Полный текст (167 стр.). Показаны 141–167 · переход к 146.
стр. 141
العجز عن التغيير باليد أو اللسان
إذا ما كان تغيير المنكر ذا مراتب ثلاث، فإنَّ الرسول ﷺ قد قيد فرضية التغيير باليد بالاستطاعة، وكذلك التغيير باللسان، فإن عجز عن الأولى، انتقل إلى الثانية، فإن عجز عنها أيضاً انتقل إلى الأخير (التغيير القلبي) .
والعجز نوعان: حسيّ ومعنوي. يكون الحسي ّ لمرض أو فقد الأداة التي يكون بها التغيير، فيقدر العفو بقدر العجز: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ (القيامة: ١٤- ١٥) ، فإن تحقق العجز الحسيّ عن مباشرة التغيير اليدوي أو اللساني بقي وجوب إعانة من هو غير عاجز إعانةً مستطاعةً مثل المناصرة والمؤازرة، وتكثير السواد، والدعاء له بالتوفيق والتثبيت، وإخلافه في أهله إن غاب، ومناصحته والتواصي بالحق وبالصبر.
((عن زيد بن خالد، عن رسول الله ﷺ قال: «من جهَّز غازيا في سبيل الله فقد غزا» (متفق عليه) .
ويكون العجز المعنوي في صور عديدة، منها ما يملك المرء إزالته والاعتصام منه، ومنها ما لا يستطيع إزالته.
стр. 142
مما يستطاع إزالته: العجز العلمي، فمن لم يستطع تغيير المنكر لجهله به أو بآدابه وضوابطه، وجب عليه السعي إلى أن يتعلم، ما يجهل، حتى يقوم بهذه الفريضة، التي يحسن تحقيقها على نحو يحقق للأمة رسالتها.
وإزالة العجز العلمي قد تيسرت طرائقه، فمنه ما لا يكلف جهداً ولا مالاً لما يبذله أهل العلم من نشر العلم النافع.
ومن العجز الذي قد لا يستطاع إزالته لبعض الأمة: خوف مكروه على النفس أو الأهل، وهو درجات وأحكام:
· إذا خاف المرء على نفسه القتل لذلك، وعلم أن في قتله بذلك نفعاً وأثراً عاجلاً أو آجلاً، فإن كان من أهل العلم المقتدى بهم، فالأعلى والأوجب ألا يصده هذا عن القيام بحق التغيير باليد أو اللسان، فقد ندبت السنة لذلك.
روى الحاكم مرفوعاً عن جابر: «سيد الشهداء حمزةُ بنُ عبد المطلب، ورجلُُ قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» .
стр. 143
وروى مسلم بسنده عن ((صهيب)) حديثاً طويلاً عن النبي ﷺ ، عن غلام ممن كان قبلنا، بحث عن الحق والهدى حتى علمه وآمن به ودعا إليه، وعاش له، فتوعده الملك إن لم يكف عن دعوته قتله، فوجد أن في قتله نفعاً للدعوة فصبر، يقول الرسول ﷺ : «فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا الجبل فقال: ((اللهم اكفنيهم بما شئت)) ، فَرَجَفَ بهم الجبل، فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم اللهُ، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه على ((قُرقُورٍ)) فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: ((اللهم اكفنيهم بما شئت)) فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم اللهُ، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو! قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثمَّ خذ سهما من كنانتي،
стр. 144
ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني به فإنك إن فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله ربِّ الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات.
فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام، فأتى الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السّكك فخدّت، وأضرم النيران، وقال من لم يرجع عن دينه فاحموه فيها، أو قيل له: اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبّي لها، فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أمه، اصبري، فإنك على الحق» .
في هذا القصص الحق دلالة باهرة وإيذان بالغ بأن تضحية الداعية والعالم والقدوة بنفسه في سبيل دعوته الحقة ذات أثر عظيم، ونفع عميم للدعوة وتأجيج جذوة الاستمساك بها في صدور الأمة، فيكون ذلك أنفع للدعوة.
والعالم الداعية ذو الحكمة قادر ـ بعون الله تعالى ـ على أن يقدر الأمور بما هو أنفع وأنجع.
стр. 145
وكل ذلك من باب العزيمة التي هي أليق بحال أهل العلم والدعوة، ويبقى لهم باب الفسحة والرخصة مفتوحاً، فمن خاف القتل إن غيّر المنكر، فله أن يدعه حتى يزول خوفه، ولكن الصبر والتضحية أعلن وأسمى.
يقول ((ابنُ بطّال)) : ((النصيحة لازمة على قدر الطاقة إذ علم الناصح أنه يُقبل نصحه ويُطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي على نفسه أذىً، فهو في سعة) .
ويجعلون له في سيدنا ((هارون)) ﵇ في هذا أسوة، فقد كفّ عن بني إسرائيل، وحملهم عن تغيير منكر عظيم هو عين الشرك حين خشي على نفسه القتل:
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأعراف: ١٥٠ ـ ١٥١) ,
стр. 146
يقول ابن العربي: ((وفي هذا دليل على أن لمن خشي القتل عند تغيير المنكر، أن يسكت عنه)) .
في هذا الاستدلال نظر مفصل:
стр. 147
إنَّ سيدنا ((هارون)) إنما كف عن منع بني إسرائيل، بعد أن بلغ في ذلك مبلغا عظيما، وخشي على الدعوة، وهو خليفة أخيه ((موسى)) ﵉، فلو أنه قتل، وليس فيهم ((موسى)) ﵇ لكانت آثار ذلك جدَّ فادحة على الدعوة فأيقن بنور النبوة وحكمتها، أن الصبر عليهم، وترك التصدي لهم، حتى يعود موسى ﵇، أنفع وأعلى للدعوة وللأمة، من الإقدام على التصدي والاستشهاد في سبيل الله، فإن في الاستشهاد خيره وحده، وهو إنما يريد الخير للأمة والدعوة، فسيدنا ((هارون)) ﵇ ما سكت مخافة قتله فقط، ((إنما خشي تفرق الأمة من بعد قتله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (طه: ٩٤) ، فحرصه على القيام بحق ما كلفه به ((موسى)) ﵇، وهو ذاهب إلى الميقات ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٢) ، وهو السبب الرئيس إلى كف سيدنا ((هارون)) ﵇ عن التصدي لهم، من بعد أن بلغ في دعوتهم والتصدي لهم مبلغاً عظيماً.
стр. 148
وللعالم الداعية في ذلك أسوة حسنة، فإذا ما رأى أن تصديه للمنكر وإقدامه على الاستشهاد في سبيل الله تعالى، خسران بالغ للدعوة والأمة، وإن كان فيه نفع له وحده، أن يقدم صالح الدعوة والأمة على صالحه هو، وذلك كأن يكون إماماً في قومه ذا منهج بديع في الدعوة وذا أثر نافذ في القلوب لا يتحقق من غيره كمثل تحققه منه، وأنه يستفاد منه سالماً في الأمة أكثر من استشهاده، فليكن حرصه حينذاك على سلامته من القتل أولى وأعلى من حرصه على استشهاده، حتى يتمكن من تربية قادة يخلفونه وأجيال تحمل أمانة الدعوة من بعده.
أما إن رأى العالم بحكمته أنّ في صبره واستشهاد إلهاباً وتأجيجاً لجذوة الانتصار للحق في قلوب الأمة، وكان في الناس من يخلفه في الدعوة، فالأعلى أن يصبر حتى يقتل.
· وإن كان الخائف على نفسه القتل، ليس من أهل العلم والقدوة، فأحبّ إليّ أن يدع ذلك التغيير حتى يزول ما يخشاه، ما دام في الأمة من يقوم به ممن هو الأعلى منه من أهل العلم، شريطة أن يناصرهم بما يستطيع، وأن يخلفهم في أهليهم.
стр. 149
أما الخوف على الأهل، ولا سيما الوالدان والزوجة والأولاد، فالأحب إليّ أن يقدر العالم القدوة حالهم، فإن كان أهله ممن لا يفتنون في دينهم، وكان القتل أحب إلى نفوسهم، وكان القتل أيضاً أنفذ أثراً في الدعوة، وأهزُّ لعروش الطغيان، فالأولى القيام بحق التغيير، والصبر على الإيذاء والقتل ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: ٦٩) .
أما إن كانوا ممن يخشى عليهم الفتنة في الدين، فالأعلى بل الأوجب حمايتهم من الفتنة، بالكف عما يؤدي إليها من تغيير المنكر باليد أو اللسان، حتى يزول ما يخشاه عليهم وحتى يرقى إيمانهم إلى درجة الرسوخ والصمود أمام المحن.
وإذا ما كان حال الخوف على الأهل، لذوي العلم والقدوة، فإن حال غيرهم من العامة أولى بحمايتهم من الفتنة، بالكف عما قد يسبب تعرضهم للفتنة في دينهم.
стр. 150
· وإذا خاف المرء على نفسه وأهله التعذيب الجسدي، أو المعنوي الفاتن، فتُقدرُ الأمور بقدرها. إن كان قادراً على الصبر واحتماله، موقناً أنَّه لن يفتن في دينه، فالأعلى له وللدعوة وللأمة أن يستعين بالله تعالى على ذلك، ويصبر، ويصابر فيغير المنكر الذي رآه، سواء كان من العلماء القدوة أو ممن هم دون ذلك ما دام قد تحقق التيقن على الصبر والاحتمال. وأهل العلم وطلابه أولى بذلك من غيرهم، فإن الله تعالى ـ قد نعى على من يدعي الإيمان ولا يصبر على تكاليفه، وعلى مقتضيات الدفاع عنه ونشره.يقول ﷻ ﴿الم﴾ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: ١ -٣) .
стр. 151
فما كان الإيمان قط كلمات تلوكها الألسنة، وإلا لما توقف في قولها كفار مكة حين طولبوا بالإيمان، وإنما هو تكاليف ومجاهدة ومصابرة.. ودعوى القيام بتلك التكاليف، يحتاج بيان الزائف منها والخالص، إلى ابتلاء وفتنة كمثل فتنة النار الذهب، فلا يبقى منه إلا ما خلص ونصح، فمن أذهبت الفتنة دعوة الإيمان من قلبه، فهو الكذاب الأشر في دعواه الإيمان.
وهذا الأنموذج المتخاذل المستخدم أمام الفتنة والبلاء، شاخص في كل جيل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ (العنكبوت: ١٠) .
وما كان الله مصوراً بهذا من ضعف لحظة عن احتمال الفتنة، ولكنه يصور بهذا من جعل فتنة الناس كعذاب الله ذلك الذي اختلطت في حسه الفارقات بين ما هو من عذاب الله، وما هو من فتنة الناس، فحسب أنهما سواء، ومثل هذا لا يقوم في قلب خالطه الإيمان مهما بلغ الناس في فنون الفتنة والتعذيب، فكل فتنة ومصيبة دون النار عافية.
стр. 152
فمن ادعى الإيمان ولم يصبر على الفتنة فيه، كانت دعواه سرابا، ولذا كان من مقتضيات دعوى الإيمان: الثبات عليه، واتخاذ الأسباب المحققة للصبر على تكاليفه، وقد حكى الحق موعظة ((لقمان)) لابنه لنتأسى بها: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: ١٧) .
فهذه الدعائم الأربع لنجاح الداعية: إقامة الصلاة، بكل ما تتطلبه من مقتضيات في بناء شخصية الداعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بكل ما يتطلبانه من زاد وفير لتكوين شخصيته، وتحقيق القيام بتلك الفريضة البالغة الأثر في تحقيق قيام الأمة المسلمة الرائدة القائدة، المخرجة الناس من جور السلاطين إلى عدل الإسلام، ثم الصبر على ما يلقاه الداعية من أهل الباطل من كل صنوف وفنون الافتتان والابتلاء.
стр. 153
وفي قصِ القرآن موعظة ((لقمان)) ابنه، إيذان بالغ بالأمر الإيجابي بما تضمنته من هذه الدعائم الأربع. فإنَّ أهل العلم ليذهبون إلى أنَّ سنَّة البيان القرآني في الأمر بالفعل: الإخبار عنه أو عن صاحبه في سياق المدح، أو الرضا عنه أو عن صاحبه، وذلك ما هو الجلي في القصص القرآني وما يحكيه من أخبار السابقين.
المسلم القوي الإيمان، جدير بأن يصبر على الفتنة والابتلاء، وجدير به قبل التصدي للدعوة إلى الله تعالى، وإلى تغيير المنكر بيده، أو لسانه، أن يدرب نفسه وأهله على الصبر على الابتلاء، وعلى الصمود أمام المحن، وأهوال التعذيب، الذي يبدع فيه الطواغيت وشياطينهم.
إنَّ صبر الدعاة وأهليهم على تعذيب الطغاة، لينكأ في سويداء الطواغيت أعظم من السهام المسمومة، وإنَّ مضاجعهم لتُقضُّ بهم من مصابرة الدعاة ومرابطتهم واحتسابهم ما يلقونه من تعذيبهم ونكالهم.
وفي القرآن حث بالغ على الصبر والمصابرة في سبيل الإيمان، والدعوة إليه، والدفع عنه، وتغيير المنكر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ١٥٣) .
стр. 154
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: ١٢٠) ؟
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٦) .
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠) .
стр. 155
وعلى الرغم من ذلك، فقد جعل الله لمن خشي على نفسه، أن يمسك عن التغيير باليد أو اللسان، بل أذن له فيما فوق ذلك: أذن له أن يكفر بلسانه وحده مع اطمئنان قلبه بالإيمان إذا ما خشي على نفسه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: ١٠٦) .
· فإذا خاف المرء على عرضه أو عرض أهله، بانتهاك حرمته، كمثل ما يفعل الطواغيت الآن في المعتقلات والسجون، فإنّ الأعلى في هذه الحال أن يكف المسلم عن تغيير المنكر بيده أو لسانه، ويقيم على تغييره بقلبه، على النحو الذي وضّحناه، فإن حفاظ المسلم على عرضه وعرض أهله أولى وأوجب من الحفاظ على نفسه وأهله وماله.
стр. 156
والطواغيت اليوم يعلمون أنه لا يفت في عضد الدعاة كمثل ما يلم بأعراضهم، فإذا بهم اليوم يسلكون ذلك المسلك الماحق: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (إبراهيم: ٤٦ ـ ٤٧) .
﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل: ٤٥ ـ ٤٧) .
تلك الأحوال الثلاثة، التي ينظر في أثرها في من يقوم بتغيير المنكر، بيده أو بلسانه، كفاً عنه، أو إبلاغاً في القيام به: حال الخوف من القتل على نفسه أو أهله، حال الخوف على النفس أو الأهل من انتهاك العرض.
стр. 157
أما دون ذلك من صور الخوف وأحواله، كإيذاء في مال أو عمل أو غير ذلك، فإن الذي تقتضيه المسؤولية الإيمانية الجهادية على كل مسلم ومسلمة الحرص البالغ على الانتصار للدعوة، والقيام بحق تغيير المنكر بما يسع المرء من يد أو لسان، واحتساب كل ما يلقاه من إيذاء وأضرار دنيوية في ماله وعمله وجاهه وراحته وطمأنينته وحريته المكفولة له شرعاً، فلا يليق بمسلمٍ يعتز بإسلامه أن يجعل حرصه على ماله أو وظيفته أو تجارته ... إلخ أحبَّ إليه وأعزَّ عليه من الله عزَّ وعلا، ومن رسوله ﷺ وتطهير الأمة من المنكر.
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: ٢٤) .
стр. 158
((وهذا التجرد لا يطالب به الفرد وحده، إنما تطالب به الجماعة المسلمة، فما يجوز أن يكون هناك اعتبار لعلاقة أو مصلحة، يرتفع على مقتضيات العقيدة في الله ومقتضيات الجهاد في سبيل الله.
وما يكلف الله الفئة المؤمنة هذا التكليف، إلا وهو يعلم أنَّ فطرتها تطيقه.. فالله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وإنه لمن رحمة الله، بعباده أن أودع فطرتهم هذه الطاقة العالية من التجرد والاحتمال، وأودع فيها الشعور بلذة علوية لذلك التجرد لا تعدلها لذائذ الأرض كلها.. لذَّة الشعور بالاتصال بالله، ولذة الرجاء في رضوان الله، ولذة الاستعلاء على الضعف والهبوط والخلاص من ثقلة اللحم والدم، والارتفاع إلى الأفق المشرق الوضيء، فإذا غلبتها ثقلة الأرض، ففي التطلع إلى الأفق ما يجدد الرغبة الطامعة في الخلاص والفكاك)) .
وفي قوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ، تهديد بالغ لمن لم ينعتق من أسر حبَّ الأهلين، ومتاع الحياة الدنيا، وتفضيله على حبَّ الله تعالى ورسوله ﷺ ، والجهاد في سبيل الله ﷻ .
стр. 159
وفي هذا إيذان عظيم بأن الجهاد في سبيل الله تعالى، ومنه تغيير المنكر، لا يعفي منه الخوف على الأهلين فيما دون القتل والفتنة في الدين والعرض:
((عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قام خطيباً فكان فيما قال: «ألا، لا يمنعنَّ رجلا هيبةُ الناس أن يقول بحقَّ إذا علمه» ، قال: فبكى أبو سعيد: وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا)) .
وعن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق حيثما كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم» .
وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يُحقِر أحدُكم نفسه)) ، قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: ((يرى أمرا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا، فيقول خشيت الناس، فيقول: فإياي كنت أحقُّ أن تخشى» .
стр. 160
ومجمل الأمر: أن الخوف على عرض من أعراض الحياة الدنيا، ليس من صور العجز المانع من الاستطاعة التي هي شرط التكليف بتغيير المنكر باليد أو اللسان، ولم يجعل لمن خاف على عرض من دنياه، فسحة في أن يدع تغيير ما يراه من منكر بيده أو لسانه إذا ما كان أهلاً للتغيير اليدوي أو اللساني.
стр. 161
فاصلة القول
إذا ما كان جليًّا أنَّ تغيير المنكر إنما هو لدرء المفاسد، كيما يتحقق الوجود المتمكن للأمة المسلمة، فإنه إذا ما تيقن المسلم، أو غلب على ظنه الراشد، أن تغييره منكراً سوف يترتب عليه وقوع منكر أعمّ، أو أبقى أو أنكى أثراً، فجمهور أهل العلم يذهبون إلى ترك تغيير ذلك المنكر إلى الأدنى، دفعاً لوقوع ما هو فوقه.
يقول ((ابن القيم)) : إذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدَّهر ...
стр. 162
ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لمّا فتح الله مكة، وصارت دار إسلام، عزم على تغيير البيت وردَّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه، خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهدٍ بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه ... فإنكار المنكر أربع درجات:
(الأولى) أن يزول ويخلفه ضده.
(الثانية) أن يقل وإن لم يزل بجملته.
(الثالثة) أن يخلفه ما هو مثله.
(الرابعة) أن يخلفه ما هو شر منه.
فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة)) (٦٦) .
стр. 163
وتقدير درجات المنكر في حادثات الحياة ونوازلها، وما بينها من مراتب، بحاجة إلى بصيرة نافذة في دقائق فقه الدين، وفي فقه نوازل الحياة، الذي هو أساس فقه التدين، وبحاجة أيضاً إلى الحكمة البالغة، وإخلاص النصح في تحقيق ما اشتبه، وتحرير ما اشتجر، وذلك جهد بالغ لا يقوم به إلا صفوة أهل العلم.
يقول الإمام ابن تيمية: ((اعتبار مقادر المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص، لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلّ أن تعوز النصوص من يكون خبيراً لها وبدلالتها على الأحكام.
وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكرٍ، بحيث
стр. 164
لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعاً، أو يتركوهما جميعاً، لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر، فإن كان المعروف أكثر، أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصدّ عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله، وزوال فعل الحسنات.. وإن كان المنكر أغلب، نهي عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه، أمراً بمنكر، وسعياً في معصية الله ورسوله.
وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان، لم يؤمر بهما، ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة......
وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 165
ومن هذا الباب: إقرار النبي ﷺ لعبد الله بن أُبّي، وأمثاله من أئمة النفاق والفجور، لما لهم من أعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه، مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك، بغضب من قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن ((محمدا)) يقتل أصحابه)) .
ومن ذلك حين قال عبد الله بن أُبي في غزاة سكع فيها رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار فتناصرا: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعزُّ منها الأذلّ، فبلغ النبي ﷺ فقام عمر فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق.
فقال النبي ﷺ : «دعه لا يتحدث الناس أنَّ محمدا يقتل أصحابه» (متفق عليه) .
فتلك حكمة النبوة التي يجب أن يتأسى بها القائمون بتغيير المنكر، ولهذا قال ((عمر)) ﵁ بعد أن استبان له نور الحكمة النبوية في هذا:
((قد ـ والله ـ علمتُ لأمر رسول الله ﷺ أعظمُ بركة من أمري)) .
стр. 166
ومن ثمَّ فإن تغيير المنكر المترتب على تغييره آثار فردية أو جماعية، لا يستقيم القيام به إلا من بعد مراجعة ملابساته ومساقاته، والموازنة بينه وبين آثاره، وهذا يقتضي استشارة أهل العلم والحكمة، فكثيراً ما يتوقف الطبيب عن معالجة داءٍ ما خشية ما سوف يترتب على معالجته دوائياً أو جراحياً من أدواء وآثار أفدح، إلى أن تتهيأ الظروف والملابسات لمعالجته دونما آثار ضارة، وكذلك مُغيِر المنكر يحتاج إلى الحكمة في هذا أكثر من احتياج الطبيب، فإنَّ ما يترتب على غفلة الطبيب في هذا، أقل ضرراً مما قد يترتب على غفلة المغيّر للمنكر.. ولا أحسب أن أحداً يتهم مثل ذلك الطبيب بالتقصير أو الخيانة أو الإفراط في القيام بواجبه حينئذ، بل هو بوصف الحكيم النَّطاسيِّ: أجدرُ وأحقُّ.. وكذلك ينبغي ألا يتهم العامة والدهماء، علماء الأمة حين يوصون بالصبر على ذلك المنكر، حتى تتهيّأ له الظروف ومناخات وملابسات ومساقات أفضل، يؤتي التغيير فيها ثمراً أطيب وأعظم، وهذا وجه من وجوه المعنى القرآني في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (النحل: ١٢٥) ، وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو
стр. 167
إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨) .
فالحكمة والبصيرة، دعامتا النجاح في القيام بتغيير المنكر، قياماً يرضي الله عزَّ وعلا، ويحقق الغاية من التكليف به.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
والحمد لله رب العالمين.