← Общие книги

Общие книги · id 1976

عوامل النصر والتمكين في دعوات المرسلين

أحمد بن حمدان الشهري

Полный текст (211 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهذا نبي الله عيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -، قد أزمع اليهود قتله وباؤوا بإثم قتله وإن كانوا لم يقتلوه - وذلك لتمام تصميمهم على هذا الإثم - رفعه الله إليه وتوفاه وجعل الذين اتبعوه فوق من كفر بدعوته وتربص به ظاهرين عليهم إلى يوم القيامة، فلم يتخلف شيء مما وعد الله به الرسل من ظهور الدين وتمام النصر والانتصار لهم، لم يتخلف شيء من ذلك في دعوة عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. قال - تعالى -: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (١) .

стр. 37

المرتبة الأولى: السلامة من الخسران هذه المرتبة هي الدرجة الأولى في سلم مراتب التمكين للفئة أو الجماعة المؤمنة، وهي لازمة حتمية، لا يمكن أن تبدأ للتمكين بداية دون البداية بها، ولقد بينها الله - جل وعلا - في كتابه وجزم بها، وأقسم عليها. فقال : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١) . وهذه السورة كما قال الإمام الشافعي ﵀: (لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم) (٢) ، وهي بحق في صميم موضوعنا وهو "التمكين" إذ لا ينبغي لعاقل أن يسأل عن وسائل التمكين وأسباب النصر قبل أن يرفع عن نفسه ومن معه دخائل الخسارة، وموجبات النقص، والسورة هنا جزمت بقسم عظيم بالخسران لجنس بني الإنسان عمومًا ما لم تتوافر فيه ست خصال وهي: ١. الإيمان ٢. العمل الصالح. ٣. أن يكون في جماعة، وهذا واضح من مجيء التعبير بـ"الإنسان" مفردًا ثم مجيء الاستثناء بصيغة الجمع "إلا الذين". ٤. وجود مبدأ التواصي ومثوله. ٥. التواصي بالحق: وهو شرائع الدين. ٦. التواصي بالصبر.

стр. 38

إن هذه الخصال الست حين تتوافر في جماعة من الجماعات أيًا كانت فهي كفيلة بأن تجعلها في ضمان وأمان من كل خسارة أخروية أو دنيوية، والباحث المتحري لعوامل النصر، والناظر الفاحص لأحداث الأمم في التاريخ؛ يجد أن السورة لخصت الصفات المطلوبة في من يؤهل لبلوغ النصر ويمكن له في الأرض، خصوصًا من الأمة الإسلامية. والسورة وإن كان أكثر من تصدى لتفسيرها يتعرض عند ذكر الخسارة لانتفاء الخسارة الأخروية، إلا أن السورة نصٌ في انتفاء الخسارة مطلقًا في الدنيا والآخرة، وقد جاء التعبير فيها على العموم، فينبغي إبقاؤه على عمومه، بل إنه يحق لقائل أن يقول إن السورة قاعدة محكمة في مدى حلول الخسارة بالإنسان في الدارين جميعًا، فالإنسان يحل به من الخسارة في الدارين بحسب ما أهدر من الخصال الست هذه، ويرتفع عنه من مقدار الخسارة في الدارين بحسب ما توافر فيه من الخصال الست التي استثنى الله - سبحانه -، وعند تمام تحقق هذه الخصال، فإن له تمام السلامة من الخسران في الدارين جميعًا.

стр. 39

بل إن الكفار والفجار حين يتواصون بشيءٍ من الحق أو الصبر، ويعملون به يرتفع عنهم في الدنيا بحسبه من الخسران، وينالون الثمرة، وخيرُ مثال لذلك ما رواه أبو بكرة ﵁ من قوله ﷺ : ( ... «وإن أعجل الطاعة ثوابًا لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا تواصلوا» (١) .

стр. 40

فقد تواصى الفجرة هنا بشيءٍ من الحق وهو صلة الرحم، وعملوا به فنالوا الثمرة، وسلموا الخسارة في الدنيا، وعلى هذا فالسورة قاعدة محكمة في لحوق الخسارة بالإنسان، أو ارتفاعها عنه في كلتا الدارين، بل إن كل ما لحق بالأمة الإسلامية أو بالجماعة المؤمنة في أي حقبة من التاريخ سواء كانت مع نبي أو ملك أو قائد من الخسائر والهزائم، فهو بسبب عدم توافر شيء من الخصال الست المذكورة، أو بسبب نقصٍ وعدم إتمام لها وحين نرى الجماعة الباغية أو الدولة الكافرة تنتصر وهي تواجه جماعة مؤمنة أو دولة مسلمة؛ فذلك راجع إلى أن هذه الجماعة أو الدولة قد حققت من الخصال الأربع المتبقية - خلاف الإيمان والعمل الصالح - ما لم يتحقق عند تلك المنهزمة التي على الحق أو على الإيمان؛ فلا بد أن يكون قد توفر لديها من الاتفاق على الجماعة، أو من مبدأ التواصي أو العدل والحق فيما بينهم أو التحمل والصبر ما لم يتوافر هناك. أي لدى الجماعة المؤمنة أو لعلها لم تقم به أصلًا.

стр. 41

ولقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أثرًا يشهد لذلك فقال بعد كلام عن أهل الكتاب وما معهم من إيمان: ( ... ولهذا يروى "الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة") (١) . أما عند توافر عوامل النصر وموانع الخسران عند الجماعة المؤمنة وتوافر موانع الخسران الأربعة كذلك عند عدوهم من جماعة باغية أو دولة كافرة فإن الجماعة هنا تزيد عليهم وتفضلهم بالإيمان والعمل الصالح، وكفى بذلك نصرًا وقوة: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ الآية، (٢) وكما قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) . تلك هي مرتبة السلامة من الخسران التي حددتها السورة، ومتى توافرت موانع الخسران المذكورة في جماعة ما فقد بلغت مبلغ التأهيل للتمكين إذا قامت بمطالبه والسعي تجاهه، وهي مرتبة ضرورية تُبنى عليها المراتب والمراحل الأخرى، فما بعد السلامة من الخسارة إلا نيل الظفر والفوز والظهور.

стр. 42

المرتبة الثانية: التأييد التأييد وهو التقوية (١) . ومنه ما وقع لنبي الله عيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -، قال - تعالى -: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ الآية (٢) . حيث أيده أي قواه (٣) بجبريل ﵇، ومنه ما أيد الله به شاعر رسول الله ﷺ حسان بن ثابت فقال ﵊: «إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله» (٤) ، فالتأييد مرحلة من مراحل التمكين وهي تدخل كل مجال من مجالات الدعوة من توفيق أو سداد رأي أو حجة، أو التأييد بالنصر أو الجماعة، كما قال - تعالى - لرسوله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) ، فالتأييد يعد المرتبة الثانية من مراتب التمكين وهو أعلى من المرتبة السابقة - الأولى.

стр. 43

المرتبة الثالثة: الظهور هو القوة مع البروز (١) . قال - تعالى - في شأن الحواريين: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (٢) ، وبيَّن الظهور المقصود هنا فقال في سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ... (٣) . وهذه المرتبة هي نتاج مرتبة التأييد وحصيلتها، وهي مرتبة من التمكين بيَّن نبينا محمد ﷺ أنها لن تنعدم من أمته إلى قيام الساعة فمهما أصاب الأمة من نكبات ومهما ضعفت وتمزقت ونقص حظها من التمكين فلن تنعدم منها هذه المرتبة من التمكين وهي الظهور في علو وقوة من فئة أو جماعة في شرق الأمة أو غربها، ولا يمكن بحال أن تنحط كل طوائف الأمة الإسلامية جميعًا عن هذه المرتبة. قال ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» ... ) (٤) الحديث.

стр. 44

المرتبة الرابعة: النصر النصر يرد بمعانٍ أشهرها نيل الظفر على العدو (١) ، وقد ورد بهذا المعنى في القرآن في مواضع عدة منها قوله - تعالى -: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٢) ، وكذلك النصر يأتي في لغة العرب بمعنى الانتقام وإعانة المظلوم (٣) ، وجاء بهذا المعنى في الكتاب العزيز، قال - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (٤) ، وقال - تعالى -: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ .. (٥) . والحاصل أن الله قد جزم بالنصر للمرسلين وأتباعهم من المؤمنين، فقال : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٦) ، وقال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧) .

стр. 45

ولقد نص الله في كتابه على أنه ناصر رسله إما بإعانتهم في الدنيا أو الانتقام لهم والاقتصاص ممن عاداهم وآذاهم في الآخرة فقال : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١) ، فقد وردت معاني النصر السابقة كلها في القرآن وضمنها الله لعباده المرسلين وأتباعهم المؤمنين. وكما ذكرت - سابقًا - أن ترتيب هذه المراتب تصاعديًا من الأدنى إلى الأعلى، فإن وضع النصر في هذه المرتبة كان بالنظر إلى اعتبار معنى النصر الأشهر وهو نيل الظفر على العدو، فهو المقصود في هذه المرتبة.

стр. 46

المرتبة الخامسة: الغلبة . والغلبة أعلى من النصر فهي تزيد عليه بالقوة مع القهر والشدة (١) ، فهي رتبة أعلى ومرحلة يصل بها التمكين إلى مشارف الكمال ولقد تكفل بها الله لرسله وجنده المؤمنين. قال - تعالى -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢) . وقال - سبحانه -: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٣) . وقد حقق العلماء أن غلبة الأنبياء على قسمين:- ١- غلبة بالحجة والبيان، وهي ثابتة لجميعهم. ٢- غلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لمن أمر بالقتال منهم. لكن أغلب معاني الغلبة في القرآن الكريم غلبة بالسيف والسنان، كقوله - تعالى -: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٤) ، ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ (٥) الآية.

стр. 47

المرتبة السادسة: الملك أو الولاية . ولاية الأمر ووحدة القيادة متحتمة لازمة في كل مراحل ومراتب التمكين، ولكن حين يبلغ الحال بأتباع دعوة الحق باتحادهم واجتماعهم على رجل واحد يكون ملكًا عليهم. فهذه الحال هي حالة التمكين العليا والأكثر في الأمة الإسلامية وفي أمم الأرض جميعًا. قديمًا وحديثًا. وليس فوقها إلا الخلافة التي على منهاج النبوة. فهي أعلى حالات التمكين لدعوة الحق، ولقد امتن الله بإعطائه الملك لأقوام مؤمنين من أنبياء وغيرهم، ولأقوام كافرين. وبيَّن - سبحانه - أنه لا يعطى لأحد إلا بإذنه وتصرفه وهو بيده فهو مالك الملك. قال : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) . وقال : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ (٢) .

стр. 48

فامتن الله بالملك هنا - سبحانه - وعده من تفضله، وقال - جل ذكره -: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ .. (١) ، الآية. ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ (٢) الآية. وقال في شأن من آتاه الملك وهو كافر: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ ... (٣) الآية.

стр. 49

وهو - أي الملك - منّةٌ من الله حتى لو كان في دولة كافرة، فهو منّةٌ منه عليهم، لما فيه من الاستقرار والعظمة والظهور والامتناع؛ قال مؤمن آل فرعون يذكر قومه بهذه النعمة في سورة غافر: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ .. (١) الآية، فالآية هنا تدل على أن الملك نعمة عامة، نعمة استقرار وظهور وأمن ينعم بها كل من تحققت فيه، سواء كان الملك كافرًا أو مؤمنًا أو فاجرًا، فالرعية تنال من نعمائها ما لا ينكر من أمن من عدو آخر، واستقرار فيما بينهم، وإن كان الحاكم ظالمًا لهم، فهي مرحلة ومرتبة عليا من التمكين يعز الوصول إليها، إلا بركوب الأهوال وسيول من الدماء في الغالب، ويعز كذلك الانحطاط عنها، إلا بمثل ذلك أو أعظم.

стр. 50

ولذلك حذر الإسلام من شق العصا بعد استقرار الأوضاع واجتماع الكلمة على حاكم؛ لأنها نعمة عزيزة، وفرصة لا تهدر بحال، بل حذر الإسلام وأمر بقتل من شق العصا ولو فجر الحاكم وبغى واستأثر، ما لم يترك الصلاة، أو يصل إلى الكفر البواح، ويعلن به؛ كل ذلك حفاظًا على تلك المرتبة العليا من التمكين والتي ينبغي أن لا تهدر وإذا أهدرت فإنه قلما يكون العوض خيرًا من المعاض عنه؛ قال ﵊ في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ وأخرجه البخاري ومسلم: «وإنما الإمام جنة يقاتل من وراءه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرًا، وإن قال بغيره فإن عليه منه» وفي رواية أخرى: «فإن أمر بغيره فإن عليه وزرًا» (١) .

стр. 51

فالحاكم هنا وقاية ومُجْتَمعٌ يُقاتل من تحته إن ظلم وإن بر، فأما هذه الغاية الحميدة فمستفادة من ولايته، ولو مظهرًا يرتدع به الباغي، ويحسب حسابه الطامع في ديار حكومته، قال علي بن أبي طالب ﵁: (لا بد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة) ، فقيل: يا أمير المؤمنين هذه البرة قد عرفناها؛ فما بال الفاجرة؟ فقال: (يقام بها الحدود، وتأمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء) (١) . وبهذا يمكن القول بصريح العبارة إن كل مُلْكٍ وولاية للمسلمين فهي مرتبة من التمكين عليا على أي حال كانت تلك الولاية أو الحكومة، أو ذلك الملك باستثناء حالة الكفر الظاهر أو المبطن، فهي حالة لها أثرها المعاكس، وكذلك حالة الحيف الشديد في بعض الأحيان لقوله ﷺ «ثلاث أخاف على أمتي: الاستسقاء بالأنواء وحيف السلطان وتكذيب بالقدر» (٢) .

стр. 52

والجدير بالذكر هنا أن أكثر الملوك من غير الصالحين، قال - تعالى -: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (١) فمن فحوى الآية وواقع التاريخ نرى أن الملوك أبعد ما يكونون عن الصلاح في أنفسهم في الغالب. أما من حيث سياستهم لممالكهم فحسب حال رعاياهم وموقفهم من المُلْك وحاله - وهذا في العموم الغالب كذلك - والملوك الصالحون قليل، ولكن رغم هذا فالملك جائز في شرع من قبلنا. قال - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .. (٢) الآية. وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم تنسخه شريعتنا، كما هو مقرر في كتب الأصول (٣) ، وهو جائز في شريعتنا إذا تعذر إقامة خلافة النبوة التي هي الأصل (٤) .

стр. 53

وجواز الملك في شرع من قبلنا، واستساغته في شرعنا إذا تعذرت الخلافة؛ إنما هو بسبب أن الملك - رغم نقصه عن مرتبة الخلافة - يكون أحيانًا به قوام الناس وحده، ولا يقام أمر الناس وتجتمع حالتهم وتصلح إلا عليه، وذلك لنقصهم ونقصٍ في ولاية أمرهم، فيقصرون عن العلو إلى مرتبة الخلافة، فإنه كما تكون الرعية يكون الوالي عليها (١) ، وليس أدل على أن المُلْك لا تقام أمور الناس إلا به أحيانًا، ولعله غالبًا - لضعفهم عن الارتقاء إلى مرتبة الخلافة وإقامتها إلا في فترات محدودة - ليس أدل على ذلك من قصة الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى، إذ لم يدفعوا الظلم عنهم ويستقيموا للجهاد إلا بقيادة ملك، رغم وجود نبي بين ظهرانيهم وأقرهم الله على هذا وأجاب طلبتهم وابتعث لهم ملكًا كما كان الأمر فيهم من قبل.

стр. 54

المرتبة السابعة: الخلافة . وهي خلافة النبوة، وهي المرتبة الأعلى في مراتب التمكين لدعوة المرسلين وهي أفضل من الملك وهي الأصل (١) . قال : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٢) الآية. قال الإمام القرطبي عند هذه الآية: "هذه الآية أصل في نصب خليفة وإمام يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة.." (٣) . وكل نبي ملِكٍ فهو خليفة، قال - تعالى -: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) الآية. وكذلك الحاكم أو الملك وإن لم يكن نبيًا إذا كان على نهج النبوة وقد اتخذ ولايته دينًا وقربة إلى الله، كان خليفة من خلفاء الله في الأرض، سواء كان خلفًا لنبي مباشرة، أو كان بينه وبين النبي فترة من الزمن - أي مدة - وعندما يسمى الحاكم خليفة وهو على غير نهج خلافة النبوة - أمثال من جاء من الحكام بعد الخلفاء الأربعة - فإنما ذلك من باب التجوز في التسمية والتوسع، وإلا فالحقيقة أنه ليس بخليفة يصدق عليه مصطلح خلافة النبوة المتعارف عليه عند المسلمين وعلمائهم (٥) .

стр. 55

عوامل التمكين لدعوات المرسلين المبحث الأول: الإيمان الخالص لله. المبحث الثاني: الجماعة المناصرة. المبحث الثالث: الصبر. المبحث الرابع: التواصي بالحق. المبحث الخامس: تبليغ الدعوة. المبحث السادس: المعجزة. المبحث السابع: الحكمة في الدعوة. المبحث الثامن: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. المبحث التاسع: الهجرة. المبحث العاشر: الجهاد. المبحث الحادي عشر: الضراعة. المبحث الثاني عشر: إقامة الدين. توطئة الإيمان بالله ورسوله هو أول أمر يرتب الله عليه تحقق النصر والتمكين للأمة في كتابه الكريم، وعندما يذكر الوعد بالتمكين يجعله الشرط الأول والأكبر والأساس، وما سواه من الشروط والأمور فمبنية عليه، فهو الأساس والقاعدة والمنطلق لكل عمل تتقدم به جماعة المؤمنين وهي تسعى إلى النصر والتمكين.

стр. 56

وهذه نصوص الكتاب العزيز وهي تؤكد الإيمان بالله ورسوله، وتشترطه قبل كل شيء، لحصول نصر الله وتأييده وتمكينه للمرسلين وأتباعهم من المؤمنين. قال - تعالى -: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (١) . فبيَّن أنه مهلك الظالمين، وممكن للمرسلين، ومن استجاب لهم، وحصر الوعد الأكيد هنا لمن جمع أقطار الإيمان كلها؛ وهو خوف الله وخوف وعيده، وهو غضبه في الدنيا ويوم القيامة، والتعبير هنا بخوفه وخوف وعيده يجمع الإيمان كله. وذلك مثل قوله - تعالى - يصف قول المنافقين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) .

стр. 57

فإن المنافقين إنما اكتفوا بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر دون سائر أركان الإيمان؛ لأن هذين الركنين يشملان ويتضمنان سائر أركان الإيمان، فالتعبير بهما هنا للدلالة منهم على أنهم جمعوا الإيمان من أقطاره فيصدقهم بذلك الناس. وكذلك التعبير هنا بخوف مقام الله، وخوف وعيده للدلالة الصادقة على تحقق الإيمان الكامل بجميع أركانه ومن كافة أقطاره، فذلك يوجب لمن تحقق فيه إسكانه في الأرض وإهلاك عدوه واستخلافه وتمكين الله له. وكذلك قال - تعالى - في ترتب التمكين على الإيمان به ورسوله قبل كل شيء: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) .

стр. 58

وقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) . فوعد الله المؤمنين بالنصر منه والفتح القريب وبشائر التمكين التي لا تنتهي إن هم قاموا بالإيمان والجهاد حق القيام.

стр. 59

(١) الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى ﵇ -. هؤلاء الجماعة المؤمنة من الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى مع طالوت، يبين - تعالى - إيمانهم الخالص وثقتهم به - تعالى - مما أدى إلى نصرهم بإذن من الله لا بقوتهم ولا كثرتهم. قال - تعالى -: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) الآية.

стр. 60

لقد كان طالوت ومن معه مؤمنين، وعلى درجة من الإيمان فاضلة، ولكنهم قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ لما رأوا من قلتهم وكثرة جنود جالوت، فقد كانوا جنودًا؛ والجنود في اللغة جمع جند (١) ، فلقد كانوا جيوشًا متكاثرة، وجنودًا مجندة، فلا إمكان لخوض المعركة معهم بهذه القياسات المادية حتمًا، ولكن كان مع طالوت والمؤمنين طائفة أخلص منهم إيمانًا وأرفع، من الذين يظنون أنهم ملاقو الله، والظن هنا بمعنى اليقين (٢) ، والإيقان منهم بأنهم ملاقو الله هو غاية اليقين وأخلص الإيمان وكماله، كما جاء عن أبي بكر ﵁ أنه خطب الناس فقال: "قام رسول الله ﷺ مقامي هذا عام الأول - وبكى أبو بكر - ثم قال أبو بكر يحكي قول النبي ﷺ : «سلوا الله المعافاة - أو العافية - فلم يؤت أحد قط بعد اليقين أفضل من العافية أو المعافاة» ... ) (٣) الحديث.

стр. 61

لقد كان بين طالوت ومن معه طائفة اتصفت باليقين وهو درجة كمال الإيمان، كما جاء في الحديث بل غاية اليقين، فيقينهم منصرف هنا إلى لقاء الله وهذا غاية اليقين وأسنى مراتبه، وهنا قامت تلك الطائفة الموقنة بإقناع طالوت وبقية المؤمنين، ورجعوا وقاسوا لهم مقاييس الحروب بالإيمان، وأن القليل يغلب الكثير إذا أذن الله، فلنطلب النصر منه - سبحانه - ونتضرع إليه، ونطلب أسباب معيته، وهي الصبر والرغبة إليه فلن نغلب، وهنا اقتنع بقية المؤمنين القلة الذين كانوا فوق الثلاثمائة بيسير (١) ، وقابلوا الألوف المؤلفة وهم يتضرعون إلى الله ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إن قوله - تعالى - هنا ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ليدل على أن الهزيمة ما كانت لتكون أبدًا لولا إذنه - سبحانه - فهو الذي نصر المؤمنين، ولولا نصره لهم، لذهبوا شربة ماء لجالوت وجنوده، وما كان ذلك النصر ليكون ويأذن به الله لولا تلك الطائفة الموقنة الذين أرجعوا طالوت والمؤمنين إلى اليقين وطلب النصر من الله، والثقة بنصر الله والصبر حتى نصرهم الله وهزم عدوهم.

стр. 62

(٢) بيعة الرضوان . ما رتب الله على بيعة الرضوان من إثابة المؤمنين بالفتح القريب ومغانم كثيرة يأخذونها في خيبر، وكف أيدي الناس عنهم، وفتح مكة لهم بعد ذلك دون عناء قتال؛ إنما كان لما علم في قلوبهم من الإيمان الخالص له الصادق الكامل، فأثابهم كل ذلك الثواب بناءً عليه. قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١) . وهنا نرى الإيمان الخالص لله إذا علمه - تعالى - في قلوب عباده أثابهم عليه فتحًا دون قتال ومغانم كثيرة، كم قاتلوا من قبل فلم يجدوا مثلها! إن الله قد أثاب المؤمنين بكل تلك البشائر والفتوح، لا لجهادهم ولا لسعيهم إلى العمرة، وإنما لشيء علمه في قلوبهم، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ .. .

стр. 63

قال ابن كثير ﵀: " وقوله - تعالى -: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من الصدق والوفاء والسمع والطاعة" (١) . إن هذه الآيات لتؤكد أن الإيمان الخالص لله هو شرط النصر والتمكين لجماعة المؤمنين، وأنه أعظم شروط نصر الله وتمكينه للمؤمنين، بل هو الشرط الرئيس والأساس، وأنه عند توافره وخلوصه وبلوغه درجة الكمال كدرجة البيعة على الموت في سبيل الله كما كان في بيعة الرضوان فإن الله قد يثيب عليه فتحًا ونصرًا وتأييدًا وتمكينًا، دون أن يطالب أو يكلف المؤمنين بالجهاد أو عناء النصر وتبعات تطلبه.

стр. 64

والآن وبعد أن تبين دور الفئة الموقنة في تحقيق نصر الله لطالوت ومن معه نرى كذلك دور الإيمان الخالص في بيعة الرضوان، وأن الفتح والمغانم وبشائر التمكين ما كانت إلا ثوابًا له، ونرى مدى حرص رسول الله ﷺ على توفير هذا العامل العظيم من عوامل النصر وتطلبه، ونرى كذلك شدة حرصه على نفي ما يوهن منه أو يضعفه في النفوس، أو يعكر صفاءه أو ينقص كماله، فلقد كان ﵊ يحرص على أن يوفر من يتوافر فيهم الإيمان الخالص المجرد في صفوف جيشه، ويحرص على خروجهم معه، ويحض صحابته على معرفة قدرهم وأنهم سبب نصر الله لهم، فيقول ﷺ : «أبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم» (١) . ويقول ﵊: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» (٢) . وذلك أن الضعفاء إذا كانوا أهل صلاة ودعاء وإخلاص بحق أهل الإيمان الخالص لله السالم من الشوائب؛ لأنهم لضعفهم لا يتعلقون بسبب إلا بالخالق . وهذا هو عامل النصر الرئيس.

стр. 65

وكذلك كان ﷺ يحرص على إبعاد كل ما يشوب الإيمان في نفوس صحابته وأمرائهم وسراياهم، فلا يولي إمارة سرية أو ما فوقها من يعلم فيه حرصًا على الإمارة أو استشرافًا لها، وما ذاك إلا لكي لا يختل شرط النصر فينقص الإيمان وتتوجه النية إلى الشرف أكثر من توجهها لنصرة دين الله والإخلاص لإعلاء كلمته - سبحانه -. عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله ولا أحدًا حرص عليه» (١) . وبعد كل هذا يتبين لنا أن الوعد الذي قطع الله به على نفسه، وجعله حقًا عليه في قوله - تعالى -: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) أن المقصود بـ"المؤمنين" ليس مجرد التسمية لهم بالإيمان، أو ذكر جنسهم أنهم من أهل الإيمان، وإنما المقصود هنا المؤمنون الخُلَّص الذين حققوا الإيمان تحقيقًا، وجردوه لله تجريدًا؛ فهم الذين جعل الله لهم حقًا عليه أن ينصرهم، أما مجرد حصول الإيمان والتسمي به فلا يتناوله هذا الوعد، وليس المقصود في الآية.

стр. 66

المبحث الثاني الجماعة المناصرة مما لا شك فيه أن كل دعوة من الدعوات أيًا كانت لا بد لها من جماعة تنهض بها وتناصرها، وأن وجود الجماعة هو العامل الأساس في قيام الدعوة ورسوخها وبقائها، ووجود الجماعة المناصرة لدعوة الحق هو أول عامل في تمكينها وتحقق العاقبة لها. ولقد ذكر الله هذا في كتابه وبين أن وجود الجماعة المؤمنة المناصرة هو التأييد منه - سبحانه - لدعوة الحق، والسبب الظاهر في تحقق النصر، قال لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ، قال ابن كثير: "أي جمعهم على الإيمان بك، وعلى طاعتك ومناصرتك، ومؤازرتك" (٢) . فالجماعة التي تكون عاملًا أساسيًا في ظهور دعوة الحق وتمكينها، لا بد لها من أمرين: ١- أن تكون مؤمنة. ٢- أن تكون مناصرة لدين الله حق المناصرة.

стр. 67

ومتى فقدت الجماعة هذين الأمرين أو أحدهما، أو نقصت في أحدهما، تخلف النصر والظهور، ولو كان ولاؤها لدين الله، ولا أدلَّ على ذلك مما حدث مع نبي الله موسى وأخيه هارون - على نبينا وعليهم الصلاة والسلام -، وهما يستحثان قومهما للدخول في الأرض التي كتبها الله لهم. قال على لسان موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (١) ، فعند التأمل في قوله ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ نجد التعبير بكلمة (كتب) له غاية من التأكيد تفيد أن الأرض لهم قد كتبها الله في علم الأزل لهم وقدَّر أنها ستكون تحت تصرفهم - وبالفعل كانت لهم فيما بعد ودخلوها - ولكن نرى هنا كيف نكلت الجماعة المؤمنة عن نصرة أمر الله، وتحقيق ما كتب الله لهم، فامتنعت عن القتال، وتلكأت عن تنفيذ الأمر بمعاذير هي غاية في الجبن والهلع وعدم الثقة بوعد الله ورسوله، وسوء الأدب مع الله وأنبيائه ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٢) .

стр. 68

وعند فقدان المناصرة من الجماعة المؤمنة تأخر ذلك الوعد المكتوب بدخول بني إسرائيل ولم يتخلف في ذاته، وإنما تخلف أولئك الناكلون فلم يستحقوا أن ينالوا ما كُتِب لهم، وهنا نرى في وضوح كوضوح النهار كيف تنحط الدعوة من مراتب عظيمة من التمكين، حين ينكل وينخذل أبناؤها من الجماعة المؤمنة، عن النصرة والتنفيذ لأوامر الله وما رضي الله لهم، عند ذلك قال نبي الله موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (١) . وهنا نلمس عبرة للمعتبرين ونراها. لقد أصبحت الأرض المكتوبة لهم محرمة عليهم جزاء إنخذالهم ونكولهم عن نصرة أمر الله ونبيه.

стр. 69

وفي الجانب المشرق نرى كيف يكتب الله التمكين والرفعة للجماعة المؤمنة، حين تتبنى نصرة دين الله، ولو في ساعة العسرة، وكثرة المخالفين، وقلة المؤمنين، كيف يكتبه الله لهم ويحوطهم ويجعل الرفعة لهم، أبد الآبدين إلى يوم الدين، وهذا جلي واضح ناصع في دعوة نبي الله عيسى - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام -. قال - تعالى -: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (١) .

стр. 70

إن تبني نصرة دعوة الحق في ظروف صعبة كهذه محاطة بالعداء لمن انتمى إليها؛ العداء الظاهر والمكر الغادر من جانب آخر، عداء حتى لنبي يرونه أمام أعينهم يحيي الموتى - بإذن الله -، ويبرئ الأكمه والأبرص - بإذن الله -، ويبلغ العداء بهم لدعوته رغم ما يرونه من آيات بيده لا يمكن أن تأتي إلا من عند الله أن يسعوا لقتله وصلبه، هذا كله منصب على الداعي رغم ما معه من الآيات، فما بالك بما سيناله من انتمى إلى دعوته أو انحاز إليها من العداء والنكال، إن مثل هذا الحال ليجعل من المستحيل أو العسير حتى التفكير في الانضمام للدعوة والإيمان بها. وهنا يأتي موقف النصرة ظاهرًا رغم كل هذه الأحوال؛ يأتي قويًا مدويًا ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ على مسامع الملأ ورغم كيدهم وعدائهم ومكرهم، وهنا عبرة كذلك يجب ألا تنسى وأن تكون موضع الاهتمام وهي أن تبني نصرة الدين في ظروف تشير إلى أن الهلاك محدق بمن انضم إليه - فضلًا عمن ناصره - سبب مباشر في حصول أسباب غيبية من الله وظاهرة تجعل أولئك المناصرين للدعوة - يوم لا ناصر لها من قبل الناس وكل لها عدو - في أعلى مراتب الظهور والغلبة والنصر.

стр. 71

قال - تعالى -: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) ، وحض المؤمنين على نصرة دينه، ووعدهم عليها بالنصر والتمكين، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ... (٢) . وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ (٣) ، الآية.

стр. 72

المطلب الأول: ضرورة استصحاب الصبر إن دعوات الحق ما قامت ولن تقوم إلا باستصحاب الصبر، ولقد ذكر القرآن الكريم في قصص المؤمنين كيف صبروا، وأمر المؤمنين كذلك بالصبر والمصابرة. قال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) . وبين أن دعوات الحق السابقة واجهت الأعباء والمكائد والزلازل بالصبر وكانوا يسألون الله أن يفرغه عليهم إفراغًا عند مواجهة عقبات الدعوة واشتداد البلاء والكرب بهم، فهذا نبي الله موسى يرشد بني إسرائيل إلى استصحاب الصبر حتى يأتي الفرج.

стр. 73

قال - تعالى - في تلقي موسى وبني إسرائيل إيذاء فرعون بالصبر حتى كان الفرج: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١) .

стр. 74

ولقد أرشد في كتابه الكريم إلى استقبال البلوى واللأواء بالاستعانة بالصبر عليها، فقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (١) . بل بين أن أولياءه المؤمنين كانوا يصبرون ويصطبرون بل ويدعون الله ويطلبونه أن يصب عليهم الصبر صبًا حتى يفيض عليهم ويغمرهم وهو الإفراغ (٢) ، فيكونون بهذا الحال قد استعدوا للشدائد والكروب بأبلغ أنواع الصبر. قال - تعالى - في شأن الملأ من بني إسرائيل ومؤمنيهم الذين ثبتوا مع طالوت وهم في بروزهم لأهوال المعركة مع جالوت وجنده الكافرين: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣) .

стр. 75

ولهذا استحب بعض أهل العلم أن تكون هذه اللهجة من الدعاء لهجة جنود الإيمان حين يلقون أعداءهم (١) ، وأن تكون هذه العبارة من الدعاء ذكرهم الكثير الذي أمرهم الله به في قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) . وكذلك طلب إفراغ الصبر من الله، كان طلب سحرة فرعون من الله، حين آمنوا وأوعدهم فرعون بكل نكال وعذاب شديد، فأجابوا بقولهم: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (٣) .
следующие страницы →