Полный текст (167 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وهو فوق هذا لا يرضى أن تكون علاقة الإنسان بالله تعالى علاقة العبد بسيده، لأن هذا عنده يجعل الإنسان مغلولاً دائماً بمجموعة من الثوابت التي إذا فارقها حكم على نفسه بالخروج من الإنسانية، وليست هذه الرؤية ـ كما يقول ـ معزولة تماماً عن مفهوم ((الحاكية)) في الخطاب الديني السلفي المعاصر حيث ينظر لعلاقة الله بالإنسان والعالم من منظور علاقة السيد بالعبد الذي لا يتوقع منه سوى إذعان ـ كما يقول ـ وهو لا يرضى أن يذعن لله، ومن ثم يهتف في الناس حاثاً على الثورة على الله، وعلى القرآن قائلاً: ((قد آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرر، لا من سلطة النصوص وحدها، بل من كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان في عالمنا. علينا أن نقوم بهذا الآن، وفوراً قبل أن يجرفنا الطوفان)) .
стр. 37
وهم يرفضون أن يحكم الوحي على الواقع وأن يحتكم إلى النص، لأن الاحتكام إلى النصوص الدينية في المسائل الاجتماعية والسياسية لا يؤدي إلى ما يرونه خيراً لهم.. يقول ((عبد العظيم أنيس)) : ((إن أي إصلاح ديني حقيقي في ظروف اليوم، ونحن على أبواب القرن الواحد والعشرين، والكرة الأرضية بسبب ثورة الاتصال، تكاد أن تتحول إلى قرية كونية كبيرة، وفي عصر ميثاق حقوق الإنسان العالمي، أقول أي إصلاح ديني حقيقي لا بد ـ كنقطة بدء أن يتخلى عن فكرة تحكيم النصوص الدينية في المسائل الاجتماعية والسياسية ... )) .
وذلك إيماناً بما أعلنه د / حسن حنفي من أنه ((احتمينا بالنصوص، فدخل اللصوص)) ، وهو الذي ينادي متسائلاً في سخرية:
((لماذا يكون الله أفضل من الإنسان؟ ولماذا نقول حقوق الإنسان ولا نقول حقوق الله؟ لماذا يحكم الوحي على الواقع؟ ولماذا لا يحكم الواقع على الوحي؟)) .
هكذا يخرق في السفينة خرقاً ماحقاً.
стр. 38
ويأتي آخر يصدر ديوان شعر أسماه (آية جيم) يجعله خمسة فصول أو قصائد، يسمى كل قصيدة أو فصلاً (سورة) ويصدر الديوان بقوله: ((أعوذ بالشعب من السلطان الغشيم باسم الجيم) ، وكل ما فيه لا يعدو أن يكون خبالاً، كلا بل هو كيد شيطان رجيم، لا يتأتى لأحد في رأسه ذرة عقل أن يزعم أن فيه من الشعر أو النثر أو قول عاقل شيئاً.
ومن هُذائه أن كل ما عداه قد غبن حرف ((الجيم)) ، فجاء منصفاً له من غبن الله، ومن غبن العالمين، يقول:
((ثم كيف لم تفطنوا أيها الأدباء الفصحاء إلى أنه حتى في التراث الفصيح لم يضطهد حرف مثلما اضطهدت ((الجيم)) ، وإلا فدلوني أيها الشعراء النحارير على جيمية محترمة في الشعر العربي كله......
ولعل ما قيل عن الشعر يصدق بفصَّه ونصَّه على القرآن الكريم فلسَّر ما كرَّم القرآن حروفاً كثيرة ليس ((الجيم)) من بينها: كَّرم الصاد والقاف والنون وكذلك الألف واللام والراء، ولكن أحداً لا يعرف على وجه اليقين لِمَ غَبَنَ (كذا) الجيم حقها، وهي التي ترمز إلى ركن إسلامي ركين وهو الحج...... وإذا ما تركنا القرآن الكريم إلى ميدان المعاني العامة ألفينا الحقائق نفسها تقريباً)) .
стр. 39
هكذا يغبن الله ﷻ والعالمون حرف ((الجيم)) عند هذا المرجف في المدينة، ويأتي هو لينصفه من الله الغابن ـ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً ـ ذلك أن هذا الجيم عنده ((ليست مجرد حرف ما في أبجدية ما، بل هي أبجدية قائمة بذاتها. إنها سر الوجود وكماله الشخصي، ذلك أن الوجود جيمي بطبعه، فهيهات لشيءٍ أو شخصٍ بغير فضل الجيم أن يوجد، فلتخضعوا إذن لقانون الجيم..... ذلك أن كل عبارة بل كل كلمة بل كل حرف لا يفلت مهما حاول من صبغة جيمية كامنة.... .
ولأن أطماعي كأجيامي لا حد لها، فإنني لن أرضى بأقل من أن يعمد كل من كان اسمه خالياً من حرف ((الجيم)) إلى تجييم اسمه ليصبح ((عليّ)) جليًّا، ويصبح ((كمال)) جمالاً، أما من كان اسمه مزداناً بحرف الجيم ... فيعمد إلى أن يجعل بقية الحروف كلها أجياما، فيحدث لأول مرة في تاريخ اللغات أن تتوحد الأسماء بينما تتمايز المسميات)) .
كذلك يكون الإبداع الشعري معولاً يخرق السفينة بل إعصاراً يحرق السفينة ومن فيها.
стр. 40
وأدهى من ذلك وأمّر ما ختم به (تلموده) وأسماه ((السورة الخامسة)) ((الجيم تجرح ((، فقد أخرجها على نحو يستدعي إلى عقل القارئ نمط بناء السورة القرآنية، يستفتحها قائلا: ((أعوذ بالشعب من السلطان الغشيم باسم الجيم والجنة والجحيم ومجتمع النجوم أنكم اليوم ستفجأون...... ثم يقول: ((وما أدراك ما الجيم، فإذا مزجنا الأجيام مزجاً، ثم مخجنا جُرْجَهُنَّ مخجا، ثم مججناهن مجًّا، قل يا أيها المجرمون، إنكم اليوم لفي وجوم)) ......
ثم يختم سورته الخامسة، ويختتم ((تلموده)) قائلاً: ((الجيم جل جلالها.
صدق الحرف الرجيم)) .
لن يكون إجرام وافتراء على الله والقرآن كمثل ما قال في تلموده، ففاق أستاذه ((عبد الوهاب البياتي)) حين قال في ديونه: ((كلمات لا تموت)) :
الله في مدينتي يبيعُه اليهودُ
الله في مدينتي مشرَّدُ طرِيدُ
أراده الغُزاةُ أن يكونَ
لهم أجيرا شاعرا قوادا
يخدع في قيثاره المذهَّبِ العباد
لكنه أُصيب بالجنون
لأنَّه أراد أن يصون زنابق الحقول
من جرادهم أرادَ أن يكون))
стр. 41
كل ذلك وكثير غيره في مجالات عديدة، ومؤسسات رسمية وغير رسمية، يجاهد أصحابه، في أن يخرق في سفينة الأمة خرقاً، بل يجاهدون في أن يحرقوها حرقاً لا يبقي ولا يذر.
فكان فريضة على كل من يعلن أن في قلبه ذرة من إيمان بالله ورسوله ﷺ ، وانتساباً إلى الإسلام وأهله أن يقوم إلى تغيير هذا المنكر، وأن يأخذ على أيديهم من قبل أن يحرقوا أو أن يخرقوا: ولذلك قالها الرسول ﷺ مكلفاً محذراً: «فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا علي أيديهم نجوا ونجوا جمعياً» .
ولن تجد شأناً من شؤون الأمة الآن ديناً، ودنيا، إلا وجدت فيه من يجاهد أن يخرق، ومن يجاهد أن يحرق، فوضع الرسول ﷺ الأمة كلها في وجه أولئك المفسدين في الأرض، وحذرنا الدمار والهلاك الشامل للأمة، إذا نحن توانينا أو تقاعسنا أو تخاذلنا أو شغلتنا أموالنا وأهلونا عن ردع أولئك المرجفين في الأمة الساعين فيها فساداً وهم اليوم كُثْر، لهم من ذي سلطان عون، ولهم من الدهماء عجبٌُ.
стр. 42
((عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: «يا أيها الناسُ إِنكم تقرأون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الناس إِذا رأَوا الظالم فلم يأخذوا علي يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده» .
إن قول الله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ لا يستقيم فهمه على أنَّ المعنى فيه: الزموا صلاح أنفسكم، ولا شأن لكم بفساد غيركم، فإنهم لا يضرونكم في شيء فإِن فسادهم وبالُُ عليهم هم أنفسهم، وأنتم منه ناجون.
لا يصح أن يكون هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ لأن ذلك متناقض مع دلالات صريحة لآيات أخرى. ومن النصيحة لكتاب الله تعالى أن تفسر آياته بعضها في ضوء بعض وفي ضوء السنة. وهذه الآية من حقها أن تقرن بقول تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٢ ـ ١٠٣) .
стр. 43
قوله أولاً ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ يوجب أول ما يوجب صلاح الذات وكمالها. وقوله ثانياً: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ يوجب إصلاح الآخرين وإعانتهم على الكمال. ولذلك جاء قوله (جميعا) وقوله (لا تفرقوا) فلا يكفي أن يكون الإنسان معتصماً بحبل الله وحده دون أن يكون اعتصامهم به جميعاً.
الصحيح في فقه قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أن لمعناه مجالين: مجال علاقة المسلم بأخيه المسلم، ومجال علاقة الأمة المسلمة بغيرها من الأمم الأخرى.
стр. 44
أما المجال الأول فإن المعنى القويم: أنَّ عليكم أنفسكم بإصلاحها وتهذيبها وتثقيفها بثقافة الدعوة إلى الله فكراً وسلوكاً وتدريبها على حسن التعليم وحسن الصبر على الدعوة وابتلائها، والاحتساب لوجه الله، لتكمل خصال أنفسكم المسلمة، فإذا ما تحقق ذلك فإنه لن يضركم من ضل عند دعوتكم له إلى الحق بالحسنى، وإن كان قويَّا متسلطاً، فإنكم ستكونون بإصلاح أنفسكم على النحو الذي مضى، قد هذبتموها، وحصنتموها، ودربتموها فلا ينال منكم من ضل إذا اهتديتم إلى حسن إعدادها وتدريبها، وقيامها، بما عليها من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قولاً وسلوكاً.
أمَّا المجال الآخر: مجال علاقة الأمة المسلمة بغيرها من الأمم، فإنَّ المعنى إنكم يا أيها الذين آمنوا أمة واحدة، منفصلون عمن سواكم متضامنون، متكافلون فيما بينكم، فعليكم أنفسكم. عليكم أنفسكم فزكوها، وطهروها، وعليكم جماعتكم فالتزموها، وراعوها، ولا عليكم أن يضل غيركم إذا أنتم اهتديتم......
إن هذه الآية تقرر مبادئ أساسية في طبيعة الأمة المسلمة، وفي طبيعة علاقتها بالأمم الأخرى......
стр. 45
إن كون الأمة المسلمة مسؤولة عن نفسها أمام الله، لا يضيرها من ضل إذا اهتديت، لا يعني أنها غير محاسبة على التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينها أولاً ثم في الأرض جميعاً......
إن هذه الآية لا تسقط عن الفرد، ولا عن الأمة التبعة في كفاح الشر، ومقاومة الضلال، ومحاربة الطغيان، وأطغى الطغيان الاعتداء على ألوهية الله، واغتصاب سلطانه، وتعبيد الناس لشريعة غير شريعته، وهو المنكر الذي لا ينفع الفرد ولا ينفع الأمة أن تهتدي، وهذا المنكر قائم)) .
وإذا لم يقم كل منا أفراداً وأمة بتغيير هذا المنكر، فإن الدمار هو عقبى السوء، وذلك بينها الصديق عليه الرضوان بعد أن أشار إلى ضلال فهم الناس الآية فقال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده» .
فتغيير المنكر فريضة لأنه ضرورة حياة، به يتحقق للأمة وجودها الآمن، وإلا عمهم الله بعقاب من عنده: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: ٢٥) .
стр. 46
وقد فسرها ((ابن عباس)) ﵄ بقوله: ((أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمهم الله بالعذاب)) .
وقد جاءت أحاديث عدة تحذر سوء عقبى السكوت عن المنكر، والإعراض عن تغييره، أو الانشغال عن هذا التغيير.
«عن عائشة ﵂ قالت: دخلت على النبي ﷺ فغرفت في وجهه أن قد حضر شيء، فتوضأ وما كلم أحداً، فلصقت بالحجرة، أسمع ما يقول، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس، إن الله يقول لكم مُرُوا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تَدْعوني فلا أجيبكم وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم» .
((وعن عبد الله بن جرير عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يُغيروا عليه، فلا يغيروا، إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا» .
стр. 47
«عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّ أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك، أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض)) ، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله ﴿فَاسِقُونَ﴾ ثم قال: كلا، والله، لتأمُرُنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخُذُنَّ على يدي الظالم، ولتأطرنَّه على الحق أطراً، ولتقصرُنَّه على الحق قصراً» .
وفي رواية زاد: «أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعضٍ ثم ليلعَننّكم كما لعنهم» .
((عن جابر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أوحى الله إلى جبريل ﵇ أن أقلب مدينة كذا وكذا بأهلها، فقال: يا رب إنَّ فيهم عبدك فلاناً لم يعصك طرفة عين. قال: فقال: اقلبها عليه فإن وجهه لم يتمعَّر فيّ ساعةً قطُّ» .
стр. 48
وفي هذا دلالة باهرة على أن الاكتفاء بالصلاح الذاتي والاعتصام من مشاركة المفسدين إفسادهم، لا يقي المرء من الهلاك إلا إذا جمع إليه تغيير المنكر الواقع ممن حوله، بكل ما يمكن تغييره به فله النّجاءُ.
((عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن ـ وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أُخذوا بالسنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلَّط الله عليهم عدوّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم» .
هذه المهلكات الخمس، هي فينا شاخصة، تكاد تراها حيث وقع بصرك.
стр. 49
وإن من عهد الله ورسوله ﷺ الأخذ على أيدي الظالمين والمفسدين في الأرض، والمرجفين في المدينة، فإن لم نفعل سلَّط الله علينا عدواً من غيرنا وقد فعل، فأسامنا ذُلاَّ لم تشهد الأمة مثله منذ كانت.
إن تغيير المنكر، والأخذ على يد الظالم، وردع المفسدين، هي الفريضة الموءودة في أمتنا.
ولن تستقيم حياة أمة بغير القيام بها قياماً ناصحاً، فالتغيير ضرورة حياة، وهو في الإسلام لا يبتغى به إلى عرض من أعراض الحياة الدنيا.
إن غاية تغيير المنكر، تحقيق الوجود المتمكن للأمة المسلمة، لتأخذ بيد الحياة كلها إلى ما فيه خير الإنسان والوجود كله على هذه الأرض، فيعم السلام والخير تحت راية الإسلام الذي ارتضاه الله ـ تعالى ـ للعالمين ديناً.
стр. 50
الفصل الثاني
التغيير ضرورة وغاية
بيان النبوة وسائل التغيير
بيان المنكر الواجب تغييره: الحقيقة والشروط
بيان التغيير: حقيقته وشروطه
بيان المغيّر المنكر شروطه وآدابه
بيان الواقع في المنكر شروطه وأحواله
بيان وسائل التغيير: مراتبها وآدابها
تغيير المنكر باليد: أحواله وآدابه
تغيير المنكر باللسان: أحواله وآدابه
تغيير المنكر بالقلب: أحواله وآدابه
العجز عن التغيير باليد أو اللسان
إن وجود المنكر في المجتمع أمر طبيعي، لا يخلو منه مجتمع في أي حقبة من حقب الحياة، ولكن الذي ليس من الطبيعي أن يرى أبناء المجتمع المنكر، فلا يسعون إلى تغييره (!) ، وفي التغيير بقاءُ الحياة على النحو الذي يحبه الله عز وعلا.
ولما كانت غاية تغيير المنكر عظيمة، وكان فريضةً وضرورة حياة، فإن النبي ﷺ قد بين منهاج التغيير وآلياته ووسائله، والضوابط والآداب، حتى لا تضل الأمة في قيامها بتلك الفريضة، فتسلك بها غير السبيل القويم، أو تتخذ وسيلة غير التي تكون لها.
стр. 51
وبيان النبوة لوسائل ((تغيير المنكر)) وضوابطه، يقيم الأمة على المحجة البيضاء ولا يبقي لها عذراً في التقاعس أو التكاسل عن القيام بهذه الفريضة، فكان البيان شافياً شاملاً، لا يكاد يفلت منه واحد من الأمة، مهما كان موقعه في الحياة، ومهما كانت قدرته واستطاعته، مما يدل على أن منزلة ((تغيير المنكر)) ، من مقومات شخصية المسلم، الذي به قيام الأمة المسلمة.
стр. 52
بيان النبوة وسائل التغيير
((عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (رواه مسلم) .
الرسول ﷺ في هذا الحديث الذي رواه ((مسلم)) والأربعة وأحمد قد بين السبل، التي يسلكها المرء إلى التغيير، فصدّوه بقوله: «من رأى منكم منكرا فليغيره» ثم بين آلات التغيير وسبله من بعد ذلك، ناظماً لها نظماً أولياً، فلا يتخلى المرء عن سبيل، إلى الذي بعده، إلا إذا أعذر نفسه، وأيقن أن ليس في طوقه القيام بالتغيير من خلال السبيل الذي ترك.
ولبيان ما هدى إليه الرسول ﷺ بياناً مفصلاً يجلّي الدقائق ويحرر القول ويفصل المشتجرات حتى لا يبقى عذر لمعتذر، سيكون بياننا على النحو التالي:
· بيان المنكر: حقيقته وشروطه.
· بيان التغير: حقيقته وشروطه.
· بيان المغَيَّر: شروطه وآدابه.
· بيان ذي المنكر وشروطه.
· بيان وسائل التغيير: شروطها وآدابها.
стр. 53
بيان المنكر الواجب تغييره: الحقيقة والشروط
كلمة (منكر) بضم الميم وسكون النون، وفتح الكاف (مُفْعَل) مثل (مُكرم) اسم مفعول من (أُنكرِ) المبني لما لم يسم فاعله، أي جُهِل ولم يعرف.
وقد اختلفت عبارة أهل العلم في بيان حقيقة المنكر، فمنهم من عرَّفه بما هو أعلى صوره، ومنهم من عرفه ببعض صوره، فلم تكن التعاريف كاشفة عن حقيقة وماهية المنكر الواجب تغييره.
ذهب ((أبو العالية)) إلى أن المنكر عبادة الأوثان، وهذا أعلى أنواع المنكر، ولا يتصور أنه يقصر حقيقته عليه، فإنه من العلم والحكمة بمكان عظيم.
ومساق الحديث من رواية ((أبي سعيد)) ، دالُُ على أن المنكر الذي قام رجل لتغييره، ليس من عبادة الأوثان، وإنما هو تقديم خطبة العيد على الصلاة.
ولذلك قال ((الفخر الرازي)) : رأس المنكر الكفر. فجعله رأس المنكر، وما عداه من الكبائر دونه وداخل في المنكر.
وقال الجصَّاص في ((أحكام القرآن)) : المنكر هو ما نهى الله عنه.
وقال الألوسي: المنكر المعاصي التي أنكرها الشرع.
وقال علي القاري: المنكر ما أنكره الشرع وكرهه ولم يرض به.
стр. 54
وقال الراغب الأصفهاني: ((المنكر كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة)) .
والذي نذهب إليه أن ((المنكر)) الذي يجب على الأمة تغييره، هو ما خالف الشرع كتاباً وسنة مخالفة قاطعة.
وسواء في هذا، أن تكون المخالفة لما أمر به الشرع إيجاباً أو لما نهى عنه تحريماً، وسواء كانت المخالفة تركاً بالكلية، لما أمر به الشرع أو زيادة عليه بغير نص، أو نقصاً منه بغير عذر، أو تغييراً فيه، أو تبديلاً في ذاته، أو فيما يتعلق به زماناً أو مكاناً أو كيفية أو وسيلة. فكل مغايرة ذاتية أو عريضة فيما أمر به الشرع هي منكر، ومثل ذلك تماماً المخالفة بالفعل لما نهى عنه، مخالفة كلية أو غير كلية.. إلخ.
وسواء في هذا ـ أيضاً ـ أن يكون الأمر أو النهي تصريحاً، أو تلويحاً، تفصيلاً أو إجمالاً.
стр. 55
تلك حقيقة المنكر الذي يجب على الأمة تغييره، وهو يشترط فيه شروط أهمها: *أن يكون المنكر متفقاً على إنكاره لثبوته بالكتاب أو السنة، بحيث لا يكون إنكاره محل خلاف بين أهل العلم الموثوق بهم من ذوي الاختصاص والتقوى فإن كان محل اجتهاد واختلاف، فليس مما يجب على الأمة تغييره، بل يكون لمن ذهب إلى أنه منكر على الراجح عنده وأن يدعو إلى تركه من باب النصيحة إلى ما هو الأعلى والأليق بالمسلم.
وغير قليل من أحكام الشريعة المستمدة من الكتاب والسنة بغير طريق العبارة والمنطوق، هو مناط اختلاف بين أهل العلم.
وكل ما أدى إلى منكر محقق هو نفسه منكر، يجب تغييره، فمن تيقن أن هذا العنب لا يزرع إلا ليصنع خمراً، كانت زراعة العنب بهذا الغرض منكراً فوجب تغييره، ومن تعلم الطب ليؤذي المسلمين، أو يكشف عورات نسائهم، كان تعلمه الطب منكراً، يجب تغييره ... إلخ
وتحقيق هذا الشرط من الأمور المهمة، التي قد يتساهل فيها بعض الناس، فإن تحقيقه على الوجه الصحيح، لا يكون إلا ممن جمع بين العلم والحكمة، إذ العلم يحقق له الوقوف على وجوه الدلالة في النصوص، ووجوه اصطفاءات الأئمة، والوقوف على دقائق العلم.
стр. 56
والحكمة تحقق له سعة الأفق، ونفاذ البصيرة، إلى عقبى الأحداث، فلا يغتر برأي فطير، عليه مسحة من زخرف القول، أو وهج الحماسة، واندفاع الشبيبة، بل يكون له من الحكمة والروية، ما يجعله يقف على حقائق الأشياء.
وإذا ما كان تحقيق الوقوف على ما اتفق عليه أئمة أهل العلم، وما اختلفوا فيه من الكدى التي لا يكاد يجتازها إلا الخاصة فكيف بتحقيق الحكمة مع ذلك؟ إنَّ غير قليل ممن استطاع التفوق في فقه الدين، فقه تصور، ليفتقر إلى كثير من الحكمة في توظيف هذا الفقه، توظيفاً مثمراً متناغياً مع الفطرة الصافية، وحركة الحياة المسلمة.
· أن يكون المنكر موجوداً متيقناً، ولذلك قال الرسول ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره» فقوله (رأى) دال على وجوب العلم بوقوع المنكر، علماً محققاً، أو بإقدام صاحبه عليه لا محالة، كأن يتيقن أنه يدبّر لقتل آخر أو لشرب خمر ... إلخ. وأن الشواهد والقرائن قاطعة بعزمه على إيقاعه، فإن من المنكر ما يكون تغييره بمنعه منه، قبل وقوعه، بأي سبيل من سبل المنع المشروعة، وهو في هذا يكون أقرب إلى النهي عن المنكر، منه إلى تغييره، فإن النهي أعم من التغيير.
стр. 57
ويستوي في المنكر الواجب على الأمة تغييره، أن يكون مما يتعلق بحق الله تعالى، أو بحق أحد من عباده، ويستوي ـ أيضاً ـ أن يكون ذلك المنكر قولاً أو فعلاً، كبيراً أو صغيراً، فكل ما أنكره الشرع يجب تغييره، وإن اختلفت وسائل التغيير.
وقد جاء لفظ المنكر في الحديث نكرة، ليكون عاماً، فإنَّ النكرة في سياق الشرط تعم، مثلما تعم، في سياق النفي ـ كما هو معلوم عند أهل العلم.
ويستوي في هذا أن يكون هذا المنكر واقعاً من كبير أو من صغير، ذكر أو أنثى، فلو أن صغيراً أراد أن يقتل، أو يشرب خمراً، أو أن يحرق ماله، فإنه يجب منعه، وإن كان غير مكلف، وكذلك المجنون، لو أقدم على منكر، منع منه ولا سيما منكراً يتعلق بحقوق الآخرين. فلا عبرة بمن يقع منه المنكر، بل العبرة بالمنكر نفسه، وتحقق أنه منكر لا رخصة لمن يفعله فيه. ولذا جاء المفعول الثاني للفعل (رأى) محذوفاً، ليدل على العموم، فكأنه قيل: من رأى منكم منكراً واقعاً من أحد من الناس.
стр. 58
ذلك ما يهدي إليه النصح لسنة رسول الله ﷺ تدبراً وتأويلاً، وليس صحيحاً ما ذهب إليه بعض الناظرين في الحديث من أنه مقيد بالنفس، ومن له عليه ولاية، فيكون التقدير من رأى منكم منكراً من نفسه، أو أهله، فيغيره، فيكون التغيير محصوراً جوازه في منكر واقع من نفس المغيّر أو أهله، الذين له عليهم ولاية، كما يذهب إليه مؤلفو كتاب ((مواجهة الفكر المتطرف في الإسلام)) فذلك غير صحيح ومن ورائه شر مستطير، إذا أنه يفتح الباب لمن ليس لأحد عليهم ولاية، كالسلطان الأعلى وبطانته، أن يقترفوا من المنكر ما شاءوا، فليس لأحد ـ بناء على اجتهاد أولئك المؤلفين ـ أن يغير منكرهم. وتلك التي لا يقول بها عاقل.
· أن يكون المنكر بواحاً ظاهراً، لا يحتاج اليقين بعلمه إلى تفتيش وتجسس، وسواء في هذا أن يكون ظهوره بذاته، أو بما اقترن به، من صوت، أو لون، أو رائحة ... إلخ. فكل منكر دلت عليه آياته ولوازمه، هو من المنكر الظاهر، الذي يجب تغييره.
أما إن كان المنكر خفيَّاً، يقترف سراً، فلا يستقيم التفتيش عنه.
стр. 59
((عن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمانُ قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتَّبع عوراتهم، يتَّبع الله عورته ومن يتَّبع الله عورته يفضحه في بيته» .
يقول ((الماوردي)) : ((ليس للمحتسب، أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات فإن غلب على الظنَّ استسوار قوم بها، لأمارة وآثار ظهرت، فذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة، يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه، أن رجلاً خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذا الحال، أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذراً من فوات ما لا يستدرك......
الضرب الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه، فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة، من دارٍ، أنكرها خارج الدار، ولم يهجم عليها بالدخول، لأن المنكر ظاهر فليس عليه أن يكشف عن الباطن)) .
стр. 60
وثمَّ منكرات أعظم أثراً في الأمة من غيرها كمنكر إشاعة الفتنة في الأمة لتقويض هيبة السلطان المسلم، والخروج عليه، وكمنكر استراق أسرار الدولة وأخبارها لنقلها للعدو، وكمنكر التآمر على إفساد اقتصاد الأمة، وثقافتها وعقيدتها، وصحة أبنائها، والتآمر على إشاعة الفاحشة في الأمة وتغييب عقول أبنائها، وتزوير، إرادة الأمة في اختيار ممثليها في المجالس النيابية، وغيرها، من المنكرات، ذات الأثر الجسيم المبير.فمثل هذه المنكرات يجب اتخاذ السبيل إلى تغييرها ومنعها من قبل وقوعها، وهو مما يبيت له بليلٍ، ولا يكون مجاهرة.
стр. 61
فالتجسس والتفتيش منهي عنه في المنكرات ذات الآثار الفردية الشخصية التي لا يكاد يتعدى أثرها الفادح إلى كثير من الآخرين، أما ما كان من المنكرات مبيراً ماحقاً عزة الأمة وقوتها، فذلك يجب اتخاذ السبل إلى تغييرها ومنعها من قبل وقوعها، فعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات: ١٢) ، وفي قوله ﷺ : «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا» إنما هو عموم نهي عن التجسس مخصص بما كان من المنكرات التي يكون أثرها فادحاً ومقوضاً لهيبة الأمة وعزتها، وسلامتها، بحيث يكون ذلك المنكر أعظم جرماً من التجسس.
تلك أهم شرائط المنكر الذي يجب على الأمة تغييره.
стр. 62
بيان التغيير: حقيقته وشروطه
التغيير يقال على وجهين: (أحدهما) لتغيير صورة الشيء دون ذاته (والثاني) لتبديله بغيره، نحو غيرت غلامي ودابتي، إذا أبدلت بهما غيرهما.
قاله الراغب في المفردات.
فالأصل في التغيير استبدال شيء مرغوب فيه، بشيء مرغوب عنه، فهو ليس تركاً وإزالة فحسب، بل يتبعهما إقامة غيره مقامه، فيكون التغيير أخصّ من الإزالة، وأخصّ من النهي عن الشيء.
والحديث قد جاء بالأمر بتغيير المنكر (فليغيره) ، وهو أقرب إلى معنى الإزالة إن كان موجوداً قائماً، وإلى المنع منه، إن شارف على الوقوع، وليس ظاهر الحديث آمراً بإزالة المنكر، وإقامة معروف مقامه، وإن كان يغلب تعاقب أحدهما الأخر، فحيث غاب المنكر، كان المعروف، وحيث غاب المعروف، كان المنكر.
وكأن الرسول ﷺ حين قال: (فليغيره) ، يهدي إلى أن تمام الفريضة وكمالها بإقامة معروف مقام ما يزال من المنكر، حتى لا ندع للمنكر مجالاً للعود، فهو لم يقل: من رأى منكم منكراً فليزله، أو فليمنعه، وإنما فليغيره.
стр. 63
وإذا نظرنا فيما تعلق بهذا الفعل من وسائله وآلاته (بيده، بلسانه، بقلبه) ألفينا دلالة التغيير، تتجدد بتجدد ما تعلق بها فغير خفي، أن التغيير باليد ليس هو التغيير باللسان، فاللسان ليس بآلة إزالة ومنع، بل هو سبب له، وكذلك (القلب) ، ولكن (اليد) قد تكون آلة إزالة وتغيير حقيقي.. فحقيقة تغيير المنكر، تختلف باختلاف وسيلته، وباختلاف المنكر الذي يقع عليه ذلك التغيير، وباختلاف من يقوم بذلك التغيير.
وللتغيير شرائط وآداب نذكر منها:
· أن يكون التغيير إيماناً واحتساباً وابتغاءً لمرضاة الله عز وعلا، في تحقيق الوجود المتمكن للأمة المسلمة الفاعلة الرائدة، وليس تغييراً لعصبية قومية، أو وطنية، أو لغوية، أو حزبية، أو تحقيقاً لهوى في النفس، أو موافقة لما تحب.
فهذه غايات قد يقع تغيير المنكر من أجلها، فيكون هذا التغيير في نفسه منكراً يحتاج إلى تغيير.
стр. 64
أما التغيير الذي هو عبادة، فإنما هو الخاص لوجه الله تعالى، لا يبتغى به غيره ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (البينة: ٥) ، والله ، قد بين لعباده غناهُ عن الشركاء في حديثه القدسي:
«أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» .
وحين يكون هذا التغيير احتساباً، يُعينُ الله القائم لهذا التغيير، على الاستعداد له، استعداد قلبياً وعقلياً ونفسياً وجسدياً ومالياً، لأن لهذا التغيير تبعات جساماً وابتلاءات عظاماً، لو لم يكن القائم له محتسباً وجه الله تعالى، لنكص على عقبيه أو تقاعس عن إنفاذ ما بدأ، وهذا ما يهدي إليه قوله تعالى في بعض وجوه دلالته المتكاثرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة:: ١٠٥) فإن من الاهتداء المشروط لانتفاء أضرار الضالين من يقوم بالتغيير أن يكون عملهم مخلصاً لله تعالى، بل ذلك رأس الاهتداء.
стр. 65
· أن يكون التغيير موافقاً هدي الكتاب والسنة. ذلك أن كل عمل صالح أساسه أمران: إخلاص النية وموافقة الشرع.
((ولهذا كان أئمة السلف ﵏ يجمعون هذين الأصلين، كقول ((الفضيل بن عياض)) في قول تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: ٢) قال: أخلصه، وأصوبه. فقيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إِنَّ العمل إِذا كان صواباً، ولم يكن خالصاً، لم يقبل، وإذا كان خالصاً ولم يكن صواباً، لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
وقد روى ((ابن شاهين)) واللالكائي، عن سعيد بن جبير قال: لا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونّية إِلا بموافقة السنة)) .
وموافقة الشرع، لا تكون إلا عن علم ومعرفة، وإذا كنّا قد ذكرنا ضرورة العلم بحقيقة المنكر المراد تغييره، فإن الشرط هنا معرفة كيفية التغيير، وفقاً لهدي الشريعة، وهذا يستوجب معرفة أسباب المنكر المراد تغييره معرفة كاشفة، ومعرفة آثاره العاجلة والآجلة في الأمة.
стр. 66
ومعرفة ما يحيط بوجود المنكر، وانتشاره في الأمة من ملابسات، وما يعين على بقائه أو تجدده، أو إغراء الناس بالانشغال به، أو التلبس والتردي فيه، أو السكوت على أهله، أو إجلالهم، أو الخوف من تغييره أو إنكاره.
ويستوجب معرفة ما يترتب على تغييره، بأي سبيل من آثار إيجابية، أو سلبية، والموازنة بين هذه الآثار، فيما يحسن اختيار المنهج، والزمان، والمكان والمقدار، الذي هو أنفع للأمة، عنده تغييره.
ويستوجب معرفة السبيل القويم، إلى تغيير هذا المنكر، تغييراً نافعاً، فيختار ما هو أكثر نفعاً، وأقل ضرراً على الأمة، وما هو أقدر على القيام به، وأصبر على إنفاذه.
ويستوجب معرفة منهج النبي ﷺ في تغيير المنكر، وفقاً لطبيعة هذا المنكر ومنزلته في الاعتداء على حق الله تعالى، أو حق عباده، ووفقاً لحال من يتلبس به، وأسباب تلبسه، وغايته من ذلك التلبس ...
إن القصور في معرفة شيء من ذلك، تكون آثاره فادحة، وإتقان معرفته تعين على حسن على القيام به.
وهذه المعرفة عمل جماعي، يتركز على الصبر والمصابرة، والتواصي بالحق والنصيحة، وحسن العزيمة، والرغبة الجموح في إتقان العمل.
стр. 67
إن الجهد الفردي جهد قاصر في هذا، وهو إن لم يك عقيماً، إلا أن ثمرته غير نافعةٍ النفع المرجو من مثلها، ولذلك دعا الله الأمة إلى الاعتصام بحبله جميعاً، ونهي عن التفرق في تحقيق هذا الاعتصام: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣) فهو ما أمر بأن يعتصم كل فرد منا بحبل الله على حياله، دون اجتماع مع الآخرين. وقوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ معناه: (ولا تعتصموا بحبله متفرقين) ، فهو من عطف جملة على جملة، وليس عطف فعل على فعل.
وقد دعا عباده إلى التعاون على البر والتقوى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٢) ودعاهم إلى التواصي بالحق وبالصبر: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر ١ ـ ٣) .
стр. 68
روي عن الشافعي ﵁ أنه قال: ((لو فكر الناس كلهم في سورة العصر لكفتهم)) ، وهو كما قال، فإن الله أخبر فيها أن جميع الناس خاسرون، إلا من كان في نفسه مؤمناً صالحاً، ومع غيره موصياً بالحق موصياً بالصبر)) .
ولم يرض الله أن يكون المسلم صادقاً فحسب، بل دعاه إلى أن يكون مع الصادقين ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩) .
هذه المعية المنبعثة من الصدق مع الله تعالى، ومن اتَّقائه، هي السبيل إلى القيام بتحقيق الوجود المتمكن للأمة المسلمة، وهي التي لا ترضي الطغاة والمفسدين في الأرض، لأنّ فيها الوقاء من كيدهم ومكرهم.
· أن يسلك بالتغيير منهج التدرج والحكمة والحلم والرفق، ليكون ذلك أنجح وأنجع.
وأول تلك المراحل تعريف صاحب المنكر بحكم فعله وآثاره وعواقبه في الدنيا والآخرة، كل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة.
стр. 69
إن أو ما بدأ به النبي ﷺ هو تعليم الناس الخير، والسبيل إليه، والشر والسبيل إلى الاعتصام منه، وحث على ذلك التعلم وحمده. فإن كثيراً من العامة يقدمون على المنكر، ويتردون فيه جهالة به وظنَّا أنه مما لا بأس به، فإذا ما عُلَّم بالحكمة، ووعظ بالحسنى، كان أبعد عن المنكر وأنفر منه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣) . وقد أمر الله عز وعلا أن تكون الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: ١٢٥) .
ومن الدعوة إلى سبيله، تغيير المنكر. وقد كان النبي ﷺ رؤوفاً رحيماً بأمته، يشفق على الطائع والعاصي، وهو القائل: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أُعلَّمكم» ... )) ، وفي قصته مع الأعرابي الذي بال في مسجده القدوة والأسوة في حسن تعليم الجاهل، حين يقع في منكر.
стр. 70
عن أنس بن مالك قال «بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إِذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مَهْ مَهْ. قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تُزْرِمُوه. دعوه)) ، فتركوه حتى بال. ثم إن النبي ﷺ دعاه، فقال له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن» أو كما قال رسول الله ﷺ . قال: «فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء فشَنَّه عليه» . وفي رواية أن النبي ﷺ قال لأصحابه عندما زجروا الأعرابي: «فإنما بعثتم مُيسَّرين، ولم تُبعثوا مُعسَّرين» .
ولذلك لما تفقه الأعرابي، بما قال له الرسول ﷺ ، قال واصفاً حلم النبي ﷺ ورفقه: «فقام إلي ـ بأبي وأمي ـ فلم يؤنّب ولم يَسُب» .
ما اقترفه الأعرابي منكر لا شك فيه، من وجوه كثيرة، أعلاها حرمة مسجد النبي ﷺ ، وحضرته ذلك الفعل.
стр. 71
وما اقترفه الأعرابي لا يحتاج العلم بأنه منكر، إلى معرفة خاصة، فالفطرة تأباه، وبرغم من ذلك، ما أنَّبه النبي ﷺ ، وما سبَّه، بل وما غضب، بل كان الرفيق الرحيم، وقد علَّم أصحابه والأمة، وهداها بهذا وبقوله: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» .
وقد قال لأم المؤمنين عائشة ﵂، حين غضبت من قولة اليهود له ﷺ : «السَّامُ عليكم: فقالت: وعليكم السَّامُ واللعنةُ، قالت: فقال رسول الله ﷺ : ((مهلاً يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كلَّه)) ، فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : ((قد قلت: وعليكم)) » .
стр. 72
وعن أبي أمامة قال: «إن فتىً شاباً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مَهْ، مَهْ. فقال: ((ادنه)) ، فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: ((أتحبه لأمك؟)) قال: لا، والله، جعلني الله فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لأمهاتهم)) . قال: ((أتحبه لابنتك؟)) قال: لا، والله، يا رسول الله جعلني الله فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لبناتهم)) . قال: ((أتحبه لأختك؟)) قال: لا، والله، جعلني الله فداءاك. قال: ((ولا الناس يحبونه لأخواتهم)) . قال: ((أفتحبه لعمتك؟)) قال: لا، والله، جعلني الله فداءاك. قال: ((ولا الناس يحبونه لعماتهم)) . قال: ((أفتحبه لخالتك؟)) قال: لا، والله، جعلني الله فداءاك. قال: ((ولا الناس يحبونه لخالاتهم)) . قال: فوضع يده عليه، وقال: ((اللهم اغفر ذنبه، وطهَّر قلبه، وحصَّن فرجه)) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلفت إلى شيء» .
стр. 73
أي منكر هذا الذي يستأذن فيه الفتى؟ وأي منكر يكون ذلك الاستئذان من سيد الأنبياء؟ إنه لمنكر جدَّ عظيم، لا يملك أحد غير النبي ﷺ إزاءه ذرة من حلم ورفق، ولكنه ﷺ الرؤوف الرحيم، الذي بلغ في موقفه هذا وكثير غيره، حد الإعجاز لكل ما عداه من الخلق، أن يبلغ ما بلغ في هذا الحلم والصبر الجميل.
وليس الرفق والحلم في تغيير المنكر، بذاهب بصاحبه إلى المداهنة والمصانعة حين يعتدى بذلك عمداً على حق من حقوق الله تعالى، أو حقوق عباده، بل يكون ذلك حينذاك الحزم والحسم والغضبة لله رب العالمين.
стр. 74
((عن عروة بن الزبير، عن عائشة ـ زوج النبي ﷺ : «أن قريشاً أهمّهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أُسامة بن زيد، حبُّ رسول الله عليه وسلم، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ ، فقال ((أتشفع في حدَّ من حدود الله؟)) فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ. وإني ـ والذي نفسي بيده ـ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) ، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت، فقطعت يدها.»
قال يونس: قال ابن شهاب، قال عروة: قالت عائشة: ((فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ ، متفق عليه، والنص لمسلم.
стр. 75
كذلك الرفق، وكذلك الحزم في تغيير المنكر، كلُُ في موضعه الذي هو به أليق وأكرم وأجدى وأنفع.
ومما يدخل في باب الرفق والحكمة في هذا، ألا يكون ذلك مواجهة ومصارحة في ملأٍ من الناس، فإنها حينذاك تشهير لا تذكير. يقول الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سرّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه.
وقد جعل الله من عقوبة من عَيَّرَه أخاه بذنب، أن يقع فيه: «من عَيَّرَ أخاه بذنب لم يَمُتْ حتى يعمله» ، وذلك إذا لم يكن صاحب المنكر مجاهراً مفتخراً، به متخذاً فعله رسالة حياته، كمثل الماسونيين والعلمانيين والماركسيين وغيرهم من المرجفين المحاربين الله ورسوله ﷺ ، فمن كان كذلك فقد وجب تغيير منكره، ودفعه علانية، وفضح أمره وأفاعيله وصنائعه السوء والإرجاف وإشاعة الفاحشة والسُّوأى، فإن الله عز وعلا حَرَمَ المجاهرين عفوه:
((عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلً أُمَّتي معافى إلا المجاهرين، وإنَّ المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا، وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» .
следующие страницы →