Полный текст (167 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
فقه تغيير المنكر
د / محمود توفيق محمد سعد
تقديم بقلم: عمر عبيد حسنة
الحمد لله القائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .. (آل عمران: ١١٠) ، الذي جعل خيرية هذه الأمة وتميزها، وقوامها، وكيانها، وخلودها، واستمراريتها، منوطا بقيامها بالحق، والدعوة إليه، والنشر له، والإغراء به، واستمرار حراسته، والدفاع عنه، حيث لم يرض الله لها ـ وهي أمة الرسالة الخاتمة ـ أن تكون صالحة بذاتها، بل لا بد أن تكون صالحة بذاتها، مصلحة لغيرها، مضحية في سبيل تمكين الحق، مدافعة للباطل، حتى تستحق صفة الخيرية، والتميز، والفضل.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨) .
стр. 2
ذلك أن الخاتمية تعني فيما تعني: توقف النبوات: وتوقف النبوة، يعني: توقف التصويب من السماء، لأي منكر وخروج وانحراف ـ لذلك لا بد من أن تكون القوامة على الحق ويكون التصويب مستمرا، لأن الشر من لوازم الخير، والمنكر من لوازم المعروف، والتدافع بين الخير والشر، والمعروف والمنكر، من سنن الله الاجتماعية في الخلق، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: ١٧) . وقال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ .. (الحج: ٤٠) .
стр. 3
ولولا هذا الضرب، بين الحق والباطل، وهذا التدافع، بين الخير والشر، لتوقف التاريخ، وانتهت الحياة، وتوقف الاختيار، ولم يبق أي معنى للتكليف وأي مدلول للابتلاء، لذلك جعل الله التصويب في الرسالة الخاتمة، وفي أمة الرسالة الخاتمة ذاتياً، يمارس في ضوء قيم وهدايات وثوابت الوحي، وجعله تكليفاً شرعياً، يتحدد بمقدار الاستطاعة، وسبيلاً لاستمرار الأمة، ومناط خيريتها، وتميزها، كما أسلفنا.
ذلك أنه لا معنى لخلود الرسالة، الذي يعني استمرار الحق، واستمرار حراسته، والقيام به، وتقديم النماذج التي تجسدها في كل زمان ومكان، إِذا لم يستمر التصويب ويستمر التجديد وإنتاج النماذج وتستمر الأمة القائمة به.
стр. 4
والصلاة والسلام علي الذي بُعث في الأمة رسولاً منها، يتلو عليها، آيات الله، ويزكيها، ويعلمها الكتاب والحكمة، ويضع عنها إِصرها والأغلال التي كانت عليها، يشهد عليها، ويصوب مسارها لتتحقق لها صفة الخيرية، وتتأهل بشهادة الرسول ﷺ عليها، لتكون شهيدة على الناس إلى قيام الساعة، فهي أمة القيادة بما أورثها الله من الكتاب، واصطفاها له، لأنها وحدها التي تمتلك الإمكان الحضاري، إمكان التصويب، بما اختصت من قيم السماء الصحيحة، وتمتلك الشهادة على الناس، ولهم، بما تحقق لها من شهادة الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ... (الحج: ٧٨) .
وبعد:
стр. 5
فهذا كتاب الأمة الحادي والأربعون: ((فقه تغيير المنكر)) للدكتور محمود توفيق محمد سعد، الأستاذ في جامعة الأزهر، في سلسلة كتاب الأمة، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات، بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، مساهمة منه في استرداد شخصية المسلم المعاصر المتوازن الذي يعيش التوحيد الحقيقي والانسجام العملي، بين معارف وهدايات الوحي المعصوم في الكتاب والسنة، ومدارك ومكتسبات العقل، أو بين صحيح المنقول، وصريح المعقول، كما يقول الإمام ابن تيمية ﵀ ويتخلص من الثنائية وألوان الشرك الذي يؤدي إلى الانشطار الثقافي والمعرفي، الذي كان ولا يزال وراء التمزق والضلال الثقافي، للوصول إلى إعادة إخراج الأمة المسلمة، وتحقيق شهادة الرسول ﷺ عليها، وبناء خيريتها، لتكون مؤهلة للشهادة على الناس والقيادة لهم، هذه الخيرية التي تجيء ثمرة لتكليف، ومجاهدة، ومعاناة، وتضحيات في سبيل التصويب والمناصحة، التي تحققها حسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتقويم سلوك المجتمع المسلم بشرع الله، وحمل الرحمة للإنسانية جمعاء، وإيقاف تسلط الإنسان على الإنسان الذي هو مصدر الشر
стр. 6
والشرك في العالم، وتأمين حرية الإنسان في الاختيار، وتحقيق عبوديته لله، وتحريره من سائر العبوديات، وفي ذلك استرداد لإنسانيته، وتحقيق لكرامته، التي تميزه عن سائر المخلوقات.
стр. 7
الفصل الأول
التغيير ضرورة وغايةً
بيان السنة ضرورة التغيير
إن منهج الإسلام في بناء المسلم عقيدةً وسلوكا لا يرمي إلى أن يجعله صالحاً في نفسه فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى أن يجعله الصالح المصلح، فيه يتحقق الوجود المتمكن للأمة المسلمة، وبه ترتقي الأمة من طور الاتصاف (بالإسلامية) انتساباً إلى أفق (المسلمة) سلوكا ووجودا.
المسلم الصالح في نفسه فحسب، به تكون الأمةُ الإسلامية، ولا تقوم به الأمة المسلمة، فإنَّ المسلمة أمة صالحة في نفسها مصلحة ما حولها. ومن ثمَّ كانت دعوة الإٍسلام رامية دائماً إلى الصلاح والإصلاح معاً، ولن يكون إصلاح البتة إلا بتحقق الصلاح الذاتي وتمكنه.
يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٧١) .
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: ١٣٢) .
стр. 8
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:٤٠ـ ٤١) .
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: ٦)
في تلك الآيات وغيرها يمتزج الصالح بالمصلح ليشكل كنه المسلم الذي به تقوم الأمة المسلمة، التي لا تستقيم حركة الحياة بغير قيادتها وريادتها.
وفي السنة أحاديث كثيرة، يمتزج فيها الصلاح بالإصلاح:
стр. 9
عن درة بنت أبي لهب، قالت: «قام رجُلٌ إلى النبيَّ ﷺ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله! أيَّ الإسلام خير؟ فقال ﷺ : خير الناس أقرؤهم وأتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم» . امتزج الصلاح الذَّاتي (أقرؤهم وأتقاهم) بالإصلاح الجمعي (آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم) ، فليس (الإقراء) حسن التلاوة والحفظ فحسب، بل هو إلى ذلك أيضا: حسن فقه ما يقرأ، وحسن تطبيقه وطاعة ما به أمر وعنه نهي.
فالأمة المسلمة لا يكون المرء فيها صالحاً في نفسه، منصرفا عن غيره، مشتغلا بحاله، بل هو صالح في نفسه، ومصلح لما حوله ثانيا: إنسانا وكونا.
والحق جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس بصلاحها وإصلاحها معاً: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠) .
стр. 10
فهي أمة أخرجت للناس، أي لما فيه صالحهم، وقد جعل قوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ... إلخ شرط هذه الخيرية، وبيان كونها أخرجت للناس ولمصلحتهم. وقد فقه الصحابة ﵃ ذلك فقها بالغاً، فتحققت بهم فقها وسلوكاً الأمة المسلمة، كما يحبها الله تعالى: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لو شاء الله لقال (أنتم خير أمة) فكنا كلنا ولكن قال (كنتم) فهي خاصة لأصحاب محمد ﷺ ومن صنع صنيعهم، قوله (من صنع صنيعهم) : بيان أن من تحقق فيه كما تحقق في أصحاب النبي ﷺ من الصلاح والإصلاح في القرون التالية إلى يوم القيامة، فهو منهم.
وقد فسرها أبو هريرة أيضا تفسيرا كاشفا عن حقيقة هذه السِّمة الرافعة للأمة من طور (الإسلامية) ، إلى أفق (المسلمة) :
روى البخاري عن أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس: تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام.
стр. 11
ليس في هذا دعوة إلى إكراه الناس على الإسلام، وقسرهم عليه، فإن سيدنا أبا هريرة أفقه وأحكم من أن يفسرها تفسيراً يصطدم مع قول الله تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦) .
ولكنه فسرها تفسير أهل الحكمة والبلاغة العالية: إنه يريد، إنكم تكونون خير الناس للناس، إذا ما دعوتموهم إلى الإسلام بالحكمة والقدوة والأسوة والسلوك الملتزم هدي الله تعالى في كل حال، وبالحلم والأناة والصبر والمصابرة فتأسرونهم وتأخذون بمجامع قلوبهم وعقولهم فقهاً وسلوكاً، فينقادون لكم وللدخول في الإسلام إعجاباً واقتناعاً، كانقياد الأسير المغلول في السلاسل، فهو أسر دعوة وقدوة وأسوة، لا أسر أغلال وأصفاد، فسيدنا أبو هريرة عليم بأن قسر امرئ على عقيدة ما، لا يكون خيراً له، ولو أنه أراد ظاهر عبارته لكان صدرها متناقضاً مع عجزها، كما لا يخفى، وأبو هريرة، أحكم من أن يختلط عليه ما يقول.
стр. 12
ففي الآية بيان حقيقة الأمة المسلمة، وقوامها: فعل الخير والدعوة إليه والإعانة عليه، وترك الشرِّ والنهي عنه، حتى تستقيم حركة الحياة، فإن بذلك بقاء الحياة وصلاحها، ولذلك جعل النبي ﷺ الحياة في هذه الأرض كمثل الحياة في سفينة تمخر عباب البحر، لا نجاة لها، ولمن فيها، إلا بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والأخذ على أيدي المفسدين.
стр. 13
بيان السنة ضرورة التغيير
عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها، إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادُوا هلكُوا جميعا، وإن يأخذوا على أيديهم، نجوا ونجوا جميعا» .
الصورة التي يقدمها النبي ﷺ لواقع الحياة على هذه الأرض، وعلائق الناس فيها، ببعضهم، ومسؤوليتهم في الحفاظ على بقائها وصلاحها صورة منتزعة من واقع مشاهد، لا يتأتى لأحد أن يجادل، أو يتوقف فيه البتة، فلن يكون منه إلا التسليم بما ينتهي إليه التصوير والمقارنة والموازنة، من هدي يأخذ بأيدي الناس إلى التي هي أهدى وأقوم، اقتناعا واطمئنانا، فينقادون إليه انقياد ذي الأغلال، إلى خير، يرمى به إليه.
стр. 14
يشبه الرسول ﷺ ، القائم على حدود الله تعالى، المراقب لها، الواقف عند حماها في جميع شأنه، والواقع فيها، الراتع المنهمك المستمر في انتهاكها، فلا يرعوى، يشبه هذين الصنفين ـ وفي رواية لأحمد يضيف إليهم المداهن في حدود الله. المصانع المنافق، المزين لانتهاك الحرمات، الساكت عن ذلك. الانتهاك، تحت ستار الحرية ـ يشبه هذه الأصناف الثلاثة وعلائقهم ببعضهم على ظهر هذه الأرض، بقوم شاءوا السفر في سفينة تمخر عباب البحر، فكان بينهم استهام المنازل واقتسامها، فكان لبعضهم أعلاها، وكان لبعضهم أسفلها، وهو أوعرها وشرها كما في رواية لأحمد ـ وكذلك منازل الناس في الحياة على هذه الأرض ـ وكان الذين في أسفلها في حاجة إلى أن يستقوا ماءً، فإذا استقوا مرّوا على من فوقهم، النازلين اقتراعاً أعلى السفينة، فكان ضرورة أن يَصُبّّ الأسفلون عند مرورهم على الأعلين، فتأذى الأعلون، وفي رواية للترمذي وأحمد «فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا» فثقل ذلك على الأسفلين: كما في رواية لأحمد «فقال الأسفلون: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا فاستقينا منه ولم نمرَّ على أصحابنا فنؤذيهم» ،
стр. 15
وفي رواية للبخاري: «فأخذ فأساً فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: ما لك؟ فقال: تأذيتم بي ولابد لي من الماء» وهنا برز صنيع المداهنين المصانعين، الذين يبغون الفتنة في الأرض، تحت شعار الحرية الشخصية، فقال بعضهم كما في رواية للإمام أحمد: «إنما يخرق في نصيبه» ، وقال الآخرون: لا، فإن أخذوا على يدي ذلك الخارق، ولم ينخدعوا بمقاله المداهن، الرافع شعار ((الحرية الشخصية)) نجا الجميع، وإِن تركوه يخرق في نصيبه خرقاً هلكوا جميعاً.
هذا التفصيل لوقائع الأحداث في المشبه به (أصحاب السفينة) يشير إلى وقائع مثلها في حياة الناس، في هذه الأرض.
والرسول ﷺ اختار موقع أحداث المشبه به سفينة، وهو مكان دال على عظيم تعرضه للمخاطر الجسام، التي لا تخفى، ليهدي الناس إلى أنَّ هذه الأرض، وما عليها، لا تقل تعرضاَ للمخاطر الجسام عما تتعرض له السفينة في بحر لجيَّ، قد تكون خطايا بعض ساكنيها سببا لهلاك جميعهم حين لا يأخذون على أيديهم.
стр. 16
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: ٢٤ ـ ٢٥) .
стр. 17
هذه الصورة الكلية التي رسمها النبي ﷺ ، ببيانه الحكيم تجمع بين واقعين متشابهين متماثلين: واقع ممتد عبر الحياة زماناً ومكانا، هو واقع القائمين على حدود الله، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وواقع الواقعين فيها، التاركين للمعروف، المرتكبين للمنكر، وواقع المداهنين المصانعين في الحق، الساكتين على الشر، يقابل ذلك الواقع واقع قريب إلى الأذهان والأبصار لا يكاد يغفل عنه، أو يجهله أحد من الناس، هو صورة المشبه به: صورة تجعل المتلقي كأنه يرى الأحداث تجري أمام عينيه: يرى سفينة في بحر لجيّ، يقبل قوم على الإبحار فيها، ويرى تقاسم القوم، واستهامهم مواقع فيها، فإذا قوم في أعلاها، وقوم في أسفلها. هكذا تبدأ الأحداث، دون أن يكون فيها ما يخرجها عن سنن العدالة، وكذلك تبدو الحياة على الأرض، ثم تأتي ضرورات الحياة وحاجاتها، وأثرها في مجرياتها، وعلائق الناس بعضهم ببعض وفقا لمناهجهم في التعامل مع تلك الضرورات والحاجات ومن تكون عندهم، فالأعلون ممتعون بالاستقاء دونما حاجة إلى مرور على غيرهم، فتتحقق ضروراتهم وحاجاتهم دونما اصطدام بالآخرين وكذلك طائفة من الناس في هذه
стр. 18
الحياة.
والأسفلون يقتضي تحقيقهم ضرورات حياتهم ومصالحهم المرور على غيرهم والاصطدام بهم، فإذا هم أمام أمرين عظيمين:
· ضرورة تحقيق ضروراتهم وحاجاتهم.
· ضرورة الاتصال بالآخرين والاحتكاك ببعض شؤونهم.
وتلك حال الجمهرة الكاثرة من الناس في هذه الحياة، وهنا تكون الحكمة والحنكة، وتقدير الأمور بمقاديرها، وفقاً لما يقضي به حسن البصيرة والفراسة، واستبصار العواقب من الأسفلين، ومن شاكلهم، وهنا يكون الإيثار والصبر الجميل، والاحتساب والفضل من الأعلين، ومن شاكلهم.
الرسول ﷺ في هديه هذا يرسم لنا صورة لما هو الغالب على الطائفتين في الحياة: الأعلين والأسفلين، فلا أيثار ولا احتساب ولا فضل من الأعلين، ولا حكمة ولا حسن بصيرة من الأسفلين. فيصور لنا الأعلين، وقد تأذوا من مرور الأسفلين عليهم، والمرور حقهم وضرورة من ضروراتهم، فكان هذا من الأعلين غير حميد.
стр. 19
إِنَّ اقتسام الأشياء عدالة وارتضاء، لا ينفي أن يكون للآخرين بها بعض الحق ولو من وجه خفي، فليس الذي يملكه هذا، بِخال من حق الآخرين فيه، فكل أمر الإنسان وشأنه وماله من الموجودات حساً، ومعنى، لغيره فيه بعض الحق: جسده وعقله وقلبه، ماله وولده وعلمه، تقواه وقدره وجاهه ... إلخ.
وما يكون لأحد، ولا ينبغي له أن يتبرم من أن يستعمل الآخرون ما لهم من حق، فيما ملكت يده بفضل الله تعالى. وغير قليل من الناس تضيق نفوسهم حين يطلب الآخرون حقوقهم عندهم، فترتسم آيات الضجر على الوجوه، وقد تلفظ الأفواه كلماتٍ طاعنات، وقد تمتد الأيدي، بما يؤذي الطالبين حقاً لهم، وما ذلك بالمنهج الأمثل في الإسلام.
الأمثل إسلاماً، إظهار البشاشة والرضا، حين يطلب الآخرون حقوقهم، بل من حقهم على من تكون حقوقهم في أيديهم، أن يبثوا في نفوسهم رضاهم باستخدام حقهم المتعلق بما ملكت أيديهم، ويوحون إليهم، أن أخذه منهم أحبُّ إليهم، أو كمثل حبهم هم، أن يأخذوا ما لهم عند غيرهم، فقد هدى النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه» .
стр. 20
وفيما ذكره النبي ﷺ من حال الأعلين، تصوير لما يكون من بعض الأمة من دافعات إلى الخطايا، وإن كثيراً مما يقترفه الجاهلون، يحمل جمع من غيرهم أوزار حملهم عليه واضطرارهم للتردي فيه، بما يكون منهم، من أساليب حاملة على ذلك. منها ما هو مقصود، ومنها ما هو عن غفلة وجهالة.
من مسؤولية الأعلين ومن ضارعهم في الأمة، أن يعتصموا من حمل غيرهم على التردي في الخطايا.
الغني حين يمتنع عن أداء زكاة ماله، أو يتأخر في إخارجها، يحمل بعض الفقراء على التردي في بعض الخطايا: سرقة، أو استجداءً أو احتيالاً، فتُخرَقُ السفينة.
الزوج حين يحرم زوجه من بعض حقوقها الحسية والمعنوية، يحملها على أن تسقط في مستنقع النشوز أو الخيانة، فتُخرقُ السفينة.
الأب حين يحرم بنيه بعض حقوقهم، يحملهم، على التردي في هاوية العقوق، فتُخرقُ السفينة.
المعلم حين يحرم تلاميذه بعض حقوقهم، فلا يحسن إعداد نفسه علماً وصنعة، ولا يخلص في تعليمهم، يحمل بعضهم على أن يختلس العلم، أو يسرقه عند اختباره، فتُخَرقُ السفينة.
стр. 21
ولي الأمر الأعلى حيث يحرم شعبه حقه عليه، في أن يحكمهم بما شرع خالقهم، لا بما شرعه هو، وبطانته، يحملُ شعبه أو بعضه على أن يخرق السفينة خرقاً لا يكاد يصلح: يسقط حبه وهيبته والثقة فيه من نفوسهم، وتمتلئ القلوب والعقول كرهاً وادعاء خيانة، فيسهل على الدهماء الخروج عليه، فيفسدون في الأرض، فتُخرَقُ السفينة. والمسؤول عن ذلك هو ولي الأمر وبطانته، إذ منع شعبه حقه.. وإذا ما كان الدال على الخير كفاعله فإن الحامل لغيره على الشر كفاعله.. وما خرجت أمة قط على إمام عدل، فالعدل أساس الملك، ولا يكون عدل البتة إذا لم يك وفقاً لما أنزل الله .
إن الحكمة لتقتضي بأن ليس الصلاح أن لا تفعل الشر، بل وألا تحمل الآخرين عليه، بل وأن تعينهم على الاعتصام من التردي في خباله.
والرسول ﷺ يصور لنا حال الأسفلين في السفينة بين شقي الرحى: حاجتهم إلى الماء، وهو ضرورة الضرورات، وتأذي الآخرين من المرور عليهم.
فإذا بالبصائر تغشى فلا تقدر الأمور قدرها، ولا تتفرس في الواقعات عواقبها، فينظرون في أخف الضررين فيحتملونه.
стр. 22
وقد كشف لنا النبي ﷺ ما هو غالب على الدهماء حينذاك: الافتتان بحق الملكية والحرية الشخصية، التي يظن أنها المطلقة اليد، تفعل فيما تملك ما تشاء، فيرين على الألباب، ما يطمس نورها، فتهتف الضلالة فيهم: «لو خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا» .
كلمات تقال، تحمل في ظواهرها طيب المقاصد، وحسن الدوافع (في نصيبنا) (لم نؤذ من فوقنا) كلما فاتنة، تلقي بالغشاوة على البصائر فلا تنفذ في عقبى الأشياء، ولكن من تحت تلك الكلمات الطامة، التي لا تبقي ولا تذر.
كلمات هي أصل الداء، وجرثومة الفساد، في كثير من الحياة. كلمات يغشى بريقها البصائر فلا تفقه كنهها، ولا يفقه قائلوها فلسفة الامتلاك في الإسلام: ليس المرء بمطلق اليد فيما يملك بفضل الله تعالى. ثم يزعم أنه يفعلها لكيلا يؤذي غيره، وهو في حقيقة فعله لا يؤذي فحسب، بل هو يدمر ويمحق.
حين يستقيم تصور الإنسان حقائق الامتلاك في الإسلام، تستقيم حركته وسلوكه فيما يملك، فيعلم أن لحرية التصرف فيما ملكه الله تعالى، حداً يقف عنده، لا يتعداه، لأن في تعديه ضربا من الاعتداء على الآخرين.
стр. 23
«عن سمرة بن جندب أنه كانت له عضدُ من نخله في حائط رجلٍ من الأنصار، قال ومع الرجل أهله. قال فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه، فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبى، فأتى النبي ﷺ ، فذكر له، فطلب إليه النبي ﷺ أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبى، قال: ((فهبه له، ولك كذا وكذا)) أمراً رغبة فيه فأبى، فقال: ((أنت مضار)) فقال رسول الله ﷺ للأنصاري: ((اذهب فاقلع نخله» .
فهدى النبي ﷺ إلى أنَّ حرية تصرف المرء فيما يملك غير مطلقة، بل تحكمها ترك المضارة، سواء ما كان منها جهالة، وما كان منها عمداً.
стр. 24
إن حال أهل السفينة كما صوره الرسول ﷺ من الجلاء والبديهة العقلية والمسلمة الفطرية ما يجعله بعيداً عن الجدال، أو التوقف فيه، وهذا ما يجعل إقامته مقام المشبه به حال الدنيا ومن فيها: علائق ومسؤولية، حقاً وواجباً، أمراً يستوجب التسليم المطلق، بأن حكم العقل في حال الدنيا، ومن فيها، حكم السفينة وأهلها: علائق ومسؤولية، وحقاً واجباً، وأن التوقف في ذلك خطيئة عقلية تقذف بصاحبها خارج أفق الإنسانية، فإذا بالرسول ﷺ من بعد أن أبان علاقة القائمين على حدود الله في الدنيا، بالواقعين فيها، وبالمداهنين، قد أقام الحجة على كل ذي عقل، أنَّ صلاح المرء في نفسه غير كاف، بل فريضة عليه أن يكون صالحاً، وأن يكون مصلحاً ما حوله، قائماً بالاحتساب والرقابة الراشدة على ما حوله، فلا يدع أيدي العابثين ممتدة بالشر.
стр. 25
فأقام الإنسانية أمام فريضة تغيير المنكر، ومنع أهله منه، والأخذ على أيديهم أيَّا كانت نياتهم ومقاصدهم، قياماً لا تستطيع الفكاك منه، والتخلي عنه، أو التوقف فيه؛ لأن في هذا التوقف والتخلي إخراجاً لها من أفق الإنسانية المسلمة وقذفا بها في حمأة الجاهلية وخبالها.
وهو ﷺ باختياره عناصر المشبه به على هذا النحو، أبلغ في هدي الأمة إلى أنَّ فريضة تغيير المنكر ضرورة حياة، لا ينظر فيها إلى دوافع فعل المنكر ونوازعه، فإن كثيراً من الماحقات قد يكون مبعثها حسن نوايا الجاهلين الحمقى.
إن حسن النية وحده، لا يثمر خيراً ولا يهدي إليه، إلا إذا كان هذا الحسن ثمرة علم وفقه، وحكمه وبصيرة، فأغلق بذلك البيان الباب، في وجه من يتوانى عن تغيير المنكر الواقع اغتراراً بحسن نوايا فاعليه.
وأغلقه في وجه من يتوانى عن التغيير، اغتراراً بالحرية الشخصية، التي بدت في قول المداهنين ((إنما يخرق في نصيبه)) .
стр. 26
هذه المقابلة الإبليسية (إنما يخرق في نصيبه) إنما يرفعها لواءاً جمهرة من المداهنين المرجفين في المدينة، يدلسون بهذه الأغلوطة الإبليسية (الحرية الشخصية) على الدهماء، الذين يلهثون خلف كل ناعق، بما يرفع عنهم تكاليف الصلاح والإصلاح، ويبهرج لهم أغلوطاته، بما تشتهيه نوازع الحيوانية فيهم. فما من مذهب فلسفي أو سياسي أو اجتماعي أو فني، أراد أن يضرب في الأمة المسلمة فيوهي بنيانها، فيصرف الناس عن الاستمساك بالهدي، إِلا رفع شعاراً (أغلوطة) الحرية الشخصية: إنما يخرق في نصيبه.
هذه المذاهب وإن تغايرت وتناحرت فيما بينها، منهجاً وحركة، فالذي يوحد بينها الرغبة الجموح، في صرف الناس عن التعاون على تحقيق الوجود المتمكن للأمة المسلمة، فلا تجد فتنة في الناس أسرع وأنكى من أغلوطة الحرية الشخصية.
جاء في ميثاق إِبليس: بروتوكولات حكماء صهيون:
стр. 27
((كذلك كنا قديماً، أول من صاح في الناس: ((الحرية والمساواة والإخاء)) ، كلمات ما انفكت ترددها منذ ذلك الحين ببغاوات جاهلة، متجمهرة من كل مكان حول هذه الشعائر، وقد حرمت بترددها العالم من نجاحه، وحرمت الفرد من حريته الشخصية الحقيقية، التي كانت من قبل في حمى يحفظها من أن يخنقها السفلة)) .
((إن كلمة (الحرية) تزج بالمجتمع في نزاع مع كل القوى حتى قوى الطبيعة وقوة الله)) .
وإذا ما كان النبي صلى الله علي وسلم قد هدى حين أخبر أنه ستكون فتنةُُ، فسأله الصحابة: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله» ، وهو ما استند إليه وإلى غيره من آيات الله والحكمة، أهل العلم والدعوة فتنادوا مخلصين: الإٍسلام هو الحل، إذا ما كان ذلك فإن المرجفين في الأمة الساعين في الأرض فساداً يرفعون شعاراً ((الليبرالية هي الحل)) على الرغم من أن ((الليبرالية قد اتخذت الحرية المطلقة الأساس شبه المقدس لها)) ، ومن الحرية اشتق لها اسمها الكاشف عن حقيقتها وكنهها.
стр. 28
ما ((الليبرالية)) في حقيقتها إلا رفض سلطة الدين في شؤون الحياة عقيدة وشريعة ومنهج حياة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وإن حاول بعض دهاقنتها، خداع الدهماء، في بيان حقيقتها، بما لا ينفرهم منها، فيبهرجونها في بادئ الأمر لهم ولا يقدمون لهم، في مفتتح دعوتهم لها، ما يمكن أن تنتبه له بعض عقول الدهماء فينصرفوا عنها.
يزعم دهاقين ((الليبرالية)) الخارجة من عباءة ((الماسونية)) ، أن ((الليبرالية)) دعوة إعلاء شأن الفرد وحريته في الاختيار، والانتماء، والملكية، والقرار، وحقه في المشاركة في عقد اجتماعي، يرتضيه في ظل مجتمع، يوفر كافة ضمانات الحرية بأشكالها الديمقراطية والتوازن الطبيعي في المجتمع)) .
стр. 29
كلمات يغشون بها على عقول كثير من الدهماء، فيتمكنون منهم ويسعون بهم إلى تقويض الوجود المتمكن للأمة المسلمة، ومن خلال تبني سياستهم القائمة على ((إطلاق الحرية الدينية كاملة، وعادلة، ومتساوية، وبلا انحياز، وأن الدولة مهمتها توفير الحرية لكل الأفراد، وحماية مصالحهم المدنية (كذا) وملكياتهم الخاصة، وعلى السلطة عدم التدخل في الشؤون الدينية إلا إِذا كانت بعض الأعمال التي يقوم بها أصحابها بدعوى الدين، تعد محرمة أو مجرمة أصلاً لأسباب غير دينية)) .
стр. 30
هكذا تكشف ((الليبرالية)) في دهاء يمزج السم بالعسل عن هدفها الأعظم، فهي تؤمن وتدعو إلى أن ترفع الدولة يدها عن شؤون الدين الذي تعتنقه جمهرة الأمة، فلا تنفق عليه من بيت المال شيئاً، فيتساوى عندها الإسلام، وسائر الديانات والمعتقدات، ولا يكون للدولة معتقد، تتبناه وتدعو إليه، فالليبرالية تدعو إلى ((أن يبقى الدين علاقة بين الإنسان وربه)) لا يتعدى مجاله ما يعرف عند الدهماء بالطقوس الدينية في مناخاتها الزمانية والمكانية، لا يتجاوز بها المسلم مسجده أو منزله، وإلا كان خرقاً في ((الليبرالية)) يجب على الدولة أن تأخذ على أيدي من تسول له نفسه أن يفعل. وهم بذلك لا يبيحون للسلطة الحاكمة أن تنفق على أمر من شؤون الدين من الخزانة العامة، وبدعوى أن الدين من الشؤون الشخصية للأفراد، ينفق عليه من يعنيه ذلك، وليس من شؤون السلطة والدولة، وفي الوقت نفسه يجعلون مسؤولية الدولة العناية بما يسمى فنوناً وثقافة عالمية على اختلاف أنواعها وأهدافها، ويلزمون الدولة الإنفاق عليها من الخزانة العامة، وما ذاك إلا أن في تلك الفنون تحقيقاً لغاياتهم من تقويض الوجود المتمكن للأمة المسلمة.
стр. 31
ودعاة ((الليبرالية)) يتسللون من دعوة عدم التدخل في الشؤون الدينية من قبل الدولة إنفاقاً ورعاية، إلى وجوب تصديها بالردع، إذا كانت بعض الأعمال التي يقوم بها أصحابها بدعوى الدين، تعد محرمة، أو مجرمة أصلاً، لأسباب غير دينية، فهم يوجبون ـ تحت هذا الستار ـ مصادرة كل ما يستشعرون فيه اقتراباً من هيمنتهم على سُدَّة الحكم، بدعوى أن في هذا اعتداء على حرية الأفراد، أو دعوى التطرف.. إلى آخر تلك الأستار، فكل ما لا يتناسق مع أهوائهم وأهدافهم، يكون عندهم من الممارسات الدينية المحرمة، أو المجرمة، لأسباب غير دينية، أمَّا ما كان محرماً لأسباب دينية جاءت بها الشريعة، فلا دخل للسلطة فيها، لأنها لن تمس أهدافها في تقويض الأمة المسلمة، وهم يطلقون وصف التحريم والتجريم، للممارسات الدينية، لأسباب غير دينية، ليتأتى لهم الحكم به على كل ما لا يروق لهم، من شؤون الممارسات الدينية لدى المسلمين، فتتحول كثير من الحقوق الدينية المشروعة للمسلمين مما جاء به الكتاب والسنة أعمالاً محرمة أو مجرمة لأسباب غير دينية تستوجب ((الليبرالية)) على السلطة الحاكمة التصدي لهذه الممارسات الدينية المشروعة أو
стр. 32
المفروضة بالكتاب والسنة، وبهذا تتعانق ((الليبرالية)) مع عدوها اللدود ((الماركسية)) التي تتستر الآن بعد انهيار الشيوعية العالمية تحت ستار ((اليسار)) ، فيدعوان إلى التصدي لكثير من الممارسات الدينية المشروعة بالكتاب والسنة.
وهذا الذي ينطلق منه دعاة الحرية الشخصية المطلقة التي هي الأساس المقدس لليبرالية، إنما هو عين ما جاء به ميثاق إبليس ((بروتوكولات صهيون)) : ((إنَّ كلمة الحرية التي يمكن أن تفسر بوجوه شتى سنجدها هكذا: ((الحرية حق عمل ما يسمح به القانون)) تعريف الكلمة هكذا، سينفعنا على هذا الوجه: إذ سيترك لنا أن نقول: أين تكون الحرية، وأين ينبغي أن لا تكون، وذلك لسبب بسيط هو القانون، لن يسمح إلا بما نرغب نحن فيه)) .
стр. 33
ودعاة ((الليبرالية)) يتسللون من خلال الخداع بأغلوطة حرية الفرد في الاختيار والانتماء والملكية والقرار، إلى حرية الطعن في الدين باعتبار أن الدين ليس حقًّا شخصيَّا لفرد معين، يعد الاعتداء عليه، والطعن فيه، اعتداء على الآخرين، وباعتبار أنَّ الدين موروث قابل للنظر فيه، والنقد له، وهم في محاولتهم خرق السفينة، بل إغراقها يعملون في كل جانب، وفي آن واحدٍ، معتصمين في كل هذا بميثاق ((إبليس)) : ((برتوكولات حكماء صهيون: يجتهدون في الاستهزاء بالسنة وأهلها وقرنها بالخرافات وعدم صلاحيتها لتقدم الأمة، ويضربون بها عرض الحائط لأنها لا توافق أهواءهم وأهدافهم، فيخرقون في السفينة خرقاً ماحقاً لا يبقي ولا يذر.
ومنهم من يجتهدون في التضليل فيعمد إلى القرآن يقول فيه مقالة مارق، وهي شنشنة تعرفها الحياة الثقافية منذ ((طه حسين)) في كتاب ((في الشعر الجاهلي)) ومحمد أحمد خلف الله في ((الفن القصصي في القرآن)) وتغريد عنبر في ((دراسة أصوات المد في التجويد القرآني)) حتى نصر أبي زيد في كل ما قذف به حياتنا الثقافية، يخرق به في سفينة الأمة خرقاً مبيراً.
стр. 34
يقول نصر أبو زيد: ((إن النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي، والمقصود بذلك أنه تشكل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاماً، وإذا كانت هذه الحقيقة تبدو بديهية ومتفقاً عليها (كذا!!) فإن الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية ويعكر ـ من ثم ـ إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص)) .
ويقول نصر أبو زيد: ((إن كلام الله قد تجسد في شكل ملموس في كلتا الديانتين: تجسد في المسيحية في مخلوق بشري هو المسيح، وتجسد في الإسلام نصًّا لغويًّا في لغة بشرية هي اللغة العربية، وفي كلتا الحالتين صار الإلهي بشريًّا أو تأنسن الإلهي، واللغة العربية في الوحي الإسلامي تمثل الوسيط الذي تحقق فيه وبه التحول، ويتمثل اللحم والدم ـ مريم ـ الوسيط الذي تحقق التحول فيه وبه في المسيحية)) .
стр. 35
ويقول: ((وإذا كان الفكر الديني الإسلامي ينكر على الفكر الديني المسيحي توهم طبيعة مزدوجة للسيد المسيح، ويصر على طبيعته البشرية، فإن الإصرار على الطبيعة المزدوجة للنص القرآني وللنصوص الدينية بشكل عامٍ، يعد وقوعاً في نفس التوهم، وينتج التوهم في الحالتين عن إهدار الحقائق التاريخية والموضوعية الملابسة للظاهرة)) .
وهذا قليل من كثير يحاول به خرق السفينة وإغراقها، وآيات الإضلال والإرجاف فيما نقلناه عنه ذات جلاء لا يتوقف معه أحد في إدراك فداحة ما يرمي إليه القائل وأمثاله.
стр. 36
وهو فوق هذا لا يرضى أن تكون علاقة الإنسان بالله تعالى علاقة العبد بسيده، لأن هذا عنده يجعل الإنسان مغلولاً دائماً بمجموعة من الثوابت التي إذا فارقها حكم على نفسه بالخروج من الإنسانية، وليست هذه الرؤية ـ كما يقول ـ معزولة تماماً عن مفهوم ((الحاكية)) في الخطاب الديني السلفي المعاصر حيث ينظر لعلاقة الله بالإنسان والعالم من منظور علاقة السيد بالعبد الذي لا يتوقع منه سوى إذعان ـ كما يقول ـ وهو لا يرضى أن يذعن لله، ومن ثم يهتف في الناس حاثاً على الثورة على الله، وعلى القرآن قائلاً: ((قد آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرر، لا من سلطة النصوص وحدها، بل من كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان في عالمنا. علينا أن نقوم بهذا الآن، وفوراً قبل أن يجرفنا الطوفان)) .
стр. 37
وهم يرفضون أن يحكم الوحي على الواقع وأن يحتكم إلى النص، لأن الاحتكام إلى النصوص الدينية في المسائل الاجتماعية والسياسية لا يؤدي إلى ما يرونه خيراً لهم.. يقول ((عبد العظيم أنيس)) : ((إن أي إصلاح ديني حقيقي في ظروف اليوم، ونحن على أبواب القرن الواحد والعشرين، والكرة الأرضية بسبب ثورة الاتصال، تكاد أن تتحول إلى قرية كونية كبيرة، وفي عصر ميثاق حقوق الإنسان العالمي، أقول أي إصلاح ديني حقيقي لا بد ـ كنقطة بدء أن يتخلى عن فكرة تحكيم النصوص الدينية في المسائل الاجتماعية والسياسية ... )) .
وذلك إيماناً بما أعلنه د / حسن حنفي من أنه ((احتمينا بالنصوص، فدخل اللصوص)) ، وهو الذي ينادي متسائلاً في سخرية:
((لماذا يكون الله أفضل من الإنسان؟ ولماذا نقول حقوق الإنسان ولا نقول حقوق الله؟ لماذا يحكم الوحي على الواقع؟ ولماذا لا يحكم الواقع على الوحي؟)) .
هكذا يخرق في السفينة خرقاً ماحقاً.
стр. 38
ويأتي آخر يصدر ديوان شعر أسماه (آية جيم) يجعله خمسة فصول أو قصائد، يسمى كل قصيدة أو فصلاً (سورة) ويصدر الديوان بقوله: ((أعوذ بالشعب من السلطان الغشيم باسم الجيم) ، وكل ما فيه لا يعدو أن يكون خبالاً، كلا بل هو كيد شيطان رجيم، لا يتأتى لأحد في رأسه ذرة عقل أن يزعم أن فيه من الشعر أو النثر أو قول عاقل شيئاً.
ومن هُذائه أن كل ما عداه قد غبن حرف ((الجيم)) ، فجاء منصفاً له من غبن الله، ومن غبن العالمين، يقول:
((ثم كيف لم تفطنوا أيها الأدباء الفصحاء إلى أنه حتى في التراث الفصيح لم يضطهد حرف مثلما اضطهدت ((الجيم)) ، وإلا فدلوني أيها الشعراء النحارير على جيمية محترمة في الشعر العربي كله......
ولعل ما قيل عن الشعر يصدق بفصَّه ونصَّه على القرآن الكريم فلسَّر ما كرَّم القرآن حروفاً كثيرة ليس ((الجيم)) من بينها: كَّرم الصاد والقاف والنون وكذلك الألف واللام والراء، ولكن أحداً لا يعرف على وجه اليقين لِمَ غَبَنَ (كذا) الجيم حقها، وهي التي ترمز إلى ركن إسلامي ركين وهو الحج...... وإذا ما تركنا القرآن الكريم إلى ميدان المعاني العامة ألفينا الحقائق نفسها تقريباً)) .
стр. 39
هكذا يغبن الله ﷻ والعالمون حرف ((الجيم)) عند هذا المرجف في المدينة، ويأتي هو لينصفه من الله الغابن ـ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً ـ ذلك أن هذا الجيم عنده ((ليست مجرد حرف ما في أبجدية ما، بل هي أبجدية قائمة بذاتها. إنها سر الوجود وكماله الشخصي، ذلك أن الوجود جيمي بطبعه، فهيهات لشيءٍ أو شخصٍ بغير فضل الجيم أن يوجد، فلتخضعوا إذن لقانون الجيم..... ذلك أن كل عبارة بل كل كلمة بل كل حرف لا يفلت مهما حاول من صبغة جيمية كامنة.... .
ولأن أطماعي كأجيامي لا حد لها، فإنني لن أرضى بأقل من أن يعمد كل من كان اسمه خالياً من حرف ((الجيم)) إلى تجييم اسمه ليصبح ((عليّ)) جليًّا، ويصبح ((كمال)) جمالاً، أما من كان اسمه مزداناً بحرف الجيم ... فيعمد إلى أن يجعل بقية الحروف كلها أجياما، فيحدث لأول مرة في تاريخ اللغات أن تتوحد الأسماء بينما تتمايز المسميات)) .
كذلك يكون الإبداع الشعري معولاً يخرق السفينة بل إعصاراً يحرق السفينة ومن فيها.
стр. 40
وأدهى من ذلك وأمّر ما ختم به (تلموده) وأسماه ((السورة الخامسة)) ((الجيم تجرح ((، فقد أخرجها على نحو يستدعي إلى عقل القارئ نمط بناء السورة القرآنية، يستفتحها قائلا: ((أعوذ بالشعب من السلطان الغشيم باسم الجيم والجنة والجحيم ومجتمع النجوم أنكم اليوم ستفجأون...... ثم يقول: ((وما أدراك ما الجيم، فإذا مزجنا الأجيام مزجاً، ثم مخجنا جُرْجَهُنَّ مخجا، ثم مججناهن مجًّا، قل يا أيها المجرمون، إنكم اليوم لفي وجوم)) ......
ثم يختم سورته الخامسة، ويختتم ((تلموده)) قائلاً: ((الجيم جل جلالها.
صدق الحرف الرجيم)) .
لن يكون إجرام وافتراء على الله والقرآن كمثل ما قال في تلموده، ففاق أستاذه ((عبد الوهاب البياتي)) حين قال في ديونه: ((كلمات لا تموت)) :
الله في مدينتي يبيعُه اليهودُ
الله في مدينتي مشرَّدُ طرِيدُ
أراده الغُزاةُ أن يكونَ
لهم أجيرا شاعرا قوادا
يخدع في قيثاره المذهَّبِ العباد
لكنه أُصيب بالجنون
لأنَّه أراد أن يصون زنابق الحقول
من جرادهم أرادَ أن يكون))
следующие страницы →