← Общие книги

Общие книги · id 1977

فقه الإنكار باليد

ذياب الغامدي

Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

فِقْهُ الإنْكَارِ باليَدِّ دِرَاسَةٌ ونَقْدٌ ذياد بن سعد آل حمدان الغامدي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله رَبِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على عَبدِه ورَسولِه الأمين. أمَّا بعدُ (١) :

стр. 2

فاعلم - رحمني الله وإيِّاك - أنَّ شعيرةَ " الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنْكرِ" من شَعَائرِ الإسلامِ العِظَامِ، ومن أوجبِ واجباتِ الدِّين؛ كما أنَّه عُنْوانُ الإسلامِ والإيمانِ، ودليلُ السَّعادةِ والأمانِ، والفوْزُ بِعزِّ الدُّنيا ودُولِ الجِنان، وما ذلك إلاَّ أنَّه من أشقِّ ما يحملُه المُكلَّفِ؛ لأنَّه مقامُ الرُّسُلِ، فمتى - لا قدَّر الله - تَهاوَنَ به المسلمون، أو تَخَاذلَ عنه العَالِمُون؛ فعندها يَعُمُّ العذابُ، ويَحِلُّ الهوانُ، ويَتَسلَّطُ الأعداءُ، وتتَغيَّرُ رسومُ الدِّين ... إلى غير ذلك من الفتنِ والضَّلالاتِ والمُغالطات التي يكفي بعضُها لهدِمِ معالِمِ الإسلامِ العِظام.

стр. 3

وما هذه الشُّبُهاتُ والأدواءُ التي أحاطتْ بنا إحَاطَةَ السِّوارِ بالمَعْصمِ، وهذه الشَّهَواتُ والأهواءُ التي أظلمتْ علينا كقِطَعِ اللَّيلِ المُظْلِم؛ إلاَّ أنَّ "الأمرَ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكرِ" ضَعُفَ جانِبُه، وكَثُرَ في النَّاسِ مُجَانِبُه، حتى وَصَلَ الحالُ عند بعضِ من يُظنُّ بهم أنَّهم حُماةُ الإسلامِ، وأربابُ الدَّعوةِ أن تَرَاجَعُوا القَهْقَري عن مَيَادينِ الدَّعوةِ؛ ممَّا جعلَ العُصاةَ يَمْرحُون في ميادينِ شَهَواتِهم، ويَفْتَخِرُون بعصيانِهم دون حسيبٍ أو رقيبٍ ... حتى أصبحَ "الإنكارُ" نسياً منسياً؛ إلاَّ بقِيَّةُ أثارةٍ من عِلمٍ، يَلُوكُونَ بها الألْسُنَ، ويُعطِّرُون بها المَجالِسَ، ولرُبَّما يَتَنَاظَرُون ويُصَنِّفون من أجْلِ تَشْقيقَاتٍ فَرْعيَّةٍ حَوْلَها، في حِينَ أنَّ أرضَ الواقِعِ خُلْوٌ منهم؛ نعم بَدَأ الإسْلامُ غَرِيباً وسَيَعُودُ غريباً!.

стр. 4

حتى إنَّ أحداً لو أرادَ في هذه الأزمنةِ أن يَعتمدَ على يديه لِينهضَ على قَدَميه: لِيُنْكِرَ ما وجب عليه، قال عنه النَّاسُ: ما أكثرَ فضوله، وما أسفه رأيه، وما أضعف عقله!. ومَنْ سَكَتَ عنهم، وأخْلَدَ إليهم، قالوا عنه: ما أكمل عقله، وما أقوى رأيه ... !. أخي: إنَّ الله تعالى قد أخَذَ عليكم مِيثاق هذا الدِّين بأن تُبَيِّنُوه للنَّاس بما أوجب عليكم من الأمرِ والنَّهي، والدَّعوةِ والإرْشادِ، والعِلْمِ والتَّعليمِ، والتَّحذيرِ والإنْذَارِ، وإبعادِ النَّاسِ عن المَرَاتِعِ الوخيمةِ، والأعمالِ السَّيئةِ الذَّميمةِ؛ فإنَّكم مَسْؤولون أمامَ الله تعالى عن ذلك، فأعِدُّوا للسُّؤَالِ جَوَاباً، وللجَوَابِ صَوَاباً؛ قبل ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر٥٦] .

стр. 5

وإذا كانَتْ قِيمةُ العَمَلِ تُقَدَّرُ بأهدافِه في السُّمُوِّ أو خِلافِه؛ فإنَّ أهدافَ "الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر" هي مِنْ أنْبَلِ، وأسْمَى الأهدافِ!، ويكفي شَرَفاً لها وللقيامِ بِها بأنَّها المُهِمَّةُ التي أُرْسِلَ بها الرُّسُلُ من عند ربِّهم لِنَشْرِ الفضيلةِ، ومُحَاربةِ الرَّذيلةِ، وإلزامِ الناس طَرِيقَ الرَّحمن، وإبعادِهم عن طَريقِ الشَّيطانِ، فهل هناك أهدافٌ أعلى وأسْمى من هذه الأهدافِ؟ لا والله!. وعن هذا الشُّمُولِ لأهدافِ الحسْبةِ؛ يقول أبو حامدٍ الغَزَّالي ﵀: " الحسبةُ وظيفةٌ دينيةٌ اجتماعيةٌ؛ قبل أنْ تكون وظيفةً حَكُوميةً؛ فقد شَمِلت جَوانِبَ الحياةِ كُلِّها؛ فقد دَخَلت في دواوينِ السَّلاطين، ومجالسِ القُضَاةِ، ومَدارسِ الفُقَهاءِ، وخَانَاتِ الأسواقِ، والشَّوارعِ، والحَمَّاماتِ والمَسَاجدِ، والبُيُوتِ، والمَارَسْتانات (المستشفى) ، والكَتَاتيب". (١)

стр. 6

وبعد هذا؛ فلا تَحْسِبنَّ أخي المسلم أنَّ "الأمرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المُنكر" له أعوانٌ وأنصارٌ؟ كلاَّ؛ بل ما زال هذه الأمرُ في تراجعٍ وتخاذلٍ من بعض المسلمين، فمرَّةً تراهم يعتذرون بالحكمةِ، ومرَّةً بالسَّلامةِ، ومرَّةً بالمصلحة ... وهلمَّ جرّا.

стр. 7

ودونك أخي المسلم هذا الكلامَ الرَّبَّاني الذي كان لِزاماً على كلِّ طالبِ علمٍ أن يَقِفَ معه بتدبُّرٍ وتأمُّلٍ، وهو من كنوزِ الحِكَمِ للإمامِ الهُمامِ ابنِ القيم ﵀ إذ يصفُ لنا حالَ أكثرِ المسلمين بقولِه: " وقد غرَّ إبليسُ أكْثَرَ الخلْقِ بأنْ حَسَّنَ لهم القِيامَ بِنَوْعٍ من الذِّكرِ، والقراءةِ، والصَّلاةِ، والصِّيامِ، والزُّهدِ في الدُّنيا والانقطاعِ، وعَطَّلُوا هذه العُبُودِيَّاتِ، فلم يُحَدِّثُوا قلوبَهم بالقيامِ بها، وهؤلاء عند ورثةِ الأنبياءِ من أقَلِّ الناسِ دِيناً؛ فإنَّ الدِّينَ هو القيامُ لله بما أمرَ به؛ فتاركُ حُقُوقِ الله التي تَجِبُ عليه أسْوأ حَالاً عند اللهِ ورسولِه مِنْ مُرْتكبِ المَعاصي؛ فإنَّ تَرْكَ الأمرِ أعظمُ من ارتِكَابِ النَّهي من أكثرِ مِنْ ثلاثين وجْهاً ذكرها شيخُنا ﵀ (أي: ابن تيمية) في بعض تصانيفه. ومَنْ له خِبْرةٌ بما بَعَثَ الله به رسولَه ﷺ ، وبما كان عليه هو وأصحابُه؛ رأى أنَّ أكْثَرَ مَنْ يُشَارُ إليهم بالدِّينِ هم أقَلُّ الناس ديناً، والله المستعان.

стр. 8

وأيُّ دِينٍ، وأيُّ خَيْرٍ فِيمن يرى: مَحَارمَ الله تُنْتَهك، وحُدُودَه تُضَاعُ، ودِينَه يُتْرك، وسُنَّةَ رسولِه ﷺ يُرْغبُ عنها؛ وهو بارِدُ القَلْبِ، سَاكِتُ اللِّسانِ، شَيْطانٌ أخْرسٌ؛ كما أنَّ المُتَكلِّمَ بالباطلِ شيطانٌ ناطقٌ؟ ا. وهل بَلِيَّةُ الدِّينِ إلاَّ مِنْ هؤلاءِ الذين إذا سَلِمتْ لهم مآكلُهم ورياساتُهم؛ فلا مُبَالاةٍ بما جرى على الدِّينِ؟ ا. وخِيارُهم المُتَحَزِّنُ المُتَلَمِّظُ، ولو نُوزِعَ في بعضِ ما فيه غَضَاضةٌ عليه في جاهِهِ أو مالِه؛ بَذَلَ وتَبَذَّل، وجَدَّ واجْتَهد، واستعملَ مَرَاتبَ الإنكارِ الثلاثةِ حسب وُسْعِه. وهؤلاء - مع سُقُوطِهم من عينِ الله ومقتِ الله لهم - قد بُلُوا في الدُّنيا بأعْظَمِ بَلِيَّةٍ تكون وهم لا يَشْعرون، وهو مَوْتُ القُلُوبِ؛ فإنَّ القلبَ كلَّما كانت حياتُه أتَمَّ؛ كان غَضَبُه لله ورسولِه أقوى، وانْتِصَارُه للدِّينِ أكمل" (١) .

стр. 9

والذين يُؤْثِرُون السَّلامَةَ في أديانِهم - فيما زعموا - وفي أبدانِهم، ويَتْرُكُون الأمرَ والنَّهيَ الواجبَ عليهم - مع القُدْرةِ عليه - لهذا السبب: هم كالمُسْتجيرِ مِنَ الرَّمْضاءِ بالنَّارِ؛ (١) إذْ صُورَةُ حَالِهم أنَّهم يَهْرُبُون من ضَرَرٍ مُتَوقَّعٍ إلى ضَررٍ واقعٍ؛ كما قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة٤٩] . وفي هذا يقول شيخ الإسلامِ ابنُ تيمية: " ولَمَّا كان في الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المُنكرِ، والجهادِ في سبيلِ الله مِنَ الابتلاءِ والمِحَنِ ما يَتَعرَّضُ به المَرْءُ للفِتْنةِ؛ صَارَ في النَّاسِ مَنْ يَتَعلَّلُ لتركِ ما وجب عليه من ذلك بأنْ يَطْلُبَ السَّلامةَ من الفتنةِ؛ كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة٤٩] .

стр. 10

ثمَّ قال: إنَّ نَفْسَ إعْرَاضِه عن الجهادِ الواجبِ، ونُكُولَه عنه، وضَعْفَ إيمانِه، ومَرَضَ قلبِه الذي زَيَّنَ له تَرْكَ الجهاد: فِتْنةٌ عظيمةٌ قد سَقَطَ فيها، فكيف يَطْلُبُ التَّخَلُّصَ مِنْ فِتْنةٍ صَغيرةٍ لم تُصِبْه بِوُقُوعِه في فتنةٍ عظيمةٍ قد أصَابَتْهُ؟!. ثمَّ قال: فَمَنْ تَرَكَ القِتَالَ الذي أمَرَ الله به؛ لئلا تكون فتنةٌ؛ فهو في الفتنةِ سَاقطٌ؛ لِمَا وقع فيه مِنْ رَيْبِ قَلْبِه، ومَرَضِ فؤادِه، وتَرْكِ ما أمَرَهُ الله به من الجهاد". (١) ويقولُ أيضاً: " وإذا كان كذلك فمعلومٌ أنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكرِ، وإتْمَامَه، والجهادَ هو من أعظمِ المعروفِ الذي أُمِرْنا به ... وإذا كان هو أعظمُ الواجباتِ والمُستحبَّاتِ، فالواجباتُ والمستحبَّاتُ لا بُدَّ أنْ تكون المصلحةُ فيها راجحةً على المفسدةِ؛ إذ بهذا بُعِثَتِ الرُّسُلُ، وأُنْزِلتِ الكُتُبُ والله لا يُحِبُّ الفسادَ". (٢)

стр. 11

كما أنَّني هنا لم أقْصِدْ الكلامَ عن "الأمرِ بالمعروف والنهي عن المُنكر" بكُلِّ ما له من مسائلَ ودلائلَ ... إلى غيرِ ذلك من مباحثِه العِظام؛ كلاَّ لم أقْصِدْ شيئاً من ذلك؛ وما هذا إلاَّ أنَّ (المسألةَ) قد بُحثتْ عند كثيرٍ من أهلِ العلمِ - السَّلفِ منهم والخلفِ - في مُصنَّفاتٍ مُستقِلَّةٍ، وكلٌّ منهم بحسبِه، إلاَّ أنَّها في مَجْمُوعِها قد أخذتْ بمجامعِ مسألتِنا جملةً وتفصيلاً، والحمدُ لله ربِّ العالمين. لأجلِ هذا؛ كان من الحكمةِ أن اختصرَ الطريقَ، وأقفَ على مواقعَ الدَّاء التي أحسبُها من جادَّةِ بحثنا، مع بيانِ ما شابها من الْتِبَاسٍ وشُبهٍ عند بعضِ طلبةِ العلمِ من أهلِ زماننا، ناهيك عمَّن سواهم. أقولُ: لقد جَاءتِ النُّصوصُ الشَّرعيةُ من الكتابِ، والسنةِ، والإجماعِ، وأقوالِ السَّلفِ بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، وهي كثيرةٌ جداً لا يحيطُ بها مثلُ هذا المقامِ؛ لذا سنقتصر هنا على ما فيه مَقْنَعٌ وغُنْيةٌ.

стр. 12

يقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران ١٠٤] . وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران ١١٠] ، ولذا نجدُ عُمَرَ بنَ الخطاب ﵁ يقول بعد أن قرأ الآية السَّابقةَ: " يا أيها الناس مَنْ أراد أن يكون من هذه الأمَّةِ فليُؤَدِّ شَرْطَ الله فيها ". (١) وفي حديث أبي سعيد الخُدْري ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانِه، فإن لم يستطع فبقلبِه وذلك أضعفُ الإيمان» (٢) مسلم.

стр. 13

وهذه بعضُ أقوالِ أهلِ العلمِ في شرحِ هذا الحديثِ، يقولُ أبو الفضل عياض ﵀: " هذا الحديث أصلٌ في صفةِ التَّغيير فحقُّ المُغيِّر أن يُغيِّرَه بكلِّ وجهٍ أمكن زوالُه به، قولاً كان أو فعلاً، فيكسر آلات الباطل، أو يُريق المُسكر بنفسه، أو يأمرُ من يفعله، وينزعَ المغصُوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو بأمرِه إذا أمكنه". (١) أمَّا ما أُثِرَ عن بعضِ السَّلفِ ﵃ -فقد رُوِيَ عن أبي بكر ﵁ قوله: " يا أيها الناس ائْتَمِرُوا بالمعروفِ وانْهَوْا عن المنكرِ، تَعيشُوا بخيرٍ". (٢) وقال علي ﵁: " من أمر بالمعروفِ شَدَّ ظَهْرَ المؤمنين، ومن نَهَى عن المنكرِ رَغَّمَ أنْفَ المنافقين" (٣) . وقال حذيفة بن اليمان ﵁ حين سُئلَ عن ميتِ الأحياءِ؟ فقال: " الذي لا يُنْكرُ المُنْكرَ بيدِه ولا بلسانِه ولا بقلبِه". (٤) كما دلَّ على وُجُوبِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ إجماعُ الأمَّةِ، كما نقل ذلك الإمامُ النَّوويُّ، وابنُ عبد البرِّ، والقرطبي وغيرهم (٥) كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

стр. 14

وبعد أن ذكرْنا الأدلَّةَ القاطعةَ على وجوبِ "الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر"؛ كان من المُناسبِ أن نَذْكُرَ شُرُوطَ الآمرِ بالمعروفِ والنَّاهي عن المُنكر على وجه الاختصار، وهي كما يلي: (شروطٌ مُتَّفقٌ عليها، وشروطٌ مُختلفٌ فيها) . فأمَّا الشُّروطُ المُتَّفقُ عليها؛ فهي: الإسلامُ، والتَّكليفُ، والاستطاعة. أمَّا الشُّروطُ المُختلفُ فيها؛ فهي: العدالةُ، وإذنُ الوالي. وهذا ما قاله ابنُ النَّحَّاسِ ﵀: " يُشترطُ لإيجابِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكرِ؛ ثلاثةُ شُرُوطٍ: الإسلامُ، والتَّكليفُ، والاستطاعةُ. واخْتُلِفَ في العدالةِ، والإذْنِ من الإمام". (١) وبعد هذا؛ أحببنا أنْ نَقِفَ مع بعضِ الأحكامِ المُختلفِ فيها التي فُهِمتْ على غيرِ وجهِهَا الشَّرعي، لا سيما عند بعضِ طلبةِ العلمِ!. وذلك من خلالِ مسائلَ مُهمَّةٍ:

стр. 15

القولُ الأولُ: من قال إنَّه خاصٌ بالسُّلطان (بنفسِه، أو أهلِ الحسْبةِ) واستدلُّوا بما يلي: أولاً: أنَّ الإنكارَ باليدِ إذا فعله آحادُ الرَّعيَّةِ، سوف يترتَّبُ عليه فتنٌ وفوضى. ثانياً: أنَّ فيه افْتِئاتاً على وَليِّ الأمْرِ!. ثالثاً: أنَّ تغيرَ المنكر باليدِّ يحتاجُ إلى قُوَّةٍ، والقوَّةُ من شأنِ السُّلطان. إلى غير ذلك من التعليلاتِ. علماً أن أكثرَ هذه التَّعليلاتِ للأسفِ لم تكن نابعةً من بَسْطةٍ في العِلْمِ، أو تأصيلٍ شرعي، أو اسْتِنَادٍ على آيةٍ مُحْكَمةٍ، أو سُنَّةٍ ناطقةٍ، أو قولِ صَحَابي، أو قياسٍ صحيحٍ؛ كلاَّ!.

стр. 16

إنَّ أكثرَ هذه التعليلاتِ - للأسفِ - كانت نتيجةَ الضُّغوطِ المشحونةِ بالاستبدادِ الجائرِ، والظُّلمِ الغاشِمِ، والجهلِ السَّائدِ، والأذى المقيت، وغير ذلك من الاعتداءات الذي انتحلتْها سِلْسِلَةُ تسَلُّطِ الحُكَّامِ الجائرين على رِقابِ أكثرِ بلادِ المسلمين !، فكان من سَوَالِب هذه التَّهديدات أنَّ طائفةً من أهلِ العلمِ تَخَلَّوْا عن القيامِ بوظيفةِ "الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر"، لا سيما إذا عَلِمْتَ أنَّ أسْمَى وأفضلَ مَرَاتِبِ الإنكارِ ما كان باليَدِ، فعند ذلك كان الإنكارُ باليدِ عندهم محلَّ نظرٍ ومُحاسبةٍ، أو قُلْ: مَظِنَّةَ حَبْسٍ وإيذاءٍ، وربَّما قتلٍ!. وعند هذا؛ كان على العاقلِ أن يَعْلمَ أنَّ أصحابَ هذا القولِ؛ كانوا حصادَ هذه الاعتداءات الغاشِمةِ التي اخْتَطَّتها سياسةُ أكثرِ حُكَّامِ المسلمين، إلاَّ أنَّنا مع هذا (الاعتذار) لا نُقِرُّهُم على هذه التَّعليلاتِ (المَعْلُولةِ) ؛ فضلاً أن يجعلوها دليلاً مُستقِلاً تُبنى عليه أحكامٌ شرعيَّةٌ، أو تكون تخصيصاً لعمومِ الأدلَّةِ، أو قيداً لمُطلقِها!.

стр. 17

كما أنَّني لا أشكُّ أنَّ أكثرَ أصحابِ هذا القولِ قد دخلَ عليهم الرَّوعُ والخوْفُ، أو حُبُّ السَّلامةِ بطريقٍ أو آخر!؛ فعند هذا أضحت مسألةُ (الإنكارِ باليَدِ) عندهم مُعلَّقةً بخاصَّةِ السُّلطان، أو من ولاَّهُ من أهلِ الحسبةِ، مع علمهم (القطعي) أنَّ أهلَ الحسبةِ في زماننا ليس لهم في قانونِ حُكَّامِ أكثرِ بلادِ المُسلمين من الأمرِ شيءٌ!؛ اللهم صلاحيات نِظامية، وترتيبات إدارية، ومعاملات رقابية، حيث سُحِبتْ منهم أكثرُ الصَّلاحيات الشَّرعية، وحاصلُ الأمرِ؛ بل حقيقة الأمرِ: لا (إنكارَ باليدِ) !، فلا السُّلطان يُغَيِّر بيدِه، ولا أهلُ الحسبةِ يجرؤن على التَّغيير باليدِّ، ولا أهلُ المعاصي المُجاهرون ينتهون!؛ بل لم يَزَلِ الفسادُ يَتَفاقَم أمرُه، ويتطاير شَررُه، اللهم رُحماك، اللهم رُحماك!.

стр. 18

لذا؛ كان ينبغي أنْ نعلمَ أنَّ أصحابَ هذا القولِ ليس لهم مِنَ الدَّليلِ الشَّرعي نصيبٌ يُؤثر، اللَّهم إلاَّ مُتَشَابهاتٌ، وتعليلاتٌ ما أنْزَلَ الله بها مِنْ سُلطان!. في حين أنَّ كثيراً من العلماءِ من أهل التَّحقيقِ قد غَلَّطوا من قال: إنَّ إذْنَ السُّلطانِ مُعتبرٌ في آحَادِ الرَّعيَّةِ!. وعلى رأسهم الإمامُ الغَزَّاليُّ ﵀ حيثُ وَصفَ هذا الشَّرطَ بالفسادِ، بقوله: " هذا الشَّرطُ فاسدٌ؛ فإنَّ الآياتِ والأخبارَ التي أوْرَدْنَاها تَدُلُّ على أنَّ كُلَّ مَنْ رأى مُنْكراً؛ فَسَكتَ عليه عَصَى، إذْ يَجِبُ نَهْيُهُ أيْنَما رآه، وكيفما رآه على العمومِ، فالتَّخْصِيصُ بشرطِ التَّفْويضِ من الإمامِ تَحَكُّمٌ لا أصْلَ له". وقال أيضاً: " بل «أفضلُ الدَّرجاتِ كلمةُ حقٍّ عند سُلْطانٍ جائرٍ،» كما وَرَد في الحديثِ، (١) فإذا جازَ الحُكْمُ على الإمامِ على مُرَاغَمَتِه؛ فكيف يَحْتَاجُ إلى إذْنِه؟ ". وقال أيضاً: " واستمرارُ عاداتِ السَّلفِ على الحسبةِ على الوُلاةِ قاطعٌ بإجماعِهم على الاستغْناءِ عن التَّفويضِ؛ بل كُلُّ مَنْ أمَرَ بمعروفٍ، فإن كان الوالي راضياً فذاك، وإن كان ساخطاً له فَسُخْطُه

стр. 19

له مُنكرٌ يجبُ الإنكارُ عليه، فكيف يحتاج إلى إذنِه في الإنكارِ عليه". وقال أيضاً بعد كلامٍ له في عَدَمِ وُجُوبِ استئذانِ الإمامِ في التَّغيير: " وكذلك كَسْرُ الملاهي، وإراقَةُ الخُمُورِ فإنَّه تَعَاطى ما يُعْرفُ كونُه حقاً من غيرِ اجتهادٍ، فلم يَفْتقِرْ إلى الإمامِ، وأمَّا جَمْعُ الأعْوانِ، وشَهْرُ الأسْلِحةِ فذلك قد يَجُرُّ إلى فِتْنَةٍ عامَّةٍ؛ ففيه نَظَرٌ سيأتي ... ". (١) وهذا أيضاً ابنُ دقيق العيد ﵀ يقول: " قالوا: ولا يَخْتَصُّ الأمْرُ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكرِ بأصْحَابِ الوِلايةِ؛ بل ذلك ثَابِتٌ لآحادِ المسلمين". (٢) أمَّا قولُهم: إنَّ في إنكارِ آحادِ الرَّعيَّةِ إثارةً للفتنِ والفوضى، فردُّه كما يلي:

стр. 20

قلتُ: في هذا تحكُّمٌ عقليٌ منكم في مُوَاجهةِ نُصُوصٍ صريحةٍ مِنَ السُّنَّةِ، وأفعالِ الصحابةِ، وأقوالِ العلماء المُحقِّقين على اختلافِ مذاهبِهم، وبعد هذا فلا يَحِقُّ لأحَدٍ كائناً من كان أن يقولَ برأيِه قولاً مُخَالفاً لما دلَّتْ عليه النُّصُوص الشَّرعيةُ؛ لأنَّ في هذا - عياذاً بالله - اتِّهاماً ضِمنياً للنبيِّ ﷺ بأنَّه يأمُرُ بما يُثِيرُ الفوضى والفِتَن (١) !.

стр. 21

ويحسنُ بنا أن نَسُوقَ لهؤلاءِ شيئاً مِنْ دُرَرِ كلامِ الإمامِ أبي بكرٍ الجَصَّاصِ ﵀ حيث شَخَّصَ الدَّاءَ، ووَصَفَ لنا الدَّواءَ، إذا يقول: " لم يَدْفعْ أحدٌ من علماءِ الأمَّةِ، وفقهائِها - سلفهم وخلفهم - وجوبَ ذلك إلاَّ قومٌ من الحَشْوِ، وجُهَّالِ أصحابِ الحديثِ؛ فإنَّهم أنكروا قتالَ الفِئَةِ الباغِيةِ، والأمْرَ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكرِ بالسِّلاحِ، وسَمُّوا الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكرِ فِتْنَةً إذا احْتِيجَ فيه إلى السِّلاحِ، وقِتَالُ الفئةِ الباغيةِ مع ما قد سَمِعُوا فيه من قَوْلِ الله : ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات ٩] ، وما يقتضيه اللَّفظُ مِنْ وُجُوبِ قتالِها بالسَّيفِ وغيرِه، وزعموا مع ذلك أنَّ السُّلطانَ لا يُنْكَرُ عليه الظُّلْمُ، والجَوْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ التي حَرَّمَ الله، وإنَّما يُنْكَرُ على غيرِ السُّلطانِ بالقولِ، أو باليدِ بغيرِ سلاحٍ، فصاروا شَراً على الأمَّةِ من أعدائِها المُخَالفين لها؛ لأنَّهم أقْعَدُوا النَّاسَ عن قِتَالِ الفئةِ الباغيةِ، وعن الإنكارِ على السُّلطانِ الظُّلمَ

стр. 22

والجَوْرَ؛ حتى أدَّى ذلك إلى تَغَلُّبِ الفُجَّارِ؛ بل المجوسِ وأعداءِ الإسلامِ حتى ذهبتِ الثُّغُورِ، وشاعَ الظُّلمُ، وخُرِّبتِ البِلادُ، وذهبَ الدِّينُ والدُّنيا، وظهرتِ الزَّندقةُ والغُلُوُّ، ومذاهبُ الثَّنويةِ والخُرَّميَّةِ والمزْدَكيَّةِ، والذي جَلَبَ ذلك عليه: تَرْكُ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المُنْكَرِ، والإنكارِ على السُّلطانِ الجائرِ". (١) ومن خلالِ هذا؛ كانت حقيقةُ الفوضى والفِتَنِ المزعومةِ مُتحَقِّقةً في تركِ تغييرِ المُنْكَرِ ليس إلاَّ؛ فعندها كان تركُ "الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ" أصْلَ كُلِّ فِتْنةٍ وفوضى، ولا بُدَّ. وذلك ماثلٌ في زماننا؛ فُخُذْ مثلاً: انتشارُ المسَارحِ الغنائيةِ والملاهي المُحرَّمةِ (باسم السِّياحة!) ، واختلاطُ الرِّجالِ بالنساءِ (باسم المُسَاواة!) ، وظُهُورُ الزِّنا (باسم الحُرِّيَّةِ الشَّخصيَّة!) ، وانتحالُ الكفرِ والرِّدَّةِ (باسم حرِّيَّةِ الفِكْر!) ، والاستهزاءُ بأحكامِ الإسلامِ وأهلِه (باسم الفُكاهةِ والمِزَاح!) ... الخ، كُلُّ هذا يوم تركنا الإنكارَ باليدِ (باسم السُّلطانِ وأهلِ الحسبة!) .

стр. 23

أمَّا قولُهم: إنَّ في إنكارِ آحادِ الرَّعيَّةِ افتئاتاً على الحاكمِ، فردُّه كما يلي: قلتُ: لا بدَّ أن نُفرِّقَ بين تغييرِ المنكر، وإقامةِ الحُدُود، فمن فرَّقَ بينهما تبيَّنَ وظهرَ له جَليَّةُ الأمرِ على الحقيقةِ. فهذا الغَزالي ﵀ يُبيِّنُ لنا الفرقَ بينهما بقوله: " ليس لآحادِ الرَّعيَّةِ إلاَّ الدَّفعُ، وهو إعدامُ المُنكرِ فما زادَ على قَدْرِ الإعدامِ، فهو إمَّا عقوبةٌ على جريمةٍ سابقةٍ، أو زَجْرٌ عن لاحِقٍ، وذلك إلى الوُلاةِ لا إلى الرَّعيَّةِ". (١) ومن خلالِ هذا؛ نفهم أنَّ هنالك فرقاً واضحاً بين إزالةِ المنكرِ أياً كان، وبين إقامةِ الحُدُودِ؛ لذا كانت عمليةُ التَّغييرِ هي مجرَّدُ إزالةٍ للمنكرِ، أو دَفْعٍ له، وهذه يقومُ بها الحاكمُ وغيرُه، وهذا بيِّنٌ واضحٌ كما أوضحناه آنفاً من خلالِ الأدلَّةِ الشَّرعية، وأقوالِ أهلِ العلمِ، والله المُوفِّقُ والهادي إلى سواءِ السَّبيل.

стр. 24

تنبيه: وما ذكرناه هنا: مِنْ أنَّ إقامةَ الحُدُودِ من اختصاصِ الحَاكمِ ليس على إطلاقِه؛ بل هذا في حَالةِ ما إذا كان الحَاكمُ قائماً بذلك، أمَّا إذا قَصَّرَ الحاكمُ في إقامةِ الحُدُودِ فإنَّه يَجُوزُ للجماعةِ المُحْتَسِبةِ مِنْ آحادِ الرَّعيةِ أن تقومَ بذلك بعد النَّظرِ في قاعِدةِ " المصالح والمفاسد" لأنَّ "الأمرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المُنكر" واجبٌ على الأمَّةِ، ويَنُوبُ عنها الحاكمُ في ذلك، فإن قَصَّرَ الحاكمُ رجعَ الأمرُ للأمَّةِ، وهذا ما قرَّرَه شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ بقولِه: " وكذلك الأميرُ إذا كان مُضَيِّعاً للحُدُودِ، أو عاجزاً عنها، لم يَجِبْ تفويضُها إليه مع إمكانِ إقامتِها بِدُونِه، والأصْلُ أنَّ هذه الواجباتِ تُقَامُ على أحسنِ الوُجُوه، فمتى أمكن إقامتُها من أميرٍ لم يحتجْ إلى اثنين، ومتى لم تُقَمْ إلاَّ بعددٍ ومن غيرِ سُلطانٍ أُقيمت إن لم يكن في إقامتِها فسادٌ يزيدُ على إضاعتِها، فإنَّها من بابِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر ... ". (١) وهذا الإمامُ الشَّوكاني ﵀ يُقرِّرُ ما نحنُ بصددِه، وذلك عند تعليقِه على صاحبِ "حدائق الأزهار" عند قولِه: " وتجبُ إقامتُها

стр. 25

(الحُدُود) في غيرِ المسجدِ على الإمامِ وواليه، إنْ وقع سببها في زمان ومكان يليه"، قال الشوكاني بعد هذا: " هذا مبنيٌ على أنَّ الحُدُودَ إلى الأئمةِ، وأنَّه لا يُقيمُها غيرُهم على مَنْ وجبتْ عليه، وليس على هذا أثارةٌ مِنْ علمٍ. ولا شكَّ أنَّ الإمامَ ومَنْ يَلي مِنْ جهتِه هم أولى مِنْ غيرِهم كما قدمنا، وأمَّا أنَّه لا يُقِيمُها إلاَّ الأئمةُ، وأنَّها ساقطةٌ إذا وقعت في غيرِ زَمَنِ إمامٍ، أو في غيرِ مكانٍ يليه فباطلٌ وإسقاطٌ لما أوجبه الله مِنَ الحُدُودِ في كتابِه، والإسلامُ موجودٌ، والكتابُ والسنةُ موجودان، وأهلُ العلمِ والصَّلاحِ موجودون؛ فكيف تُهْمَلُ حُدُودُ الشَّرعِ بمجردِ عدمِ وُجُودِ واحدٍ من المسلمين؟! ". (١) وهذا شيخُ الإسلام ابن تيمية كان يُعزِّرُ، ويُقِيمُ الحُدودَ؛ لمَّا قصَّرَ السَّلاطينُ في زمانِه من إقامةِ الحُدُود آنذاك، وهذا منه ﵀ ليس بخافٍ لِمنْ قرأَ سيرتَه. (٢) أمَّا قولهم: إنَّ الإنكارَ باليدِ يحتاجُ إلى قُوَّةٍ، والقُوَّةُ من شأنِ السلطان، فردُّه كما يلي:

стр. 26

قلتُ: ليس الأمرُ كما ذُكِر؛ بل ليس من شرطِ تغيير المُنكرِ وجودُ القوَّةِ!، كما أنَّه ليس من شرطِ المُغَيِّرِ أن يعلمَ أنَّ في قُدرتِه أنْ يُغَيِّرَ المُنكرَ!، لذا كانت القُدرةُ في جادَّةِ أهلِ العلمِ المحقِّقين شرطاً في الوجوب، لا شرطاً في الصِّحَّةِ. والدَّليلُ على أنَّ القدرةَ شَرطٌ في وجوبِ تغييرِ المنكرِ، قولُه ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: " ... «فإن لم يستطع فبلسانِه، فإن لم يستطع فبقلبِه» ... "، فقوله: فإن لم يستطعْ " دليلٌ على أنَّ مَنَاطَ الوُجُوبِ القُدْرةُ، فمنْ فَقَدَ القُدرةَ سَقَطَ عنه الوُجوبُ. وأمَّا الأدلَّةُ على أنَّ القُدرةَ ليست شرطاً في صِحَّةِ التَّغييرِ فكثيرةٌ منها: ١ـ قولُه ﷺ : «سَيِّدُ الشُّهداءِ حمزةُ بنُ عبدِ المطلب، ورجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائرٍ فأمرَه ونهاهُ فقتلَه» (١) الحاكم. فلا شك أنَّ هذا الرَّجلَ لم تَبْلُغْ قدرتُه أن يُغَيِّرَ مُنْكرَ ذلك الحاكمِ الجائرِ، ومع ذلك أنكرَ عليه، فكان من نتيجةِ ذلك أنْ قُتِلَ في سبيلِ الله، فعدَّهُ النبيُّ ﷺ سيدَ الشُّهداءِ مع حمزةَ ﵁.

стр. 27

٢ـ فمنها ما جاء في قِصَّةِ عاصمِ بنِ ثابتٍ لما بعثه رسولُ الله ﷺ على رأسِ نَفَرٍ من أصحابه إلى عضل والقارة، فخرج عليهم قرابةُ مائة رَامٍ، فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهدُ والميثاقُ إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً، فقال عاصم: أمَّا أنا فلا أنزلُ في ذِمَّةِ كافرٍ ... فقاتلُوهم حتى قتلوا عاصما في سبعةِ نفرٍ بالنَّبٍلِ. (١) قال الشَّوكاني تعليقاً على هذا الحديث: " يجوزُ لمن لا طاقةَ له بالعَدُوِّ أن يتمنعَ مِنَ الأسْرِ، وأن يُسْتَأسَرَ". (٢)

стр. 28

٣ـ ومنها ما وردَ في قصة عمرو بن الجموح الذي كان رجلاً أعرجَ شديدَ العرجِ، وكان له بَنُون أربعة مثل الأسدِ يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهدَ، فلما كان يوم أُحد أرادوا حَبْسَه، وقالوا له: إنَّ الله قد عَذَرَك، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: «إنَّ بَنِيَّ يُريدون أنْ يَحْبِسوني عن هذا الوَجْهِ والخُرُوجِ معك فيه، فوالله إنِّي لأرجو أنْ أطأَ بعرجَتِي هذه في الجنةِ، فقال رسول الله ﷺ : " أمَّا أنت فقد عَذَرَك الله فلا جهادَ عليك، وقال لبنيه: ما عليكم ألاَّ تَمْنَعُوه لَعَلَّ الله أن يَرْزُقَه الشَّهادةَ" فخرج معه فَقُتلَ يوم أحد» . (١) ومن هذا يُعلم أنَّ انْدِفاعَ الرجلِ المسلمِ مُضَحياً بنفسِه في سبيلِ الله جائزٌ في الجهادِ، وفي الحسْبةِ، وإن عَلِمَ أنَّه يُقْتل، وإن علمَ أنَّ المُنكرَ لا يزولُ ما دام في ذلك مصلحةٌ شرعيةٌ، ككَسْرِ قلوبِ الكُفَّارِ والفُسَّاقِ بما يَرَوْنَه مِنْ قُوَّةِ المسلمين وجُرْأتِهم، أو تَقْوِيةِ المسلمين الآخرين، وحملهم على التَّضحيةِ كذلك.

стр. 29

قال القرطبيُّ ﵀: " قال محمدُ بنُ الحسن: لو حملَ رجلٌ واحدٌ على أَلْفِ رجلٍ من المشركين وحدَه لم يكن بذلك بأسٌ إذا كان يَطْمَعُ في نَجَاةٍ، أو نِكايةٍ في العَدُوِّ، فإن لم يكن كذلك فهو مكروهٌ؛ لأنَّه عَرَّضَ نَفْسَه لِلتَّلفِ في غيرِ منفعةٍ للمسلمين، فإن كان قصدُه تَجْرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثلَ صَنِيعهِ فلا يَبْعُدُ جوازُه، ولأنَّ فيه منفعةً للمسلمين على بعضِ الوُجُوه، وإن كان قصدُه إرهابَ العدوِّ ليعلم صلابةَ المسلمين في الدِّين، فلا يبعدُ جوازُه، وإذا كان فيه نفعٌ للمسلمين فتلفَتِ النَّفسُ لإعزازِ دينِ الله وتوهينِ الكُفْرِ فهو المقامُ الشَّريفُ الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ على غيرها من آياتِ المدحِ التي مدحَ الله بها من بذلَ نفسَه، وعلى ذلك ينبغي أن يكون حُكمُ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِّ عن المنكرِ". (١)

стр. 30

وكذا قال الغزاليُّ ﵀: " ... ولكن لو عَلِمَ أنَّه لا نكايةَ لهجومِه على الكفارِ؛ كالأعمى يطرحُ نفسَه على الصَّفِّ، أو العاجزِ فذلك حرامٌ، داخلٌ تحت عمومِ آيةِ التَّهْلُكَةِ، وإنَّما جازَ له الإقدامُ إذا علم أنَّه يُقَاتلُ إلى أن يُقْتلَ، أو علم أنَّه يَكْسِرُ قلوبَ الكفارِ بمشاهدتِهم جراءتَه، واعتقادِهم في سائرِ المسلمين قِلَّةَ المُبالاةِ، وحُبَّهم للشَّهادةِ في سبيل الله، فتَنْكسرَ بذلك شوكتُهم، فكذلك يجوزُ للمُحْتسبِ، بل يُسْتحبُّ له أن يُعَرِّضَ نفسَه للضَّربِ، أو القتلِ إذا كان لحُسْبتِه تأثيرٌ في رفعِ المُنكرِ، أو في كسرِه جَاه الفاسقِ، أو في تقويةِ قلوبِ أهلِ الدِّينِ، وأمَّا إن رأى فاسقاً مُتَغلباً وعنده سيفٌ، وبيدِه قَدَحٌ وعلمَ أنَّه لو أنكرَ عليه لَشِرَبَ القدحَ وضربَ رقبتَه، فهذا ممَّا لا أرى للحُسْبةِ فيه وجهاً، وهو عينُ الهلاك"، (١) أي إذا عَلِمَ أنَّ إنكارَه هذا سيترتَّبُ عليه مُنكرٌ أكبر، والحالةُ هذه فلا، لأنَّ مِنْ شرطِ الإنكارِ ألاَّ يترتَّب عليه منكرٌ أعظمُ منه.

стр. 31

القولُ الثاني: أنَّه لا يُشترطُ إذنُ السُّلطان ؛ بل لآحادِ المسلمين تغييرُ المُنْكرِ باليَدِ، وهذا قولُ جمهورِ السَّلفِ والخلفِ، وقد دلَّ على ذلك الكتابُ، والسُّنَّةُ، والإجماعُ. أمَّا الكتابُ:

стр. 32

فقد قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران ١٠٤] . قال ابنُ كثير ﵀ في تفسير الآية: " المقصودُ مِنْ هذه الآية أنْ تكونَ فِرْقةٌ من هذه الأمَّةِ مُتَصدِّيةً لهذا الشأنِ، وإن كان ذلك واجباً على كلِّ فردٍ من الأمَّةِ بحسبِه، كما ثبتَ في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيدِه» ... " (١) ، ثم ساق الحديث. وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران ١١٠] . قال أبو بكرٍ الجصَّاصُ بعد أن ذكرَ طائفةً من الآياتِ في هذا الصَّددِ: " فهذه الآي ونظائرُها مُقتضيةٌ لإيجابِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المُنكر، وهي على منازلَ أوَّلها تغييرُه باليدَّ ـ إذا أمكن ـ فإذا لم يمكن وكان في نفسِه خائفاً على نفسِه إذا أنكرَ بيدِه، فعليه إنكارُه بلسانِه، فإن تعذَّرَ ذلك لما وصفنا فعليه

стр. 33

إنكاره بقلبِه". (١) إلى غيرِ ذلك من الآيات القرآنية. والمقصودُ من ذلك أنَّه قد ثَبَتَ بهذه الآياتِ وغيرها وُجُوبُ "الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكرِ"، وأنَّه فرضٌ على الكِفايةِ، وهذا الحُكمُ شاملٌ لِكُلِّ مراتبِ التَّغيير، ولا نعلمُ دليلاً واحداً منها يَخُصُّ الحُكَّامَ بمرتبةٍ من هذه المراتبِ، فمن ادَّعى شيئاً من ذلك فعليه الدَّليل!. أمَّا السُّنَّةُ: فقد روى مسلمٌ عن طارقِ بنِ شِهابٍ قال: " أوَّلُ من بدأ الخُطبةَ قبلَ الصَّلاةِ مَروانُ، فقامَ إليه رجلٌ فقال: الصَّلاةُ قبل الخُطبةِ. فقال: قد تُرك ما هُنالك، فقال أبو سعيدٍ الخُدْري ﵁: أمَّا هذا فقد قضى ما عليه، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانِه، فإن لم يستطع فبقلبِه وذلك أضعفُ الإيمان» م (٢) مسلم. وقد دلَّ هذا الحديثُ على أنَّ لآحادِ الرَّعيَّةِ تغييرَ المُنكرِ بأيديهم من وجوهٍ (٣) :

стр. 34

الوجه الأول: قولُه ﷺ : (مَنْ) وهي مِنْ صِيَغِ العُمُومِ، وذلك يعني أنَّ الخطابَ مُوَجَّهٌ إلى كُلِّ فردٍ من الأمَّةِ، وليس إلى طائفةٍ مُعَينةٍ منهم، ومن ادَّعى التَّخصيص فعليه الدَّليل!. الوجهُ الثاني: قولُه ﷺ : (منكم) والقائلُ هو النَّبيُّ ﷺ وهو الحاكمُ، والمُخَاطَبُون بذلك هم الرَّعيَّةُ؛ فلو كان الذي يُغيِّرُ بيدِه هو الحاكمُ وحدَه لما عمَّمَ الحُكْمَ، بل خاطب ﷺ الرَّعيَّةَ أجمع دون تخصيصٍ. الوجهُ الثالث: قولُه ﷺ : (فإن لم يستطعْ) وذلك يقتضي أنَّ المُخَاطبَ بالأمرِ الأوَّلِ هو عينُه المُخاطبُ بالأمرِ الثاني وهو عينُه المخاطبُ بالأمرِ الثالث؛ فهو شَخْصٌ واحدٌ إن لم يستطعْ أن يُغَيِّرَ بيدِه فله أن ينتقل إلى البدلِ، وهو التَّغييرُ باللِّسانِ، فإن لم يستطعْ فله الانتقالُ إلى البدلِ وهو التَّغييرُ بالقلبِ، ويوضِّحُه أيضاً.

стр. 35

الوجه الرابع: قوله ﷺ : (فإن لم يستطعْ) فلو كان التَّغييرُ باليَدِّ قاصراً على الحاكمِ لما كان لقوله (فإن لم يستطع) معنىً؛ لأنَّ الأصلَ في الحاكمِ أنَّه مُسْتطيعُ التَّغييرِ باليدِّ على كلِّ حالٍ. وقد مرَّ معنا كلامُ بعضِ أهلِ العلمِ في ما نحنُ بتحريرِه، لا سيما أبو الفضل عياض حيث قال بعد حديث تغيير المنكر " هذا الحديث أصلٌ في صفةِ التَّغيير فحقُّ المُغيِّر أن يُغيِّرَه بكلِّ وجهٍ أمكن زوالُه به، قولاً كان أو فعلاً ... ". (١) وهو أيضاً قولُ ابنِ رجبٍ، وغيره من أهلِ العلم. (٢) وكذا عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «ما مِنْ نبي بعثَه الله في أمَّةٍ قبلي إلاّ كان له من أُمَّتِه حَوَارِيُّون، وأصحابٌ يأخذون بسنَّتِه، ويقتدون بأمرِه، ثم إنَّها تَخْلُفُ من بعدِهم خُلُوفٌ، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيدِه فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانِه فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بقلبِه فهو مؤمنٌ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردلٍ» . (٣)

стр. 36

وفي شرح هذا الحديث يقول ابنُ رجبٍ ﵀: " وهذا يدلُّ على جهادِ الأمراءِ باليدِ ... وقد نصَّ على ذلك أحمدُ أيضاً في رواية صالح، فقال: التَّغييرُ باليدِ أنْ يُزِيلَ بيدِه ما فعلُه مِنِ المُنكراتِ، مثل أن يُريقَ خُمُورَهم، أو يَكْسِرَ آلاتِ الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يُبْطِلَ بيدِه ما أُمِرُوا بِه من الظُّلْمِ إن كان له قُدرَةٌ على ذلك، وكلُّ هذا جائزٌ، وليس هو من بابِ قِتالِهم، ولا من الخُرُوجِ عليهم الذي وَرَدَ النَّهيُّ عنه، فإنَّ هذا أكْثَرُ ما يُخشى منه أن يَقْتُلَ الآمرَ وحدَه". (١) والنُّصوصُ في وجوبِ الأمرِ بالمعروفِ، والنَّهي عن المنكرِ باليدِّ من الكتابِ، والسنةِ كثيرةٌ، وحسبنا منها ما ذُكِر.

стр. 37

أمَّا الإجماعُ: وقد دَلَّ على وُجُوبِ "الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ" إجماعُ الأمَّةِ، كما نقل ذلك الإمامُ النَّوويُّ حيث قال: " وقد تطابق على وُجُوبِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر: الكتابُ، والسنةُ، وإجماعُ الأمةِ، وهو أيضاً من النَّصيحةِ التي هي الدِّين، ولم يخالفْ في ذلك إلاَّ بعضُ الرَّافضةِ ولا يُعْتدُّ بخلافِهم". (١) ونقل الإجماع ابنُ عبد البرِّ ﵀ بقوله: " وأجمع المسلمون على أنَّ تغيير المنكر واجبٌ على من قَدِرَ عليه، وإنَّه إذا لم يلحقه بتغييرِه إلاَّ اللَّوم الذي لا يتعدَّى إلى الأذى فإنَّ ذلك لا يجب أن يمنعه، فإن لم يقدرْ فبلسانِه، فإن لم يقدرْ فبقلبِه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكر بقلبِه فقد أدَّى ما عليه إذا لم يسْتَطِعْ سوى ذلك". (٢) وقد صرَّح به إمامُ الحرمين، كما نقله عنه النووي بقوله: " قال العلماءُ: ولا يختصُّ الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ بأصحابِ الولايات؛ بل ذلك جائزٌ لآحادِ المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماعُ المسلمين؛ فإنَّ غيرَ الوُلاةِ في الصَّدرِ الأولِ، والعصرِ الذي يليه كانوا يأمرون بالمعروفِ ويَنْهَوْن عن المنكرِ مع

стр. 38

تقريرِ المسلمين إياهم، وتركِ توبيخِهم على التَّشاغُلِ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غيرِ ولايةٍ". (١) وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ٢١] : " أجمعَ المسلمون فيما ذكره ابنُ عبد البر أنَّ المنكرَ واجبٌ تغييرُه على كُلِّ مَنْ قَدِرَ عليه، وأنَّه إذا لم يلحقْهُ بتغييرِه إلاَّ اللَّومُ الذي لا يتعدَّى إلى الأذى فإنَّ ذلك لا يجبُ أن يمنعه من تغييرِه، فإن لم يقدرْ فبلسانِه، فإن لم يقدرْ فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك". (٢) فبهذا الإجماعِ الصحيحِ يدلُّ على وجوبِ تغيير المنكرِ على كُلِّ مَنْ قَدِرَ عليه سواءٌ كان حاكماً أو محكوماً.

стр. 39

أمَّا فعلُ الصحابةِ: فعن أبي سعيدٍ ﵁ قال: «كان رسولُ الله ﷺ الله عليه وسلم يخرجُ يوم الفطر والأضحى إلى المصلَّى، فأوَّلُ شيءٍ يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس - والناس جلوس على صفوفهم - فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريدُ أن يقطعَ بعثا قطعه، أو يأمرَ بشيءٍ أمر به ثم ينصرف. قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجتُ مع مروان - وهو أمير المدينة - في أضحى أو فطرٍ، فلمَّا أتينا المُصَلَّى إذا منبرٌ بناه كثيرُ بنُ الصلت، فإذا مروان يريدُ أن يرتقيه قبل أن يُصلِّي فَجَبَذْتُ بثوبِه فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيَّرْتُم والله!، قال: أبا سعيدٍ قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خيرَ ممَّا لا أعلم، فقال: إنَّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتُها قبل الصلاة» . (١) فها هو أبو سعيد الخدري ﵁ قد باشر التَّغييرَ بيدِه فَجَبَذَ بثوبِ مروانَ - وهو الأمير يومئذٍ! -. قال الإمامُ النووي في شرح هذا الحديث: " وفيه الأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ، وإن كان المنكرُ عليه والياً، وفيه أنَّ الإنكارَ عليه يكون باليدِّ

стр. 40

لمن أمكنه، ولا يجزئ عن اليدِّ اللِّسانُ مع إمكانِ اليدِّ". (١) وهناك الكثيرُ من صَنيعِ الصحابةِ ﵃ ممَّا فيه دلالةٌ واضحةٌ على الإنكارِ باليدِّ على الأراء وغيرهم مع مراعاة جلب المصلحة ودفع المفسدة. فعلُ التَّابعين: عن إبراهيم قال: " كان أصحابُ عبدِ الله يستقبلون الجواري معهنَّ الدُّفوف في الطُّرقِ فيخرقونها". (٢) وعن أبي حصين أنَّ رجلاً كسر طُنْبوراً لرجلٍ، فخاصمه إلى شُريحٍ فلم يُضَمِّنْه شيئاً، (٣) وعدم تضمين القاضي شريحٍ لهذا الرجلِ يدلُّ على أنَّه يجوزُ له كسرُ هذا الطنبور. أقوالُ العلماء: من الحنفية: قال أبو بكر الجصاص ﵀: " الأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المُنكرِ لهما حالان: حالٌ يمكن فيها تغييرُ المنكر وإزالته، ففرضٌ على من أمكنه إزالةُ ذلك بيدِه أن يُزِيلَه ... ". (٤) ومن المالكيَّة: قال أبو بكرٍ الطُّرطُوشي: " فانظروا يرحمكم الله أينما وجدتم سِدرةً أو شجرةً يقصدُها الناس ويُعظِّمُون من شأنِها، ويرجون البُرءَ والشِّفاءَ من قِبلها، وينوطون بها المسامير والخِرقَ فهي ذاتُ أنواطٍ فاقطعوها". (٥) ومن الشافعية:
следующие страницы →