← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وفي لفظٍ للبخاريِّ (١): خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نرى إلا الحجَّ، فلمَّا قدِمنا تطوَّفنا بالبيت، فأمر النَّبيُّ ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحلَّ، فحلَّ من لم يكن ساق الهديَ، ونساؤه لم يَسُقْن فأحللن. وفي لفظٍ لمسلم (٢): دخل عليَّ رسول الله ﷺ وهو غضبانُ، فقلت: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النَّار. قال: «أوما شعرتِ أنِّي أمرتُ النَّاس بأمرٍ فإذا هم يتردَّدون، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سقتُ الهدي معي حتَّى أشتريه، ثمَّ أَحِلَّ كما حلُّوا». وقال مالك (٣): عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمرة، قالت: سمعتُ عائشة تقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس ليالٍ بقين لذي القعدة، ولا نرى إلا أنَّه الحجُّ، فلمَّا دنونا من مكَّة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هديٌ إذا طاف بالبيت وسعى بين الصَّفا والمروة أن يحلَّ. قال يحيى: فذكرتُ هذا الحديث للقاسم بن محمَّدٍ، فقال: أتتْك والله بالحديث على وجهه. وفي «صحيح مسلم» (٤) عن ابن عمر قال: حدَّثتني حفصة أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر أزواجه أن يحللْن عامَ حجَّة الوداع، فقلت: ما منعك أن تحلَّ؟ قال: «إنِّي لبَّدتُ رأسي، وقلَّدتُ بَدَنَتي، فلا أحلُّ حتَّى أنحر الهدي».

стр. 1052

وفي «صحيح مسلم» (١) عن أسماء بنت أبي بكر: خرجنا محرِمين فقال رسول الله: «من كان معه هديٌ فليقُمْ على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ فليحللْ»، فحللتُ. وذكر (٢) الحديث. وفي «صحيح مسلم» (٣) أيضًا عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرُخُ بالحجِّ صُراخًا، فلمَّا قدِمنا مكَّة أمرنا أن نجعلها عمرةً إلا من ساق الهدي. فلمَّا كان يوم التَّروية ورُحنا إلى منًى أهللنا بالحجِّ. وفي «صحيح البخاريِّ» (٤) عن ابن عبَّاسٍ قال: أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواجُ النَّبيِّ ﷺ في حجَّة الوداع وأهللنا، فلمَّا قدِمنا مكَّة قال رسول الله ﷺ : «اجعلوا إهلالكم بالحجِّ عمرةً إلا من قلَّد الهدي ... »، وذكر الحديث. وفي «السُّنن» (٥) عن البراء بن عازبٍ: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه فأحرمنا (٦) بالحجِّ، فلمَّا قدِمنا مكَّة قال: «اجعلوا حجَّكم عمرةً». فقال النَّاس: يا رسول اللَّه، قد أحرمنا بالحجِّ، فكيف نجعلها عمرةً؟ قال: «انظروا

стр. 1053

ما آمرُكم به فافعلوه»، فردُّوا (١) عليه القول، فغضب ثمَّ انطلق حتَّى دخل على عائشة غضبانَ، فرأتِ الغضبَ في وجهه، فقالت: من أغضبكَ أغضبه اللَّه، قال: «وما لي لا أغضبُ وأنا آمرُ أمرًا فلا أُتَّبَع». ونحن نُشهِد الله علينا أنَّا لو أحرمنا بحجٍّ لرأينا فرضًا علينا فسخَه إلى عمرةٍ، تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ واتِّباعًا لأمره. فواللَّه ما نُسِخ هذا في حياته ولا بعده، ولا صحَّ حرفٌ واحدٌ يعارضه، ولا خصَّ به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى الله سبحانه على لسان سُراقة أن سأله: هل ذلك مختصٌّ بهم؟ فأجابه بأنَّ ذلك كائنٌ لأبد الأبد، فما ندري ما نقدِّم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكَّد الذي قد غضب رسول الله ﷺ على من خالفه. وللَّه درُّ (٢) الإمام أحمد إذ يقول لسلمة بن شَبِيْب، وقد قال له (٣): يا أبا عبد الله، كلُّ أمرك عندي حسنٌ إلا خلَّةً واحدةً، قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحجِّ إلى العمرة، فقال: يا سلمة! كنتُ أرى لك عقلًا، عندي في ذلك أحد عشر حديثًا صِحاحًا عن رسول الله ﷺ ، أتركُها لقولك؟! (٤) وفي «السُّنن» (٥) عن البراء بن عازبٍ: أنَّ عليًّا لمَّا قدِم على رسول الله

стр. 1054

- ﷺ من اليمن، أدرك فاطمة وقد لبستْ ثيابًا صَبِيغًا، ونضحَتِ البيت بنَضُوحٍ (١)، فقال: ما لك؟ قالت: فإنّ رسول الله ﷺ أمر أصحابه فحَلُّوا. وقال ابن أبي شيبة (٢): ثنا ابن فُضيلٍ، عن يزيد، عن مجاهد قال: قال عبد الله بن الزبير: أفرِدوا الحجَّ ودَعُوا قولَ أعماكم هذا. فقال عبد الله بن عبَّاسٍ: إنَّ الذي أعمى الله قلبه لأنت، ألا تسأل أمَّك عن هذا؟ فأرسلَ إليها، فقالت: صدق ابن عبَّاسٍ، جئنا مع رسول الله ﷺ حُجَّاجًا، فجعلناها عمرةً، فحللنا الإحلالَ كلَّه، حتَّى سَطعت المجامرُ بين الرِّجال والنِّساء. وفي «صحيح البخاريِّ» (٣) عن أبي شهابٍ (٤)، قال: دخلتُ على عطاء أستفتيه، فقال: حدَّثني جابر بن عبد اللَّه أنَّه حجَّ مع النَّبيِّ ﷺ يومَ ساق البُدْنَ معه، وقد أهلُّوا بالحجِّ مفردًا، فقال لهم: «أحِلُّوا من إحرامكم بطوافٍ بالبيت وبين الصَّفا والمروة، وقَصِّروا، ثمَّ أقيموا حلالًا، حتَّى إذا كان يوم التَّروية فأهِلُّوا بالحجِّ، واجعلوا الَّتي قدِمتم بها متعةً». فقالوا: كيف نجعلها متعةً وقد سمَّينا الحجَّ؟ فقال: «افعلوا ما أمرتُكم، فلولا أنِّي سقتُ الهدي لفعلتُ مثلَ الذي أمرتُكم، ولكن لا يحلُّ منِّي حرامٌ حتَّى يبلغ الهديُ محِلَّه»، ففعلوا.

стр. 1055

وفي «صحيحه» (١) أيضًا عنه: أهلَّ النَّبيُّ ﷺ وأصحابه بالحجِّ ... وذكر الحديث وفيه: فأمر النَّبيُ ﷺ أصحابه أن يجعلوها عمرةً، ويطوفوا ثمَّ يقصِّروا إلا من ساق الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منًى وذَكَرُ أحدِنا يقطُر؟ فبلغ النَّبيَّ ﷺ ، فقال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، ولولا أنَّ معي الهديَ لأحللتُ». وفي «صحيح مسلم» (٢) عنه في حجَّة الوداع: حتَّى إذا قدِمنا مكَّة طُفنا بالكعبة وبالصَّفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحلَّ منَّا من لم يكن معه هديٌ، قال: فقلنا: حلُّ ماذا؟ قال: الحلُّ كلُّه، فواقعنا النِّساء، وتطيَّبنا بالطِّيب، ولبسنا ثيابنا، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربعُ ليالٍ، ثمَّ أهللنا يوم التَّروية. وفي لفظٍ آخر لمسلم (٣): «فمن كان منكم ليس معه هديٌ فليحِلَّ، وليجعلْها عمرةً»، فحلَّ النَّاس كلُّهم وقصَّروا، إلا النَّبيَّ ﷺ ومن كان معه هديٌ، فلمَّا كان يوم التَّروية توجَّهوا إلى منًى، فأهلُّوا بالحجِّ. وفي «مسند البزار» (٤) بإسنادٍ صحيحٍ عن أنس أنَّ النَّبيَّ ﷺ أهلَّ هو وأصحابه بالحجِّ والعمرة، فلمَّا قدِموا مكَّة طافوا بالبيت والصَّفا والمروة، أمرهم رسول الله ﷺ أن يحلُّوا، فهابوا ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «أحِلُّوا، فلولا أنَّ معي الهدي لأحللتُ»، فأحَلُّوا حتَّى حلُّوا إلى النِّساء.

стр. 1056

وفي «صحيح البخاريِّ» (١) عن أنس قال: صلَّى رسول الله ﷺ ونحن معه بالمدينة الظُّهر أربعًا، والعصرَ بذي الحُليفة ركعتين، ثمَّ بات بها حتَّى أصبح، ثمَّ ركب حتَّى استوت به راحلته على البيداء، حَمِد اللَّه وسبَّح ثمَّ أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ، وأهلَّ النَّاس بهما، فلمَّا قدِمنا أمر النَّاس فحلُّوا، حتَّى إذا كان يوم التَّروية أهلُّوا بالحجِّ ... وذكر باقي الحديث. وفي «صحيحه» (٢) عن أبي موسى قال: بعثني النبي ﷺ إلى قومي باليمن، فجئتُ وهو بالبطحاء، فقال: «بم أهللتَ؟»، قلتُ: كإهلال النَّبيِّ ﷺ ، فقال: «هل معك من هديٍ؟» قلت: لا، فأمرني فطفتُ بالبيت وبالصَّفا والمروة، ثمَّ أمرني فأحللتُ. وفي «صحيح مسلم» (٣): أنَّ رجلًا قال لابن عبَّاسٍ: ما هذه الفتيا الَّتي قد تَشغَّبتْ بالنَّاس، أنَّ من طاف بالبيت فقد حلَّ؟ فقال: سنَّة نبيِّكم ﷺ وإن رَغِمْتم. وصدق ابن عبَّاسٍ، كلُّ من طاف بالبيت ممَّن لا هديَ معه من مفرِدٍ أو قارنٍ أو متمتِّعٍ، فقد حلَّ إمَّا وجوبًا، وإمَّا حكمًا. هذه هي السُّنَّة الَّتي لا رادَّ لها ولا مدفعَ، وهذا كقوله ﷺ : «إذا أدبر النَّهارُ من هاهنا، وأقبل اللَّيلُ من هاهنا، فقد أفطر الصَّائم» (٤)، إمَّا أن يكون المعنى: أفطر حكمًا، أو دخل وقت

стр. 1057

فطرِه، وصار الوقت في حقِّه وقت إفطارٍ. فهكذا هذا الذي قد (١) طاف بالبيت، إمَّا أن يكون قد حلَّ حكمًا، وإمَّا أن يكون ذلك الوقت في حقِّه ليس وقتَ إحرامٍ، بل هو وقت حلٍّ ليس إلَّا، ما لم يكن معه هديٌ. وهذا صريح السُّنَّة. وفي «صحيح مسلم» (٢) أيضًا عن عطاء قال: كان ابن عبَّاسٍ يقول: لا يطوف بالبيت حاجٌّ ولا غير حاجٍّ إلا حلَّ. وكان يقول بعد المعرَّف وقبله، وكان يأخذ ذلك من أمر النَّبيِّ ﷺ حين أمرهم أن يحلُّوا في حجَّة الوداع. وفي «صحيح مسلم» (٣) عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «هذه عمرةٌ استمتعنا بها، فمن لم يكن معه هديٌ فليحلَّ الحلَّ كلَّه، فقد دخلت العمرة في الحجِّ إلى يوم القيامة». وقال عبد الرزاق (٤): ثنا معمر، عن قتادة، عن أبي الشعثاء، عن ابن عبَّاسٍ قال: من جاء مُهِلًّا بالحجِّ فإنَّ الطَّواف بالبيت يصيِّره إلى عمرةٍ، شاء أو أبى. قلت: إنَّ النَّاس ينكرون ذلك عليك، قال: هي سنَّة نبيِّهم (٥) وإن رَغِموا. وقد روى هذا عن النِّبيِّ ﷺ من سمَّينا وغيرهم؛ وروى ذلك عنهم طوائفُ من كبار التَّابعين، حتَّى صار منقولًا نقلًا يرفع الشَّكَّ ويوجب اليقينَ،

стр. 1058

ولا يمكن أحدًا أن ينكره أو يقول: لم يقع، وهو مذهب أهل بيت رسول الله ﷺ ، ومذهب حَبْر الأمَّة وبحرها ابن عبَّاسٍ وأصحابه، ومذهب أبي موسى الأشعريِّ، ومذهب إمام أهل السُّنَّة والحديث وأتباعه أحمد بن حنبلٍ، وأهل الحديث معه، ومذهب عبيد الله (١) بن الحسن العنبري قاضي البصرة، ومذهب أهل الظَّاهر (٢). والَّذين خالفوا هذه الأحاديث لهم أعذارٌ: العذر الأوَّل: أنَّها منسوخةٌ. العذر الثَّاني: أنَّها مخصوصةٌ بالصَّحابة، لا يجوز لغيرهم مشاركتهم في حكمها. العذر الثَّالث: معارضتها بما يدلُّ على خلاف حكمها. هذا مجموع ما اعتذروا به عنها. ونحن نذكر هذه الأعذار عذرًا عذرًا، ونبيِّن ما فيها بمعونة الله وتوفيقه. فأما العذر الأوَّل ــ وهو النَّسخ ــ فيحتاج إلى أربعة أمورٍ لم يأتوا منها بشيءٍ: إلى نصوصٍ أُخَر، ثم تكون تلك النُّصوص معارضةً لهذه، ثمَّ تكون مع المعارضة مقاومةً لها، ثمَّ يثبت تأخُّرها عنها. قال المدَّعون للنَّسخ: قال عمر بن الخطاب السجستاني (٣): ثنا الفاريابي، ثنا أبان بن أبي حازم، قال: حدَّثني أبو بكر بن حفص، عن ابن

стр. 1059

عمر، عن عمر بن الخطَّاب أنَّه قال لمَّا ولي: يا أيُّها النَّاس، إنَّ رسول الله ﷺ أحلَّ لنا المتعة ثمَّ حرَّمها علينا. رواه البزار في «مسنده» (١) عنه. قال المستحبون للفسخ: عجبًا لكم في مقاومة الجبال الرَّواسي الَّتي لا تُزعزِعها الرِّياح بكثيبٍ مَهِيلٍ تَسْفِيه (٢) الرِّياح يمينًا وشمالًا! فهذا الحديث لا سندَ ولا متنَ، أمَّا سنده فإنَّه لا تقوم به حجَّةٌ عند أهل الحديث، وأمَّا متنه فإنَّ المراد بالمتعة فيه متعة النِّساء الَّتي أحلَّها رسول الله ﷺ ثمَّ حرَّمها، لا يجوز فيه غير ذلك البتَّة لوجوهٍ: أحدها: إجماع الأمَّة على أنَّ متعة الحجِّ غير محرَّمةٍ، بل إمَّا واجبةٌ، أو أفضلُ الأنساك على الإطلاق، أو مستحبَّةٌ، أو جائزةٌ، ولا نعلم للأمَّة قولًا خامسًا فيها بالتَّحريم. الثَّاني: أنَّ عمر بن الخطَّاب صحَّ عنه من غير وجهٍ أنَّه قال: لو حججتُ لتمتَّعتُ، ثمَّ لو حججتُ لتمتَّعتُ. ذكره الأثرم في «سننه» وغيره. وذكر عبد الرزاق في «مصنَّفه» (٣) عن سالم بن عبد اللَّه أنَّه سُئل: أنهى عمر عن متعة الحجِّ؟ قال: لا، أبعدَ كتاب الله تعالى؟ وذكر (٤) عن نافع أنَّ رجلًا قال له: أنهى عمر عن متعة الحجِّ؟ قال: لا.

стр. 1060

وذكر أيضًا (١) عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: هذا الذي يزعمون أنَّه نهى عن المتعة (٢)، يعني عمر، سمعته يقول: لو اعتمرتُ ثمَّ حججتُ لتمتَّعت. قال ابن حزمٍ (٣): صحَّ عن عمر الرُّجوع إلى القول بالتَّمتُّع بعد النَّهي عنه، ومحالٌ أن يرجع إلى القول بما صحَّ عنده (٤) أنَّه منسوخٌ. الثَّالث: أنَّه من المحال أن ينهى عنها وقد قال لمن سأله: هل هي لعامهم ذلك أو للأبد؟ فقال: بل للأبد، وهذا قطعٌ لتوهُّمِ ورود النَّسخ عليها. وهذا أحد الأحكام الَّتي يستحيل ورود النَّسخ عليها، وهو الحكم الذي أخبر الصَّادق المصدوق باستمراره ودوامه، فإنَّه لا خُلْفَ لخبره. فصل العذر الثَّاني: دعوى اختصاص ذلك بالصَّحابة، واحتجُّوا بوجوهٍ: أحدها: ما رواه عبد الله بن الزُّبير الحميديُّ (٥)، ثنا سفيان عن يحيى بن سعيدٍ، عن المرقّع، عن أبي ذر أنَّه قال: كان فسخُ الحجِّ من رسول الله ﷺ لنا خاصَّةً. وقال وكيعٌ (٦): ثنا موسى بن عُبيدة، ثنا يعقوب بن زيد، عن أبي ذر قال:

стр. 1061

لم يكن لأحدٍ بعدنا أن يجعل حجَّته في عمرة، إنَّها كانت رخصةً لنا أصحاب محمَّدٍ ﷺ . وقال البزار (١): ثنا يوسف بن موسى، ثنا سلمة بن الفضل، ثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن الأسدي، عن يزيد بن شريك، قلنا لأبي ذر: كيف تمتَّع رسول الله ﷺ وأنتم معه؟ قال: وما أنتم وذاك، إنَّما ذاك شيءٌ رُخِّص لنا فيه، يعني المتعة. وقال البزار (٢): ثنا يوسف بن موسى، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن أبي بكر التيمي (٣)، عن أبيه والحارث بن سُويدٍ قالا: قال أبو ذر في الحجِّ والمتعة: رخصةٌ أعطاناها رسول الله ﷺ . وقال أبو داود (٤): ثنا هنَّاد بن السَّريِّ، عن ابن أبي زائدة، أبنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرَّحمن بن الأسود، عن سليمان (٥) أو سُلَيم بن الأسود أنَّ أبا ذر كان يقول فيمن (٦) حجَّ ثمَّ فسخها عمرةً: لم يكن ذلك إلا للرَّكْب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ .

стр. 1062

وفي «صحيح مسلم» (١) عن أبي ذر قال: كانت المتعة في الحجِّ لأصحاب محمَّدٍ ﷺ خاصَّةً. وفي لفظٍ (٢): كانت لنا رخصةً، يعني المتعة في الحجِّ. وفي لفظٍ آخر (٣): لا تصلحُ المتعتان إلا لنا خاصَّةً، يعني متعة النِّساء ومتعة الحجِّ. وفي لفظٍ آخر (٤): إنَّما كانت لنا خاصَّةً دونكم، يعني متعة الحجِّ. وفي «سنن النَّسائيِّ» (٥) بإسنادٍ صحيحٍ عن إبراهيم التَّيميِّ، عن أبيه، عن أبي ذر في متعة الحجِّ: ليست لكم، ولستم منها في شيءٍ، إنَّما كانت رخصةً لنا أصحابَ محمد ﷺ . وفي «سنن أبي داود والنَّسائيِّ» (٦) من حديث بلال بن الحارث قال: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ فسخَ الحجِّ في العمرة لنا خاصَّةً أم للنَّاس عامَّةً؟ فقال رسول الله ﷺ : «بل لنا خاصَّةً». ورواه الإمام أحمد. وفي «سنن أبي داود» (٧) بإسنادٍ صحيحٍ عن إبراهيم التَّيميِّ، عن أبيه قال:

стр. 1063

سئل عثمان عن متعة الحجِّ، فقال: كانت لنا، ليست لكم. هذا مجموع ما استدلُّوا به على التَّخصيص بالصَّحابة. قال المجوِّزون للفسخ والموجبون له: لا حجَّةَ لكم في شيءٍ من ذلك، فإنَّ هذه الآثار بين باطلٍ لا يصحُّ عمَّن نُسِب إليه البتَّة، وبين صحيحٍ عن قائلٍ غير معصومٍ لا تُعارَضُ به نصوصُ المعصوم. أمَّا الأوَّل: فإنَّ المرقّع ليس ممَّن تقوم بروايته حجَّةٌ، فضلًا عن أن يُقدَّم على النُّصوص الصَّحيحة غير المرقَّعة (١). قال أحمد بن حنبلٍ ــ وقد عورض بحديثه ــ: ومن المرقَّع الأسدي؟ وقد روى أبو ذر (٢) عن النَّبيِّ ﷺ الأمر بفسخ الحجِّ إلى العمرة. وغاية ما نُقل عنه ــ إن صحَّ ــ أنَّ (٣) ذلك مختصٌّ بالصَّحابة فهو رأيه. وقد قال ابن عبَّاسٍ وأبو موسى الأشعريُّ: إنَّ ذلك عامٌّ للأمَّة. فرأيُ أبي ذر معارضٌ برأيهما، وسَلِمت النُّصوص الصَّحيحة الصَّريحة.

стр. 1064

ثمَّ من المعلوم أنَّ دعوى الاختصاص باطلةٌ بنصِّ النَّبيِّ ﷺ أنَّ تلك العمرة الَّتي وقع السُّؤال عنها وكانت عمرةَ فسخٍ لأبدِ الأبد، لا تختصُّ بقرنٍ دون قرنٍ، وهذا أصحُّ سندًا من المرويِّ عن أبي ذر، وأولى أن يؤخذ به منه لو صحَّ عنه. وأيضًا، فإذا رأينا أصحاب رسول الله ﷺ قد اختلفوا في أمرٍ صحَّ عن النبي ﷺ أنَّه فعله أو أمر به، فقال بعضهم: هو منسوخٌ أو خاصٌّ، وقال بعضهم: هو باقٍ إلى الأبد، فقول من ادَّعى نسخَه أو اختصاصه مخالفٌ للأصل، فلا يُقبل إلا ببرهانٍ، وأقلُّ ما في الباب معارضتُه بقول من ادَّعى بقاءه وعمومه، والحجَّة تَفصِل بين المتنازعين، والواجب الردُّ عند التَّنازع إلى الله ورسوله. فإذا قال أبو ذر وعثمان: إنَّ الفسخ منسوخٌ أو خاصٌّ، وقال أبو موسى وعبد الله بن عبَّاسٍ: إنَّه باقٍ وحكمه عامٌّ، فعلى من ادَّعى النَّسخ والاختصاصَ الدَّليلُ. وأمَّا حديثه المرفوع ــ حديث بلال بن الحارث ــ فحديثٌ لا يثبت (١)، ولا يُعارَض بمثله (٢) تلك الأساطين الثَّابتة. قال عبد الله بن أحمد (٣): كان أبي يرى للمهلِّ بالحجِّ أن يفسخ حجَّه إذا طاف بالبيت وبين الصَّفا والمروة. وقال في المتعة: هو آخر الأمرين من رسول الله ﷺ . وقال ﷺ : «اجعلوا حجَّكم عمرةً». قال عبد الله: فقلت لأبي:

стр. 1065

فحديث بلال بن الحارث في فسخ الحجِّ، يعني قوله لنا خاصَّةً؟ قال: لا أقول به، لا يُعرَف هذا الرَّجل، هذا حديثٌ ليس إسناده بالمعروف، ليس حديث بلال بن الحارث عندي يثبت. هذا لفظه. قلت: وممَّا يدلُّ على صحَّة قول الإمام أحمد وأنَّ هذا الحديث لا يصحُّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبر عن تلك المتعة الَّتي أمرهم أن يفسخوا حجَّهم إليها أنَّها لأبدِ الأبد، فكيف يثبت عنه بعد هذا أنَّها لهم خاصَّةً؟ هذا من أمحل (١) المحال. وكيف يأمرهم بالفسخ ويقول: «دخلت العمرةُ في الحجِّ إلى يوم القيامة»، ثمَّ يثبت عنه أنَّ ذلك مختصٌّ بالصَّحابة دون من بعدهم؟ فنحن نشهد بالله أنَّ حديث بلال بن الحارث هذا لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ، وهو غلطٌ عليه. وكيف تُقدَّم رواية بلال بن الحارث على روايات الثِّقات الأثبات حملةِ العلم الذين رووا عن رسول الله ﷺ خلافَ روايته؟ ثمَّ كيف يكون هذا ثابتًا عن رسول الله ﷺ وابن عبَّاسٍ يفتي بخلافه، ويناظر عليه طولَ عمره بمشهدٍ من الخاصِّ والعامِّ، وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، ولا يقول له رجلٌ واحدٌ منهم: هذا كان مختصًّا بنا ليس لغيرنا، حتَّى يظهر بعد موت الصَّحابة أنَّ أبا ذر كان يرى ويروي (٢) اختصاصَ ذلك بهم؟ وأمَّا قول عثمان ﵁ في متعة الحجِّ: إنَّها كانت لهم ليست لغيرهم، فحكمه حكم قول أبي ذر سواءٌ على أنَّ المرويَّ عن أبي ذر وعثمان يحتمل ثلاثة أمورٍ:

стр. 1066

أحدها: اختصاص جواز ذلك بالصَّحابة، وهو الذي فهمه من حرَّم الفسخ. الثَّاني: اختصاص وجوبه بالصَّحابة، وهو الذي كان يراه شيخنا قدَّس الله روحه، يقول (١): إنَّهم كانوا فرضًا (٢) عليهم الفسخُ لأمر رسول الله ﷺ لهم به، وحَتْمه عليهم، وغضبه عندما توقَّفوا في المبادرة إلى امتثاله، وأمَّا الجواز والاستحباب فللأمَّة إلى يوم القيامة. لكن أبى ذلك البحر ابن عبَّاسٍ، وجعل الوجوب للأمَّة إلى يوم القيامة، وأنَّ فرضًا على كلِّ مفردٍ وقارنٍ لم يسُقِ الهدي أن يحلَّ ولا بدَّ، بل قد حلَّ وإن لم يشأ. وأنا إلى قوله أميلُ منِّي إلى قول شيخنا. الاحتمال الثَّالث: أنَّه ليس لأحدٍ بعد الصَّحابة أن يبتدئ حجًّا مفردًا أو قارنًا بلا هديٍ، يحتاج معه إلى الفسخ، لكنْ فرضٌ عليه أن يفعل ما أمر به النَّبيُّ ﷺ أصحابه في آخر الأمر من التَّمتُّع لمن لم يسق الهدي، والقران لمن ساق، كما صحَّ عنه ذلك. وأمَّا أن يُحرِم بحجٍّ مفردٍ، ثمَّ يفسخه عند الطَّواف إلى عمرةٍ مفردةٍ، ويجعله متعةً= فليس له ذلك، بل هذا إنَّما كان للصَّحابة، فإنَّهم ابتدؤوا الإحرام بالحجِّ المفرد قبل أمر النَّبيِّ ﷺ بالتَّمتُّع والفسخ إليه، فلمَّا استقرَّ أمره بالتَّمتُّع والفسخ إليه لم يكن لأحدٍ أن يخالفه ويفرِد ثمَّ يفسخه. وإذا تأمَّلتَ هذين الاحتمالين الأخيرين رأيتهما إمَّا راجحين على

стр. 1067

الاحتمال الأوَّل، أو مساويينِ له، فسقط معارضة الأحاديث الثَّابتة الصَّريحة به جملةً، وباللَّه التَّوفيق. وأمَّا ما رواه مسلم في «صحيحه» عن أبي ذر: أنَّ المتعة في الحجِّ كانت لهم خاصَّةً، فهذا إن أريد به أصل المتعة فهذا لا يقول به أحدٌ من المسلمين، بل المسلمون متَّفقون على جوازها إلى يوم القيامة. وإن أريد متعة الفسخ احتمل الوجوه الثَّلاثة المتقدِّمة. قال الأثرم في «سننه» (١): ذكر لنا أحمد بن حنبلٍ أنَّ عبد الرحمن بن مهديٍّ حدَّثه عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التَّيميِّ، عن أبيه (٢)، عن أبي ذر في متعة الحجِّ: كانت لنا خاصَّةً. فقال أحمد بن حنبلٍ: رحم الله أبا ذر، هي في كتاب الله : ﴿أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال المانعون من الفسخ: قول أبي ذر وعثمان: إنَّ ذلك منسوخٌ أو خاصٌّ بالصَّحابة، لا يقال مثله بالرَّأي، فمع قائله زيادةُ علمٍ خفيتْ على من ادَّعى بقاءه وعمومه، فإنَّه مستصحبٌ لحال النَّصِّ بقاءً وعمومًا، فهو بمنزلة صاحب اليد في العين المدَّعاة، ومدِّعي نسخه أو اختصاصه بمنزلة صاحب البيِّنة الذي يُقدَّم على صاحب اليد. قال المجوِّزون للفسخ: هذا قولٌ فاسدٌ لا شكَّ فيه، بل هذا رأيٌ لا شكَّ فيه، وقد صرَّح بأنَّه رأيُ مَن هو أعظم من عثمان وأبي ذر: عمرانُ بن

стр. 1068

حُصينٍ، ففي «الصَّحيحين» (١) ــ واللَّفظ للبخاريِّ ــ: تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ ونزل القرآن، قال رجلٌ برأيه ما شاء. ولفظ مسلم (٢): نزلت آية المتعة في كتاب الله ، يعني متعة الحجِّ، وأمر بها رسول الله ﷺ ، ثمَّ لم تنزل آيةٌ تنسخ متعة الحجِّ، ولم ينهَ عنها رسول الله ﷺ حتَّى مات. قال رجلٌ برأيه ما شاء. وفي لفظٍ (٣): يريد عمر. وقال عبد الله بن عمر لمن سأله عنها وقال له إنَّ أباك نهى عنها: أفرسولُ (٤) الله ﷺ أحقُّ أن يُتَّبع أو أبي؟ (٥). وقال ابن عبَّاسٍ لمن كان يعارضه فيها بأبي بكر وعمر: يُوشِك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السَّماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون (٦): قال أبو بكر وعمر! (٧).

стр. 1069

فهذا جواب العلماء، لا جواب من يقول عثمان وأبو ذر أعلمُ برسول الله ﷺ منكم، فهلَّا قال ابن عبَّاسٍ وعبد الله بن عمر: أبو بكر وعمر أعلمُ برسول الله ﷺ منَّا، ولم يكن أحدٌ من الصَّحابة ولا من التَّابعين يرضى بهذا الجواب في دفع نصٍّ عن رسول الله ﷺ ، وهم كانوا أعلمَ بالله ورسوله وأتقى له من أن يقدِّموا على قول المعصوم رأيَ غير المعصوم. ثمَّ قد ثبت النَّصُّ عن المعصوم بأنَّها باقيةٌ إلى يوم القيامة، وقد قال ببقائها: عليُّ بن أبي طالبٍ، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وابن عمر، وابن عبَّاسٍ، وأبو موسى، وسعيد بن المسيَّب، وجمهور التَّابعين (١). ويدلُّ على أنَّ ذلك رأيٌ محضٌ لا يُنسَب إلى أنَّه مرفوعٌ إلى النَّبيِّ ﷺ : أنَّ عمر بن الخطَّاب ﵁ لمَّا نهى عنها قال له أبو موسى الأشعريُّ: يا أمير المؤمنين! ما أحدثتَ في شأن النُّسك؟ فقال: إن نأخذ بكتاب ربِّنا فإنَّ الله يقول: ﴿(١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإن نأخذ بسنَّة رسول الله ﷺ فإنَّ رسول الله ﷺ لم يحلَّ حتَّى نحر. فهذا اتِّفاقٌ من أبي موسى وعمر على (٢) أنَّ منع الفسخ إلى المتعة أو الإحرام بها ابتداءً إنَّما هو رأيٌ منه أحدثَه في النُّسك، ليس عن رسول الله ﷺ . وإن استدلَّ له بما استدلَّ. وأبو موسى كان يفتي النَّاس بالفسخ في خلافة أبي بكر كلِّها، وصدرًا من خلافة عمر، حتَّى فاوض عمر في نهيه عن ذلك، واتَّفقا على أنَّه رأيٌ أحدثه عمر في النُّسك، ثمَّ صحَّ عنه الرُّجوعُ عنه.

стр. 1070

فصل وأمَّا العذر الثَّالث، وهو معارضة أحاديث الفسخ بما يدلُّ على خلافها، فذكروا منها ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) من حديث الزُّهريِّ عن عروة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع، فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بحجٍّ، حتَّى قدِمنا مكَّة، فقال رسول الله ﷺ : «من أحرم بعمرةٍ ولم يُهْدِ فليحللْ، ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى فلا يحلَّ حتَّى ينحر هديه، ومن أهلَّ بحجٍّ فليتمَّ حجَّه»، وذكر باقي الحديث. ومنها: ما رواه في «صحيحه» (٢) أيضًا من حديث مالك عن أبي الأسود، عن عروة عنها: خرجنا مع رسول الله ﷺ عامَ حجَّة الوداع، فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ (٣)، ومنَّا من أهلَّ بالحجِّ، وأهلَّ رسول الله ﷺ بالحجِّ، فأمَّا من أهلَّ بعمرةٍ فحلَّ، وأمَّا من أهلَّ بحجٍّ أو جمع الحجَّ والعمرة فلم يحلُّوا حتَّى كان يوم النَّحر. ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة (٤)، قال: ثنا محمَّد بن بِشرٍ العبديُّ، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة، قال: حدَّثني يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ للحجِّ على ثلاثة أنواعٍ: فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ وحجَّةٍ، ومنَّا من أهلَّ بحجٍّ مفردٍ، ومنَّا من أهلَّ بعمرةٍ مفردةٍ، فمن كان أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ معًا لم يحلِلْ من شيءٍ ممَّا حَرُم منه حتَّى يقضي

стр. 1071

مناسك الحجِّ، ومن أهلَّ بحجٍّ مفردٍ لم يحلِلْ من شيءٍ ممَّا حرم منه حتَّى يقضي مناسك الحجِّ، ومن أهلَّ بعمرةٍ مفردةٍ فطاف بالبيت وبالصَّفا والمروة حلَّ ممَّا حرم منه حتَّى يستقبل حجًّا. ومنها: ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) من حديث ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن محمد بن نوفل: أنَّ رجلًا من أهل العراق قال له: سَلْ لي عروة بن الزُّبير عن رجلٍ أهلَّ بالحجِّ، فإذا طاف بالبيت أيحلُّ أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل، ... فذكر الحديث. وفيه: قد حجَّ رسول الله ﷺ ، فأخبرتني عائشة أنه أوَّل شيءٍ بدأ به حين قدم مكَّة أنَّه توضَّأ فطاف بالبيت. ثمَّ حجَّ أبو بكر، فكان أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ. ثمَّ عمر مثل ذلك، ثمَّ حجَّ عثمان، فرأيته أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ. ثمَّ معاوية وعبد الله بن عمر. ثمَّ حججتُ مع أبي الزُّبير بن العوَّام، فكان أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ. ثمَّ رأيتُ المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثمَّ لم تكن عمرةٌ. ثمَّ آخر من رأيتُ فعلَ ذلك ابن عمر، ثمَّ لم ينقُضْها بعمرةٍ، فهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه؟ ولا أحدٌ ممَّن مضى ما كانوا يبدؤون بشيءٍ حين يضعون أقدامَهم أوَّلَ من الطَّواف بالبيت، ثمَّ لا يحلُّون. وقد رأيتُ أمِّي وخالتي حين تَقدَمانِ لا تبدآنِ بشيءٍ أوَّلَ من البيت، تطوفان به ثمَّ لا تحلَّان. فهذا مجموع ما عارضوا به أحاديث الفسخ، ولا معارضةَ فيها بحمد الله ومنِّه.

стр. 1072

أمَّا الحديث الأوَّل ــ وهو حديث الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة ــ فغلِطَ فيه عبد الملك بن شعيب، أو أبوه شعيب، أو جدُّه الليث، أو شيخه عُقَيل، فإنَّ الحديث قد رواه مالك ومعمر والنَّاس عن الزُّهريِّ عن عروة عنها، وبيَّنوا أنَّ النبيَّ ﷺ أمر من لم يكن معه هديٌ إذا طاف وسعى أن يحلَّ: فقال مالك عن يحيى بن سعيدٍ عن عَمرة عنها: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس ليالٍ بقين لذي القعدة، ولا نرى إلا الحجَّ، فلمَّا دنونا من مكَّة أمر رسول الله ﷺ مَن لم يكن معه هديٌ إذا طاف بالبيت وسعى بين الصَّفا والمروة أن يحلَّ، وذكر الحديث. قال يحيى: فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمَّدٍ، فقال: أتتْك والله بالحديث على وجهه (١). وقال منصور عن إبراهيم عن الأسود عنها: خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نرى إلا الحجَّ، فلمَّا قدِمنا تطوَّفنا بالبيت، فأمر النَّبيُّ ﷺ مَن لم يكن ساق الهدي أن يحلَّ، فحلَّ من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يَسُقْن فأحللن (٢). وقال مالك ومعمر كلاهما عن ابن شهابٍ عن عروة عنها: خرجنا مع رسول الله ﷺ عامَ حجَّة الوداع فأهللنا بعمرةٍ، ثمَّ قال رسول الله ﷺ : «من كان معه هديٌ فليهللْ بالحجِّ مع العمرة، ولا يحلَّ حتَّى يحلَّ منهما جميعًا» (٣). وقال ابن شهابٍ عن عروة عنها، بمثل الذي أخبره سالم عن أبيه عن

стр. 1073

النَّبيِّ ﷺ . ولفظه: تمتَّع رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع بالعمرة إلى الحجِّ وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحُليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ، فتمتَّع النَّاس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ، وكان من النَّاس من أهدى فساق معه الهدي، ومنهم من لم يُهدِ. فلمَّا قدِمَ النَّبيُّ ﷺ [مكَّة] (١) قال للنَّاس: «من كان منكم أهدى فإنَّه لا يحلُّ من شيءٍ حَرُمَ منه حتَّى يقضي حجَّه، ومن لم يكن أهدى فليطُفْ بالبيت وبالصَّفا والمروة، وليقصِّر وليحلِلْ، ثمَّ ليهلَّ بالحجِّ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيَّامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله»، وذكر باقي الحديث (٢). وقال عبد العزيز الماجشون عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحجَّ ... فذكر الحديث. وفيه: قالت: فلمَّا قدمتُ مكَّة قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «اجعلوها عمرةً»، فأحلَّ النَّاس إلا من كان معه الهدي (٣). وقال الأعمش عن إبراهيم عن عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحجَّ، فلمَّا قدِمنا أمرنا أن نحلَّ، ... وذكر الحديث (٤). وقال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نذكر إلا الحجَّ، فلمَّا جئنا سَرِفَ طمِثْتُ. قالت: فدخل عليَّ

стр. 1074

رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قال: «ما يبكيك؟»، قالت: فقلت: والله لوددتُ أن لا أحجَّ العامَ ... ، فذكر الحديث. وفيه: فلمَّا قدِمنا مكَّة قال النَّبيُّ ﷺ : «اجعلوها عمرةً»، قالت: فحلَّ النَّاس إلا من كان معه الهدي (١). وكلُّ هذه الألفاظ في «الصَّحيح»، وهذا موافقٌ لما رواه جابر، وابن عمر، وأنس، وأبو موسى، وابن عبَّاسٍ، وأبو سعيد، وأسماء، والبراء، وحفصة، وغيرهم من أَمْره ﷺ أصحابه كلَّهم بالإحلال إلا من ساق الهدي، وأن يجعلوا حجَّهم عمرةً. وفي اتِّفاق هؤلاء كلِّهم على أنَّ النبيَّ ﷺ أمر أصحابه كلَّهم أن يحلُّوا، وأن يجعلوا الذي قدِموا به متعةً إلا من ساق الهدي= دليلٌ على غلطِ هذه الرِّواية ووهمٍ وقع فيها، يبيِّن ذلك أنَّها من رواية الليث عن عُقيل عن الزُّهريِّ عن عروة، والليث نفسه هو الذي روى (٢) عن عُقيل عن الزُّهريِّ عن عروة عنها مثل ما رواه عن الزُّهريِّ عن سالم عن أبيه في تمتُّع النَّبيِّ ﷺ وأمرِه مَن لم يكن أهدى أن يحلَّ. ثمَّ تأمَّلنا، فإذا أحاديث عائشة يصدِّق بعضها بعضًا، وإنَّما بعض الرُّواة زاد على بعضٍ، وبعضهم اختصر الحديث، وبعضهم اقتصر على بعضه، وبعضهم رواه بالمعنى. والحديث المذكور ليس فيه منعُ من أهلَّ بالحجِّ من الإحلال، وإنَّما فيه أمره أن يتمَّ الحجَّ. فإن كان هذا محفوظًا والمراد به بقاؤه على إحرامه، فيتعيَّن أن يكون هذا قبل الأمر بالإحلال وجَعْلِه عمرةً، ويكون هذا أمرًا زائدًا قد طرأ على الأمر بالإتمام، كما طرأ على التَّخيير بين الإفراد والتَّمتُّع والقران، ويتعيَّن هذا ولا بدَّ، وإلَّا كان هذا ناسخًا للأمر بالفسخ،

стр. 1075

والأمر بالفسخ ناسخًا للإذن في الإفراد (١)، وهذا محالٌ قطعًا، فإنَّه بعد أن أمرهم بالحلِّ لم يأمرهم بنقضه والبقاءِ على الإحرام الأوَّل، هذا باطلٌ قطعًا، فتعيَّن إن كان محفوظًا أن يكون قبل الأمر لهم بالفسخ، لا يجوز غير هذا البتَّة، والله أعلم. فصل وأمَّا حديث أبي الأسود عن عروة عنها، وفيه: «وأمَّا من أهلَّ بحجٍّ أو جمعَ الحجَّ والعمرة، فلم يحلُّوا حتَّى كان يوم النَّحر». وحديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنها: «فمن كان أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ معًا، لم يحلِلْ من شيءٍ ممَّا حرم منه حتَّى يقضي مناسك الحجِّ، ومن أهلَّ بحجٍّ مفردٍ كذلك» = فحديثان قد أنكرهما الحفَّاظ، وهما أهلٌ أن يُنكَرا. قال الأثرم (٢): حدَّثنا أحمد بن حنبلٍ، قال: حدَّثنا عبد الرَّحمن بن مهديٍّ، عن مالك بن أنسٍ، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فمنَّا من أهلَّ بالحجِّ، ومنَّا من أهلَّ بالعمرة، ومنَّا من أهلَّ بالحجِّ والعمرة، وأهلَّ بالحجِّ رسول الله ﷺ ، فأمَّا من أهلَّ بالعمرة فأحَلُّوا حين طافوا بالبيت وبالصَّفا والمروة، وأمَّا من أهلَّ بالحجِّ والعمرة، فلم يحلُّوا إلى يوم النَّحر. فقال أحمد بن حنبلٍ: أيش في هذا الحديث من العجب! هذا خطأٌ. قال الأثرم: فقلت له: الزُّهريُّ عن عروة عن عائشة بخلافه؟ فقال: نعم، وهشام بن عروة.

стр. 1076

وقال الحافظ أبو محمَّد بن حزمٍ (١): هذان حديثان منكرانِ جدًّا. قال: ولأبي الأسود في هذا النَّحو حديثٌ لا خفاءَ بنَكَرته ووَهَنِه وبطلانه، والعجب كيف جاز على من رواه؟ ثمَّ ساق من طريق البخاريِّ (٢) عنه أنَّ عبد الله مولى أسماء حدَّثه أنَّه كان يسمع أسماء بنت أبي بكر الصديق تقول كلَّما مرَّت بالحَجُون: صلَّى الله على رسوله، لقد نزلنا معه هاهنا ونحن يومئذٍ خِفافٌ، قليلٌ ظهرُنا، قليلةٌ أزوادنا، فاعتمرتُ أنا وأختي عائشة والزبير وفلانٌ وفلانٌ، فلمَّا مسحنا البيتَ أحللنا، ثمَّ أهللنا من العشيِّ بالحجِّ. قال (٣): وهذه وَهْلةٌ لا خفاءَ بها على أحدٍ ممَّن له أقلُّ علمٍ بالحديث، لوجهين باطلين منه (٤) بلا شكٍّ: أحدهما: قوله: «فاعتمرتُ أنا وأختي عائشة»، ولا خلافَ بين أحدٍ من أهل النَّقل في أنَّ عائشة لم تعتمر أوَّلَ دخولها مكَّة، ولذلك (٥) أعمرَها من التَّنعيم بعد تمام الحجِّ ليلةَ الحصبة، هكذا رواه جابر بن عبد اللَّه، ورواه عن عائشة الأثباتُ: كأبي الأسود (٦)، وابن أبي مُليكة، والقاسم بن محمَّدٍ،

стр. 1077

وعروة، وطاوس، ومجاهد. الموضع الثَّاني: قوله فيه: «فلمَّا مَسَحْنا البيتَ أحللنا، ثمَّ أهللنا من العشيِّ بالحجِّ»، وهذا باطلٌ لا شكَّ فيه؛ لأنَّ جابرًا وأنس بن مالكٍ وابن عبَّاس وعائشة، كلَّهم رووا أنَّ الإحلال كان يومَ دخولهم مكَّة، وأنَّ إهلالهم (١) بالحجِّ كان يوم التَّروية، وبين اليومين المذكورين ثلاثة أيَّامٍ بلا شكٍّ. قلت: الحديث ليس بمنكرٍ ولا باطلٍ، وهو صحيحٌ، وإنَّما أُتي أبو محمد ﵀ فيه من فهمه، فإنَّ أسماء أخبرتْ أنَّها اعتمرت هي وعائشة، وهكذا وقع بلا شكٍّ. وأمَّا قولها: «فلمَّا مسحنا البيتَ أحللنا»، إخبارٌ (٢) عنها نفسها، وعمَّن لم يُصِبه عذر الحيض الذي أصاب عائشة، وهي لم تصرِّح بأنَّ عائشة مسحت البيت يوم دخولهم مكَّة، وأنَّها حلَّت ذلك اليوم. ولا ريبَ أنَّ عائشة قدِمتْ بعمرةٍ، ولم تزلْ عليها حتَّى حاضت بسَرِف، فأدخلت عليها الحجَّ، وصارت قارنةً. فإذا (٣) قيل: اعتمرت عائشة مع النَّبيِّ ﷺ ، أو قدِمَتْ بعمرةٍ، لم يكن هذا كذبًا. وأمَّا قولها: «ثمَّ أهللنا من العشيِّ بالحجِّ»، فهي لم تقل: إنَّهم أهلُّوا من عشيِّ يومِ القدوم، ليلزمَ ما قال أبو محمد، وإنَّما أرادت عشيَّ يوم التَّروية. ومثل هذا لا يحتاج في ظهوره وبيانه إلى أن يصرَّح فيه بعشيِّ ذلك اليوم بعينه؛ لعلم الخاصِّ والعامِّ به، وأنَّه ممَّا لا تذهب الأوهام إلى غيره، فردُّ

стр. 1078

أحاديث الثِّقات بمثل هذا الوهم ممَّا لا سبيلَ إليه. قال أبو محمد (١): وأسلمُ الوجوه للحديثين المذكورين عن عائشة ــ يعني اللَّذين (٢) أنكرهما ــ أن تُخرَّج روايتهما على أنَّ المراد بقولها: إنَّ الذين أهلُّوا بحجٍّ أو بحجٍّ وعمرةٍ، لم يحلُّوا حتَّى كان يوم النَّحر حين قَضَوا مناسك الحجِّ، إنَّما عَنَتْ بذلك من كان معه الهدي، وبهذا تنتفي النُّكرة عن هذين الحديثين، وبهذا تتآلف (٣) الأحاديث كلُّها؛ لأنَّ الزُّهريَّ عن عروة يذكر خلاف ما ذكر أبو الأسود عن عروة، والزُّهريُّ بلا شكٍّ أحفظُ من أبي الأسود (٤)، وقد خالف يحيى بن عبد الرَّحمن عن عائشة في هذا الباب من لا يُقرَن (٥) يحيى بن عبد الرحمن إليه، لا في حفظٍ، ولا في ثقةٍ، ولا في جلالةٍ، ولا في بطانةٍ (٦) بعائشة: كالأسود بن يزيد، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ، وأبي عمرو (٧) ذكوان مولى عائشة، وعَمْرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حِجْر عائشة، وهؤلاء هم أهل الخصوصيَّة والبطانة بها، فكيف ولو لم يكونوا كذلك، لكانت روايتهم أو رواية واحدٍ منهم لو انفرد هي الواجب أن يُؤخذ بها؛ لأنَّ فيها زيادةً على رواية أبي الأسود ويحيى، وليس مَن جهِلَ أو غَفَل

стр. 1079

حجَّةً على من عَلِم وذكَر وأخبر، فكيف وقد وافق هؤلاء الجِلَّة عن عائشة؟ فسقطَ التَّعلُّق بحديث أبي الأسود ويحيى اللَّذين (١) ذكرنا. قال (٢): وأيضًا، فإنَّ حديثَي أبي الأسود ويحيى موقوفان غيرُ مسندين؛ لأنَّهما إنَّما ذكرا عنها فِعْلَ من فَعل ما ذكرَتْ، دون أن يذكرا أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرهم أن لا يحلُّوا، ولا حجَّةَ في أحدٍ دون رسول الله ﷺ ، فلو صحَّ ما ذكراه، وقد صحَّ أمر النِّبيِّ ﷺ مَن لا هديَ معه بالفسخ، فتمادى المأمورون بذلك ولم يحلُّوا، لكانوا عصاةً لله، وقد أعاذهم الله من ذلك وبرَّأهم منه، فثبت يقينًا أنَّ حديث أبي الأسود ويحيى إنَّما عُنِي فيه من كان معه هديٌ. وهكذا جاءت الأحاديث الصِّحاح الَّتي أوردناها (٣) بأنَّه ﷺ أمر من معه الهدي بأن يجمع حجًّا مع العمرة، ثمَّ لا يحلَّ حتَّى يحلَّ منهما جميعًا. ثمَّ ساق (٤) من طريق مالك عن ابن شهابٍ عن عروة عنها ترفعه: «من كان معه هديٌ فليُهلِل بالحجِّ والعمرة، ثمَّ لا يحلَّ حتَّى يحلَّ منهما جميعًا». قال: فهذا الحديث كما ترى من طريق عروة عن عائشة يبيِّن ما ذكرنا أنَّه المراد بلا شكٍّ في حديث أبي الأسود عن عروة، وحديثِ يحيى عن عائشة، وارتفع الآن الإشكالُ جملةً، والحمد لله ربِّ العالمين. قال (٥): وممَّا يبيِّن أنَّ في حديث أبي الأسود حذفًا قولُه فيه: «عن عروة

стр. 1080

أنَّ أمَّه وخالته والزبير أقبلوا بعمرةٍ فقط، فلمَّا مسحوا الرُّكن حلُّوا». ولا خلافَ بين أحدٍ أنَّ من أقبل بعمرةٍ لا يحلُّ بمسح الرُّكن، حتَّى يسعى بين الصَّفا والمروة بعد مسح الرُّكن، فصحَّ أنَّ في الحديث حذفًا يُبيِّنه سائر الأحاديث الصِّحاح الَّتي ذكرنا، وبطل الشَّغب به جملةً، وباللَّه التَّوفيق. فصل وأمَّا ما في حديث أبي الأسود عن عروة مِن فِعل أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار وابنِ عمر، فقد أجابه ابن عبَّاسٍ فأحسن جوابَه، فنكتفي (١) بجوابه. فروى الأعمش عن فُضَيل بن عمرو عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ: تمتَّع رسول الله ﷺ ، فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عبَّاسٍ: أراهم سيهلِكون (٢)، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقول (٣): قال أبو بكر وعمر (٤). وقال عبد الرازق (٥): ثنا معمر، عن أيوب قال: قال عروة لابن عبَّاسٍ: ألا تتَّقي الله تُرخِّص في المتعة؟ فقال ابن عبَّاسٍ: سَلْ أمَّك يا عُريَّة! فقال عروة: أمَّا أبو بكر وعمر فلم يفعلا، فقال ابن عبَّاسٍ: والله ما أراكم منتهين

стр. 1081

حتَّى يعذِّبكم الله، أحدِّثكم عن رسول الله ﷺ وتُحدِّثونا عن أبي بكر وعمر؟ فقال عروة: لهما أعلمُ بسنَّة رسول الله ﷺ وأتبعُ لها منك. وفي «صحيح مسلم» (١) عن ابن أبي مُليكة: أنّ عروة بن الزُّبير قال لرجلٍ من أصحاب رسول الله ﷺ : تأمر النَّاس بالعمرة في هؤلاء (٢) العشر وليس فيها عمرةٌ؟! قال: أوَلا تسأل أمَّك عن ذلك؟ قال عروة: فإنَّ أبا بكر وعمر لم يفعلا ذلك، قال الرَّجل: من هاهنا هلكتم، ما أرى الله إلا سيعذِّبكم، إنِّي أحدِّثكم عن رسول الله ﷺ ، وتُخبروني بأبي بكر وعمر! قال عروة: إنَّهما والله كانا أعلمَ بسنَّة رسول الله ﷺ منك، فسكتَ الرَّجل. ثمَّ أجاب أبو محمَّدٍ بن حزمٍ عروةَ عن قوله هذا بجوابٍ نذكره، ونذكر جوابًا أحسنَ منه لشيخنا. قال أبو محمد (٣): ونحن نقول لعروة: ابنُ عبَّاسٍ أعلمُ بسنَّة رسول الله ﷺ وبأبي بكر وعمر منك، وخيرٌ منك وأولى بهم ثلاثتِهم منك، لا يشكُّ في ذلك مسلم. وعائشة أم المؤمنين أعلمُ وأصدقُ منك. ثمَّ ساق من طريق الثّوريِّ عن أبي إسحاق السَّبيعي عن عبد الله قال: قالت عائشة: من استُعمِل على الموسم؟ قالوا: ابن عبَّاسٍ، قالت: هو أعلمُ النَّاس بالحجِّ.

стр. 1082

قال أبو محمد (١): مع أنَّه قد رَوى عنهما (٢) خلافَ ما قال عروة مَن هو خيرٌ من عروة وأفضلُ وأعلمُ وأصدقُ وأوثقُ. ثمَّ ساق من طريق البزّار (٣) عن الأشجّ، عن عبد الله بن إدريس الأَوديِّ، عن ليث، عن عطاء وطاوس، عن ابن عبَّاسٍ: تمتَّع رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وأوَّل من نهى عنه معاوية. ومن طريق عبد الرزاق (٤) عن الثَّوريِّ، عن ليث، عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ: تمتَّع رسول الله ﷺ وأبو بكر حتَّى مات، وعمر وعثمان كذلك، وأوَّل من نهى عنها معاوية. قلت: حديث ابن عبَّاسٍ هذا رواه الإمام أحمد في «المسند» والتّرمذيُّ (٥)، وقال: حديثٌ حسنٌ. وذكر عبد الرزاق (٦): ثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قال أبيُّ بن كعبٍ وأبو موسى لعمر بن الخطَّاب: ألا تقومُ فتبيِّن للنَّاس أمرَ هذه المتعة؟ فقال عمر: وهل بقي أحدٌ إلا قد عَلِمَها! أمَّا أنا فأفعلُها.

стр. 1083

وذكر عليُّ بن عبد العزيز البغويُّ (١): ثنا حجَّاج بن المِنهال، قال: ثنا حمَّاد بن سلمة، عن حمَّاد بن أبي سليمان أو حميد، عن الحسن أنَّ عمر أراد أن يأخذ مال الكعبة، وقال: الكعبة غنيَّةٌ عن ذا المال، وأراد أن ينهى أهل اليمن أن يصبغوا بالبول، وأراد أن ينهى عن متعة الحجِّ، فقال أبيُّ بن كعبٍ: قد رأى رسول الله ﷺ هذا المال، وبه وبأصحابه إليه الحاجة (٢)، فلم يأخذه، وأنت فلا تأخذْه. وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه (٣) يلبسون الثِّياب اليمانيَّة، فلم ينهَ عنها، وقد عَلِم أنَّها تُصبغ بالبول. وقد تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ فلم ينهَ عنها، ولم يُنزِل الله تعالى فيها نهيًا. وقد تقدَّم قول عمر: لو اعتمرتُ في وسط السَّنة ثمَّ حججتُ لتمتَّعتُ، ولو حججتُ خمسين حجَّةً لتمتَّعتُ. رواه حمَّاد بن سلمة، عن قيس، عن طاوسٍ، عنه (٤). وشعبة، عن سلمة بن كُهيل، عن طاوس، عن ابن عبَّاسٍ، عنه: لو اعتمرتُ في سنةٍ مرَّتين ثمَّ حججتُ، لجعلتُ مع حجَّتي عمرةً (٥). والثَّوريُّ، عن سلمة بن كُهيلٍ، عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عنه: لو اعتمرتُ ثمَّ اعتمرتُ ثمَّ حججتُ لتمتَّعتُ (٦). وابنُ عيينة، عن هشام بن حُجَير وليث، عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ قال: هذا الذي يزعمون أنَّه نهى عن المتعة ــ يعني

стр. 1084

عمر ــ سمعتُه يقول: لو اعتمرتُ ثمَّ حججتُ لتمتَّعتُ. قال ابن عبَّاسٍ: كذا وكذا مرَّةً، ما تمَّتْ حجَّة رجلٍ قطُّ إلا بمتعةٍ (١). وأمَّا الجواب الذي ذكره شيخنا (٢)، فهو أنَّ عمر ﵁ لم ينهَ عن المتعة البتَّة، وإنَّما قال: إنَّ أتمَّ لحجِّكم وعمرتِكم أن تَفصِلوا بينهما، فاختار عمر لهم أفضل الأمور، وهو إفراد كلِّ واحدٍ (٣) منهما بسفرٍ يُنشِئه له من بلده، وهذا أفضل من القران والتّمتِّع الخاصِّ بدون سفرةٍ أخرى، وقد نصَّ على ذلك أحمد وأبو حنيفة ومالك والشَّافعيُّ وغيرهم. وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكرٍ وعمر، وكان عمر يختاره للنَّاس، وكذلك علي. وقال عمر وعلي في قوله تعالى: ﴿(١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قالا: إتمامهما أن تُحرِم بهما من دُوَيرة أهلك (٤)، وقد قال النبي ﷺ لعائشة في عمرتها: «أجرُكِ على قدر نَصَبِك» (٥)، فإذا رجع الحاجُّ إلى دُوَيرة أهله، فأنشأ منها العمرة، واعتمر قبل أشهُرِ الحجِّ وأقام حتَّى يحجَّ، أو اعتمر في أشهُرِه ورجعَ إلى أهله ثمَّ حجَّ، فهنا قد أتى بكلِّ واحدٍ من النُّسكين من دُوَيرة أهله، وهذا إتيانٌ بهما على الكمال، فهو أفضل من غيره.

стр. 1085

قلت: فهذا الذي اختاره عمر للنَّاس، فظنَّ من غلِطَ منهم أنَّه نهى عن المتعة، ثمَّ منهم من حمل نهيه على متعة الفسخ، ومنهم من حمله على ترك الأَولى ترجيحًا للإفراد عليه، ومنهم من عارض روايات النَّهي عنه بروايات الاستحباب وقد ذكرناها، ومنهم من جعل في ذلك روايتين عن عمر، كما عنه روايتان في غيرها من المسائل، ومنهم من جعل النَّهي قولًا قديمًا رجع عنه أخيرًا (١)، كما سلك أبو محمَّدٍ بن حزمٍ. ومنهم من يَعُدُّ النَّهي رأيًا رآه من عنده لكراهته أن يظلَّ الحاجُّ مُعرِسين بنسائهم في ظلِّ الأَراك، كما قال أبو حنيفة عن حماد، عن إبراهيم النَّخعيِّ، عن الأسود بن يزيد قال: بينا أنا واقفٌ مع (٢) عمر بن الخطَّاب بعرفة عشيَّةَ عرفةَ، فإذا هو برجلٍ مُرجَّلٍ شَعرُه يفوح منه ريح الطِّيب، فقال له عمر: أمحرِمٌ أنت؟ قال نعم، قال عمر: ما هيئتُك بهيئة محرمٍ، إنَّما المحرم الأشعثُ الأغبر الأذفر، قال: إنِّي قدمت متمتِّعًا، وكان معي أهلي، وإنَّما أحرمتُ اليومَ. فقال عمر عند ذلك: لا تتمتَّعوا في هذه الأيَّام، فإنِّي لو رخَّصتُ في المتعة لهم لعرَّسوا بهنَّ في الأَراك، ثمَّ راحوا (٣) بهنَّ حُجَّاجًا (٤). وهذا يبيِّن أنَّ هذا من عمر رأيٌ (٥) رآه. قال ابن حزمٍ (٦): وكان ماذا؟ وحبَّذا ذاك! قد طاف النَّبيُّ ﷺ على نسائه،

стр. 1086

ثمَّ أصبح محرمًا، ولا خلاف أنَّ الوطء مباحٌ قبل الإحرام بطَرْفةِ عينٍ. فصل وقد سلك المانعون من الفسخ طريقتين أُخريين، نذكرهما ونبيِّن فسادهما: الطَّريقة الأولى: قالوا: إذا اختلف الصَّحابة ومن بعدهم في جواز الفسخ، فالاحتياط يقتضي المنعَ منه، صيانةً للعبادة عمَّا لا يجوز فيها عند كثيرٍ من أهل العلم بل أكثرهم. والطَّريقة الثَّانية: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرهم بالفسخ ليبيِّن لهم جواز العمرة في أشهر الحجِّ؛ لأنَّ الجاهليَّة (١) كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحجِّ، ويقولون: «إذا بَرأ الدَّبَر، وعفا الأَثر، وانسلخ صَفَر، فقد حلَّت العمرة لمن اعتمر»، فأمرهم النَّبيُّ ﷺ بالفسخ (٢)؛ ليبيِّن لهم جواز العمرة في أشهر الحجِّ. وهاتان الطَّريقتان باطلتان: أمَّا الأولى فإن الاحتياط إنَّما يُشرع إذا لم تتبيِّن السُّنَّة، فإذا تبيَّنتْ فالاحتياط هو اتِّباعها وتركُ ما خالفها; فإن كان تركها لأجل الاختلاف احتياطًا، فتركُ ما خالفها واتِّباعها أحوطُ وأحوط، فالاحتياط نوعان: احتياطٌ للخروج من خلاف (٣) العلماء، واحتياطٌ للخروج من خلاف السُّنَّة، ولا يخفى رجحان أحدهما على الآخر.

стр. 1087

وأيضًا فإنَّ الاحتياط ممتنعٌ هنا، فإنَّ للنَّاس في الفسخ ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنَّه محرَّم. الثَّاني: أنَّه واجب، وهو قول جماعةٍ من السَّلف والخلف. الثَّالث: أنَّه مستحب. فليس الاحتياط بالخروج من خلافِ مَن حرَّمه أولى بالاحتياط من الخروج من خلافِ مَن أوجبه، وإذا تعذَّر الاحتياط بالخروج من الخلاف تعيَّن الاحتياط بالخروج من خلاف السنَّة. فصل وأمَّا الطَّريقة الثَّانية فأظهرُ بطلانًا من وجوهٍ عديدةٍ (١). أحدها: أنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمر قبل ذلك عُمَرَه الثَّلاث في أشهر الحجِّ في ذي القعدة، كما تقدَّم ذلك، وهو أوسط أشهر الحجِّ. فكيف يُظنُّ أنَّ الصَّحابة لم يعلموا جواز الاعتمار في أشهر الحجِّ إلا بعد أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة، وقد تقدَّم فعلُه لذلك ثلاث مرَّاتٍ؟ الثَّاني: أنَّه قد ثبت في «الصَّحيحين» (٢) أنَّه قال لهم عند الميقات: «من شاء أن يُهلَّ بعمرةٍ فليفعلْ، ومن شاء أن يُهلَّ بحجَّةٍ فليفعلْ، ومن شاء أن يُهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ فليفعلْ»، فبيَّن لهم جواز الاعتمار في أشهر الحجِّ عند الميقات، وعامَّة المسلمين معه، فكيف لم يعلموا جوازها (٣) إلا بالفسخ؟

стр. 1088

ولعَمْرُ الله إن لم يكونوا يعلمون جوازها بذلك فهم أجدرُ أن لا يعلموا جوازها بالفسخ. الثَّالث: أنَّه أمرَ من لم يَسُقِ الهدي أن يتحلَّل، وأمر من ساق الهدي أن يتمّ (١) على إحرامه حتَّى يبلغ الهدي محلَّه، ففرَّق بين مُحرمٍ ومُحرمٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ سَوق الهدي هو المانع من التَّحلُّل، لا مجرَّد الإحرام الأوَّل، والعلَّة الَّتي ذكروها لا تختصُّ بمحرمٍ دون محرمٍ، فالنَّبيُّ ﷺ جعل التَّأثير في الحلِّ وعدمه للهدي وجودًا وعدمًا، لا (٢) لغيره. الرَّابع: أن يقال: إذا كان النبيُّ ﷺ قصدَ مخالفة المشركين، كان هذا دليلًا على أنَّ الفسخ أفضل لهذه العلَّة؛ فإنه إذا كان إنَّما أمرهم بذلك لمخالفة المشركين، كان هذا يقتضي أن يكون الفسخ مشروعًا (٣) إلى يوم القيامة، إمَّا وجوبًا وإمَّا استحبابًا، فإنَّ ما فعله النَّبيُّ ﷺ وشرعه لأمَّته في المناسك مخالفةً لهدي المشركين هو مشروعٌ إلى يوم القيامة، إمَّا وجوبًا أو استحبابًا، فإنَّ المشركين كانوا يُفِيضون من عرفة قبل غروب الشَّمس، وكانوا لا يُفيضون من مزدلفة حتَّى تطلع الشَّمس، وكانوا يقولون: «أَشرِقْ ثَبِيرُ كيما نُغِير» فخالفهم النَّبيُّ ﷺ (٤)، وقال: «خالفَ هَدْيُنا هديَ المشركين» (٥)، فلم

стр. 1089

يُفِضْ (١) من عرفة حتَّى غَرَبتِ الشَّمس. وهذه المخالفة إمَّا ركنٌ كقول مالك، وإمَّا واجبٌ يَجبُره دمٌ، كقول أحمد وأبي حنيفة والشَّافعيِّ في أحد القولين، وإمَّا سنَّةٌ كالقول الآخر له. والإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشَّمس سنَّةٌ باتِّفاق المسلمين. وكذلك قريشٌ كانت لا تقف بعرفة، بل تُفِيض من جَمْعٍ، فخالفهم النَّبيُّ ﷺ ، ووقف بعرفاتٍ، وأفاض منها، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وهذه المخالفة من أركان الحجِّ باتِّفاق المسلمين. فالأمور الَّتي خالفَ (٢) فيها المشركين هي الواجب أو المستحبُّ، ليس فيها مكروهٌ، فكيف يكون فيها محرَّمٌ؟ فكيف يقال: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر أصحابه بنسكٍ يخالف نُسكَ المشركين، مع كون الذي نهاهم عنه أفضل من الذي (٣) أمرهم به؟ أو يقال: من حجَّ كما حجَّ المشركون فلم يتمتَّع، فحجُّه أفضلُ من حجِّ السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار بأمر النبي ﷺ ؟ الخامس: أنَّه قد ثبت في «الصَّحيح» (٤) عنه أنَّه قال: «دخلتِ العمرةُ في

стр. 1090

الحجِّ إلى يوم القيامة». وقيل له: عمرتُنا هذه لعامِنا هذا أم للأبد؟ فقال: «لا (١)، بل لأبد الأبد، دخلت العمرة في الحجِّ إلى يوم القيامة» (٢). وكان سؤالهم عن عمرة الفسخ كما جاء صريحًا في حديث جابر في حديثه الطَّويل (٣)، قال: حتَّى إذا كان آخر طوافٍ (٤) على المروة، قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي، ولجعلتُها عمرةً، فمن كان منكم ليس معه هديٌ فليحلَّ وليجعلْها عمرةً». فقام سُراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، ألعامِنا هذا أم للأبد؟ فشبَّك رسول الله ﷺ أصابعَه واحدةً في الأخرى، وقال: «دخلتِ العمرةُ في الحجِّ» مرَّتين، «لا، بل لأبدِ الأبد (٥)». وفي لفظٍ (٦): «قدِم رسول الله ﷺ صُبْحَ رابعةٍ مضتْ من ذي الحجَّة، فأمرنا أن نحلَّ، قال: فقلنا (٧): لمَّا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمسٌ، أمرَنا أن نُفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفةَ تَقطُر مذاكيرنا المنيَّ» ... فذكر الحديث، وفيه: فقال سُراقة بن مالك: لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «للأبد».
следующие страницы →