← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ثمَّ أصبح محرمًا، ولا خلاف أنَّ الوطء مباحٌ قبل الإحرام بطَرْفةِ عينٍ. فصل وقد سلك المانعون من الفسخ طريقتين أُخريين، نذكرهما ونبيِّن فسادهما: الطَّريقة الأولى: قالوا: إذا اختلف الصَّحابة ومن بعدهم في جواز الفسخ، فالاحتياط يقتضي المنعَ منه، صيانةً للعبادة عمَّا لا يجوز فيها عند كثيرٍ من أهل العلم بل أكثرهم. والطَّريقة الثَّانية: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرهم بالفسخ ليبيِّن لهم جواز العمرة في أشهر الحجِّ؛ لأنَّ الجاهليَّة (١) كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحجِّ، ويقولون: «إذا بَرأ الدَّبَر، وعفا الأَثر، وانسلخ صَفَر، فقد حلَّت العمرة لمن اعتمر»، فأمرهم النَّبيُّ ﷺ بالفسخ (٢)؛ ليبيِّن لهم جواز العمرة في أشهر الحجِّ. وهاتان الطَّريقتان باطلتان: أمَّا الأولى فإن الاحتياط إنَّما يُشرع إذا لم تتبيِّن السُّنَّة، فإذا تبيَّنتْ فالاحتياط هو اتِّباعها وتركُ ما خالفها; فإن كان تركها لأجل الاختلاف احتياطًا، فتركُ ما خالفها واتِّباعها أحوطُ وأحوط، فالاحتياط نوعان: احتياطٌ للخروج من خلاف (٣) العلماء، واحتياطٌ للخروج من خلاف السُّنَّة، ولا يخفى رجحان أحدهما على الآخر.

стр. 1087

وأيضًا فإنَّ الاحتياط ممتنعٌ هنا، فإنَّ للنَّاس في الفسخ ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنَّه محرَّم. الثَّاني: أنَّه واجب، وهو قول جماعةٍ من السَّلف والخلف. الثَّالث: أنَّه مستحب. فليس الاحتياط بالخروج من خلافِ مَن حرَّمه أولى بالاحتياط من الخروج من خلافِ مَن أوجبه، وإذا تعذَّر الاحتياط بالخروج من الخلاف تعيَّن الاحتياط بالخروج من خلاف السنَّة. فصل وأمَّا الطَّريقة الثَّانية فأظهرُ بطلانًا من وجوهٍ عديدةٍ (١). أحدها: أنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمر قبل ذلك عُمَرَه الثَّلاث في أشهر الحجِّ في ذي القعدة، كما تقدَّم ذلك، وهو أوسط أشهر الحجِّ. فكيف يُظنُّ أنَّ الصَّحابة لم يعلموا جواز الاعتمار في أشهر الحجِّ إلا بعد أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة، وقد تقدَّم فعلُه لذلك ثلاث مرَّاتٍ؟ الثَّاني: أنَّه قد ثبت في «الصَّحيحين» (٢) أنَّه قال لهم عند الميقات: «من شاء أن يُهلَّ بعمرةٍ فليفعلْ، ومن شاء أن يُهلَّ بحجَّةٍ فليفعلْ، ومن شاء أن يُهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ فليفعلْ»، فبيَّن لهم جواز الاعتمار في أشهر الحجِّ عند الميقات، وعامَّة المسلمين معه، فكيف لم يعلموا جوازها (٣) إلا بالفسخ؟

стр. 1088

ولعَمْرُ الله إن لم يكونوا يعلمون جوازها بذلك فهم أجدرُ أن لا يعلموا جوازها بالفسخ. الثَّالث: أنَّه أمرَ من لم يَسُقِ الهدي أن يتحلَّل، وأمر من ساق الهدي أن يتمّ (١) على إحرامه حتَّى يبلغ الهدي محلَّه، ففرَّق بين مُحرمٍ ومُحرمٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ سَوق الهدي هو المانع من التَّحلُّل، لا مجرَّد الإحرام الأوَّل، والعلَّة الَّتي ذكروها لا تختصُّ بمحرمٍ دون محرمٍ، فالنَّبيُّ ﷺ جعل التَّأثير في الحلِّ وعدمه للهدي وجودًا وعدمًا، لا (٢) لغيره. الرَّابع: أن يقال: إذا كان النبيُّ ﷺ قصدَ مخالفة المشركين، كان هذا دليلًا على أنَّ الفسخ أفضل لهذه العلَّة؛ فإنه إذا كان إنَّما أمرهم بذلك لمخالفة المشركين، كان هذا يقتضي أن يكون الفسخ مشروعًا (٣) إلى يوم القيامة، إمَّا وجوبًا وإمَّا استحبابًا، فإنَّ ما فعله النَّبيُّ ﷺ وشرعه لأمَّته في المناسك مخالفةً لهدي المشركين هو مشروعٌ إلى يوم القيامة، إمَّا وجوبًا أو استحبابًا، فإنَّ المشركين كانوا يُفِيضون من عرفة قبل غروب الشَّمس، وكانوا لا يُفيضون من مزدلفة حتَّى تطلع الشَّمس، وكانوا يقولون: «أَشرِقْ ثَبِيرُ كيما نُغِير» فخالفهم النَّبيُّ ﷺ (٤)، وقال: «خالفَ هَدْيُنا هديَ المشركين» (٥)، فلم

стр. 1089

يُفِضْ (١) من عرفة حتَّى غَرَبتِ الشَّمس. وهذه المخالفة إمَّا ركنٌ كقول مالك، وإمَّا واجبٌ يَجبُره دمٌ، كقول أحمد وأبي حنيفة والشَّافعيِّ في أحد القولين، وإمَّا سنَّةٌ كالقول الآخر له. والإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشَّمس سنَّةٌ باتِّفاق المسلمين. وكذلك قريشٌ كانت لا تقف بعرفة، بل تُفِيض من جَمْعٍ، فخالفهم النَّبيُّ ﷺ ، ووقف بعرفاتٍ، وأفاض منها، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وهذه المخالفة من أركان الحجِّ باتِّفاق المسلمين. فالأمور الَّتي خالفَ (٢) فيها المشركين هي الواجب أو المستحبُّ، ليس فيها مكروهٌ، فكيف يكون فيها محرَّمٌ؟ فكيف يقال: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر أصحابه بنسكٍ يخالف نُسكَ المشركين، مع كون الذي نهاهم عنه أفضل من الذي (٣) أمرهم به؟ أو يقال: من حجَّ كما حجَّ المشركون فلم يتمتَّع، فحجُّه أفضلُ من حجِّ السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار بأمر النبي ﷺ ؟ الخامس: أنَّه قد ثبت في «الصَّحيح» (٤) عنه أنَّه قال: «دخلتِ العمرةُ في

стр. 1090

الحجِّ إلى يوم القيامة». وقيل له: عمرتُنا هذه لعامِنا هذا أم للأبد؟ فقال: «لا (١)، بل لأبد الأبد، دخلت العمرة في الحجِّ إلى يوم القيامة» (٢). وكان سؤالهم عن عمرة الفسخ كما جاء صريحًا في حديث جابر في حديثه الطَّويل (٣)، قال: حتَّى إذا كان آخر طوافٍ (٤) على المروة، قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهدي، ولجعلتُها عمرةً، فمن كان منكم ليس معه هديٌ فليحلَّ وليجعلْها عمرةً». فقام سُراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، ألعامِنا هذا أم للأبد؟ فشبَّك رسول الله ﷺ أصابعَه واحدةً في الأخرى، وقال: «دخلتِ العمرةُ في الحجِّ» مرَّتين، «لا، بل لأبدِ الأبد (٥)». وفي لفظٍ (٦): «قدِم رسول الله ﷺ صُبْحَ رابعةٍ مضتْ من ذي الحجَّة، فأمرنا أن نحلَّ، قال: فقلنا (٧): لمَّا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمسٌ، أمرَنا أن نُفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفةَ تَقطُر مذاكيرنا المنيَّ» ... فذكر الحديث، وفيه: فقال سُراقة بن مالك: لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «للأبد».

стр. 1091

وفي «صحيح البخاريِّ» (١) عنه: أنَّ سُراقة قال للنَّبيِّ ﷺ : ألكم هذه خاصَّةً يا رسول اللَّه؟ قال: «بل للأبد». فبيَّن رسول الله ﷺ أنَّ تلك العمرة الَّتي فسخَ من فسخَ منهم حجَّه (٢) إليها للأبد، وأنَّ العمرة دخلت في الحجِّ إلى يوم القيامة. وهذا يبيِّن أنَّ عمرة التمتع بعض الحجِّ. وقد اعترض بعض (٣) النَّاس على الاستدلال بقوله: «بل لأبد الأبد» باعتراضين: أحدهما: أنَّ المراد أنَّ سقوط الفرض بها لا يختصُّ بذلك العام، بل يسقطه إلى الأبد. وهذا الاعتراض باطلٌ، فإنَّه لو أراد ذلك لم يقل: «للأبد»، فإنَّ الأبد لا يكون في حقِّ طائفةٍ معيَّنةٍ، بل إنَّما يكون لجميع المسلمين. ولأنَّه قال: «دخلت العمرة في الحجِّ إلى يوم القيامة». ولأنَّهم لو أرادوا بذلك السُّؤال عن تكرر الوجوب لما اقتصروا على العمرة، بل كان السُّؤال عن الحجِّ. ولأنَّهم قالوا له: «عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟» ولو أرادوا تكرُّر وجوبها كلَّ عامٍ لقالوا له كما قالوا في الحجِّ: أكلَّ عامٍ يا رسول اللَّه؟ ولأجابهم بما أجابهم به في الحجِّ بقوله: «ذَرُوني ما تركتُكم، لو قلتُ: نعم، لوجبتْ» (٤). ولأنَّهم قالوا له: هذه لكم خاصَّةً؟ فقال: «بل لأبد الأبد»، فهذا السُّؤال والجواب صريحان في عدم الاختصاص.

стр. 1092

الثَّاني: أن قوله: «إنَّ ذلك لأبد الأبد» إنَّما يريد به جواز الاعتمار في أشهر الحجِّ. وهذا الاعتراض أبطلُ من الذي قبله، فإنَّ السائل إنَّما سأل النبيَّ ﷺ فيه عن المتعة الَّتي هي فسخ الحجِّ، لا عن جواز العمرة في أشهر الحجِّ؛ لأنَّه إنَّما سأله بعقبِ (١) أمره مَن لا هديَ معه بفسخ الحجِّ، فقال له (٢) حينئذٍ: هذا لعامنا (٣) أم للأبد؟ فأجابه ﷺ عن نفس ما سأله عنه، لا عمَّا لم يسأله عنه. وفي قوله: «دخلتِ العمرةُ في الحجِّ إلى يوم القيامة» عقيبَ أمره مَن لا هديَ معه بالإحلال بيانٌ جليٌّ (٤) أنَّ ذلك مستمرٌّ إلى يوم القيامة، فبطل دعوى الخصوص، وباللَّه التَّوفيق. السَّادس: أنَّ هذه العلَّة (٥) الَّتي ذكرتموها ليست في الحديث، ولا فيه إشارةٌ إليها، فإن كانت باطلةً بطل اعتراضكم بها، وإن كانت صحيحةً فإنَّها لا تستلزم (٦) الاختصاص بالصَّحابة بوجهٍ من الوجوه، بل إن صحَّت اقتضتْ دوامَ معلولها واستمرارَه، كما أنَّ الرَّمل شُرع ليُرِي المشركين قوَّته وقوَّة أصحابه، واستمرَّت مشروعيته إلى يوم القيامة، فبطل الاحتجاج بتلك العلَّة على الاختصاص بهم على كلِّ تقديرٍ.

стр. 1093

السَّابع أنَّ الصَّحابة رضوان الله عليهم إذا لم يكتفوا في العلم (١) بجواز العمرة في أشهر الحجِّ على فعلهم لها معه ثلاثةَ أعوامٍ، ولا بإذنه لهم فيها عند الميقات حتَّى يأمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة، فمَنْ بعدَهم أحرى أن لا يكتفي بذلك حتَّى يفسخ الحجَّ إلى العمرة، اتِّباعًا لأمر رسول الله ﷺ واقتداءً بأصحابه (٢)، إلا أن يقول قائلٌ: إننا نحن نكتفي من ذلك بدون ما اكتفى به الصَّحابة، ولا نحتاج في الجواز إلى ما احتاجوا هم إليه. وهذا جهلٌ نعوذ بالله منه. الثَّامن: أنَّه لا يُظَنُّ برسول الله ﷺ أن يأمر أصحابه بالفسخ الذي هو حرامٌ، ليعلِّمهم بذلك مباحًا يمكن تعليمُه بغير ارتكاب هذا المحظور، وبأسهلَ منه بيانًا، وأوضحَ دلالةً، وأقلَّ كُلفةً. فإن قيل: لم يكن الفسخ حين أمرهم به حرامًا. قيل: فهو إذًا إمَّا واجبٌ أو (٣) مستحبٌّ. وقد قال بكلِّ واحدٍ منهما طائفةٌ، فمَن الذي حرَّمه بعد إيجابه أو استحبابه؟ وأيُّ نصٍّ أو إجماعٍ رفعَ هذا الوجوب أو الاستحباب؟ وهذه مطالبةٌ لا محيصَ عنها. التَّاسع: أنَّه ﷺ قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي، ولجعلتُها عمرةً»، أفترى تجدَّد له ﷺ عند ذلك العلمُ بجواز العمرة في أشهر الحجِّ، حتَّى تأسَّف على فَوتها؟ هذا من أعظم المحال.

стр. 1094

العاشر: أنَّه أمر بالفسخ إلى المتعة (١) من كان أفردَ ومن قرنَ ولم يَسُقِ الهدي. ومعلومٌ أنَّ القارن قد اعتمر في أشهر الحجِّ مع حجَّته، فكيف يأمره بفسخ قِرانه إلى عمرةٍ ليبيِّن له جواز العمرة في أشهر الحجِّ، وقد أتى بها وضَمَّ إليها الحجَّ؟ الحادي عشر: أنَّ فسخ الحجِّ إلى العمرة موافقٌ لقياس الأصول، لا مخالفٌ لها (٢). فلو لم يَرِد به النَّصُّ لكان القياس يقتضي جوازه، فمجيئُ (٣) النَّصِّ به على وفق القياس، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وقرَّره بأنَّ المحرم إذا التزم أكثر ممَّا كان لزمه جاز باتِّفاق الأئمَّة، فلو أحرم بالعمرة ثمَّ أدخل عليها الحجَّ جاز بلا نزاعٍ، وإذا أحرم بالحجِّ ثمَّ أدخل عليه العمرة لم يجز عند الجمهور، وهو مذهب مالك وأحمد والشافعي في ظاهر مذهبه، وأبو حنيفة يجوِّز ذلك بناءً على أصله في أنَّ القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين. قال (٥): وهذا قياس الرواية المحكيَّة عن أحمد في القارن: أنَّه يطوف طوافين ويسعى سعيين. وإذا كان كذلك فالمحرم بالحجِّ لم يلتزم إلا الحجَّ (٦). فإذا صار متمتِّعًا صار ملتزمًا لعمرةٍ وحجٍّ، فكان ما التزمه بالفسخ

стр. 1095

أكثر ممَّا كان عليه فجاز ذلك. ولمَّا كان أفضل كان مستحبًّا. وإنَّما أشكل هذا على من ظنَّ أنَّه فسخ حجًّا إلى عمرةٍ، وليس كذلك، فإنَّه لو أراد أن يفسخ الحجَّ إلى عمرةٍ مفردةٍ لم يجزْ بلا نزاعٍ، وإنَّما الفسخ جائزٌ لمن كان من نيَّته أن يحجَّ بعد العمرة، والمتمتِّع من حين يُحرِم بالعمرة فهو داخلٌ في الحجِّ، كما قال النَّبيُّ ﷺ : «دخلتِ العمرةُ في الحجِّ». ولهذا يجوز له أن يصوم الأيَّام الثَّلاثة من حين يحرم بالعمرة، فدلَّ على أنَّه في تلك الحال في الحجِّ. وأمَّا إحرامه بالحجِّ بعد ذلك، فكما يبدأ الجنب بالوضوء ثمَّ يغتسل بعده. وكذلك كان النَّبيُّ ﷺ يفعل إذا اغتسل للجنابة (١)، وقال للنِّسوة في غَسْل ابنته: «ابدأنَ بميامنِها ومواضعِ الوضوء منها» (٢). فغَسْل مواضع الوضوء بعض (٣) الغُسل. فإن قيل: هذا باطلٌ لثلاثة أوجهٍ. أحدها: أنَّه إذا فسخ استفاد بالفسخ حِلًّا (٤) كان ممنوعًا منه بإحرامه الأوَّل، فهو دون ما التزمه. الثَّاني: أنَّ النُّسك الذي كان قد التزمه أوَّلًا أكملُ من النُّسك الذي فسخ إليه، ولهذا لا يحتاج الأوَّل إلى جُبرانٍ، والَّذي يفسخ إليه يحتاج إلى هديٍ

стр. 1096

جُبرانًا له، ونسكٌ لا جُبرانَ (١) فيه أفضلُ من نسكٍ مجبورٍ. الثَّالث: أنَّه إذا لم يجز إدخال العمرة على الحجِّ، فلأن لا يجوز إبدالها به وفسخه إليها بطريق الأولى والأحرى. فالجواب عن هذه الوجوه من طريقين، مجملٍ ومفصَّلٍ. أمَّا المجمل: فهو أنَّ هذه الوجوه اعتراضاتٌ على مجرَّد السنَّة، فالجواب عنها بالتزام تقديم الوحي على الآراء، وأنَّ كلَّ رأيٍ يخالف السنَّة فهو باطلٌ قطعًا، وبيان بطلانه بمخالفة السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة له (٢)، والآراء تبعٌ للسنَّة، وليست السنَّة تبعًا للآراء (٣). وأمَّا المفصَّل: وهو الذي نحن بصدده، فإنَّما التزمنا أنَّ الفسخ على وفق القياس، فلا بدَّ من الوفاء بهذا الالتزام، وعلى هذا فالوجه الأوَّل جوابه: بأنَّ التَّمتُّع وإن تخلَّله الإحلالُ (٤) فهو أفضلُ من الإفراد الذي لا حِلَّ فيه، لأمر النبيِّ ﷺ من لا هديَ معه بالإحرام به (٥)، ولأمرِه أصحابَه بفسخ الحجِّ إليه، ولتمنِّيه أنَّه كان أحرم به، ولأنَّه النُّسك المنصوص عليه في كتاب اللَّه، ولأنَّ الأمَّة أجمعت على جوازه بل على استحبابه، واختلفوا في غيره على قولين، ولأن النَّبيَّ ﷺ غضب حيث أمرهم بالفسخ إليه بعد الإحرام بالحجِّ (٦)

стр. 1097

فتوقَّفوا، ولأنَّه من المحال قطعًا أن يكون حجٌّ (١) قطُّ أفضل من حجِّ (٢) خير القرون وأفضلِ العالمين مع نبيِّهم ﷺ ، وقد أمرهم كلَّهم بأن يجعلوها متعةً إلا من ساق الهدي، فمن المحال أن يكون غير هذا الحجِّ أفضلَ منه، إلا حجَّ من قرنَ وساق الهدي، كما اختاره الله لنبيِّه، فهذا هو الذي اختاره الله لنبيِّه، واختار لأصحابه التَّمتُّع، فأيُّ حجٍّ أفضل من هذين؟ ولأنَّه من المحال أن ينقلهم من النُّسك الفاضل إلى المفضول المرجوح، ولوجوهٍ أُخر كثيرةٍ ليس هذا موضعها، فرجحانُ هذا النُّسك أفضلُ من البقاء على الإحرام الذي يفوته (٣) بالفسخ. وقد تبيَّن بهذا بطلان الوجه الثَّاني. وأمَّا قولكم: إنَّه نُسكٌ مجبورٌ بالهدي، فكلامٌ باطلٌ من وجوهٍ: أحدها: أنَّ الهدي في التمتُّع عبادةٌ مقصودةٌ هو من تمام النُّسك، وهو دم شُكرانٍ لا دم جُبرانٍ، وهو بمنزلة الأضحية للمقيم هي (٤) من تمام عبادة هذا اليوم، فالنُّسك المشتمل على هذا الدَّم بمنزلة العيد المشتمل (٥) على الأضحية، فإنَّه ما تُقرِّب إلى الله في ذلك اليوم بمثل إراقة دمٍ سائلٍ. وقد روى الترمذي وغيره (٦) من حديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق أنَّ النَّبيَّ ﷺ

стр. 1098

سئل: أيُّ الأعمال (١) أفضل؟ فقال: «العَجُّ والثَّجُّ». والعجُّ: رفع الصَّوت بالتَّلبية، والثَّجُّ: إراقة دماء الهدي. فإن قيل: يُمكن المفرِدَ أن يحصِّل هذه الفضيلة. قيل: مشروعيتها إنَّما جاءت في حقِّ القارن والمتمتِّع، وعلى تقدير استحبابها في حقِّه فأين ثوابها من ثواب هدي المتمتِّع والقارن؟ الوجه الثَّاني: أنَّه لو كان دم جبرانٍ لما جاز الأكل منه، وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه أكل من هَدْيه، فإنَّه أمر من كلِّ بدنةٍ ببَضْعةٍ فجُعِلت في قِدرٍ، فأكل من لحمها، وشرب من مَرَقها (٢). وإن كان الواجب عليه سُبْعَ بدنةٍ، فإنَّه أكل من كلِّ بدنةٍ من المائة، والواجب فيها مُشاعٌ لم يتعيَّن بقسمةٍ. وأيضًا، فإنَّه قد ثبت في «الصَّحيح» (٣) أنَّه أطعم نساءه من الهدي الذي ذبحه عنهنَّ وكنَّ متمتِّعاتٍ، احتجَّ به الإمام أحمد، فثبت في «الصَّحيحين» (٤) عن عائشة أنَّه أهدى عن نسائه، ثمَّ أرسل إليهنَّ من الهدي الذي ذبحه عنهنَّ. وأيضًا، فإنَّ الله سبحانه قال فيما يُذبَح بمنًى من الهدايا (٥): ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، وهذا يتناول هديَ التمتُّع

стр. 1099

والقِران قطعًا إن لم يختصَّ به، فإنَّ المشروع هناك ذبح هدي المتعة والقران. ومن هاهنا ــ والله أعلم ــ أمر النبيُّ ﷺ من كلِّ بدنةٍ ببَضْعةٍ، فجُعِلت في قِدرٍ امتثالًا لأمر ربِّه تعالى بالأكل، ليعُمَّ به جميعَ هديه. الوجه الثَّالث: أنَّ سبب الجبران محظورٌ في الأصل، فلا يجوز الإقدام عليه إلا لعذرٍ، فإنَّه إمَّا تركُ واجبٍ أو فعلُ محظورٍ، والتَّمتُّع مأمورٌ به: إمَّا أمر إيجابٍ عند طائفةٍ كابن عبَّاسٍ وغيره، أو أمر استحبابٍ عند الأكثرين، فلو كان دمه دمَ جُبرانٍ لم يجز الإقدام على سببه بغير عذرٍ، فبطل قولهم إنَّه دم جبرانٍ، وعُلِم أنَّه دم نسكٍ وهدي (١) وسَّع الله به على عباده، وأباح لهم بسببه التَّحلُّل في أثناء الإحرام، لما في استمرار الإحرام عليهم من المشقَّة، فهو بمنزلة القصر والفطر في السَّفر، وبمنزلة المسح على الخفَّين، وكان هدي رسول الله ﷺ وهديُ أصحابه فِعْل هذا وهذا (٢)، واللَّه تعالى يحبُّ أن يؤخذ برُخَصِه، كما يكره أن تُؤتى معصيتُه (٣)، فمحبَّته لأخذ العبد بما يسَّره عليه وسهَّله له، مثلُ (٤) كراهيته منه لارتكابه ما حرَّمه عليه ومنعَه منه. والهدي وإن كان بدلًا عن ترفُّهه بسقوط أحد السَّفرين، فهو أفضل لمن قدِم في أشهر الحجِّ من أن يأتي بحجٍّ مفردٍ ويعتمر عقيبَه (٥)، والبدل قد يكون

стр. 1100

واجبًا كالجمعة عند من جعلها بدلًا، وكالتيمُّم للعاجز عن استعمال الماء فإنَّه واجبٌ عليه وهو بدلٌ، فإذا كان البدل قد يكون واجبًا، فكونه مستحبًّا أولى بالجواز، وتخلُّلُ الإحلال لا يمنع أن يكون الجميع عبادةً واحدةً كطواف الإفاضة، فإنَّه ركنٌ بالاتِّفاق، ولا يُفعَل إلا بعد التَّحلُّل الأوَّل، وكذلك رمي الجمار أيَّامَ منًى، وهو يُفعل بعد الحلِّ التَّامِّ، وصوم رمضان يتخلُّله الفطر في لياليه، ولا يَمنع ذلك أن يكون عبادةً واحدةً. ولهذا قال مالك وغيره: إنَّه يجزئ بنيَّةٍ واحدةٍ للشَّهر (١)، لأنَّه عبادةٌ واحدة. والله أعلم. فصل وأمَّا قولكم: إذا لم يَجُزْ إدخال العمرة على الحجِّ، فلَأن لا يجوز فسخُه إليها أولى وأحرى= فنسمع جَعْجعةً ولا نرى طِحْنًا. وما وجه التَّلازم بين الأمرين؟ وما الدَّليل على هذه الدَّعوى الَّتي ليس بأيديكم برهانٌ عليها؟ ثمَّ القائل لهذا إن كان من أصحاب أبي حنيفة فهو معترفٌ (٢) بفساد (٣) هذا القياس. وإن كان من غيرهم طُولِب بصحَّة قياسه، فلا يجد إليه سبيلًا. ثمَّ يقال: مُدخِل العمرة قد نقصَ بما (٤) كان التزمه، فإنَّه كان يطوف طوافًا للحجِّ، ثمَّ طوافًا آخر للعمرة، فإذا قرنَ كفاه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ بالسُّنَّة الصَّحيحة, وهو قول الجمهور، فقد نقص ممَّا كان يلتزمه (٥). وأمَّا

стр. 1101

الفاسخ فإنَّه لم ينقُص ممَّا التزمه، بل نقل نُسكَه إلى ما هو أكمل منه وأفضلُ وأكثرُ واجباتٍ، فبطل القياس على كلِّ تقديرٍ، وللَّه الحمد. فصل عُدنا إلى سياق حجَّته ﷺ . ثمَّ نهضَ ﷺ إلى أن نزل بذي طوًى، وهي المعروفة اليومَ (١) بآبار الزَّاهر، فبات بها ليلةَ الأحد لأربعٍ (٢) خلون من ذي الحجَّة، وصلَّى بها الصُّبح، ثمَّ اغتسل من يومه، ونهضَ إلى مكَّة، فدخلها نهارًا من أعلاها من الثنيَّة العليا الَّتي تُشرِف على الحجون، وكان في العمرة يدخل من أسفلها، وفي الحجَّ دخل من أعلاها وخرج من أسفلها (٣)، ثمَّ سار حتَّى دخل المسجد وذلك ضحًى. وذكر الطبرانيُّ (٤) أنَّه دخله من باب بني عبد منافٍ، الذي يسمِّيه النَّاس اليوم باب بني شَيبة. وذكر الإمام أحمد (٥) أنَّه كان إذا دخل مكانًا من دار يعلى استقبلَ البيتَ فدعا.

стр. 1102

وذكر الطبرانيُّ (١) أنَّه كان إذا نظر إلى البيت قال: «اللَّهمَّ زِدْ بيتك هذا تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومَهابةً». ورُوِي عنه أنَّه كان عند رؤيته يرفع يديه ويكبِّر، ويقول: «اللَّهمَّ أنت السَّلام، ومنك السَّلام، فحيِّنا (٢) ربَّنا بالسَّلام» (٣). «اللَّهمَّ زِدْ هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومَهابةً، وزِدْ مَن حجَّه أو اعتمَره تكريمًا وتشريفًا وتعظيمًا وبرًّا» (٤)، وهو مرسلٌ، ولكن سمع هذا سعيد بن المسيِّب من عمر بن الخطَّاب يقوله. فلمَّا دخل المسجد عَمَدَ إلى البيت، ولم يركع تحيَّة المسجد، فإنَّ تحيَّة المسجد الحرام الطَّواف، فلمَّا حاذى الحجر الأسود استلمه، ولم يزاحِمْ عليه، ولم يتقدَّم عنه إلى جهة الرُّكن اليمانيِّ، ولم يرفع يديه، ولم يقل: نويتُ بطوافي هذا الأسبوع كذا وكذا، ولا افتتحه بالتَّكبير كما يكبّر للصلاة (٥)، كما

стр. 1103

يفعله من لا علمَ عنده، بل هو من البدع المنكرات، ولا حاذى الحجر الأسود بجميع بدنه ثمَّ انفتلَ عنه وجعله على شِقِّه، بل استقبله واستلمه، ثمَّ أخذ على يمينه وجعل البيت عن يساره، ولم يدعُ عند الباب بدعاءٍ، ولا تحتَ الميزاب، ولا عند ظهر الكعبة وأركانها، ولا وقَّت للطَّواف ذكرًا معيَّنًا، لا بفعله ولا بتعليمه، بل حُفِظ عنه بين الرُّكنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] (١). ورملَ في طوافه هذا الثَّلاثةَ الأشواط الأول، وكان يُسرِع مَشيَه، ويقارب بين خُطاه، واضطبع بردائه، فجعله على إحدى كتفيه (٢)، وأبدى كتفَه الأخرى ومنكبه، وكلَّما حاذى الحجر الأسود أشار إليه، واستلمه بمِحْجَنه، وقبَّل المِحْجَن. والمِحْجَن: عصا مَحنيَّة الرَّأس. وثبت عنه أنَّه استلم الرُّكن اليمانيَّ، ولم يثبت عنه أنَّه قبَّله، ولا قبَّل يده عند استلامه. وقد روى الدارقطنيُّ (٣) عن ابن عباسٍ: كان النبي ﷺ يُقبِّل الرُّكن اليمانيَّ، ويضعُ خدَّه عليه. وفيه عبد الله بن مسلم بن هرمز، قال الإمام أحمد: صالح الحديث (٤)، وضعَّفه غيره. ولكنَّ المراد بالرُّكن اليمانيِّ هاهنا الحجر الأسود، فإنَّه يسمَّى اليمانيَّ،

стр. 1104

مع الرُّكن الآخر يقال لهما: اليمانيين (١)، ويقال له مع الرُّكن الذي يلي الحجر من ناحية الباب: العراقيين؛ ويقال للرُّكنين اللَّذين يليان الحجر: الشاميين. ويقال للرُّكن اليمانيِّ والَّذي يلي الحجر من ظهر الكعبة: الغربيين. ولكن ثبت عنه أنَّه قبَّل الحجر الأسود، وثبت عنه أنَّه استلمه بيده فوضع يده عليه ثمَّ قبَّلها، وثبت عنه أنَّه استلمه (٢) بمِحْجنٍ. فهذه ثلاث صفاتٍ، وروي عنه أنَّه وضعَ شفتيه عليه طويلًا يبكي (٣). وذكر الطَّبرانيُّ (٤) عنه بإسنادٍ جيِّدٍ: أنَّه كان إذا استلم الرُّكن قال: بسم الله والله أكبر. وكان كلَّما أتى على الحجر الأسود قال: الله أكبر (٥). وذكر أبو داود الطيالسيُّ (٦) وأبو عاصمٍ النَّبيل عن جعفر بن عبد الله بن

стр. 1105

عثمان قال: رأيت محمَّد بن عبَّاد بن جعفرٍ قبَّل الحجر وسجد عليه، ثمَّ قال: رأيت ابن عبَّاسٍ يقبِّله ويسجد عليه، وقال ابن عبَّاسٍ: رأيت عمر بن الخطَّاب قبَّله وسجد عليه، ثمَّ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ فعل هكذا ففعلتُ. وروى البيهقي (١) عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه قبَّل الرُّكن ثمَّ سجد عليه، ثمَّ قبَّله ثمَّ سجد عليه، ثلاث مرَّاتٍ. وذكر (٢) أيضًا عنه قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ سجد على الحجر. ولم يستلم ﷺ ولم يمسَّ من الأركان إلا اليمانيَّين فقط، قال الشافعيُّ (٣): ولم يَدَعْ أحدٌ استلامَهما هجرةً لبيت اللَّه، ولكن استلم ما استلم رسول الله ﷺ ، وأمسك عمَّا أمسك عنه. فصل فلمَّا فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام، فقرأ: ﴿وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فصلَّى ركعتين والمقامُ بينه وبين البيت، قرأ فيهما بعد الفاتحة بسورتي الإخلاص، وقراءتُه الآيةَ المذكورة بيانٌ منه لتفسير القرآن ومرادِ الله منه بفعله ﷺ . فلمَّا فرغ من صلاته أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثمَّ خرج إلى الصَّفا من الباب الذي يقابله، فلمَّا دنا (٤) منه قرأ:

стр. 1106

«﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، أَبدأُ بما بدأ الله به» (١). وفي رواية للنسائيِّ (٢): «ابدَؤوا» على الأمر. ثمَّ رَقِيَ عليه حتَّى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحَّد الله وكبَّره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك (٣) وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. لا إله إلا الله وحده، أنجزَ وعدَه، ونصر عبدَه، وهزم الأحزاب وحدَه». ثمَّ دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرَّاتٍ. وقام (٤) ابن مسعودٍ على الصَّدع، وهو الشَّقُّ الذي في الصَّفا، فقيل له: هاهنا يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا والَّذي لا إله غيره مقامُ الذي أُنزِلت عليه سورة البقرة. ذكره البيهقي (٥). ثمَّ نزل إلى المروة يمشي، فلمَّا انصبَّتْ قدماه في بطن الوادي سعى، حتَّى إذا جاوز الواديَ وأصعدَ مشى، هذا الذي صحَّ عنه، وذلك اليومَ قبل الميلين الأخضرين في أوَّل المسعى وآخره (٦). والظَّاهر أنَّ الوادي لم يتغيَّر

стр. 1107

عن وضعه، هكذا قال جابر عنه في «صحيح مسلم» (١). وظاهر هذا: أنَّه كان ماشيًا، وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن أبي الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول: طاف النبيُّ ﷺ في حجَّة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصَّفا والمروة؛ ليراه النَّاس، وليُشْرِف (٣). ولم يطفْ رسول الله ﷺ ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا. قال ابن حزمٍ (٤): لا تعارُضَ بينهما ; لأنَّ الرَّاكب إذا انصبَّتْ (٥) به بعيرُه فقد انصبَّ كلُّه، وانصبَّت قدماه أيضًا مع سائر جسده. وعندي في الجمع بينهما وجهٌ أحسنُ من هذا، وهو أنَّه سعى ماشيًا أوَّلًا، ثمَّ أتمَّ سعيه راكبًا، وقد جاء ذلك مصرَّحًا به، ففي «صحيح مسلم» (٦) عن أبي الطُّفيل قال: قلت لابن عبَّاسٍ: أخبِرْني عن الطَّواف بين الصَّفا والمروة راكبًا، أسنَّةٌ هو؟ فإنَّ قومك يزعمون أنَّه سنَّةٌ، قال: صدقوا وكذبوا، قال: قلت: ما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إنَّ رسول الله ﷺ كثُر عليه النَّاس، يقولون هذا محمَّدٌ، حتى خرج العواتقُ من البيوت، قال: وكان رسول الله ﷺ لا يُضْرَب النَّاسُ بين يديه. قال: فلمَّا كثُر عليه ركب، والمشيُ (٧) أفضل.

стр. 1108

فصل وأمَّا طوافه بالبيت عند قدومه، فاختُلِف فيه: هل كان على قدمَيه أو كان راكبًا؟ ففي «صحيح مسلم» (١) عن عائشة قالت: طاف النبيُّ ﷺ في حجَّة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الرُّكن، كراهيةَ أن يُضْرَب عنه النَّاس. وفي «سنن أبي داود» (٢) عن ابن عبَّاسٍ قال: قدِمَ النبيُّ ﷺ مكَّة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، كلَّما أتى الرُّكنَ استلم الركنَ (٣) بمِحْجَنٍ، فلمَّا فرغ من طوافه أناخ فصلَّى ركعتين. وقال أبو الطفيل: رأيت النبيَّ ﷺ يطوف حول البيت على بعيرٍ يستلم الحجرَ بمِحْجنه (٤) ثمَّ يقبِّله. رواه مسلم (٥) دون ذكر البعير، وهو عند البيهقي (٦) بإسناد مسلم بذكر البعير، وهذا ــ والله أعلم ــ في طواف الإفاضة لا في طواف القدوم، فإنَّ جابرًا حكى عنه الرَّمل في الثَّلاثة الأول وذلك لا يكون إلا مع المشي.

стр. 1109

قال الشَّافعيُّ (١) ﵀: أمَّا سَبْعُه (٢) الذي طافه لمقدَمِه فعلى قدميه؛ لأنَّ جابرًا المحكيّ (٣) عنه فيه (٤): أنَّه رملَ ثلاثة أشواطٍ ومشى أربعةً، فلا يجوز أن يكون جابر يحكي عنه الطَّواف ماشيًا وراكبًا في سَبْعٍ (٥) واحدٍ، وقد حُفِظ أنَّ سبعه (٦) الذي ركب فيه (٧) في طوافه يوم النَّحر. ثمَّ ذكر الشَّافعيُّ (٨) عن ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه: أنَّ (٩) رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يُهَجِّروا بالإفاضة، وأفاض في نسائه ليلًا على راحلته يستلم الرُّكن بمِحْجَنه، أحسبه قال: ويُقبِّل طرفَ المِحْجن. قلت: هذا مع أنَّه مرسلٌ، فهو خلاف ما رواه جابر في «الصَّحيح» (١٠) عنه أنَّه طاف طواف الإفاضة يوم النَّحر نهارًا، وكذلك روت عائشة وابن عمر، كما سيأتي. وقول ابن عبَّاسٍ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ قدِمَ مكَّة وهو يشتكي، فطاف على

стр. 1110

راحلته، كلَّما أتى الرُّكَن استلمه»، هذا إن كان محفوظًا فهو في إحدى عُمَره، وإلَّا فقد صحَّ عنه الرَّمل في الثَّلاثة الأول من طواف القدوم، إلا أن نقول (١) كما قال ابن حزمٍ في السَّعي (٢): إنَّه رملَ على بعيره، فإنَّ من رملَ به (٣) بعيرُه فقد رمل، لكن ليس في شيءٍ من الأحاديث أنَّه كان راكبًا في طواف القدوم. والله أعلم. فصل قال ابن حزمٍ (٤): فطاف بين الصَّفا والمروة أيضًا سبعًا راكبًا على بعيره، يَخُبُّ ثلاثًا ويمشي أربعًا. وهذا من أوهامه وغلطه ﵀، فإنَّ أحدًا لم يقل هذا قطُّ غيره، ولا رواه أحدٌ عن النَّبيِّ ﷺ البتَّة. وهذا إنَّما هو في الطَّواف بالبيت، فغلِطَ أبو محمد ونقله إلى الطَّواف بين الصَّفا والمروة. وأعجب من ذلك استدلاله عليه بما رواه من طريق البخاريِّ (٥) عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ طاف حين قدم مكَّة، واستلم الرُّكن أوَّلَ شيءٍ، ثمَّ خبَّ ثلاثة أطوافٍ، ومشى أربعًا، فركع حين قضى طوافه بالبيت (٦) عند المقام ركعتين، ثمَّ سلَّم وانصرف، فأتى الصَّفا، فطاف بالصَّفا والمروة سبعة

стр. 1111

أشواطٍ ... وذكر باقي الحديث. قال (١): ولم نجد عدد الرَّمل بين الصَّفا والمروة منصوصًا، ولكنَّه متَّفقٌ عليه. هذا لفظه. قلت: المتَّفق عليه السَّعي في بطن الوادي في الأشواط كلِّها، وأمَّا الرَّمل في الثَّلاثة الأول خاصَّةً، فلم يقلْه ولا نقلَه فيما نعلم غيرُه. وسألت شيخنا عنه، فقال: هذا من أغلاطه، وهو لم يحجَّ ﵀. ويُشبِه هذا الغلطَ غلطُ من قال (٢) إنَّه سعى أربع عشرة مرَّةً، فكان يحتسب (٣) بذهابه ورجوعه مرَّةً واحدةً. وهذا غلطٌ عليه ﷺ ، لم ينقله عنه (٤) أحد، ولا قاله أحدٌ من الأئمَّة الذين اشتهرت (٥) أقوالهم، وإن ذهب إليه بعض المتأخِّرين من المنتسبين إلى الأئمَّة (٦). وممَّا يبيِّن بطلان هذا القول أنَّه ﷺ لا خلافَ عنه أنَّه ختمَ سعيه بالمروة، ولو كان الذَّهاب والرُّجوع مرَّةً واحدةً لكان ختمه إنَّما يقع على الصَّفا.

стр. 1112

وكان ﷺ إذا وصل إلى المروة رَقِيَ عليها، واستقبل البيت، وكبَّر اللَّه ووحَّده، وفعل كما فعل على الصَّفا، فلمَّا أكمل سعيه عند المروة أمر كلَّ من لا هديَ معه أن يحلَّ حتمًا ولا بدَّ، قارنًا كان أو مفردًا، وأمرهم أن يحلُّوا الحلَّ كلَّه: من وطء النِّساء، والطِّيب، والمَخِيط (١)، وأن يبقَوا كذلك إلى يوم التَّروية، ولم يحلَّ هو من أجل هديه، وهناك قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي، ولجعلتُها عمرةً». وقد روي أنَّه أحلَّ هو أيضًا، وهو غلطٌ قطعًا، قد بيَّنَّاه فيما تقدَّم. وهناك دعا للمحلِّقين بالمغفرة ثلاثًا، وللمقصِّرين مرَّةً (٢)، وهناك سأله سُراقة بن مالك بن جُعْشُم عقيبَ أمره لهم بالفسخ والإحلال: هل ذلك لعامهم خاصَّةً أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد». ولم يحلَّ أبو بكر ولا عمر ولا علي ولا طلحة ولا الزبير من أجل الهدي. وأمَّا نساؤه ﷺ فأحللن، وكنَّ قارناتٍ، إلا عائشة فإنَّها لم تحلَّ من أجل تعذُّر الحلِّ عليها (٣) بحيضها (٤). وفاطمة حلَّت؛ لأنَّها لم يكن معها هديٌ، وعلي لم يحلَّ من أجل هديه. وأمرَ مَن أهلَّ بإهلالٍ كإهلاله ﷺ أن يقيم على إحرامه إن كان معه هديٌ، وأن يحلَّ إن لم يكن معه هديٌ. وكان يصلِّي مدَّةَ مُقامِه (٥) إلى يوم التَّروية بمنزلهِ الذي هو نازلٌ فيه

стр. 1113

بالمسلمين بظاهر مكَّة، فأقام (١) أربعة أيَّامٍ يقصُر الصَّلاة يوم الأحد والاثنين والثُّلاثاء والأربعاء، فلمَّا كان يوم الخميس ضحًى توجَّه بمن معه من المسلمين إلى منًى، فأحرم بالحجِّ من كان أحلَّ منهم من رحالهم ولم يدخلوا إلى المسجد، فأحرموا منه، بل أحرموا ومكَّة خلفَ ظهورهم، فلمَّا وصل إلى منًى فنزلَ (٢) بها، وصلَّى بها الظُّهر والعصر، وبات بها، وكان ليلة الجمعة، فلمَّا طلعت الشَّمس سار منها إلى عرفة، وأخذ على طريق ضَبٍّ على يمين طريقِ النَّاس اليوم، وكان من الصحابة الملبِّي، ومنهم المكبِّر، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء (٣). فوجد القبَّة قد ضُرِبت له بنَمِرةَ بأمره (٤)، وهي قريةٌ شرقيَّ عرفاتٍ (٥)، وهي خرابٌ اليومَ، فنزل فيها، حتَّى إذا زالت الشَّمس أمر بناقته القصواء فرُحِلتْ، ثمَّ سار (٦) حتَّى أتى بطنَ الوادي من أرض عُرَنَة، فخطب النَّاسَ وهو على راحلته خطبةً عظيمةً، قرَّر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشِّرك والجاهليَّة، وقرَّر فيها تحريم المحرَّمات الَّتي اتِّفقت الملل على تحريمها، وهي الدِّماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهليَّة تحت قدميه (٧)، ووضع فيها ربا الجاهليَّة كلَّه وأبطله، وأوصاهم

стр. 1114

بالنِّساء خيرًا، وذكر الحقَّ الذي لهنَّ وعليهنَّ، وأنَّ الواجب لهنَّ الرِّزق والكسوة بالمعروف، ولم يقدِّر ذلك بتقديرٍ (١)، وأباح للأزواج ضَرْبهنَّ إذا أدخلن إلى بيوتهنَّ من يكرهه أزواجهنَّ، وأوصى الأمَّة فيها بالاعتصام بكتاب اللَّه، وأخبر أنَّهم لن يضلُّوا ما داموا معتصمين به (٢)، ثمَّ أخبرهم أنَّهم مسؤولون عنه، واستنطقهم: ماذا يقولون، وبماذا يشهدون؟ فقالوا: نشهد أنَّك قد بلَّغتَ وأدَّيتَ ونصحتَ، فرفع إصبعه إلى السَّماء، واستشهد الله عليهم ثلاث مرَّاتٍ، وأمرهم (٣) أن يبلِّغ شاهدُهم غائبَهم (٤). قال ابن حزمٍ (٥): فأرسلت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية ــ وهي أمُّ عبد الله بن عبَّاسٍ ــ بقَدَح لبنٍ، فشربه أمام النَّاس وهو على بعيره، فلمَّا أتمَّ الخطبة أمر بلالًا فأقام الصَّلاة. وهذا من وهمه ﵀، فإنَّ قصَّة شُربه (٦) إنَّما كانت بعد هذا، حين سار إلى عرفة ووقفَ بها، هكذا جاء في «الصَّحيحين» (٧) مصرَّحًا به عن ميمونة: أنَّ النَّاس شكُّوا في صيام النبيِّ ﷺ يومَ عرفة، فأرسلتْ إليه بحِلابٍ وهو واقفٌ في الموقف، فشرِب منه والنَّاس ينظرون. وفي لفظٍ: وهو واقفٌ بعرفة.

стр. 1115

وموضع خطبته لم يكن من الموقف، فإنَّه خطب بعُرَنَة (١)، وليست من الموقف، وهو ﷺ نزل بنَمِرَة، وخطب بعُرَنَة، ووقف بعرفة، وخطب خطبةً واحدةً، لم تكن خطبتين جلس بينهما، فلمَّا أتمَّها أمر بلالًا فأذَّن، ثمَّ أقام (٢)، فصلَّى الظُّهر ركعتين أسرَّ فيهما بالقراءة، وكان يوم الجمعة. فدلَّ على أنَّ المسافر لا يصلِّي جمعةً، ثمَّ أقام فصلَّى العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكَّة، وصلَّوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريبٍ، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع. ومن قال: إنَّه قال لهم: «أتِمُّوا صلاتكم فإنَّا قومٌ سَفْرٌ» فقد غلِطَ عليه (٣) غلطًا بيِّنًا، ووهم وهمًا قبيحًا، وإنَّما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكَّة، حيث كانوا في ديارهم مقيمين (٤). ولهذا كان أصحُّ أقوال العلماء: إنَّ أهل مكَّة يقصُرون ويجمعون بعرفة، كما فعلوا مع النَّبيِّ ﷺ ، وفي هذا أوضحُ دليلٍ على أنَّ سفر القصر لا يتحدَّد بمسافةٍ معلومةٍ، ولا بأيَّامٍ (٥)، ولا تأثيرَ للنُّسك في قصر الصَّلاة البتَّةَ، وإنَّما التَّأثير لما جعله الله سببًا وهو السَّفر. هذا مقتضى السُّنَّة، ولا وجهَ لما ذهب إليه المحدِّدون. فلمَّا فرغ من صلاته ركب حتَّى أتى الموقف، فوقف في ذيل الجبل عند

стр. 1116

الصَّخَرات، واستقبل القبلة، وجعل حَبْلَ المشاة بين يديه، وكان على بعيره، فأخذ في الدُّعاء والتَّضرُّع والابتهال إلى غروب الشَّمس، وأمر النَّاس أن يرفعوا عن بطن عُرَنَة (١)، وأخبر أنَّ عرفة لا تختصُّ بموقفه ذلك، بل قال: «وقفتُ هاهنا، وعرفة كلُّها موقفٌ» (٢). وأرسل إلى النَّاس أن يكونوا على مشاعرهم، ويقفوا بها، فإنَّها من إرث أبيهم (٣) إبراهيم (٤). وهنالك أقبل ناسٌ من أهل نجدٍ، فسألوه عن الحجِّ، فقال: «الحجُّ يوم عرفة (٥)، من أدرك قبل صلاة الصُّبح فقد أدرك الحج (٦)، أيَّامُ منًى ثلاثة أيام التشريق (٧)، فمن تعجَّل في يومين فلا إثمَ عليه، ومن تأخَّر فلا إثمَ عليه» (٨).

стр. 1117

وكان في دعائه رافعًا يديه إلى صدره كاستطعام المسكين، وأخبرهم أنَّ خير الدُّعاء دعاء يوم عرفة (١). وذُكر من دعائه ﷺ في الموقف: «اللهمَّ لك الحمد كالَّذي نقول (٢)، وخيرًا ممَّا نقول، اللهمَّ لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ولك ربِّ (٣) تُراثي، اللّهمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصَّدر، وشَتاتِ الأمر، اللّهمَّ إنِّي أعوذ بك من شرِّ ما تجيء به الرِّيح». ذكره الترمذي (٤). وممَّا ذُكر من دعائه هناك: «اللَّهمَّ إنك (٥) تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سرِّي وعلانيتي، لا يخفى عليك شيءٌ من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجِلُ المشفق، المقرُّ المعترف بذنوبه (٦)، أسألك

стр. 1118

مسألةَ المسكين، وأبتهلُ إليك ابتهالَ المذنب الذَّليل، وأدعوك دعاء الخائف الضَّرير، مَن خَضَعتْ لك رقبته، وفاضتْ لك عيناه، وذلَّ جسده، ورغِمَ أنفُه لك، اللّهمَّ لا تجعلْني بدعائك (١) شقيًّا، وكُنْ بي رؤوفًا رحيمًا، يا خيرَ المسؤولين، ويا خيرَ المُعطِين». ذكره الطَّبرانيُّ (٢). وذكر الإمام أحمد (٣) من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه: كان أكثر دعاء النبيِّ ﷺ يومَ عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ». وذكر البيهقي (٤) من حديث علي عنه أنَّه (٥) ﷺ قال: «أكثرُ دعائي ودعاءِ الأنبياء قبلي (٦) بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. اللهمَّ اجعلْ في قلبي نورًا (٧)، وفي سَمْعي

стр. 1119

نورًا، وفي بصري نورًا. اللهمَّ اشرحْ لي صدري، ويَسِّرْ لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصَّدر، وشَتاتِ الأمر، وفتنة القبر. اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من شرِّ ما يَلِجُ في اللَّيل، وشرِّ ما يَلِجُ في النَّهار، وشرِّ ما تَهُبُّ به الرِّياح، ومن (١) شرِّ بَوائقِ الدَّهر». وأسانيد هذه الأدعية فيها لينٌ. وهناك أنزلت عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (٢). وهناك سقط رجلٌ من المسلمين عن راحلته وهو مُحرِمٌ، فمات، فأمر رسول الله ﷺ أن يُكفَّن في ثوبيه، ولا يُمَسَّ بطيبٍ، وأن يُغْسَل بماءٍ وسدرٍ، ولا يغطَّى رأسه ولا وجهه، وأخبر أنَّ الله يبعثه يوم القيامة يلبِّي (٣). وفي هذه القصَّة اثنا عشر حكمًا (٤): الحكم الأوَّل: وجوب غَسْل الميِّت، لأمر رسول الله ﷺ به. الحكم الثَّاني: أنَّه لا يَنجُس بالموت؛ لأنَّه لو نجس (٥) لم يزِدْه غسلُه إلا نجاسةً؛ لأنَّ نجاسة الموت للحيوان عينيَّةٌ، فإن ساعد المنجِّسون على أنَّه

стр. 1120

يطهر بالغسل بطلَ أن يكون نجسًا بالموت، وإن قالوا: لا يطهر، لم يَزِدِ الغسلُ أكفانَه وثيابه وغاسلَه إلا نجاسةً. الحكم الثَّالث: أنَّ المشروع في حقِّ الميِّت أن يُغْسَل بماءٍ وسدرٍ، لا يُقتَصر به على الماء وحده، وقد أمر النَّبيُّ ﷺ بالسِّدر في ثلاث (١) مواضع هذا أحدها، والثَّاني: في غَسْل ابنته بالماء والسِّدر (٢)، والثَّالث: في (٣) غسل الحائض (٤). وفي وجوب السِّدر في حقِّ الحائض قولان في مذهب أحمد. الحكم الرَّابع: أنَّ تغيُّر الماء بالطَّاهرات لا يسلبه طهوريَّتَه، كما هو مذهب الجمهور، وهو أنصُّ الرِّوايتين عن أحمد، وإن كان المتأخِّرون من أصحابه على خلافها. ولم يأمر بغَسْله بعد ذلك بماءٍ قَراحٍ، بل أمر في غَسْل ابنته أن تجعل (٥) في الغَسْلة الأخيرة شيئًا من الكافور، ولو سلبه الطَّهوريَّة لنهى عنه. وليس القصد مجرَّد اكتساب الماء من رائحته حتَّى يكون تغيُّر مجاورةٍ، بل تطييب البدن وتصليبه وتقويته، وهذا إنَّما (٦) يحصل بكافورٍ مخالطٍ لا مجاورٍ. الحكم الخامس: إباحة الغسل للمحرِم، وقد تناظر في هذا عبد الله بن

стр. 1121

عبَّاسٍ والمِسْور بن مَخْرمة، ففَصَلَ بينهما أبو أيُّوب الأنصاريُّ بأنَّ النبي ﷺ اغتسل وهو محرِمٌ (١). واتَّفقوا على أنَّه يغتسل من الجنابة، ولكن كره مالك أن يغيِّب رأسه في الماء؛ لأنَّه نوع سَتْرٍ له، والصَّحيح أنَّه لا بأس به، فقد فعله عمر بن الخطَّاب وابن عبَّاسٍ (٢). الحكم السَّادس: أنَّ المحرم غير ممنوعٍ من الماء والسِّدر. وقد اختُلِف في ذلك، فأباحه الشَّافعيُّ وأحمد في أظهر الرِّوايتين عنه، ومنع منه مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية ابنه صالح عنه. قال: فإن فعل افتدى (٣). وقال صاحبا أبي حنيفة: إن فعلَ فعليه صدقةٌ. وللمانعين ثلاث عللٍ: إحداها: أنَّه يقتل الهوامَّ من رأسه، وهو ممنوعٌ من التَّفلِّي. الثَّانية: أنَّه ترفُّهٌ وإزالةُ شَعَثٍ، فَنَافَى (٤) الإحرام. الثَّالثة: أنَّه يستلذُّ (٥) رائحته، أشبهَ (٦) الطِّيب، ولا سيَّما الخطميُّ. والعلل الثَّلاث واهيةٌ جدًّا، والصَّواب جوازه للنصِّ، ولم يحرِّم الله ورسوله (٧) على المحرم إزالةَ الشَّعَث بالاغتسال، ولا قتلَ القَمْل، وليس

стр. 1122

السِّدر من الطِّيب في شيءٍ. الحكم السَّابع: أنَّ الكفن مقدَّمٌ على الميراث وعلى الدَّين؛ لأنَّ رسول الله ﷺ أمر أن يكفَّن في ثوبيه، ولم يسأل عن وارثه ولا عن دَينٍ عليه، ولو اختلف الحال لسأل. وكما أنَّ كسوته في الحياة مقدَّمةٌ على قضاء دينه، فكذلك بعد الممات، هذا قول الجمهور، وفيه خلافٌ شاذٌّ لا يُعوَّل عليه. الحكم الثَّامن: جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين، هما إزارٌ ورداءٌ، هذا قول الجمهور. وقال القاضي أبو يعلى (١): لا يُجزئ (٢) أقلُّ من ثلاثة أثوابٍ عند القدرة؛ لأنَّه لو جاز الاقتصار على ثوبين لم يجز التَّكفين بالثَّلاثة لمن له أيتامٌ. والصَّحيح خلافُ قوله، وما ذكره ينتقض (٣) بالخشن مع الرَّفيع. الحكم التَّاسع: أنَّ المحرم ممنوعٌ من الطِّيب؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نهى أن يقرب (٤) طيبًا، مع شهادته له بأنه يُبعَثُ ملبِّيًا، وهذا هو الأصل في منع المحرم من الطِّيب. وفي «الصَّحيحين» (٥) من حديث ابن عمر: «لا تلبسوا من الثِّياب شيئًا مسَّه وَرْسٌ أو زعفرانٌ».

стр. 1123

وأمرَ الذي أحرم في جُبَّةٍ بعد ما تَضَمَّخ بالخَلُوق أن يَنزِع (١) عنه الجبَّة، ويَغسِل عنه أثرَ الخَلُوق (٢). فعلى هذه الأحاديث الثَّلاثة مدارُ منع المحرم من الطِّيب. وأصرحُها هذه القصَّة، فإنَّ النَّهي في الحديثين الأخيرين (٣) إنَّما هو عن نوعٍ خاصٍّ من الطِّيب لا سيَّما الخَلُوق، فإنَّ النَّهي عنه عامٌّ في الإحرام وغيره. وإذا كان النَّبيُّ ﷺ قد نهى أن يقرب طيبًا أو يمسَّ به، تناولَ ذلك الرَّأسَ والبدن والثِّياب. وأمَّا شمُّه من غير مسٍّ فإنَّما حرَّمه من حرَّمه بالقياس، وإلَّا فلفظ النَّهي لا يتناوله بصريحه، ولا إجماعٌ معلوم فيه يجب المصير إليه، ولكن تحريمه من باب تحريم الوسائل، فإنَّ شمَّه يدعو إلى ملابسته (٤) في البدن والثِّياب، كما حُرِّم النَّظر إلى الأجنبيَّة؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى غيره، وما حُرِّم تحريمَ الوسائل فإنَّه يُباح (٥) للحاجة والمصلحة الرَّاجحة، كما يباح النَّظر إلى الأمة المستامة (٦)، والمخطوبة، ومن يشهد عليها، ويُعاملها، ويَطُبُّها (٧). وعلى هذا، فإنَّما يُمنع المحرِم من قصْد شمِّ الطِّيب للتَّرفُّه واللذَّة. فأمَّا

стр. 1124

إذا وصلت الرَّائحة إلى أنفه من غير قصدٍ منه، أو شمَّه قصدًا لاستعلامه (١) عند شرائه، لم يُمنَع منه، ولم يجب عليه سَدُّ أنفه. فالأوَّل بمنزلة نظر الفجأة، والثَّاني بمنزلة نظر المستام والخاطب. وممَّا يوضِّح هذا: أنَّ الذين أباحوا للمحرِم استدامةَ الطِّيب قبل الإحرام، منهم من صرَّح بإباحة تعمُّد شمِّه بعد الإحرام، صرَّح بذلك أصحاب أبي حنيفة، فقالوا في «جوامع الفقه» (٢) لأبي يوسف: لا بأسَ بأن يشمَّ طيبًا تطيَّب به قبل إحرامه. قال صاحب «المفيد» (٣): إنَّ (٤) الطِّيب يتَّصل به فيصير تبعًا له؛ ليدفع به أذى التَّفَث (٥) بعد إحرامه، فيصير كالسَّحور في حقِّ الصَّائم، يدفع به أذى الجوع والعطش في الصَّوم، بخلاف الثَّوب فإنَّه مباينٌ عنه. وقد اختلف الفقهاء: هل هو ممنوعٌ من استدامته كما هو ممنوعٌ من ابتدائه، أو يجوز له استدامته؟ على قولين. فمذهب الجمهور جواز

стр. 1125

استدامته، اتِّباعًا لما ثبت بالسُّنَّة الصَّحيحة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يتطيَّب قبل إحرامه، ثمَّ يُرَى وَبِيصُ الطِّيب في مَفارقِه بعد الإحرام (١). وفي لفظٍ: «وهو يُلبِّي» (٢). وفي لفظٍ: «بعد ثلاثٍ» (٣). وكلُّ هذا يدفع التَّأويل الباطل الذي تأوَّله من قال: إنَّ ذلك كان قبل الإحرام، فلمَّا اغتسل ذهب أثره. وفي لفظٍ: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يُحرِم تطيَّب بأطيبِ ما يجد، ثمَّ أرى (٤) وَبِيصَ الطِّيب في رأسه ولحيته بعد ذلك» (٥). وللَّه ما يصنع التَّقليد ونصرةُ الآراء بأصحابه! وقال آخرون منهم: إنَّ ذلك كان (٦) مختصًّا به. ويردُّ هذا أمران: أحدهما: أنَّ دعوى الاختصاص لا تُسمع إلا بدليلٍ. الثَّاني: ما رواه أبو داود (٧) عن عائشة: كنَّا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكَّة، فنُضمِّد جِباهَنا بالسُّكِّ (٨) المطيَّب عند الإحرام، فإذا عرِقَتْ إحدانا سالَ على
следующие страницы →