Полный текст (167 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
والوجه الصاعد في الترتيب نفسه (اليد ـ اللسان ـ القلب) ناظرُُ إلى شمولية التكليف، وكثرة من يطيق أو من يصلح، فلا شك في أن التغيير باليد وما ضارعها، من يكلف به لتحقق شروطه فيه، أقل بكثير ممن يكلف بالتغيير باللسان، وكذلك من يطيق أو من يصلح للتغيير باليد، أقل ممن يطيق أو يصلح للتغيير باللسان، وأكثر ذلك عدداً في هذا التغيير بالقلب، فذلك الذي لا يعجز عنه مسلم البتة، فكل المسلمين له صالحون ما داموا أهلاً للتكليف.
فالترتيب الذي ذكره النبي ﷺ ناظر في حاليه، إلى منهاجية التدرج العلمي للتغيير، وليس ناظراً إلى التدرج التربوي للنهي عن المنكر، وفرق بين تغيير المنكر والنهي عنه، فالتغيير أخص من النهي.
ومنهاجية التدرج في النهي، يُبْدأ فيها بالتعليم، وتأليف القلوب، واستمالتها إلى البعد عن المنكر بالحكمة والموعظة، فإن لم يُجد ذلك انتقل إلى ما هو أشد منه في النهي، كإظهار التجهم والإعراض عن الإكرام، فإن لم يجد، كان النهي بما هو أشد من ذلك.
стр. 107
هذه مراحل تربوية في النهي عن المنكر، أما تغيير المنكر فإن المنهج يبدأ بما هو أشد تكليفاً، يبدأ المرء بالمنع باليد، فإن عجز عنه كان باللسان، فإن عجز عنه كان بالقلب، فهو تدرج ناظر إلى درجات التكليف ومراحله، وإلى مقدار استطاعة فاعله، وليس إلى قابلية التأثير في المنهي عن المنكر.
ولما كان نظرنا إلى تغيير المنكر، فإنا نعتمد التدرج المنوط باستطاعة المغير لا التدرج المنوط بقابلية القائم بالمنكر، أو الواقع فيه للتأثير.
стр. 108
تغيير المنكر باليد: أحواله وآدابه
هذا التغيير غير مقصورٍ على طائفة من الناس، يكون لها أو عليها دون غيرها، بل هو عام يختلف مناطه ودرجته باختلاف أمور عدة أهمها:
- علاقة من يقوم بالتغيير، بمن يقع منه المنكر.
- نوع المنكر المراد تغييره ومناخات وقوعه.
وبيان هذا: أن علاقة المغيِّر، بمن وقع منه المنكر على واحد من خمسة أحوال:
١- أن يكون للمغيِّر ولاية خاصة على ذي المنكر، كولاية الوالد على ولده، والزوج على زوجته.
٢- أن يكون للمغيِّر ولاية عامة على ذي المنكر، كولاية السلطان على رعيته وأمته.
٣- إلا يكون لأي من المغيِر وذي المنكر ولاية عامة أو خاصة، كما بين أفراد الرعية.
٤- أن يكون لذي المنكر ولاية خاصة على من يقوم بالتغيير، كأن يكون ذو المنكر والد المغير، أو زوجها.
٥- أن يكون لذي المنكر ولاية عامة على المغيِر، كولاية السلطان الواقع في المنكر على رعيته التي تريد تغيير منكره.
هذه خمسة أحوال يختلف حكم التغيير باليد باختلافها، وباختلاف المنكر.
стр. 109
نفسه وظروفه. على أن التغيير باليد غير محصور في القوة، التي هي استخدام السيف، وما شاكله، أو الضرب وما ضارعه، فإن التغيير باليد ذو صور ومراحل عديدة.
من ذلك استخدام اليد في إفساد آلات المنكر، أو إذهاب عين المنكر، كتحطيم أدوات شرب الخمر وإراقتها، وتهديم حاناتها، إذا لم تكن تصلح إلا لذلك، أو غلق الطرق المؤدية إليها، أو قطع المياه وأدوات الإنارة عنها، وكذلك إفساد آلات الغناء الماجن المحرم، وأدوات تصوير المنكر أو طبعه أو نشره في الناس، وإفساد أماكن بيعه وتوزيعه، إذا لم تكن تلك الأماكن صالحة إلا لذلك.. إلخ.
كل هذا وكثير مثله يدخل في التغيير باليد، وهو ليس من استخدام السيف المؤدي إلى إراقة دم، أو إزهاق روح.
· الحالة الأولى: أن يكو للمغيِر ولاية خاصة على ذي المنكر، كولاية الوالد على ولده، والزوج على زوجته.
أساس الحكم في هذا، قوله ﷺ : «كُلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته.
стр. 110
قال: حسبت أن قد قال: والرجل راعٍ في ماله أبيه، ومسؤول عن رعيته وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته» (متفق عليه، والنص لمسلم) .
فعلى الوالد والزوج وما ضارعهما تغيير المنكر الواقع، ممن هو تحت ولايتهما بيده، وفقاً لما يتناسب مع هذا المنكر، من صور التغيير باليد، فقد يكفي في تغييره إفساد آلته دون اللجوء إلى ما هو فوق ذلك، فكل صورة من صور التغيير تقوم بحق التغيير لا ينتقل إلى ما فوقها.
والوالد والزوج وما ضارعهما، له حق التغيير بكل صور التغيير باليد، دون الحدود، أو ما فيه إزهاق روح، أو إراقة دم، فذلك للإمام بحقه الذي شرعه الله عز وعلا.
стр. 111
· الحالة الثانية: أن يكون للمغيِّر ولاية عامة على ذي المنكر، كولاية السلطان على رعيته، فإن لهذا المغير، أو عليه تغيير منكر رعيته باليد، بكل صور التغيير باليد، تغييراً لا يبقي منه ولا يذر، فيكسر آلات المنكر، أو يزيل عينه أو ما يقوم به، ويتخذ كل ما يحقق له القيام بهذا الغرض قياماً خالصاً تاماً لله، وليس انتصاراً لسلطانه فإن قاومه ذو المنكر وأعوانه، أخذ على يديهم بما يتناسب مع مقاومتهم، وما يبديها، ولو أدى إلى قتل من قاوم، إن لم يكن من القتل بدَّ.
العجز عن تغيير المنكر باليد، إذا كان لا بد منه، لا يتأتى مع حال ولي الأمر، إن كان صادقاً مع الله تعالى.
ولا يدخل في هذا التغيير باليد العلماء، الذين لم تكن لهم نيابة من الوالي، إذا كان الوالي مقيماً شرع الله تعالى، فولاية العالم في رعاية الوالي المسلم، إنما هي ولاية تعليم، ونصح، وفتوى، وليست ولاية تنفيذ.
стр. 112
أما إن كان الولي الأعلى لا يقيم شرع في حكمه، ويأبى تغيير المنكر، أو يقر أهله عليه، أو يزعم أن ذلك من الحقوق الشخصية المكفولة لهم، بما شرعه هو أو بطانته، أو بما نص عليه، ما يسمى بحقوق الإنسان العالمية، أو كان لا يعترف بأنَّ هذا منكر يجب تغييره، من بعد أن بينَّه له العلماء بياناً شافياً، لا يتوقف معه من كان غير ذي هوى، فإنَّ للعلماء بل عليهم فريضة أن يتحدوا وأن يغيروا المنكر، بأيديهم، دون البلوغ به حد إزهاق روح، أو إراقة دم، فإن خافوا فتنة بهذا أضر بالأمة من هذا المنكر، فإنهم أهل الحكمة، يقدرون الأمور بمقاديرها، ويقدمون الأهم على غيره.
وقد كان ((ابن تيمية)) يغير المنكر، هو وأعوانه بيديه ـ كما يحكي ((ابن كثير)) في أحداث عام (٦٦٩هـ) ـ فقد كسر آنية الخمر في الحانات، ومزق أوعيتها، وأوراقها، وفرح الناس بذلك.
ولولا أن السلطان في عصره، لم يكن يقيم الشرع، ويغير المنكر، ما كان لابن تيمية الفقيه أن يعتدي على حقه، وهو العليم بذلك الحق.
стр. 113
فلإمام العلماء في مثل هذا، أن يقيم تغيير المنكر، حين يتخلى الوالي عن حقه، ويهدر حق الشرع. وليس للعامة أن تفعل ذلك، إلا بمعونة العلماء وفتواهم، وتحت إرادتهم الراشدة الحكيمة.
· الحالة الثالثة: إلا يكون لأي من المغَيِر، وذي المنكر ولاية عامة أو خاصة على الآخر، كما بين أفراد الرعية.
هذه الحالة ذات شقين:
- أن يكون ولي الأمر الأعلى يقيم شرع الله وينكر المنكر ويغيره حين يعلم به.
- ألا يكون كذلك.
إن كان يقيم الشرع، ويغير المنكر، فليس للعامة أن تغير المنكر الواقع، ممن ليس لهم عليه ولاية، تغييراً باليد، بل عليهم إبلاغ ولي الأمر، أو نوابه، ومن أقامهم لذلك، وهم يتولون ذلك، فإن طلبوا معاونة العامة، فقد وجب عليهم تقديم العون لهم وفق مطلوبهم وتحت إمارتهم.
стр. 114
وأما إن كان الولي لا يقيم شرع الله ولا يغير المنكر، بل يجعله من الحقوق المكفولة، بما شرعه هو أو بطانته من قوانين، فعلى العامة اللجوء إلى أئمة العلماء، ورفع الأمر إليهم للتصدي للسلطان، وحمله على تغيير المنكر، وإلا قاموا هم به، وعلى العامة حينذاك مناصرة العلماء، وتأييدهم وحمايتهم، فإن العلماء إذا ما وجدوا عوناً من العامة، قاموا في وجه السلطان، الذي لا يقيم شرع الله تعالى بما يحمله على العدل.. والسلطان إذا ما علم أن الأمة من خلف علمائها خضع للحق الذي يدعو إليه العلماء، وتريده العامة، فإنَّ السلطان الطاغية لا يشتهي شيئاً كمثل اشتهاء إهانة العلماء وإذلالهم، وتحطيم منزلتهم في قلوب العامة.
· الحالة الرابعة: أن يكون لذي المنكر ولاية خاصة على من يقوم بتغيير منكره، كأن يكون ذو المنكر والد المغيِّر أو زوجها، فإن كان كذلك فتغيير المنكر باليد حينئذ يرجع إلى نوع المنكر ودرجته، فثَمَّ منكر يغير باليد، دون أن يلحق صاحب المنكر إيذاء في نفسه، فللولد، والزوجة في مثل هذا، تغيير المنكر باليد، إذا لم يترتب على ذلك ما هو أشدَّ ضرراً.
стр. 115
وللولد أن يمنع أباه والزوجة زوجها من الإقدام على ما يتعلق به حق الآخرين، كمثل قتل أو سرقة أو إحراق مال ... فذلك مما لا يحتمل تأخيراً في تغييره بالصد عنه.
فإن كان المنكر كفراً بواحاً فليرفعه إلى السلطان المقيم شرع الله تعالى، ليغيره بما يستحق.
فتغيير المنكر باليد ممن هو تحت ولاية ذي المنكر، إنما يجب عليه حين لا يكون غيره أهلاً للقيام به أو كانت الملابسات لا تسمح باللجوء إلى آخرين للقيام بذلك. فإن كان فيمن حولهم، من يكون أهلاً للقيام بذلك حق قيامه، فالأولى أن يلجأ الولد إليهم لتغيير منكر والده بما يستحق، وكذلك الزوجة.
стр. 116
ويذهب الإمام الغزالي ـ رحمه الله تعالى ـ إلى أن للولد مع والده الواقع في المنكر، أن يغيره بالمنع، بالقهر، بطريق المباشرة، ((بأن يكسر مثلاً عوده، ويريق خمره، ويحل الخيوط من ثيابه المنسوجة من الحرير، ويرد إلى الملاك، ما يجده في بيته من المال الحرام الذي غصبه أو سرقه، أو أخذه عن إدرار رزق من ضريبة المسلمين إذا كان صاحبه معيَّناً، ويبطل الصور المنقوشة على حيطانه، والمنقورة في خشب بيته، ويكسر أوان الذهب والفضة، فإنَّ فعله في هذه الأمور ليس يتعلق بذات الأب، بخلاف الضرب والسب، ولكن الوالد يتأذى به ويسخط بسببه إلا أنَّ فعل الولد حق وسخط الأب منشؤه حبه للباطل وللحرام، والأظهر في القياس أنه يثبت للولد ذلك بل يلزمه أن يفعل ذلك)) .
وما نقوله إنما هو في حال ارتكاب المنكر، أو الإعداد له، أما إذا كان المنكر قد وقع فإن أمر صاحبه يرفع إلى السلطان، ليقضي فيه بالحق، وهذا أصل في جميع الأحوال، إن المنع حق عام ولكن العقوبة حق السلطان.
· الحالة الخامسة: أن يكون ذو المنكر ذا ولاية عامة على من يقوم بتغيير منكره، كأن يكون ذو المنكر هو السلطان، وولي الأمر الأعلى.
стр. 117
إن كان منكره منكراً خاصاً لا يتعلق بحق الرعية، فإن كان يفعله سراً فلمن يراه أن يغيره، بما يستطيع، إذا لم يترتب على تغييره منكر أشد منه، وأشنع، وليس له الاعتداء على السلطان بدفع، أو إيثاق، أو حبس، أو ضرب، وليس له إفشاء هذا السر في الناس، حتى يبقى للسلطان في قلوب العامة هيبة، ما دام مسلماً.
وإن كان منكره مما يجهر به، فعلى علماء الأمة تعريفه وتعليمه، ليكف ما دام مسلماً يقيم الصلاة، ثم منعه منه، وعلى العامة مناصرة العلماء، دون إحداث فتنة أشنع من منكره، الذي يجاهر به، ما دام هذا المنكر ليس كفراً بواحاً.
стр. 118
وإن كان منكر السلطان متعلقاً بحق رعيته، كفرض مكوس وضرائب ظالمة تنفق فيما لا تنفع المسلمين والرعية، أو كإشاعة الفسق، أو مناصرة الطغاة من رعيته، واحتجابه عن المظلومين من رعيته، فعلى العلماء القيام أولاً بتعريفه الحق ونصحه، فإن لم يفعل، ومكث على ذلك، سعى العلماء إلى منعه من ذلك، باتحادهم، والتصدي له، وحشد العامة حولهم، حتى يرتدع خوفاً على سلطانه، وليس لهم الخروج عليه بالسيف، ما دام يعلن إسلامه ويقيم الصلاة، فإنه وإن كان ظالماً فاسقاً، فإنه مسلم، وفي الخروج عليه بالسيف فتنة أشد وأنكى من منكره، لأن في الخروج عليه بالسيف تهديماً لهيبة الأمة، في عيون وقلوب أعدائها من الكافرين، وعلى العلماء السعي إلى عزله، بطريق غير طريق السيف.
ولا سيما أن تغيير وعزل الولاة في زماننا له طرق أخرى غير طريق السيف،
стр. 119
وإذا كان المنكر الواقع من السلطان متعلقاً بإقامة شرع الله تعالى، والحكم بما أنزل الله، فإمَّا أن يعلن أن شرع الله هو الحق المطلق، الكفيل بتحقيق العدالة في الأمة، وأنَّ الإسلام كتاباً وسنة، في هديه حل لكل ما تعانيه الأمة، إلا أنه برغم من ذلك يأخذ من غيره لأسباب ظاهرة أو باطنة، كأن يكون في تركه شرع الله تعلى تحقيق مصالحه الخاصة الدنيوية، أو يكون ضعيفاً خواراً أمام قوة داخلية، أو خارجية، سعت إلى تنصيبه والياً، فلا يستطيع مخالفة أمرها، لقدرتها على التخلص منه بطرق عديدة، فإن مثل هذا السلطان ظالم، فاسق، كفره لا يخرجه عن الإسلام، ومن ثمَّ لا يجوز الخروج عليه بالسيف، بل يسعى العلماء إلى مناصحته، ومكاشفته، وتبيان الحق له، بما لا يدع شبهة، فإن أناب وأصلح، نوصر وعزّر، وإلا سعى العلماء والصالحون إلى قيادة الأمة، لعزله بالحسنى، التي لا تزهق فيها روح أو يراق دم.
стр. 120
أما إن أعلن السلطان معارضته للشرع، وتصديه لما أنزل الله، ويرى أن فيما يحكم به صلاح الأمة، وأن ما حكمت به الأمة في صدر الإسلام، وما بعده، لا يتوافق مع واقع الأمة في هذا العصر، في شؤونها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولا سيما السياسية الدولية، فإن مثل هذا كافر كفراً صريحاً، لأن من يزعم أن ما أنزل الله تعالى: كتاباً وسنة، لا يصلح لكل زمان ومكان، ويصلحهما بهديه، قد أنكر صريحاً من الدين، فيه برهان من الله ورسوله. فالقرآن كتاب الله تعالى الخالد هديُه للأمة، المبين لها شؤون حياتها حتى تقوم الساعة، لا تستقيم حياة الأمة في أي طور من أطوارها، وأي مناخ من مناخاتها إلا بهديه، ومن لم يؤمن بذلك، فقد كفر كفراً مخرجاً عن الملة، لأنه يعتقد بهذا أن الله عاجز عن أن ينزل ما فيه صلاح الأمة حتى قيام الساعة، أو يعتقد، أنَّ الأمة، بحاجة إلى كتاب ونبي جديد يتناغى ـ في زعمه- مع واقع الحياة المعاصرة، أو أن الله عجز عن علم ما فيه صلاح الأمة بعد خمسة عشر قرناً من نزول القرآن، فلم يودع فيه ما يهدي إلى صلاحها من بعد، وكل ذلك لا يتوقف عاقل في القول، بأن قائله فيه من الله برهان قاطع،
стр. 121
بأنه كافراً كفراً مخرجاً من الملة.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥) ، فإذا ما ثبت كفر السلطان كفراً مخرجاً من الملة، فقد وجب على الأمة الخروج عليه، ونزع يد الطاعة منه وعزله، ولو كان عزلاً بالسيف، فإذا كان لا بد من السيف فهو فريضة، لأنه ليس في الأمة أنكى وأنكر من أن يكون سلطانها كافراً بدينها، وليس لكافر على مسلم ولاية.
وتلك هي الحالة التي أبيح فيها للأمة بل فرض عليها الخروج على السلطان وعزله وإن كان بالسيف: حالة كفر السلطان كفراً صراحاً.
((عن يحيى بن حصين، عن جدته أم الحصين قال: سمعتها تقول: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قالت: فقال: رسول الله ﷺ قولاً كثيراً، ثم سمعته يقول: «إن أُمّر عليكم عبد مُجدع (حسبتها قالت: أسود) يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا» .
стр. 122
قوله: (يقودكم بكتاب الله) قيد بالغ في استحقاق السمع والطاعة، فإن قادهم بغيره فلا سمع ولا طاعة، وهذا ما يصرح به حديث آخر: ((عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» .
وفي حديث آخر: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» .
وعن جنادة بن أمية قال: ((دخلنا على عبادة بن الصامت، وهو مريض فقلنا: حدثنا ـ أصلحك الله ـ بحديث ينفع الله به سمعتَهُ من رسول الله ﷺ ، فقال:
«دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه، فكان فيما أخذه علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعُسرنا ويسرنا، وأثرةٍ علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كُفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» .
وقد صرح ﷺ بالنهي عن قتال الأئمة الظالمين إذا ما صلوا: عن أم سلمة ـ زوج النبي ﷺ أنه قال:
стр. 123
«إنه يُستعمل عليكم أُمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال لا، ما صلُّوا» .
بل جاء الأمر بنوع ولاية من يعرض عن حكم الله ورسوله ﷺ ، ((عن عقبة بن مالك، قال: «بعث النبي ﷺ سرية، فسلمت رجلا منهم سيفا، فلما انصرفنا ما رأيت مثل ما لامنا رسول الله ﷺ : قال ((أعجزتم إذ أمًّرت عليكم رجلاً فلم يمض لأمري الذي أمرتُ ونهيتُ عنه، أن تجعلوا مكانه آخر يمضي أمري الذي أمرت به أو نهيت عنه» .
стр. 124
فالإٍسلام يدعو إلى الحفاظ على وحدة الأمة المسلمة خلف وليّ أمرها، وإن كان عاصياً، وإن على الأمة أن تؤدي للولي حقه عليها، وتسأل الله تعالى الذي لها، وتصبر حتى تلقى رسول الله ﷺ على الحوض، وإن ضرب الإمام الظهر وأخذا المال، إلا أن يأمر الولي بمعصية، أو ينهى عن طاعة عن علم، أو يأتي من الأقوال أو الأفعال ما هو كفر صراح فيه من الله برهان، كترك صلاة وامتناع عن الحكم، بما أنزل الله تعالى، على النحو الذي ذكرنا، أومناصرة غير المسلمين وتنفيذ مخططاتهم في إذلال الأمة، أو الإرجاف في قومه بأن أمور العالم من حولها وتصريفها، إنما هي في يد دولة ما، غير مسلمة، لبث روح اليأس في قومه فيركعوا لأعدائها ... إلخ تلك الأفاعيل الماحقة وجود الأمة المسلمة، وجود عزة ومنعة، فمثل ذلك لا يسع الأمة قط الصبر عليه، بل يجب عليها فريضة عين أن تنزع يد الطاعة منه، وأن تخلع بيعته، وأن تولي على المسلمين غيره منهم، يقودهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإن لم يكن لها سبيل إلى تحقيق هذا إلا السيف، فإن السيف أهون من الحياة تحت ولاية مثل هذا السلطان، وإنَّ السيف حينذاك هو العدل،
стр. 125
الذي لا تقوم الحياة المسلمة إلا به.
وإذا ما كان هدي الإسلام فيما دون كفر الإمام، هو الصبر والسمع فيما لا معصية لله تعالى فيه، فإنَّ من هديه أيضاً السعي بالحسنى إلى تغييره واستبدال إمام صالح به، إذا كان إلى ذلك سبيل حسن، لا يراق فيه دماء. وعلى علماء الأمة بيان ذلك السبيل الحسن، والدعوة إليه ومناصرته بالحكمة والموعظة الحسنة.
стр. 126
تغيير المنكر باللسان: أحواله وآدابه
اللسان وسيلة التعريف والتعليم والمناصحة، والدعوة وبيان الأحكام، وطرق الوقاية من المنكرات، وعلاج ما وقع منها، ووسيلة التخويف من سوء العقبى، في الدارين، لمن ارتكبها، أو أعان عليها، أو علمها ورضي بها.
والتغيير باللسان غير محصور في تأنيب وتعنيف من أقدم على منكر، أو وقع فيه، أو التشهير بمن اتخذ المنكر صناعة ورسالة، فذلك بعض صور التغيير، وليس من أعلاها، بل لتغيير المنكر صورٌ جد كثيرة، منها ما هو مباشر في التغيير، ومنها ما يمكن كل مكلف أن يقوم به، ومنها ما لا يقوم به إلا خاصة من المكلفين المسلمين.
· ما يستطيعه كل مسلم من التغيير باللسان غير قليل:
- منه: تبليغ من يكون قادراً على التغيير باليد، أو غيرها، حين يكون ذلك أنجع.وهو عنه عاجز، كتبليغ ولي الأمر ومن يقوم مقامه بما يراه من منكر.
- ومنه: ذكر الله تعالى بصفات الجلال والقهر وآيات العذاب عند رؤية المنكر وأهله، ذكراً مسموعاً، لينتبه ذو المنكر فيحجم عنه ويكف.
стр. 127
- ومنه: الدعاء لأصحاب المنكرات بالهداية، والعفو عنهم، وتطهير المجتمع من منكراتهم، والدعاء على المصرِّين المحاربين الله تعالى ورسوله ﷺ الساعين بالفتنة، ليهلكهم الله تعالى، ويزهق باطلهم، فالدعاء، ولا سيما في السحر من الأسلحة الفاعلة، والوسائل الموصلة إلى تغيير المنكر.
· ومما لا يستطيعه إلا من تحققت فيه خصائص التغيير باللسان وآدابه:
- نشر العلم بأسباب الوقوع في المنكر، وعواقبه، وطرائق الوقاية منه، وأفانين المرجفين به في المدينة وأثرهم في الأمة ... إلخ، سواء كان هذا النشر شفاهياً، أو كتابياً.
- ومنه: التشهير بسير المحاربين الله ورسوله ﷺ ، الساعين في الأرض فساداً، ممن ينتسبون للإسلام جهاراً، ففي كشف هؤلاء، وما يمكرون ويكيدون للمسلمين، ونقض افتراءاتهم ودحضها، تغيير بالغ للمنكر.
والقول بأن تغيير المنكر باللسان، إنما هو للعلماء، منظور فيه إلى بعض صوره التي لا يقوم بحقها إلا العلماء، وليس عاماً في كل صور التغيير باللسان، فإنَّ منها ما يستطيعه كثير من الأمة.
· وللتغيير باللسان أحوال كالتي ذكرناها في التغيير باليد، وآداب لكل حالة:
стр. 128
- إذا كان المغيِّر ذا ولاية خاصة على ذي المنكر كأن يكون المغيِّر هو الوالد أو الزوج، فإنه يقوم بالتغيير باللسان أيضاً، دون إذن من الولي الأعلى، وعليه أن يقوم بكل صور هذا التغيير، متى كان مجيداً لها.
- وإذا كان المغيِّر ذا ولاية عامة على ذي المنكر، فالأمر كذلك، وعليه أن يكلف من الرعية من يقوم بذلك ويرعاه، فإن من حق الرعية على ولي الأمر، أن يحميها من كل ما يوقع بها ضرراً من غيرها، أو من بعض أبنائها.. عليه أن يحمي عقيدتها الصحيحة، وأن ينقيها من كل ما هو غير مشروع، وأن يحمي علمها وثقافتها النافعة، وأن يحمي اقتصادها من الربا والكساد والبوار، وأن يحمي صحتها من الأدواء الفاتكة، وأن يحمي كل شيء فيها من كل ما يمكن أن يلحق بأحد منها ضرراً.
стр. 129
- وإذا كان المغيِّر وذو المنكر، ليس لأحدهما على الآخر ولاية عامة أو خاصة، بل بينهما علاقة الإخاء الإيماني، التي هي أوثق العلائق، فإن لكلّ أن يغير بلسانه منكر غيره، فيما يستطيعه ويجيده، ولا سيما ما يكون عاماً من صور التغيير باللسان، التي سبقت الإشارة إليها، فإن كان من أهل العلم، المشهود لهم من العلماء، فإن عليه فريضة، أن يغير بلسانه المنكر، ولا يحتاج في هذا إلى إذن خاص من ولي الأمر المسلم، المقيم شرع الله تعالى، لأن معه إذناً عاماً، فهذه رسالة أهل العلم التي كلفهم بها الإسلام، ولا يجوز لأحد من أهل العلم، أن يتقاعس أو يتشاغل عن أداء تلك الرسالة. وإن كان الوالي لا يقيم شرع الله، فعلى العلماء أيضاً التغيير باللسان ولا يتوقف هذا على إذن من أحد، متى التزم العالم بأدب التغيير باللسان، وعلى العامة مناصرة العلماء في هذا، حتى لا يسعى مثل ذلك السلطان إلى إلحاق الضرر بهم، أو بأحد من أهليهم، أو منعهم من أداء رسالتهم.
стр. 130
- وإذا كان لذي المنكر ولاية خاصة على من يقوم بالتغيير، كأن يكون والده، أو يكون زوج من تريد تغيير منكره، فإن بعض صور التغيير باللسان لا يجوز للولد أو الزوجة فعلها، كالتعنيف والتشهير وإغلاظ القول، وما شابه ذلك، أما بيان المنكر وعقباه، والدعاء بالهداية والوعظ بالحسنى، فذلك لهما أو عليهما. وكذلك عليهما أو لهما إبلاغ من يحسن القيام بتغيير منكرهما، إذا ما خشي الولد أو الزوجة، أن يتجاوز أحدهما، فإن التجاوز في نفسه منكر يجب مع ظن الوقوع فيه الاستعانة بآخرين.
- وإذا كان لذي المنكر ولاية عامة كالسلطان، فإن تغيير منكره باللسان من الرعية، يرجع إلى نوع المنكر:
إن كان منكره خاصاً به، مستوراً لا يجاهر به، فعلى من يراه ممن حوله من بطانته مناصحته بالحسنى، والدعاء له بالهداية، وبالستر أيضاً، حتى لا تسقط هيبته من قلوب الأمة، إذا ما كان مسلماً يقيم الصلاة.
стр. 131
وإن كان منكره خاصاً غير مستور، فعلى علماء الأمة مناصحته بالحسنى، وبيان الهدى والحق، والدعاء له بالتوبة والصلاح، وتعليم الأمة بغض فعله، دون خروج عليه، ما دام مسلماً يقيم الصلاة، فإن تاب وأناب، نوصر وعزّر، وإن لم يتب سعت الأمة إلى عزله بالحسنى، دون فتنة هي أكبر من منكره، وإلا كان الصبر فريضة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
وإن كان منكره عاماً يتعلق بحق الأمة، ولم يكن منكراً يدخل به باب الكفر المخرج من الملة، فإن على علماء الأمة السعي إليه، لمناصحته وإرشاده وتعليمه، ثم إلزامه بأن يقضي في الأمة بالعدل، وعلى العامة مناصرة العلماء وتأييدهم، ولا يجوز للعلماء مناصحته علانية، متى تيسرت مناصحته سرًّا، فإن مناصحته علانية، أو ذكر مناكيره، تعين العامة على الخروج عليه، كما أن المجاهرة بنصيحة السلطان، تدفعه إلى الاستهتار في المنكر والإصرار عليه.
وليس لعالم، له إلى سلطان سبيل مناصحته في سرٍ، أن يتقاعس أو يتشاغل عن مناصحته، والإخلاص فيها، والاستعداد للوفاء بحقها، وليس له أن يستبدل بهذه المناصحة في السر، مناصحة في العلانية،
стр. 132
((عن شقيق، عن أسامة بن زيد، قال: قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه، فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أُسِمعكم. والله، لقد كلمته فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتتح أمراً لا أحبُّ أن أكون أول من فتحه)) .
وهذا كله إذ أمكن ذلك، فإن لم يمكن الوعظ سرًّا والإنكار، فليفعله علانية لئلا يضيع أصل الحق)) .
وعلى العامة الوقوف مع علماء الأمة ومناصرتهم، والذَّب عنهم وتكثير سوادهم حتى يرسخ في قلوب الولاة هيبتهم، وأنَّ من ورائهم الأمة إذا ما دعوا إلى الحق، فيخضع أولئك الولاة لذلك الحق.
وتاريخ علماء الأمة حافل بالتصدي لقول الحق في وجه الولاة حين ينحرفون علانية عن الحق، وسياق رواية حديث (تغيير المنكر لمن رآه) والذي سبق ذكره، فيه الدلالة على ذلك حيث قام رجل إلى الوالي، حين أراد مخالفة السنة، بتقديم خطبة العيد على صلاتها، فأنكر بلسانه، فقال أبو سعيد الخدري: أما هذا فقد قضى ما عليه.
стр. 133
وفي رواية للبخاري: أنَّ أبا سعيد فعل ذلك أيضا مع مروان، وهو أمير المدينة، فأراد أن يخطب قبل الصلاة، يقول أبو سعيد: ((فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع، فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيّرتم والله، فقال: أبا سعيد، قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة)) .
فأبو سعيد أنكر على مروان، وسعى إلى تغيير منكره باليد وباللسان (فجبذت بثوبه) (فقلت له: غيرتم والله) .
وقد حثَّ النبي ﷺ على قول الحق لمن جار من الولاة: ((عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)) أو ((أمير جائر» .
فإن كان السلطان لا يقيم الشرع إعراضاً عنه، أو لا يقيم الصلاة، أو ينكر معلوماً من الدين لا يستقيم بدونه إيمان، كصلاة أو صيام أو جهاد، فإن ذلك السلطان كافرٌ كفراً يخرجه من الملة، ولا يليق بالأمة السكوت عليه، ويجب عزله ولو بسيف، إن كان لا بد من السيف، وإلا فغيره أنفع وأحمد سبيلاً إلى عزله.
стр. 134
تغيير المنكر بالقلب: أحواله وآدابه
يُفَسَّرُ التغيير بالقلب بأنه كره المنكر، وأن هذا ليس بإزالة، وتغيير من فاعله للمنكر ولكنه هو الذي وسعه، وفي هذا نظر.
إذا كان كره المنكرات وأصحابها، فعلاً قلبيَّاً، فإن له واقعاً سلوكياً في حياة صاحبه يصدق ذلك الكره أو يكذبه، فإن من آيات أو ثمرات كره المنكرات، الإعراض عنها، وعن أصحابها، واجتنابهم، والاعتصام من الاختلاط بهم، وفعل ما يمكن أن يعود عليهم بنفع دنيوي، ووجوب إظهار بغض أفعالهم واحتقارهم ما داموا على منكرهم، ووجوب قطيعتهم في شتى حركات الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ولا سيما المجاهرون منهم بمنكراتهم.
وسبيل مقاطعة أهل المنكر المجاهرين والمرجفين في المدينة، به ضرب من ضروب التغيير المؤثرة، وهو مما لا يعجز عنه أحد أبداً.
وقد علمنا رسول الله ﷺ اتخاذ هذا السبيل في واقعة الذين تخلفوا عن غزوة العسرة: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ ... الآية) (التوبة: ١١٨) .
стр. 135
وقد وصف ((كعب بن مالك)) ما كان من تلك القطيعة البالغة الأثر وصفاً فيه الهداية إلى المنهاج الأمثل في سبيل تغيير المنكر بالقلب.
إنَّ مجرد عدم الرضا القلبي عن المنكر وصاحبه، لغير كافٍ في تغيير المنكر، ولا يعد صاحبه مغيِراً، ولذلك سمى النبي ﷺ هذا الفعل القلبي تغييراً نظراً لثمرته، التي ينبغي أن تنبثق من هذا الكره القلبي.
стр. 136
((عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا، اتَّق الله، ودع ما تصنع، فإنه لا يحلُّ لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .
ثم قال: كلا، والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذنَّ على يدي الظالم، ولتأطرُنه على الحق أطرا، ولتقصرونه على الحق قصرا» .
стр. 137
وفي رواية زادت: «أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم» .
ففي هذا آيات باهرات على أن من التغيير القلبي، مقاطعة أصحاب المنكر وترك مخالطتهم، وذلك الذي لا يعجز عنه أحد، وقد جعل النبي ﷺ هذا التغيير ((أضعف الإيمان)) ولهذا الحكم عدة وجوه من المعنى أعلاها:
إن تكاليف هذا السبيل من التغيير أضعف تكاليف الإيمان، فكل من تلبس بالإيمان هو قادر عليه. ولذلك جاء قوله هذا مناظراً لقوله (فإن لم يستطع) في الضربين الأولين: التغيير اليدوي واللساني، فكأنه قال فليغيره بقلبه، وهذا يستطيعه كل مسلم، لأنه أضعف الأيمان. وهو يتناسق من وجه مع قوله في رواية أخرى: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» ، أي وليس وراء هذا التكليف من تكاليف الإيمان حبة خردل، فهو أخفها وأيسرها.
وعلى هذا لا يكون قوله: «وذلك أضعف الإيمان» وصفا بالضعف لإيمان من عجز عن التغيير اليدوي أو اللساني، ولكنه قام بحق التغيير القلبي، بل هو وصف بالضعف واليسر، لما كلف به من عجز به، من عجز عن التغيير اليدوي واللساني، أي ما كلف به من تكاليف الإيمان ضعيف يسير، لا يعجز عنه أحدُُ أبداً.
стр. 138
لأن من عجز عن التكليف الأعلى، وقام بحق التكليف الأدنى، لا يوصف إيمانه بأنه ضعيف، بل إيمانه قوي. فمن عجز عن الصلاة قائماً وصلى جالساً صلاة تامة، لا يوصف إيمانه بالضعف، بل يوصف ما كلف به بأنه أيسر مما كلف به غيره وأضعف ثقلاً.. فالإيمان لا يوصف بالضعف، إلا إيمان من ترك ما هو قادر عليه، وأما من عجز عن أمر، وقام بحق ما استطاعه، فإنه لا يوصف إيمانه بضعف، وإن وصفت تكاليف ما قدر عليه بأنها أضعف من تكاليف ما عجز عنه.
ويذهب جماعة إلى أن هذا وصفُُ لثمرة هذا التغيير القلبي، فقوله: (أضعف الإيمان) أي أقله ثمرة، وهو مقبول، إذا ما ناظرنا ثمرة التغيير القلبي بثمرة التغيير اليدوي واللساني من وجه، وإن كانت ثمرة هذا التغيير القلبي قد تكون مع بعض المنكرات أعظم أثراً من غيرها، ولذلك فعلها النبي ﷺ مع الذين تخلفوا عن غزوة العسرة.
المعنى الذي أذهب إليه: إنه وصف لتكاليف التغيير القلبي، وليس وصفاً لثمرته أو وصفاً لإيمان فاعله القائم بحقه، العاجز عن التغيير اليدوي واللساني.
стр. 139
والتغيير القلبي للمنكرات على النحو الذي كشفنا عن حقيقته: كُرهُُ قلبي، تصاحبه استجابة سلوكية لمقتضياته، إنما هو فرض عين على كل مسلم ذكراً أو أنثى أياً كان وضعه في العلم والجهل، والغنى والفقر، الصحة والمرض، فهو لا يسقط عن أحد مادام مكلفاً.
وهو ملازم لما هو أعلى منه تكليفاً، فمن استطاع التغيير اليدوي لزمه معه أيضاً التغيير القلبي، وكذلك مستطيع التغيير اللساني يلزمه التغيير القلبي على النحو الذي شرحناه.
وقد بيَّن النبي ﷺ أنَّ التارك للمنكرات فعلاً وقولاً لكنه يخالط أهلها، وغير غاضب لله بشأنها، إنما هو من أهل المنكرات أيضاً، لا يقل عنهم شناعة إثم واستحقاق عقوبة.
((عن جابرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «أوحى الله إلى جبريل ﵇ أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها، قال: يا ربّ إن فيهم عبدك فلاناً لم يعصك طرفة عين، قال، فقال: اقلبها عليه وعليهم، فإنَّ وجهه لم يتمعَّر فيَّ ساعة قطُّ» .
стр. 140
والناظر في حال كثير من الناس، يرى تخلياً عن جميع مراتب تغيير المنكر وسبله: التغيير اليدوي، واللساني، والقلبي، ولا يعين أحداً على شيء من ذلك التغيير. بل ترى كثيراً من العامة يبتهجون بمعرفة وصحبة المتمرسين بالمنكرات، ويفتخرون بمعرفتهم أو مشاهدتهم ومصافحتهم ومعرفة دقائق أخبارهم، هذا ما تراه في حال كثير من العامة مع أصحاب المنكرات المجاهرين بها الساعين إلى إشاعة الفاحشة في الأمة عن عمدٍ وتآمر مع أعداء الأمة من الماسونيين والصهيونيين والماركسيين والعلمانيين.
إن الإعجاب بالطواغيت والمحاربين الله ورسوله ﷺ وأهل الفسق والفاحشة، ليكاد يشيع في شبيبة الأمة وشيبها، مما يكاد ينزل بها من الله عز وعلا، من اللعن والغضب، مالا يبقي ولا يذر.
стр. 141
العجز عن التغيير باليد أو اللسان
إذا ما كان تغيير المنكر ذا مراتب ثلاث، فإنَّ الرسول ﷺ قد قيد فرضية التغيير باليد بالاستطاعة، وكذلك التغيير باللسان، فإن عجز عن الأولى، انتقل إلى الثانية، فإن عجز عنها أيضاً انتقل إلى الأخير (التغيير القلبي) .
والعجز نوعان: حسيّ ومعنوي. يكون الحسي ّ لمرض أو فقد الأداة التي يكون بها التغيير، فيقدر العفو بقدر العجز: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ (القيامة: ١٤- ١٥) ، فإن تحقق العجز الحسيّ عن مباشرة التغيير اليدوي أو اللساني بقي وجوب إعانة من هو غير عاجز إعانةً مستطاعةً مثل المناصرة والمؤازرة، وتكثير السواد، والدعاء له بالتوفيق والتثبيت، وإخلافه في أهله إن غاب، ومناصحته والتواصي بالحق وبالصبر.
((عن زيد بن خالد، عن رسول الله ﷺ قال: «من جهَّز غازيا في سبيل الله فقد غزا» (متفق عليه) .
ويكون العجز المعنوي في صور عديدة، منها ما يملك المرء إزالته والاعتصام منه، ومنها ما لا يستطيع إزالته.
стр. 142
مما يستطاع إزالته: العجز العلمي، فمن لم يستطع تغيير المنكر لجهله به أو بآدابه وضوابطه، وجب عليه السعي إلى أن يتعلم، ما يجهل، حتى يقوم بهذه الفريضة، التي يحسن تحقيقها على نحو يحقق للأمة رسالتها.
وإزالة العجز العلمي قد تيسرت طرائقه، فمنه ما لا يكلف جهداً ولا مالاً لما يبذله أهل العلم من نشر العلم النافع.
ومن العجز الذي قد لا يستطاع إزالته لبعض الأمة: خوف مكروه على النفس أو الأهل، وهو درجات وأحكام:
· إذا خاف المرء على نفسه القتل لذلك، وعلم أن في قتله بذلك نفعاً وأثراً عاجلاً أو آجلاً، فإن كان من أهل العلم المقتدى بهم، فالأعلى والأوجب ألا يصده هذا عن القيام بحق التغيير باليد أو اللسان، فقد ندبت السنة لذلك.
روى الحاكم مرفوعاً عن جابر: «سيد الشهداء حمزةُ بنُ عبد المطلب، ورجلُُ قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» .
стр. 143
وروى مسلم بسنده عن ((صهيب)) حديثاً طويلاً عن النبي ﷺ ، عن غلام ممن كان قبلنا، بحث عن الحق والهدى حتى علمه وآمن به ودعا إليه، وعاش له، فتوعده الملك إن لم يكف عن دعوته قتله، فوجد أن في قتله نفعاً للدعوة فصبر، يقول الرسول ﷺ : «فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا الجبل فقال: ((اللهم اكفنيهم بما شئت)) ، فَرَجَفَ بهم الجبل، فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم اللهُ، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه على ((قُرقُورٍ)) فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: ((اللهم اكفنيهم بما شئت)) فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم اللهُ، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو! قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثمَّ خذ سهما من كنانتي،
стр. 144
ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني به فإنك إن فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله ربِّ الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات.
فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام، فأتى الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السّكك فخدّت، وأضرم النيران، وقال من لم يرجع عن دينه فاحموه فيها، أو قيل له: اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبّي لها، فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أمه، اصبري، فإنك على الحق» .
في هذا القصص الحق دلالة باهرة وإيذان بالغ بأن تضحية الداعية والعالم والقدوة بنفسه في سبيل دعوته الحقة ذات أثر عظيم، ونفع عميم للدعوة وتأجيج جذوة الاستمساك بها في صدور الأمة، فيكون ذلك أنفع للدعوة.
والعالم الداعية ذو الحكمة قادر ـ بعون الله تعالى ـ على أن يقدر الأمور بما هو أنفع وأنجع.
стр. 145
وكل ذلك من باب العزيمة التي هي أليق بحال أهل العلم والدعوة، ويبقى لهم باب الفسحة والرخصة مفتوحاً، فمن خاف القتل إن غيّر المنكر، فله أن يدعه حتى يزول خوفه، ولكن الصبر والتضحية أعلن وأسمى.
يقول ((ابنُ بطّال)) : ((النصيحة لازمة على قدر الطاقة إذ علم الناصح أنه يُقبل نصحه ويُطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي على نفسه أذىً، فهو في سعة) .
ويجعلون له في سيدنا ((هارون)) ﵇ في هذا أسوة، فقد كفّ عن بني إسرائيل، وحملهم عن تغيير منكر عظيم هو عين الشرك حين خشي على نفسه القتل:
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأعراف: ١٥٠ ـ ١٥١) ,
следующие страницы →