تعالى - في شأن يوسف - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ .. (٣) ، ويفسر هذا التمكين أنه نصيب من الملك ومنزلة ذات قدر عند الملك قوله - تعالى - في آخر السورة على لسان يوسف - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ .. (٤) .
ثالثًا: التمكين بمعنى التهيئة:-
قال - تعالى -: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .. (٥) أي ألم نجعل حرمًا ذا أمن (٦) .
стр. 16
وقال - تعالى - في شأن يوسف - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ .. (١) ، أي جعلنا هذا مقدمة وتهيئة لتمكينه في الأرض من هذا الطريق (٢) .
رابعًا: التمكين في نعم الدنيا ومعايشها:-
стр. 17
قال - تعالى -: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (١) . وقال - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ .. (٢) ، الآية، قال ابن كثير: ﵀: (يقول - تعالى -: ولقد مكنا الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبًا منه) (٣) .
خامسًا: التمكين للدين:-
стр. 18
وهو يعني القدرة على مزاولة شعائره في أمن وإظهارها دون منازع أو مشوش، قال - تعالى - في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ .. (١) .
سادسًا: التمكين بمعنى الظفر:-
قال - تعالى -: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) ، فأمكن بمعنى أظفر وأقدر (٣) .
سابعًا: التمكين بمعنى الثبوت والاستقرار:-
قال - تعالى -: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ (٤) . أي ثابت مستقر.
стр. 19
وعد الرسل بالتمكين ومزاياه: -
لكننا نلحظ في القرآن مجيء الوعد بالنصر والغلبة والعاقبة والتمكين المذكور فيه الرسل أكثر وآكد - بمؤكدات لفظية ظاهرة ومعنوية - من الوعد بالتمكين والنصر المذكور فيه المؤمنون فقط، وما ذاك إلا أن دعوات الرسل خصوصًا من أمر منهم بقتال فلا يمكن أن يغلبه أعداؤه أبدًا ألبتة بل النصر مجزوم به له ولأتباعه وهم الغالبون القاهرون، قال - تعالى -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١)
وهنا أكد الله غلبة الرسل بمؤكد ما بعده مؤكد فقد عطف الرسل على ذاته العلية ((أنا)) فتأكدت الغلبة كل تأكيد فالله معهم وهو غالب لا يغلب - سبحانه -، والتحقيق أن الأنبياء الذين ذكر القرآن أن أقوامهم قتلوهم أنهم لم يكونوا في قتال (٢) ، أما من قاتل منهم فإنه لا يتصور بحال ولا يليق بحال العزيز القهار ذي الانتقام أن يكلف ويرسل رسولًا ويأمره بقتال ثم يقتل وهو لم ير ما وُعد من نصر والآية المذكورة شاهدة في هذا المعنى بذلك.
стр. 20
ومما يلحظ كذلك أن الآيات التي جاء فيها الوعد بالتمكين ونحوه وذُكِرَ لفظ الرسل فيها فهي في الغالب تجزم بالوعد دون تعليقه على أي عمل أو شرط أو تقديم يتقدم به الرسل لينالوا الوعد ويتحقق لهم؛ بينما الآيات التي يذكر فيها الوعد بالتمكين ونحوه للمؤمنين يعلق الوعد بالتمكين أو النصر أو نحوهما بأعمال وأحوال إذا هي تحققت تحقق لهم متعلقها من الموعود به من النصر والتمكين وذلك أن الرسل على صلة مباشرة بالوحي فلا حاجة لتنبيههم لحالة أو صفة ليتحلوا بها وهم قد تحلوا بالصفات المؤهلة لنيلهم النصر منذ تأهلوا واستحقوا أن يكونوا موضع رسالات الله ، وكذلك فهم لصلتهم المباشرة بالوحي وعناية الإله ورعايته لدعوتهم لا يمكن أن يخطئوا الطريق أو يعشوا عن عوامل النصر وأسباب تحقق الوعد بالتمكين.
стр. 21
وعد المؤمنين بالتمكين ومزاياه: -
أما أهل الإيمان من بعد الرسل فإنهم لا يلبثون بين فينة وأخرى حتى يقصروا عن أسباب النصر، وعوامل التمكين، أو يبحثون عنها أحيانًا، ويخطئون الطريق إليها أحيانًا، أو تفقد منهم صفات وأحوال هي حتمية لنيل النصر وإحقاق وعد الله لهم بالعاقبة، ولذلك جاء الوعد بالتمكين لهم معلقًا بصفات وأعمال وتقدمات يجب أن يحققها أهل الإيمان ليتحقق لهم وعد النصر والتمكين.
وإليك الآيات في ذلك فهي ظاهرة الدلالة واضحة في ترتيب الوعد لهم وتعلقه بأمور عدة بخلاف ما سبق سرده من آيات ذكر فيها الرسل، وذكر فيها الوعد لهم بالنصر والتمكين دون تعليق إلا نادرًا:
١- قال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) . فعلق الوعد بالتمكين هنا بأربعة أمور:-
стр. 22
(أ) وجود الجماعة المؤمنة وتحقق الإيمان فيها.
(ب) عمل الصالحات: من القيام بشرائع الدين وتنفيذ أوامر الله عملًا وليس ادعاءً فقط.
(ج) التزام نهج الصحابة، لقوله: ((منكم)) فالخطاب لهم وينسحب على من نهج نهجهم.
(د) انتفاء الشرك في العبادة: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ .
٢- قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) . وهنا علَّق الله نصره للمؤمنين بقيامهم بنصرة دينه - سبحانه -.
نتيجة تمايز الوعدين: -
ومن خلال امتياز وعد الرسل بالتمكين عن وعد المؤمنين في القرآن بالميزتين السابقتين وهما:-
١. كثرة المؤكدات اللفظية والمعنوية.
٢. عدم تعليق الوعد بتمكينهم بشرط أو عمل كما في وعد المؤمنين.
من خلال ذلك نخرج بنتيجة هامة جدًّا وهي أن التزام منهج الرسل في نصرة الدين هو أعظم عوامل تمكين الجماعة المؤمنة من بعدهم، وذلك أن هذا الالتزام التزام لمنهج قد ضمن الله - سبحانه - له التمكين وكتبه على نفسه وأكده أعظم تأكيد، ولم يعلقه بشرط أو أمر، مما يدل أنه منهج شامل متكامل يضم كل عوامل النصر والتمكين ويضمنها، فالثبات عليه هو جماع الأمر في تمكين المؤمنين ودعوتهم والسبب الأول والأخير في سعادتهم في الدنيا والآخرة.
ولقد بين الله - جل وعلا - هذا أتم البيان وجعل ذلك سنة لا تتخلف في نصر المؤمنين إذا ثبتوا على مناهج المرسلين وسماهم بذلك "المحسنين" قال - تعالى - عن الجموع الغفيرة من المؤمنين الذين ثبتوا بعد قتل النبي:
стр. 25
(وكأين من نبي قُتِل (١) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (٢) .
فتأمل قوله - تعالى -: وكأين من نبي قتل معه ربيون.. أي كم من نبي قتل، فهذا ليس بحال نبي واحد ولا مجموعة بل كثرة، وهذا حال المؤمنين بعدهم وهذا حال نصر الله لهم فآتاهم الله ((ثواب الدنيا)) أي "النصر والظفر والعاقبة" (٣) مع حسن ثواب الآخرة كذلك.
стр. 26
وجعل هذا - سبحانه - سنة ثابتة في سورة الصافات للمؤمنين إذا ترسموا مناهج النبيين، فعقب على نصر نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس عليهم صلوات الله وسلامه - كلٌّ على حدة - بقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي نصر الله هذا لهم ليس خاصًّا بهم فقط، وإنما لكل جماعة مؤمنة أحسنت على نهج إحسانهم وعبدت الله على حقيقة إيمانهم.
стр. 27
ومن هنا نعلم مدى الحكمة عند الصحابة وعظيم الحرص على الثبات على الحال التي فارقهم عليها رسول الله ﷺ حتى في بناياتهم ومقتنياتهم وحالتهم المادية - عند كثير منهم - فكيف بحرصهم على البقاء على الدين والمعتقد والإيمان والمنهج وهو سبيل النصر العظيم في الدنيا، وسبيل النجاة في الآخرة. ولقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في هذا المعنى كلاما لا أظن أن كلاما - بعد كلام الله ورسوله - أنفس منه ولا أجمل إذ قال: ( ... ولهذا كل من كان متبعًا لرسول الله ﷺ كان الله معه بحسب هذا الاتباع، قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) أي حسبك وحسب من اتبعك، فكل من اتبع الرسول ﷺ من جميع المؤمنين فالله حسبه، وهذا معنى كون الله معه، والكفاية المطلقة مع الاتباع المطلق، والناقصة مع الناقص، وإذا كان بعض المؤمنين به المتبعين له قد حصل له من يعاديه على ذلك فالله حسبه، وهو معه، وله نصيب من قوله - تعالى -: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٢) فإن هذا قلبه
стр. 28
موافق للرسول ﷺ وإن لم يكن صحبه ببدنه، والأصل في هذا القلب كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إن بالمدينة رجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم؛ حبسهم العذر» (١) . فهؤلاء بقلوبهم كانوا مع النبي ﷺ ، فلهم معنى صحبته في الغزاة، فالله معهم بحسب تلك الصحبة المعنوية. (٢)
стр. 29
الأولى: أنه لم يقتل نبي من الأنبياء الذين أمروا بالقتال أبدًا: -
فلم يقتل نبي في قتال، وإنما قتل الأنبياء الذين ذكر الله أنهم قتلوا في غير جهاد ولا قتال، قال صاحب أضواء البيان ﵀ تعالى -:
стр. 30
(قوله - تعالى -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ وقد دلت الآية الكريمة وأمثالها من الآيات كقوله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ . ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ . ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ إنه لن يقتل نبي في جهاد قط؛ لأن المقتول ليس بغالب؛ لأن القتل قسم مقابل للغلبة كما بينه - تعالى - في قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ وقد نفى عن المنصور كونه مغلوبًا نفيًا باتًا في قوله - تعالى -: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ وبهذا تعلم أن الرسل الذين جاء في القرآن أنهم قتلوا كقوله - تعالى -: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ وقوله - تعالى -: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ
стр. 31
صَادِقِينَ﴾ ليسوا مقتولين في جهاد..) (١) .
والحقيقة أن هذا الاستنباط الذي استنبطه العلامة الشنقيطي من دلالات الآيات والتوفيق بينها للخروج بهذه القطعية لينبئ عن براعة الرجل في تفسير القرآن بالقرآن، وكذلك يخرج ببرهان واضح في هذه المسألة، ويوافق ما قاله الحسن وسعيد بن جبير من أنه "ما قتل نبي في حرب قط" (٢) .
أما القراءة التي في قوله - تعالى -: وكأين من نبي قتل معه ربيون كثيرون بدلًا من قراءة ((قاتل)) فهي قراءة سبعية، قرأ بها نافع وابن كثير وأبو عمرو، ومن العشرة يعقوب (٣) وهي قراءة ابن عباس، واختارها أبو حاتم (٤) ، إلا أن الآية لا تنص على أن النبي المقتول كان في قتال أو أمر به، وعليه فلا تخالف ما سبق تقريره في ذلك.
стр. 32
الثانية: الانتصار من قتلة الأنبياء: -
إن دماء الأنبياء الذين يقتلون لا تذهب هدرًا فوليها بالثأر هو الله ، هم ومن كان قائمًا في الناس يأمرهم بالقسط من المؤمنين، قال : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١) .
والرسل الذين قتلوا يكون نصرهم في الدنيا بالانتصار ممن قتلهم والانتقام منه، قال السدي: (لم يبعث رسولًا قط إلى قوم فيقتلونه أو قومًا من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله ﵎ لهم من ينصرهم فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا. قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها) (٢) .
стр. 33
ولقد ذكر الإمام ابن جرير في تفسيره عند هذه الآية قتل الأنبياء ونصرهم المذكور في الآية وأجاب عليه بجوابين، أحدهما: قول السدي هذا (١) ، وقول السدي هذا من الانتصار لهم في الدنيا هو الجواب الأولى الذي عليه شواهد من القرآن والسنة، فقد قرن الله في موضعين من كتابه بين ضرب الذلة والمسكنة وبين قتل الأنبياء، وجعل ضرب الذلة والمسكنة عقابا لقتلة الأنبياء. قال - تعالى -: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ .. (٢) الآية، وكذلك فقد بين الله أن الذين يخرجون رسله من قراهم لا يلبثون إلا قليلًا حتى يحل بهم العذاب (٣) ، فقال : ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ (٤) .
стр. 34
فإذا كانت هذه سنته - سبحانه - فيمن أخرج رسله من إحلال العذاب بهم بعد مدة يسيرة من إخراج الرسول، فما الحال إذن فيمن قتلوا رسولهم إلا أشد وأنكى والله عزيز ذو انتقام.
стр. 35
الثالثة: قتل النبي ليس قتلًا لدعوته وإنما لشخصه فقط: -
وأحيانًا بل غالبًا ما يكون قتل الداعي إلى أمر ما عاملًا في إلهاب الحماس في نفوس أنصاره والثبات على نهجه وسببًا في انتشار دعوته.
وإليك الآيات وهي تبين ذلك، ونحن نوردها على قراءة البناء للمفعول في (قتل) .
قال - تعالى -: وكأين من نبي قُتِل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يجب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (١) .
والله إنما بعث الرسل للدعوة إلى عبادته وإعلاء كلمته وإظهار دينه، لا للدعوة إلى أنفسهم وإبراز شخصياتهم وإظهارها، وهو حين وعدهم النصر والغلبة، لم يعدهم كذلك لأجل أشخاصهم، وإنما وعدهم لأجل ما يحملونه من دعوة حق، ومنهاج شريعة من عنده، فبقاء دعوة الحق وانتشارها، ووجود من يحملها نصر لها وللداعي إليها، وإن كان قد مات أو قتل ذلك الداعي.
стр. 36
وهذا نبي الله عيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -، قد أزمع اليهود قتله وباؤوا بإثم قتله وإن كانوا لم يقتلوه - وذلك لتمام تصميمهم على هذا الإثم - رفعه الله إليه وتوفاه وجعل الذين اتبعوه فوق من كفر بدعوته وتربص به ظاهرين عليهم إلى يوم القيامة، فلم يتخلف شيء مما وعد الله به الرسل من ظهور الدين وتمام النصر والانتصار لهم، لم يتخلف شيء من ذلك في دعوة عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
قال - تعالى -: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (١) .
стр. 37
المرتبة الأولى: السلامة من الخسران
هذه المرتبة هي الدرجة الأولى في سلم مراتب التمكين للفئة أو الجماعة المؤمنة، وهي لازمة حتمية، لا يمكن أن تبدأ للتمكين بداية دون البداية بها، ولقد بينها الله - جل وعلا - في كتابه وجزم بها، وأقسم عليها.
فقال : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١) .
وهذه السورة كما قال الإمام الشافعي ﵀: (لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم) (٢) ، وهي بحق في صميم موضوعنا وهو "التمكين" إذ لا ينبغي لعاقل أن يسأل عن وسائل التمكين وأسباب النصر قبل أن يرفع عن نفسه ومن معه دخائل الخسارة، وموجبات النقص، والسورة هنا جزمت بقسم عظيم بالخسران لجنس بني الإنسان عمومًا ما لم تتوافر فيه ست خصال وهي:
١. الإيمان
٢. العمل الصالح.
٣. أن يكون في جماعة، وهذا واضح من مجيء التعبير بـ"الإنسان" مفردًا ثم مجيء الاستثناء بصيغة الجمع "إلا الذين".
٤. وجود مبدأ التواصي ومثوله.
٥. التواصي بالحق: وهو شرائع الدين.
٦. التواصي بالصبر.
стр. 38
إن هذه الخصال الست حين تتوافر في جماعة من الجماعات أيًا كانت فهي كفيلة بأن تجعلها في ضمان وأمان من كل خسارة أخروية أو دنيوية، والباحث المتحري لعوامل النصر، والناظر الفاحص لأحداث الأمم في التاريخ؛ يجد أن السورة لخصت الصفات المطلوبة في من يؤهل لبلوغ النصر ويمكن له في الأرض، خصوصًا من الأمة الإسلامية.
والسورة وإن كان أكثر من تصدى لتفسيرها يتعرض عند ذكر الخسارة لانتفاء الخسارة الأخروية، إلا أن السورة نصٌ في انتفاء الخسارة مطلقًا في الدنيا والآخرة، وقد جاء التعبير فيها على العموم، فينبغي إبقاؤه على عمومه، بل إنه يحق لقائل أن يقول إن السورة قاعدة محكمة في مدى حلول الخسارة بالإنسان في الدارين جميعًا، فالإنسان يحل به من الخسارة في الدارين بحسب ما أهدر من الخصال الست هذه، ويرتفع عنه من مقدار الخسارة في الدارين بحسب ما توافر فيه من الخصال الست التي استثنى الله - سبحانه -، وعند تمام تحقق هذه الخصال، فإن له تمام السلامة من الخسران في الدارين جميعًا.
стр. 39
بل إن الكفار والفجار حين يتواصون بشيءٍ من الحق أو الصبر، ويعملون به يرتفع عنهم في الدنيا بحسبه من الخسران، وينالون الثمرة، وخيرُ مثال لذلك ما رواه أبو بكرة ﵁ من قوله ﷺ : ( ... «وإن أعجل الطاعة ثوابًا لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا تواصلوا» (١) .
стр. 40
فقد تواصى الفجرة هنا بشيءٍ من الحق وهو صلة الرحم، وعملوا به فنالوا الثمرة، وسلموا الخسارة في الدنيا، وعلى هذا فالسورة قاعدة محكمة في لحوق الخسارة بالإنسان، أو ارتفاعها عنه في كلتا الدارين، بل إن كل ما لحق بالأمة الإسلامية أو بالجماعة المؤمنة في أي حقبة من التاريخ سواء كانت مع نبي أو ملك أو قائد من الخسائر والهزائم، فهو بسبب عدم توافر شيء من الخصال الست المذكورة، أو بسبب نقصٍ وعدم إتمام لها وحين نرى الجماعة الباغية أو الدولة الكافرة تنتصر وهي تواجه جماعة مؤمنة أو دولة مسلمة؛ فذلك راجع إلى أن هذه الجماعة أو الدولة قد حققت من الخصال الأربع المتبقية - خلاف الإيمان والعمل الصالح - ما لم يتحقق عند تلك المنهزمة التي على الحق أو على الإيمان؛ فلا بد أن يكون قد توفر لديها من الاتفاق على الجماعة، أو من مبدأ التواصي أو العدل والحق فيما بينهم أو التحمل والصبر ما لم يتوافر هناك. أي لدى الجماعة المؤمنة أو لعلها لم تقم به أصلًا.