← Общие книги

Общие книги · id 1979

قصة البشرية

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (113 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

منزلة القرآن الكريم من الكتب المتقدمة القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية، وخاتمها، وأطولها، وأشملها، وهو الحاكم عليها؛ فهو مشتمل على ما اشتملت عليه الكتب السماوية السابقة، ويزيد عليها من المطالب الإلهية، والأخلاق النفسية. والقرآن فيه نبأ السابقين، واللاحقين، وفيه الحكم، والحكمة، والأحكام. والقرآن هو الحاكم المهيمن على الكتب السابقة؛ فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما حكم عليه بالرد فهو مردود قد دخله التحريف والتبديل. والقرآن جاء في الذروة من الفصاحة والبلاغة والإعجاز؛ فهو معجز في لفظه، ومعناه، وفي فصاحته، وإخباره عن الغيوب السابقة واللاحقة، وهو معجز في حكمه وأحكامه وفي كل ما جاء به. ولهذا يخضع له كل متمسك بالكتب المتقدمة؛ لأنها دلت عليه، وبشرت به. فالعمل - إذا - يكون بالقرآن، ولا يُقبل من أحد دينٌ إلا ما جاء في هذا القرآن؛ فهو رسالة الله الأخيرة للبشرية، بل هو عام للجن والإنس؛ بخلاف الكتب السماوية الأخرى التي كانت خاصة بأقوام معنيين، وفترات معينة. ثم إن القرآن محفوظ من الزيادة، والنقص، والتحريف؛ فلقد تكفل الله - سبحانه - بحفظه.

стр. 72

قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ والذكر هو القرآن، والسنة النبوية. والقرآن له أثر عظيم في القلوب؛ فما يسمعه أحد وهو ملقٍ سمعه إلا ويجد أن له تأثيرا عظيما في نفسه ولو لم يفهم معانيه أو دلالاته، حتى ولو لم يكن يعرف اللغة العربية. وهذا سر من أسرار القرآن التي تبين عظمته. ثم إن القرآن له أبلغ الأثر في رقي الأمم وفلاحها؛ فهو الذي أخرج الله به من أمة العرب أعلام الحكمة والهدى، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، بعد أن كانوا يتخبطون في دياجير الجهالة. ومن خصائص القرآن أنه لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد؛ فكلما أكثر الإنسان من قراءته زادت حلاوته مرة بعد مرة. ومن خصائصه أن الله يسر تعلمه وحفظه؛ ولهذا فإن كثيرا من أطفال المسلمين يحفظونه كاملا عن ظهر قلب. ومن خصائصه أنه مشتمل على أعدل الأحكام، وأعظمها، وأشرفها، وأشملها؛ فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وأحاط بها إجمالا وتفصيلا. ويشهد بذلك كل منصف عاقل، حتى ولو لم يكن مسلما.

стр. 73

يقول السير وليم مور في كتابه المسمى (حياة محمد) : ((إن القرآن ممتلئ بأدلة من الكائنات المحسوسة والدلائل العقلية على وجود الله تعالى، وأنه الملك القدوس، وأنه سيجزي المرء بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وإن اتباع الفضائل، واجتناب الرذائل فرض على العالمين، وإن الواجب على كل مكلف أن يعبد الله -تعالى- وهي علة سعادته)) . ويقول جيون: ((إن أوامر القرآن ليست محصورة في الفروض الدينية والأدبية فقط، إن القرآن عليه مدار الأمور الأخروية والدنيوية من الفقه، والتوحيد، والأحكام الحقوقية، والجزائية، وما به انتظام الكون، وقمع الظالم، وصيانة الحقوق، وذلك أمر إلهي لا مرية فيه. وبعبارة أخرى: إن القرآن المجيد هو الدستور العمومي لكل العالم الإسلامي، وهو دستور الدين الإسلامي، فهو نظام الكون في المعاش والمعاد، وبه النجاة الأبدية، وحفظ الصحة البدنية، والمصالح العمومية والشخصية، وما يترتب على ذلك من الفضائل الأدبية، والإجراءات الجزائية الدنيوية والأخروية، وكل ذلك منظم في القرآن المجيد)) . وبالجملة فالشهادات في هذا السياق كثيرة جداً، ولو استمر الكاتب في سردها لطال به المقام.

стр. 74

السنة النبوية السنة النبوية: هي كل ما ورد عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو وصف، أو تقرير. والسنة شقيقة القرآن تفسره، وتبينه، وتعبر عنه، وتدل عليه، وتفصل مجمله، وتدل على أحكام سكت عنها القرآن، فهي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، وهي من الذكر الذي تكفل الله بحفظه. والأحاديث التي جاءت عن الرسول ﷺ كثيرة جدا، ولقد اعتنى بها العلماء غاية العناية؛ حيث ميزوا صحيحها من ضعيفها، ونقلوها إلينا بالأسانيد من طريق الرواة الثقاة العدول.

стр. 75

ثمرات الإيمان بالكتب: ١- العلم بعناية الله، حيث أنزل على كل قوم كتابا يهديهم ٢- العلم بحكمة الله؛ حيث شرع لكل قوم ما يلائمهم ٣- التحرر من زبالات أفكار البشر التي يدخلها الهوى ويعتريها النقص

стр. 76

والإيمان بالرسل يتضمن: ١- الإيمان بأن رسالتهم حق؛ فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالرسل جميعاً، فالذي يكذب بعيسى أو موسى أو محمد أو غيرهم من الرسل فهو مكذب بجميع الرسل. وعلى هذا فالذين يؤمنون بعيسى، ويكذبون بمحمد ﵉ هم مكذبون بعيسى غير متبعين له؛ لأنه بَشَّرَ بمحمد ﷺ ولا معنى لبشارته لهم إلا أنه رسول إليهم ينقذهم الله به من الضلالة، ويهديهم إلى الصراط المستقيم. ٢- الإيمان بما علمنا اسمه منهم باسمه كإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وما لم نعلمه نؤمن به إجمالاً؛ أي نؤمن بأن لله رسلاً قد بعثهم إلى أممهم، ولا يلزم أن نعرفهم بأسمائهم. ٣- تصديق ما صح من أخبارهم. ٤- العمل بشريعة خاتمهم الذي أرسل إلى الناس جميعا وهو محمد ﷺ .

стр. 77

من ثمرات الإيمان بالرسل: ١- العلم برحمة الله، وعنايته بعباده؛ حيث أرسل إليهم الرسل ليهدوهم إلى صراط الله، ويبينوا لهم كيف يعبدون الله، ويسيرون على طريق مستقيمة في هذه الحياة؛ لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك. ٢- شكر الله على هذه النعمة. ٣- محبة الرسل، وتعظيمهم والثناء عليهم بما يليق بهم؛ لأنهم رسل الله، ولأنهم قاموا بعبادة الله، وتبليغ دعوته، والنصح لعباده، ولأنهم خير البشر، وصفوتهم، وأحسنهم أخلاقا، وأعظمهم عبادة.

стр. 78

١- الإيمان بالبعث: وهو إحياء الموتى؛ حيث ينفخ في الصور، وهو قرن ينفخ فيه الملك الموكل بذلك، ويقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غُرْلا أي غير مختونين. وهذا البعث مقتضى الحكمة؛ حيث تقتضي أن يجعل الله لهذه الخليقة معادا يجازيهم به على ما كلفهم به على ألسنة رسله.

стр. 79

٢- الإيمان بالجزاء والحساب: فيحاسب العبد على عمله، ويجازى عليه؛ فمن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون. والجزاء والحساب مقتضى الحكمة؛ فإن الله أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وفرض على العباد قبول ما جاء به الرسل، والعمل بما يجب العمل به. فلو لم يكن هناك حساب ولا جزاء لكان هذا من العبث الذي ينزه الله عنه. ثم إن العباد منهم البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فهل يليق بحكمة الله أن يكون هؤلاء سواء؟ الجواب، لا، قال - تعالى -: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ .

стр. 80

٣- الإيمان بالجنة والنار: وأنها المآل الأبدي للخلق؛ فالجنة هي دار النعيم التي أعدها الله للمؤمنين المتقين الذين آمنوا بما أوجب الله عليهم الإيمان به، وقاموا بطاعة الله ورسله، مخلصين لله، متبعين لرسوله. وفي الجنة من أنواع النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. والناس في الجنة تتفاوت درجاتهم بحسب أعمالهم الصالحة. وأما النار فهي دار العذاب التي أعدها الله للكافرين الظالمين الذين كفروا به، وعصوا رسله. وفيها من أنواع النكال والعذاب ما لا يخطر على البال. والنار دركات، وأهلها يتفاوتون في العذاب بحسب أعمالهم السيئة. ومما يلتحق بالإيمان باليوم الآخر الإيمان بأشراط الساعة، وما في القيامة من الأهوال. ويلتحق فيه - أيضا - الإيمان بكل ما يكون بعد الموت من: أ- فتنة القبر: وهي سؤال الميت بعد دفنه؛ حيث تعاد له الروح؛ فيسأل عن ربه، ودينه، ونبيه؛ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. ويضل الله الظالمين، فيقول الكافر: هاه، هاه، لا أدري، ويقول المنافق أو المرتاب: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.

стр. 81

ب- عذاب القبر ونعيمه: فأما عذاب القبر فيكون للظالمين من المنافقين، والكافرين حيث يأتيهم من حر جهنم وعذابها ما يسوؤهم، ويضيق عليهم قبورهم. وأما نعيم القبر فللمؤمنين الصادقين، حيث يفتح لهم باب من أبواب الجنة، وتوسع عليهم قبورهم، ويأتيهم من نعيم الجنة ما تقر به عيونهم.

стр. 82

ثمرات الإيمان باليوم الآخر ١- الرغبة في فعل الطاعات، والحرص عليها؛ رجاء لثواب ذلك اليوم. ٢- الرهبة من فعل المعاصي، والحذر من الرضى بها؛ خوفا من عقاب ذلك اليوم. ٣- تسلية المؤمن عما يفوته في الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها. ٤- الصبر على الأذى، والمصائبِ، واحتسابُ الأجر.

стр. 83

إنكار البعث بعد الموت والرد على هذا الزعم أنكر الكافرون البعث بعد الموت زاعمين أن ذلك غير ممكن. وهذا الزعم باطل من وجوه عديدة منها: أ- الشرع: قال الله -تعالى -: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ب- أن الله هو الذي بدأ الخلق، والذي بدأه لا يعجزه إعادته. جـ- الحس: فقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، ومن ذلك أن قوم موسى ﵇ حين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أماتهم الله، ثم أحياهم. وفي قصة القتيل الذي اختصم فيه بنوا إسرائيل زمن موسى ﵇ فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ويضربوه ببعضها؛ ليخبرهم بمن قتله، ففعلوا ذلك فأحياه الله، وأخبر بمن قتله، ثم مات، وكذلك قصة الذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم. وكذلك ما أعطاه الله عيسى ﵇ من القدرة على إحياء الموتى بإذن الله. والأدلة على ذلك كثيرة جدا.

стр. 84

إنكار عذاب القبر ونعيمه والرد على هذا الزعم ينكر بعض الناس عذاب القبر ونعيمه؛ بحجة أنه لو كشف عن الميت في قبره لوجد كما كان، والقبر لم يتغير بسعة، ولا ضيق. وهذا الزعم باطل من وجوه عديدة منها: أ- الشرع؛ فأدلة الكتاب والسنة بينت وقوع عذاب القبر ونعيمه، ولا تجوز معارضة هذه الأدلة بالرد والتكذيب. ب- الحس: ومن الأدلة الحسية التي تقرب المعنى، وتدل على عذاب القبر أن النوم أخو الموت، والنائم يرى في منامه أنه بمكان فسيح ينعم به، أو يرى أنه في مكان موحش يتألم منه. وربما يستيقظ أحيانا مما رأى، وهو مع ذلك على فراشه وفي حجرته على ما هو عليه. ثم إن أحوال البرزخ في القبر لا يدركها الحس، ولو كانت تدرك بالحس لفاتت فائدة الإيمان بالغيب، ولتساوى المؤمن بالغيب، والجاحد في التصديق به. ثم إن نعيم القبر وعذابه إنما يدركه الميت دون غيره، كما يرى النائم أنه في مكان موحش أو في مكان فسيح، وهو بالنسبة لغيره لم تتغير حاله، فهو يراه في منامه وبين فراشه وغطائه.

стр. 85

ثم إن إدراك الخلق محدود بما مكنهم الله من إدراكه، ولا يمكن أن يدركوا كل شيء؛ فكما أن أبصارهم وأسماعهم لها حد تقف عنده فكذلك عقولهم ومداركهم لها حد تقف عنده. ومما ينبغي أن يعلم في هذه المسألة أن عذاب القبر ونعيمه لا يختص بمن مات ووضع في القبر، بل يشمل كل من مات، سواء وضع في قبره، أو كان في ثلاجة الموتى، أو كان في بطن سبع، أو كان في صحراء لم يدفن فيها. وإنما قيل عذاب القبر؛ لأن العادة جرت بدفن الموتى.

стр. 86

سادسا: الإيمان بالقدر القدر: هو تقدير الله للكائنات حسب ما سبق به علمه، واقتضته حكمته. وهو علم الله بالأشياء، وكتابته ومشيئته وخلقه لها. ومعنى الإيمان بالقدر أن يؤمن الإنسان بأن الله يعلم ما يكون وما كان، وما سيكون، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأه لا يكون، وأن الله كتب مقادير الخلائق فلا يقع شيء إلا بعلمه، وكتابته، ومشيئته وخلقه. ويؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ويؤمن - مع ذلك - بأن الله قد أمر بطاعته، ونهى عن معصيته، فيفعل الطاعة؛ رجاء ثواب الله، ويترك المعصية؛ خوفا من عقلبه؛ فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله. ومن تمام الإيمان بالقدر أن يأخذ الإنسان بالأسباب، ويسعى في مصالحه الدنيوية، ويسلك الطرق الصحيحة الموصلة إليها، فيضرب في الأرض، ويسعى لطلب الرزق؛ فإن أتت الأمور على ما يريد حمد الله، وإن أتت على خلاف ما يريد تعزى بقدر الله. والإيمان بالقدر على هذا النحو، يثمر سكون القلب، وطمأنينة النفس، وراحة البال، وترك التحسر على ما فات، ويورث في الإنسان الشجاعة، والإقدام، وطرد اليأس، وقوة الاحتمال.

стр. 87

ولهذا يجد المؤمنون بالقضاء والقدر راحة، وطمأنينة لا يجدها غيرهم ممن لا يؤمنون بقضاء الله وقدره. ولهذا يشيع الانتحار في البلاد الكافرة التي لا يؤمن أهلها بالله وقدره؛ فتراهم لا يحتملون أدنى مصيبة تنزل بهم. أما المؤمنون بالقدر فلا تكاد توجد عندهم أدنى نسبة للانتحار؛ بسبب أنهم يؤمنون بأن ما أصابهم إنما هو بقضاء الله وقدره، ويؤمنون بأن الله لا يقدر لعبده المؤمن إلا الخير، حتى وإن كان القضاء مرا فإن عاقبته حميدة للمؤمن إن رضي بقدر الله.

стр. 88

العبادة في الإسلام تعريفها: العبادة في الإسلام هي التقرب إلى الله بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. وهي شاملة لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وروح العبادة، ولبها، وحقيقتها تحقيق الحب والخضوع لله - تعالى-.

стр. 89

شرطا العبادة: لا تقبل العبادة إلا إذا اجتمع فيها شرطان: ١- الإخلاص لله. ٢- المتابعة لرسوله ﷺ ومعنى ذلك أنه لا بد من العبادة خالصة لله، وأن تكون موافقة لما جاء به الرسول ﷺ . فلا يعبد إلا الله، ولا يعبد إلا بما شرع. فالصلاة على سبيل المثال عبادة لا تصرف إلا لله، أي لا يصلى إلا لله، وبهذا يتحقق الإخلاص. ولا يصلى إلا كما جاء عن رسول الله ﷺ من كيفية الصلاة، وبهذا تتحقق الموافقة والمتابعة للرسول ﷺ . ولسائل أن يسأل: ما الحكمة من اشتراط هذين الشرطين لصحة العبادة؟ والجواب عن ذلك من عدة وجوه: ١- أن الله أمر بإخلاص العبادة له وحده؛ فعبادة غيره معه شرك به - تعالى -. قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢- أن الله - تعالى - اختص نفسه بالتشريع؛ فهو حقه وحده، ومن تعبد بغير ما شرع الله فقد شارك الله في تشريعه. ٣- أن الله أكمل لنا الدين، فالذي يخترع عبادة من عنده يكون مستدركا على الدين، متهما له بالنقص.

стр. 90

٤- أنه لو جاز للناس أن يتعبدوا بما شاءوا كيفما شاءوا - لأصبح لكل إنسان طريقته الخاصة بالعبادة، ولأصبحت حياة الناس جحيما لا يطاق؛ إذ يسود التناحر والتنافر؛ لاختلاف الأذواق، والدين إنما يأمر بالاتفاق والائتلاف.

стр. 91

أنواع العبادة أنواع العبادة كثيرة كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإماطة الأذى عن الطريق، والإحسان إلى الأيتام، والمساكين وابن السبيل والحيوان، وغير ذلك. ومن أنواع العبادة: الذكر، والدعاء، والاستعاذة بالله، والاستعانة به، والتوكل عليه، والتوبة، والاستغفار. ومنها: الصبر، والشكر، والرضا، والخوف، والمحبة، والرجاء، والحياء.

стр. 92

فضائل العبادة العبادة في الإسلام هي الغاية المحبوبة لله، والمرضية له، التي خلق لأجلها الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وهي التي مدح القائمين بها، وذم المستكبرين عنها. والعبادة في الإسلام لم تشرع للتضييق على الناس، ولا لإيقاعهم في الحرج. وإنما شرعت لحكم عظيمة، ومصالح كثيرة، لا يحاط بعدها وحصرها. فمن فضائل العبادة أنها تزكي النفوس، وتطهرها، وتسمو بها إلى أعلى درجات الكمال الإنساني. ومن فضائلها أن الإنسان محتاج إليها أعظم الحاجة، بل هو مضطر لها أشد الضرورة؛ فالإنسان بطبعه ضعيف، فقير إلى الله، وكما أن جسده بحاجة إلى الطعام والشراب - فكذا قلبه وروحه بحاجة إلى العبادة والتوجه إلى الله، بل إن حاجة قلبه وروحه إلى العبادة أعظم بكثير من حاجة جسده إلى الطعام والشراب؛ فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، ولا صلاح لهما إلا بالتوجه إلى الله بالعبادة؛ فلا تطمئن النفوس في الدنيا إلا بذكر الله وعبادته، ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم، وقد يكون ذلك الذي يتلذذ به لا لذة فيه ولا سرور أصلا.

стр. 93

أما السرور بالله والأنس به فهو سرور لا ينقطع ولا يزول؛ فهو الكمال، والجمال، والسرور الحقيقي؛ فمن أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية لله وحده. ولهذا فإن أهل العبادة الحقة هم أسعد الناس، وأشرحهم صدرا. ولا يوجد ما يسكن إليه العبد ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه حقا إلا الله. ومن فضائل العبادة: أنها تسهل على العبد فعل الخيرات، وترك المنكرات، وتسليه عند المصائب، وتخفف عليه المكاره، وتهون الآلام، فيتلقاها بصدر منشرح، ونفس مطمئنة. ومن فضائلها أن العبد يتحرر بعبوديته لربه من رق المخلوقين، والتعلق بهم، وخوفهم، ورجائهم؛ وبهذا يكون عزيز الجانب، مرفوع الرأس، عالي القدر.

стр. 94

ومن إكرام الإسلام للمرأة أن أمرها بما يصونها، ويحفظ كرامتها، ويحميها من الألسنة البذيئة، والأعين الغادرة، والأيدي الباطشة؛ فأمرها بالحجاب والستر، والبعد عن التبرج، وعن الاختلاط بالرجال الأجانب، وعن كل ما يؤدي إلى فتنتها. ومن إكرام الإسلام لها أن أمر الزوج بالإنفاق عليها، وإحسان معاشرتها، والحذر من ظلمها، والإساءة إليها. بل ومن المحاسن - أيضا - أن أباح للزوجين أن يفترقا إذا لم يكن بينهما وفاق، ولم يستطيعا أن يعيشا عيشة سعيدة؛ فأباح للزوج طلاقها بعد أن تخفق جميع محاولات الإصلاح، وحين تصبح حياتهما جحيما لا يطاق. وأباح للزوجة أن تفارق الزوج إذا كان ظالما لها، سيئا في معاشرتها، فلها أن تفارقه على عوض تتفق مع الزوج فيه، فتدفع له شيئا من المال، أو تصطلح معه على شيء معين ثم تفارقه. ومن إكرام الإسلام للزوجة أن أباح للرجل أن يعدد، فيتزوج بأكثر من واحدة، فأباح له أن يتزوج اثنتين، أو ثلاثا، أو أربعا، ولا يزيد عن أربع. بشرط أن يعدل بينهن في النفقة، والكسوة، والمبيت. وإن اقتصر الزوج على واحدة فله ذلك.

стр. 95

هذا وإن في التعدد حكما عظيمة، ومصالح كثيرة لا يدركها الذين يطعنون في الإسلام، ويجهلون الحكمة من تشريعاته، ومما يبرهن على الحكمة من مشروعية التعدد ما يلي: ١- أن الإسلام حرم الزنا: وشدد في تحريمه؛ لما فيه من المفاسد العظيمة التي تفوق الحصر والعد، والتي منها اختلاط الأنساب، وقتل الحياء، والذهاب بالشرف وكرامة الفتاة؛ إذ الزنا يكسوها عارا لا يقف حده عندها، بل يتعداه إلى أهلها وأقاربها. ومن أضرار الزنا أن فيه جناية على الجنين الذي يأتي من الزنا؛ حيث يعيش مقطوع النسب، محتقرا ذليلا. ومن أضراره ما ينتج عنه من أمراض نفسية وجسدية يصعب علاجها، بل ربما أودت بحياة الزاني كالسيلان، والزهري، والهربس، والإيدز، وغيرها. والإسلام حين حرم الزنا وشدد في تحريمه فتح بابا مشروعا يجد فيه الإنسان الراحة، والسكن، والرحمة، والطمأنينة ألا وهو الزواج، حيث شرع الزواج، وأباح التعدد فيه - كما مضى -.

стр. 96

ولا ريب أن منع التعدد ظلم للرجل وللمرأة؛ فمنعه قد يدفع إلى الزنا؛ لأن عدد النساء يفوق عدد الرجال في كل زمان ومكان، ويتجلى ذلك في أيام الحروب؛ فقصر الزواج على واحدة يؤدي إلى بقاء عدد كبير من النساء دون زواج، وذلك يسبب لهن الحرج، والضيق، والتشتت، وربما أدى بهن إلى بيع العرض، وانتشار الزنا، وضياع النسل. ٢- أن الزواج ليس متعة جسدية فحسب: بل فيه الراحة، والسكن، وفيه - أيضا - نعمة الولد، والولد في الإسلام ليس كغيره في النظم الأرضية؛ إذ لوالديه أعظم الحق عليه؛ فإذا رزقت المرأة أولادا، وقامت على تربيتهم كانوا قرة عين لها؛ فأيهما أحسن للمرأة: أن تنعم في ظل رجل يحميها، ويحوطها، ويرعاها؟ أو أن تعيش وحيدة طريدة ترتمي هنا وهناك؟ ٣- أن نظرة الإسلام عادلة متوازنة: فالإسلام ينظر إلى النساء جميعهن بعدل، والنظرة العادلة تقول: بأنه لا بد من النظر إلى جميع النساء بعين العدل. إذا كان الأمر كذلك؛ فما ذنب العوانس اللاتي لا أزواج لهن؟ ولماذا لا ينظر بعين العطف والشفقة إلى من مات زوجها وهي في مقتبل عمرها؟ ولماذا لا ينظر إلى النساء الكثيرات اللواتي قعدن بدون زواج؟

стр. 97

أيهما أفضل للمرأة: أن تنعم في ظل زوج معه زوجة أخرى، فتطمئن نفسها، ويهدأ بالها، وتجد من يرعاها، وترزق بسببه الأولاد، أو أن تقعد بلا زواج البتة؟ وأيهما أفضل للمجتمعات أن يعدد بعض الرجال فيسلم المجتمع من تبعات العنوسة؟ أو أن لا يعدد أحد، فتصطلي المجتمعات بنيران الفساد؟ وأيهما أفضل أن يكون للرجل زوجتان أو ثلاث أو أربع أو أن يكون له زوجة واحدة وعشر عشيقات، أو أكثر، أو أقل؟ ٤- أن التعدد ليس واجبا: فكثير من الأزواج المسلمين لا يعددون؛ فطالما أن المرأة تكفيه - وأنه غير قادر على العدل فلا حاجة له في التعدد. ٥- أن طبيعة المرأة تختلف عن طبيعة الرجل: وذلك من حيث استعدادها للمعاشرة؛ فهي غير مستعدة للمعاشرة في كل وقت، ففي الدورة الشهرية مانع قد يصل إلى عشرة أيام، أو أسبوعين كل شهر. وفي النفاس مانع - أيضا - والغالب فيه أنه أربعون يوما. والمعاشرة في هاتين الفترتين محظورة شرعا؛ لما فيهما من الأضرار التي لا تخفى. وفي حال الحمل قد يضعف استعداد المرأة في معاشرة الزوج، وهكذا. أما الرجل فاستعداده واحد طيلة الشهر، والعام؛ فبعض الرجال إذا منع من التعدد قد يؤول به الأمر إلى الزنا.

стр. 98

٦- قد تكون الزوجة عقيما لا تلد: فيحرم الزوج من نعمة الولد، فبدلا من تطليقها يبقي عليها، ويتزوج بأخرى ولود. وقد يقال: وإذا كان الزوج عقيما والزوجة ولودا؛ فهل للمرأة الحق في الفراق؟ والجواب: نعم فلها ذلك إن أرادت. ٧- قد تمرض الزوجة مرضا مزمنا: كالشلل وغيره، فلا تستطيع القيام على خدمة الزوج؛ فبدلا من تطليقها يبقي عليها، ويتزوج بأخرى. ٨- قد يكون سلوك الزوجة سيئا: فقد تكون شرسة، سيئة الخلق لا ترعى حق زوجها؛ فبدلا من تطليقها يبقي الزوج عليها، ويتزوج بأخرى؛ وفاء للزوجة، وحفظا لحق أهلها، وحرصا على مصلحة الأولاد من الضياع إن كان له أولاد منها. ٩- أن قدرة الرجل على الإنجاب أوسع بكثير من قدرة المرأة: فالرجل يستطيع الإنجاب إلى ما بعد الستين، بل ربما تعدى المائة وهو في نشاطه وقدرته على الإنجاب. أما المرأة فالغالب أنها تقف عن الإنجاب في حدود الأربعين، أو تزيد عليها قليلا. فمنع التعدد حرمان للأمة من النسل. ١٠- أن في الزواج من ثانية راحة للأولى: فالزوجة الأولى ترتاح قليلا من أعباء الزوج؛ إذ يوجد من يعينها ويأخذ عنها نصيبا من أعباء الزوج.

стр. 99

ولهذا فإن بعض العاقلات إذا كبرت في السن وعجزت عن القيام بحق الزوج أشارت عليه بالتعدد. ١١- التماس الأجر: فقد يتزوج الإنسان بامرأة مسكينة لا عائل لها، ولا راعٍ، فيتزوجها بِنِيَّة إعفافها، ورعايتها، فينال الأجر من الله بذلك. ١٢- أن الذي أباح التعدد هو الله : فهو أعلم بمصالح عباده، وأرحم بهم من أنفسهم. وهكذا يتبين لنا حكمة الإسلام، وشمول نظرته في إباحة التعدد، ويتبين لنا جهل من يطعنون في تشريعاته. ومن إكرام الإسلام للمرأة أن جعل لها نصيبا من الميراث؛ فللأم نصيب معين، وللزوجة نصيب معين، وللبنت وللأخت ونحوها ما هو مفصل في موضعه. ومن تمام العدل أن جعل الإسلام للمرأة من الميراث نصف ما للرجل، وقد يظن بعض الجهلة أن هذا من الظلم؛ فيقولون: كيف يكون للرجل مثل حظ الأنثيين من الميراث؟ ولماذا يكون نصيب المرأة نصف نصيب الرجل؟ والجواب أن يقال: إن الذي شرع هذا هو الله الحكيم العليم بمصالح عباده. ثم أي ظلم في هذا؟ إن نظام الإسلام نظام متكامل مترابط؛ فليس من العدل أن يؤخذ نظام، أو تشريع، ثم ينظر إليه من زاوية واحدة دون ربطه بغيره.

стр. 100

بل ينظر إليه من جميع جوانبه؛ فتتضح الصورة، ويستقيم الحكم. ومما يتبين به عدل الإسلام في هذه المسألة - أن الإسلام جعل نفقة الزوجة واجبة على الزوج، وجعل مهر الزوجة واجب على الزوج - أيضا -. ولنفرض أن رجلا مات، وخلف ابنًا، وبنتا، وكان للابن ضعف نصيب أخته، ثم أخذ كل منهما نصيبه، ثم تزوج كل منهما؛ فالإبن إذا تزوج فإنه مطالب بالمهر، والسكن، والنفقة على زوجته وأولاده طيلة حياته. أما أخته فسوف تأخذ المهر من زوجها، وليست مطالبة بشيء من نصيبها لتصرفه على زوجها، أو نفقة بيتها أو على أولادها؛ فيجتمع لها ما ورثته من أبيها، مع مهرها من زوجها، مع أنها لا تطالب بالنفقة على نفسها وأولادها. أليس إعطاء الرجل ضعف ما للمرأة هو العدل بعينه إذا؟ هذه هي منزلة المرأة في الإسلام؛ فأين الأنظمة العادلة في الإسلام من نظم كثير من بقاع الأرض؟ حيث يتبرأ الأب من ابنته حين تبلغ سن الثامنة عشرة أو أقل؛ لتخرج هائمة على وجهها تبحث عن مأوى يسترها، ولقمة تسد جوعتها، وربما كان ذلك على حساب الشرف، ونبيل الأخلاق.

стр. 101

وأين إكرام الإسلام للمرأة، وجعلها إنسانا مكرما من الأنظمة التي تعدها مصدر الخطيئة، وتسلبها حقها في الملكية والمسؤولية، وتجعلها تعيش في إذلال واحتقار، وتعدها مخلوقا نجسا؟ وأين إكرام الإسلام للمرأة ممن يجعلون المرأة سلعة يتاجرون بجسدها في الدعايات والإعلانات؟ وأين إكرام الإسلام لها من الأنظمة التي تعد الزواج صفقة مبايعةٍ تنتقل فيه الزوجة؛ لتكون إحدى ممتلكات الزوج؟ حتى إن بعض مجامعهم انعقدت؛ لتنظر في حقيقة المرأة، وروحها هل هي من البشر أو لا؟! وهكذا نرى أن المرأة المسلمة تسعد في دنياها مع أسرتها وفي كنف والديها، ورعاية زوجها، وبر أبنائها سواء في حال طفولتها، أو شبابها، أو هرمها، وفي حال فقرها أو غناها، أو صحتها أو مرضها. وإن كان هناك من تقصير في حق المرأة في بعض بلاد المسلمين أو من بعض المنتسبين إلى الإسلام - فإنما هو بسبب القصور والجهل، والبعد عن تطبيق شرائع الدين، والوزر في ذلك على من أخطأ - والدين براء من تبعة تلك النقائص. وعلاج ذلك الخطأ إنما يكون بالرجوع إلى هداية الإسلام وتعاليمه؛ لعلاج الخطأ.

стр. 102

هذه هي منزلة المرأة في الإسلام على سبيل الإجمال: عفة، وصيانة، ومودة ورحمة، ورعاية، وتذمم إلى غير ذلك من المعاني الجميلة السامية. أما الحضارة المعاصرة فلا تكاد تعرف شيئا من تلك المعاني، وإنما تنظر للمرأة نظرة مادية بحتة، فترى أن حجابها وعفتها تخلف ورجعية، وأنها لا بد أن تكون دمية يعبث بها كل ساقط؛ فذلك سر السعادة عندهم. وما علموا أن تبرج المرأة وتهتكها هو سبب شقائها وعذابها. وإلا فما علاقة التطور والتعليم بالتبرج وإظهار المفاتن، وإبداء الزينة، وكشف الصدور، والأفخاذ وهو أشد؟! وهل من وسائل التعليم والثقافة ارتداء الملابس الضيقة والشفافة والقصيرة؟! ثم أي كرامة حين توضع صور الحسناوات في الإعلانات والدعايات؟ ولماذا لا تروج عندهم إلا الحسناء الجميلة، فإذا استنفذت السنوات جمالها وزينتها أهملت ورميت كأي آلة انتهت صلاحيتها؟ وما نصيب قليلة الجمال من هذه الحضارة؟ وما نصيب الأم المسنة، والجدة، والعجوز؟ إن نصيبها في أحسن الأحوال يكون في الملاجىء، ودور العجزة والمسنين؛ حيث لا تزار ولا يسأل عنها.

стр. 103

وقد يكون لها نصيب من راتب تقاعد، أو نحوه، فتأكل منه حتى تموت؛ فلا رحم هناك، ولا صلة، ولا ولي حميم. أما المرأة في الإسلام فكلما تقدم السن بها زاد احترامها، وعظم حقها، وتنافس أولادها وأقاربها على برها - كما سبق - لأنها أدت ما عليها، وبقي الذي لها عند أبنائها، وأحفادها، وأهلها، ومجتمعها. أما الزعم بأن العفاف والستر تخلف ورجعية - فزعم باطل، بل إن التبرج والسفور هو الشقاء والعذاب، والتخلف بعينه، وإذا أردت الدليل على أن التبرج هو التخلف فانظر إلى انحطاط خصائص الجنس البشري في الهمج العراة الذين يعيشون في المتاهات والأدغال على حال تقرب من البهيمية؛ فإنهم لا يأخذون طريقهم في مدارج الحضارة إلا بعد أن يكتسوا. ويستطيع المراقب لحالهم في تطورهم أن يلاحظ أنهم كلما تقدموا في الحضارة زاد نسبة المساحة الكاسية من أجسادهم، كما يلاحظ أن الحضارة الغربية في انتكاسها تعود في هذا الطريق القهقرى درجة درجة حتى تنتهي إلى العري الكامل في مدن العراة التي أخذت في الانتشار بعد الحرب العالمية الأولى، ثم استفحل داؤها في السنوات الأخيرة.

стр. 104

وهكذا تبين لنا عظم منزلة المرأة في الإسلام، ومدى ضياعها وتشردها إذا هي ابتعدت عن الإسلام.

стр. 105

١- أن حال المسلمين في عصورهم المتأخرة لا تمثل حقيقة الإسلام: فمن الظلم وقصور النظر أن تُجْعَلَ حال المسلمين في هذه العصور المتأخرة - هي الصورة التي تمثل الإسلام، فيُظن أن الإسلام لم يرفع عنهم الذلة، ولا التفرق، ولا الفقر. فعلى من يريد الحقيقة بعدل وإنصاف أن ينظر إلى دين الإسلام من خلال مصادره الصحيحة من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه سلف الأمة الصالح، وأن ينظر إلى الإسلام من خلال الكتب التي تتحدث عنه بعدل وعلم، فسيتبين له أن الإسلام يدعو إلى كل صلاح ديني ودنيوي، وأنه يحث على الاستعداد لتعلم العلوم النافعة، وأنه يدعو إلى تقوية العزائم، وجمع الكلمة. ثم إن انحرافات بعض المنتسبين إلى الإسلام - قلت أو كثرت - لا يجوز بحال من الأحوال أن تحسب على الدين أو أن يعاب بها، بل هو براء منها، وتبعة الانحراف تعود على المنحرفين أنفسهم؛ لأن الإسلام لم يأمرهم بذلك؛ بل نهاهم وزجرهم عن الانحراف عما جاء به.

стр. 106

ثم إن العدل يقتضي بأن يُنظر في حال القائمين بالدين حق القيام، والمنفذين لأوامره وأحكامه في أنفسهم وفي غيرهم؛ فإن ذلك يملأ القلوب إجلالا ووقارا لهذا الدين وأهله؛ فالإسلام لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من الإرشاد والتهذيب إلا حث عليها، ولا رذيلة أو مفسدة إلا صد عن سبيلها، وبذلك كان المعظمون لشأنه، المقيمون لشعائره في أعلى طبقة من أدب النفس، وتربيتها على محاسن الشيم، ومكارم الأخلاق، يشهد لهم بذلك القريب والبعيد، والموافق، والمخالف. أما مجرد النظر إلى حال المسلمين المفرطين في دينهم، الناكبين عن صراطه المستقيم - فليس من العدل في شيء، بل هو الظلم بعينه.

стр. 107

٢- أن تأخر المسلمين سببه البعد عن الدين: فلم يتأخر المسلمون عن ركب الحضارة، ولم يتفرقوا ويستذلوا إلا عندما فرطوا في دينهم، ونسوا حظا مما ذكروا به. فالإسلام دين الرقي، والتقدم، والزكاء، وعندما كان المسلمون متمسكين بدينهم حق التمسك دانت لهم أمم الأرض قروناً متطاولة، فنشروا فيها لواء الحكمة، والعدل، والعلم. وهل ترقت أمم الأرض، وبزَّت غيرها في الصناعات والاختراعات المذهلة إلا بعد أن استنارت عقول أهليها بعلوم المسلمين بعد الحروب الصليبية؟ ألم تكن تلك الأمم في القرون التي يسمونها القرون المظلمة في غاية الجهل، والهمجية؟ ألم يكن المسلمون هم سادة الخلق آنذاك؟ ألم تكن مدينة الإسلام هي المدنية الزاهرة الحقيقية؛ حيث كان روحها الدين والعدل، والرحمة، حتى لقد شملت بظلها الظليل، وإحسانها المتدفق جميع الناس حتى المخالفين والأعداء؟ فهل أخر المسلمين دينهم الحق؟ وهل منعهم من الرقي الحقيقي؟ وهل نفع الآخرين كفرهم بالله في تلك القرون الطويلة إذ كانوا هم الأذلين المخذولين؟

стр. 108

ثم لما قصر المسلمون في التمسك بدينهم، وقصروا في ترك الأخذ بالأسباب الموصلة إلى خيري الدنيا والآخرة - حل بهم التفكك والدمار. ثم إن التقدم المادي لا يكفي وحده، بل لا بد معه من الدين الحق الذي يزكي النفوس، ويرتقي بالأخلاق، فها هي أمم الكفر لما ارتقت في علوم المادة وأغفلت جانب الروح - ها هي تتخبط في تيهها وضلالها؛ فهل أغنت عنها تلك المدنية المادية فتيلا؟ ألم تكن حضارتها قائمة على الظلم، والجشع، والاستبداد، والاستعباد، والتسلط على الأمم الضعيفة؟ ألم ينتشر فيهم الخيانة، والسرقة، والانتحار، والقتل، والأمراض النفسية، والجنسية وغيرها؟ فهذا أكبر برهان على أن الرقي المادي ينقلب ضرراً على أهله إذا خلا من الدين الحق الذي تستنير به العقول، وتزكو به النفوس

стр. 109

٣- أن القول بأن الإسلام دين تطرف وإرهاب مردود على من قاله: فهو محض افتراء، ومحاولة للصد عنه؛ فالإسلام دين الرحمة، والرفق، والتسامح، وما السيف الذي يأمر الإسلام بانتضائه للجهاد في سبيل الله إلا كمبضع طبيب ناصح يشرط به جسم العليل؛ لينزف دمه الفاسد، حرصا على سلامته؛ فليس الغرض من الجهاد في الإسلام سفك الدماء، وإزهاق الأرواح، وإنما الغرض منه إعلاء كلمة الله، وتخليص البشر من عبادة البشر، ودلالتهم على عبادة رب البشر، كي يعيشوا حياة كريمة. وأمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس، وخير أمة جاهدت في سبيل الله فانتصرت، وغلبت فرحمت، وحكمت فعدلت، وساست فأطلقت الحرية من عقالها، وفجرت ينابيع الحكمة بعد نضوبها. واسأل التاريخ؛ فإنها قد استودعته من مآثرها الغُرِّ ما بَصُرَ بضوئه الأعمى، وازدهر في الأرض ازدهار الكواكب في كبد السماء. فماذا فعل المسلمون حين انتصروا على خصومهم؟ هل تكبروا، وتسلطوا، واستبدوا؟ وهل انتهكوا الأعراض، وقتلوا الشيوخ، والنساء، والأطفال؟

стр. 110

ماذا فعل النبي ﷺ عندما انتصر على خصومه الذين كانوا يؤذونه أشد الأذى؟ ألم يكن يصفح عنهم؟ ويمن عليهم بالسبي والأموال؟ وماذا فعل المسلمون عندما انتصروا على كسرى وقيصر؟ هل خانوا وغدروا؟ هل تعرضوا للنساء؟ وهل أساءوا للرهبان في الأديرة؟ وهل عاثوا في الأرض فسادا؟ وهل هدموا المنازل، وقطعوا الأشجار؟ وماذا فعل صلاح الدين لما انتصر على الصليبيين الذين فعلوا بالمسلمين الأفاعيل، ونكلوا بهم أيما تنكيل؟ فماذا فعل بهم صلاح الدين لما انتصر عليهم؟ ألم يصفح عن قائدهم؟ ويعالجه؟ ويطلق سراحه؟ فهذه المواقف النبيلة وأمثالها كثير في تاريخ المسلمين، مما كان له أبلغ الأثر في محبة الناس للإسلام، والدخول فيه عن قناعة ويقين. أفغير المسلمن يقوم بهذا؟ آلغرب يقدم مثل هذه النماذج؟ الجواب ما تراه، وتسمعه؛ فمن أين خرج هتلر، وموسيليني، ولينين، وستالين، ومجرمو الصرب؟ أليست أوربا هي التي أخرجت هؤلاء وأمثالهم من الشياطين الذين قتلوا الملايين من البشر، ولاقت منهم البشرية الويلات إثر الويلات؟
следующие страницы →