← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

هو وأصحابه، قد استلموا الرُّكن من الباب إلى الحطيم، ووضعوا خدودَهم على البيت ورسول الله ﷺ وسطَهم. وروى أبو داود (١) أيضًا من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: طفتُ مع عبد الله، فلمَّا حاذى دُبُرَ الكعبة قلت: ألا (٢) تتعوَّذ؟ قال: نعوذ بالله من النَّار، ثمَّ مضى حتَّى استلم الحجر، فقام بين الرُّكن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفَّيه (٣) هكذا، وبسطَها (٤) بسطًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله. فهذا يحتمل أن يكون وقتَ (٥) الوداع، وأن يكون في غيره، ولكن قال مجاهد والشَّافعيُّ بعده وغيرهما: إنَّه يُستحبُّ أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ويدعو. وكان ابن عبَّاسٍ يلزم (٦) ما بين الرُّكن والباب، وكان يقول: «لا يلتزم ما بينهما أحدٌ يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إيَّاه» (٧)، والله أعلم.

стр. 1192

فصل وأمَّا المسألة الثَّالثة: وهي موضع صلاته ﷺ الصُّبحَ صبيحةَ (١) ليلة الوداع، ففي «الصَّحيحين» (٢) عن أم سلمة قالت: شكوتُ إلى رسول الله ﷺ أنِّي أشتكي، فقال: «طُوفي من وراء النَّاس وأنتِ راكبةٌ». قالت: فطفتُ ورسول الله ﷺ حينئذٍ يصلِّي إلى جنب البيت، وهو يقرأ بـ (الطور وكتاب مسطور). فهذا يحتمل أن يكون في الفجر (٣) وفي غيرها، وأن يكون في طواف الوداع أو غيره، فنظرنا في ذلك، فإذا البخاريُّ قد روى في «صحيحه» (٤) في هذه القصَّة: أنَّه ﷺ لمَّا أراد الخروج، ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت، وأرادت الخروج، فقال لها رسول الله ﷺ : «إذا أقيمتْ صلاة الصُّبح فطُوفي على بعيرِك والنَّاس يصلُّون». ففعلتْه ولم تصلِّ حتَّى خرجتْ (٥). وهذا محالٌ قطعًا أن يكون يومَ النَّحر، فهو طوافُ الوداع بلا ريبٍ، فظهر أنَّه صلَّى الصُّبح يومئذٍ عند البيت، وسمعته أم سلمة يقرأ فيها بالطُّور. فصل ثمَّ ارتحل ﷺ راجعًا إلى المدينة، فلمَّا كان بالرَّوحاء لقي رَكْبًا، فسلَّم

стр. 1193

عليهم وقال: «من القوم؟»، فقالوا (١): المسلمون، فمن القوم؟ فقال: «رسول الله ﷺ »، فرفعت إليه امرأةٌ صبيًّا لها من مِحَفَّة (٢)، فقالت: يا رسول اللَّه، ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم، ولك أجرٌ» (٣). فلمَّا أتى ذا الحليفة بات بها، فلمَّا رأى المدينة كبَّر ثلاثَ مرَّاتٍ وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، آئبون تائبون عابدون ساجدون, لربِّنا حامدون, صدق الله وعدَه, ونصر عبدَه, وهزم الأحزابَ وحده» (٤). ثمَّ دخلها نهارًا من طريق المُعرَّس، وخرج من طريق الشَّجرة (٥)، والله أعلم. فصل في الأوهام فمنها: وهمٌ لأبي محمد بن حزم في «حجَّة الوداع» (٦) حيث قال: إنَّ النبيَّ ﷺ أعلمَ النَّاسَ وقتَ خروجه أنَّ عمرةً في رمضان تَعدِل حجَّةً.

стр. 1194

وهذا وهمٌ ظاهرٌ؛ فإنَّه إنَّما (١) قال ذلك بعد رجوعه إلى المدينة من حجَّته، قال لأم سِنان الأنصارية: «ما منعَكِ أن تكوني حججتِ معنا؟»، قالت: لم يكن لنا إلا ناضحانِ (٢)، فحجَّ أبو ولدي وابني على ناضحٍ، وترك لنا ناضحًا ننضَحُ عليه. فقال: «فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإنَّ عمرةً في رمضان تقضي حجَّةً». هكذا رواه مسلم في «الصحيح» (٣). وكذلك أيضًا قال هذا لأم مَعقِل بعد رجوعه إلى المدينة، كما رواه أبو داود (٤) من حديث يوسف بن عبد الله بن سلامٍ عن جدَّته أم مَعقِل، قالت: لمَّا حجَّ رسول الله ﷺ حجَّة الوداع، وكان لنا جملٌ فجعله أبو مَعقِل في سبيل اللَّه، فأصابنا مرضٌ، فهلك أبو معقل، وخرج رسول الله ﷺ ، فلمَّا فرغ (٥) جئتُه، فقال: «ما منعكِ أن تخرجي معنا؟»، فقالت: لقد تهيَّأنا فهلك أبو معقل، وكان لنا جملٌ هو الذي نحجُّ عليه، فأوصى به أبو مَعقِل في سبيل اللَّه. قال: «فهلَّا خرجتِ عليه؟ فإنَّ الحجَّ من سبيل اللَّه، فإذْ فاتتْكِ هذه الحجَّة معنا فاعتمري في رمضان؛ فإنَّها حجَّة (٦)».

стр. 1195

فصل ومنها: وهمٌ آخر له، أنَّ خروجه كان يوم الخميس لستٍّ بقين من ذي القعدة (١). وقد تقدَّم أنَّه خرج لخمسٍ، وأنَّ خروجه كان يوم السَّبت. فصل ومنها: وهمٌ آخر لبعضهم ذكره (٢) الطبريُّ في «حجَّة الوداع» (٣)، أنَّه خرج يوم الجمعة بعد الصَّلاة. والَّذي حمله على هذا الوهم القبيح قولُه في الحديث: «خرجَ لستٍّ بقين»، فظنَّ أنَّ هذا لا يمكن إلا أن يكون الخروج يوم الجمعة؛ إذ تمام السِّتِّ يوم الأربعاء، وأوَّل ذي الحجَّة كان الخميس بلا ريبٍ. وهذا خطأٌ فاحشٌ؛ فإنَّه من المعلوم الذي لا ريبَ فيه أنَّه صلَّى الظُّهر يوم خروجه بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين ثبت ذلك في «الصَّحيحين». وحكى الطبريُّ في «حَجَّته» (٤) قولًا ثالثًا: إنَّ خروجه كان يوم السَّبت، وهو اختيار الواقديِّ (٥)، وهو القول الذي رجَّحناه أوَّلًا، لكنَّ الواقديَّ وهم

стр. 1196

في ذلك ثلاثة (١) أوهامٍ: أحدها: أنَّه زعم أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى يوم خروجه الظُّهرَ بذي الحليفة ركعتين. الوهم الثَّاني: أنَّه أحرم ذلك اليوم عقيبَ صلاة الظُّهر، وإنَّما أحرم من الغد بعد أن بات بذي الحليفة. الوهم الثَّالث: أنَّ الوقفة كانت يوم السَّبت (٢)، وهذا لم يقله غيره، وهو وهمٌ بيِّنٌ. فصل ومنها: وهمٌ للقاضي عياضٍ (٣) وغيره، أنَّه ﷺ تطيَّب هناك قبل غسله، ثمَّ غسل الطِّيب عنه لمَّا اغتسل. ومنشأ هذا الوهم من سياقٍ وقع في «صحيح مسلم» (٤) في حديث عائشة أنَّها قالت: طيَّبتُ رسول الله ﷺ ، ثم طاف على نسائه بعد ذلك، ثم اغتسل (٥)، ثمَّ أصبح محرمًا. والَّذي يردُّ هذا الوهم قولها: «طيَّبتُ رسول الله ﷺ لإحرامه» (٦)، وقولها: «كأنِّي أنظر إلى وَبيصِ الطِّيب ــ أي بَريقه ــ في

стр. 1197

مفارقِ رسول الله ﷺ وهو محرمٌ» (١)، وفي لفظٍ (٢): «وهو يلبِّي»، وفي لفظ (٣): «بعد ثلاثٍ من إحرامه»، وفي لفظٍ (٤): «كان رسول الله ﷺ (٥) إذا أراد أن يُحرِم تطيَّب بأطيبِ ما يجد، ثمَّ أرى وبيصَ الطِّيب في رأسه ولحيته بعد ذلك». وكلُّ هذه الألفاظ ألفاظ الصَّحيح. وأمَّا الحديث الذي احتجَّ به فهو حديث إبراهيم بن محمَّد بن المنتشر عن أبيه عنها: «كنتُ أطيِّب رسول الله ﷺ ، ثمَّ يطوف على نسائه، ثمَّ يصبح محرمًا» (٦)، وهذا ليس فيه ما يمنع الطِّيب الثَّاني عند إحرامه. فصل ومنها: وهمٌ آخر لأبي محمد بن حزم (٧) أنَّه ﷺ أحرم قبل الظُّهر. وهو وهمٌ ظاهرٌ لم يُنقل في شيءٍ من الأحاديث، وإنَّما أهلَّ عقيبَ صلاة الظُّهر في موضع مصلَّاه، ثمَّ ركب ناقته، واستوت به على البيداء وهو يُهِلُّ، وهذا يقينًا كان بعد صلاة الظُّهر.

стр. 1198

فصل ومنها: وهمٌ آخر له (١)، وهو قوله: وساقَ الهديَ مع نفسه، وكان هديَ تطوُّعٍ. وهذا بناءً منه على أصله الذي انفرد به عن الأئمَّة (٢) أنَّ القارن لا يلزمه هديٌ, وإنَّما يلزم المتمتِّع، وقد تقدَّم بطلان هذا القول. فصل ومنها: وهمٌ آخر لمن قال: إنَّه لم يعيِّن في إحرامه نسكًا، بل أطلقه، ووهمُ من قال: إنَّه عيَّن عمرةً مفردةً كان متمتِّعًا بها، كما قاله القاضي أبو يعلى وصاحب «المغني» وغيرهما (٣)، ووهمُ من قال: عيَّن إفرادًا مجرَّدًا لم يعتمر معه، ووهمُ من قال: عيَّن عمرةً، ثمَّ أدخل عليها الحجَّ، ووهم من قال: عيَّن حجًّا مفردًا، ثمَّ أدخل عليه العمرة بعد ذلك، وكان من خصائصه، وقد تقدَّم بيان مستندِ ذلك ووجهِ الصَّواب فيه. فصل ومنها: وهمٌ لأحمد بن عبد الله الطبري في «حجَّة الوداع» له (٤)، أنَّهم لمَّا كانوا ببعض الطَّريق صاد أبو قتادة حمارًا وحشيًّا ولم يكن مُحرِمًا، فأكل منه النبيُّ ﷺ . وهذا إنَّما كان في عمرة الحديبية، كما رواه البخاريُّ (٥).

стр. 1199

فصل ومنها: وهمٌ آخر لبعضهم حكاه الطَّبريُّ (١) عنه، أنَّه ﷺ دخل مكَّة يوم الثُّلاثاء. وهو غلطٌ، فإنَّما دخلها يوم الأحد صبحَ رابعةٍ من ذي الحجَّة. فصل ومنها: وهمُ من قال: إنَّه ﷺ حلَّ بعد طوافه وسعيه، كما قاله القاضي أبو يعلى وأصحابه. وقد بيَّنَّا أنَّ مستند هذا الوهم وهمُ معاوية أو من روى عنه أنَّه قصَّر عن رسول الله ﷺ بمِشْقَصٍ على المروة في حجَّته. فصل ومنها: وهمُ من زعم أنَّه كان يقبِّل الرُّكن اليمانيَّ في طوافه. وإنَّما ذلك الحجر الأسود، وسمَّاه اليمانيَّ لأنَّه يُطلق عليه وعلى الآخر اليمانيَّين، فعبَّر بعض الرُّواة عنه باليمانيِّ منفردًا. فصل ومنها: وهمٌ فاحشٌ لأبي محمد بن حزم (٢) أنَّه رمل في السَّعي ثلاثة أشواطٍ، ومشى أربعةً. وأعجبُ من هذا الوهم وهمه في حكاية الاتِّفاق على هذا القول الذي لم يقله أحدٌ سواه.

стр. 1200

فصل ومنها: وهمُ من زعم أنَّه طاف بين الصَّفا والمروة أربعة عشر (١) شوطًا، وكان ذهابه وسعيه (٢) مرَّةً واحدةً، وقد تقدَّم بيان بطلانه. فصل ومنها: وهمُ من زعم أنَّه صلَّى الصُّبح يوم النَّحر قبل الوقت. ومستند هذا الوهم حديث ابن مسعودٍ أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى الفجر يوم النَّحر قبل ميقاتها (٣). وهذا إنَّما أراد به قبل ميقاتها الذي كانت عادته أن يصلِّيها فيه، فعجَّلها عليه يومئذٍ، ولا بدَّ من هذا التَّأويل، وحديث ابن مسعودٍ إنَّما يدلُّ على هذا، فإنَّه في «صحيح البخاريِّ» (٤) عنه أنَّه قال: «هما صلاتان تُحوَّلان عن وقتهما: صلاة المغرب بعدما يأتي النَّاس المزدلفةَ، والفجر حين يَبزُغُ الفجر»، وقال جابر في حجَّة الوداع (٥): «فصلَّى الصُّبح حين تبيَّن له الصُّبح بأذانٍ وإقامةٍ». فصل ومنها: وهمُ من وهِمَ في أنَّه صلَّى الظُّهر والعصر يوم عرفة (٦) والمغرب

стр. 1201

والعشاء تلك اللَّيلة بأذانين وإقامتين، ووهمُ من قال: صلَّاهما بإقامتين بلا أذانٍ أصلًا، ووهمُ من قال: جمع بينهما بإقامةٍ واحدةٍ. والصَّحيح أنَّه صلَّاهما بأذانٍ واحدٍ وإقامةٍ لكلِّ صلاةٍ. فصل ومنها: وهم من زعم أنَّه خطب بعرفة خطبتين جلس بينهما، ثمَّ أذَّن المؤذِّن، فلمَّا فرغ أخذ في الخطبة الثَّانية، فلمَّا فرغ منها أقام الصَّلاة. وهذا لم يجئ في شيءٍ من الأحاديث البتَّةَ، وحديث جابر صريحٌ في أنَّه لمَّا أكمل خطبته أذَّن بلال وأقام الصَّلاة (١)، فصلَّى الظُّهر بعد الخطبة. ومنها: وهمٌ لأبي ثورٍ أنَّه لمَّا صعد أذَّن المؤذِّن، فلمَّا فرغ قام فخطب. وهذا وهمٌ ظاهرٌ؛ فإنَّ الأذان إنَّما كان بعد الخطبة. فصل ومنها: وهمُ من روى أنَّه قدَّم أمَّ سلمة ليلة النَّحر، وأمرها أن توافيه صلاةَ الصُّبح بمكَّة، وقد تقدَّم بيانه. فصل ومنها: وهمُ من زعم أنَّه أخَّر طواف الزِّيارة يوم النَّحر إلى اللَّيل. وقد تقدَّم بيان ذلك، وأنَّ الذي أخَّره إلى اللَّيل طوافُ الوداع. ومستند هذا الوهم ــ والله أعلم ــ أنَّ عائشة قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه، كذلك قال

стр. 1202

عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها (١)، فحمل عنها على المعنى. وقيل: أخَّر طواف الزِّيارة إلى اللَّيل. فصل ومنها: وهمُ من وهِمَ وقال: إنَّه أفاض مرَّتين: مرَّةً بالنَّهار، ومرَّةً مع نسائه باللَّيل. ومستند هذا الوهم ما رواه عمرو (٢) بن قيس عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: أنَّ النبيَّ ﷺ أذنَ لأصحابه فزاروا البيت يومَ النَّحر ظهيرةً، وزار رسول الله ﷺ مع نسائه ليلًا (٣). وهذا غلطٌ، والصَّحيح عن عائشة خلاف هذا أنَّه أفاض نهارًا إفاضةً واحدةً. وهذه طريقةٌ وخيمةٌ جدًّا (٤)، يسلكها ضِعاف العلم المتمسِّكون بأذياله، والله أعلم. فصل ومنها: وهمُ من زعم أنَّه طاف للقدوم يوم النَّحر، ثمَّ طاف بعده للزِّيارة. وقد تقدَّم مستند ذلك وبطلانه. ومنها: وهمُ من زعم أنَّه يومئذٍ سعى (٥) مع هذا الطَّواف، واحتجَّ بذلك على أنَّ القارن يحتاج إلى سعيين. وقد تقدَّم بطلان ذلك عنه، وأنَّه لم يسعَ إلا سعيًا واحدًا، كما قالت عائشة وجابر.

стр. 1203

فصل ومنها: على القول الرَّاجح وهمُ من قال إنَّه (١) صلَّى الظُّهر يوم النَّحر بمكَّة. والصَّحيح أنَّه صلَّاها بمنًى كما تقدَّم. ومنها: وهمُ من زعم أنَّه لم يُسرِع في وادي مُحَسِّرٍ حين (٢) أفاض من جَمْعٍ إلى منًى، وأنَّ ذلك إنَّما هو فعل الأعراب. ومستند هذا الوهم قول ابن عبَّاسٍ: إنَّما كان بدء الإيضاع (٣) من أهل البادية كانوا يقفون حافَّتي النَّاس، قد علَّقوا القِعاب (٤) والعِصيَّ، فإذا أفاضوا تقعقعوا (٥) فأنفرتْ بالنَّاس، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ، وإنَّ ذِفرَى (٦) ناقته لتمسُّ حاركَها (٧)، وهو يقول: «يا أيُّها النَّاس، عليكم السَّكينة» (٨). وفي لفظٍ: «إنَّ البِرَّ ليس بإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسَّكينة»، فما

стр. 1204

رأيتها رافعةً يديها حتَّى أتى منًى. رواه أبو داود (١). وكذلك أنكره طاوسٌ والشعبيُّ، قال الشعبيُّ: حدَّثني أسامة بن زيدٍ أنَّه أفاض مع رسول الله ﷺ من عرفة، فلم ترفع راحلته رجليها غاديةً (٢) حتَّى بلغ جمعًا. قال: وحدَّثني الفضل بن عبَّاسٍ أنَّه كان رديفَ رسول الله ﷺ (٣) من جمعٍ، فلم ترفع راحلته رجليها غاديةً حتَّى رمى الجمرة (٤). وقال عطاء: إنَّما أحدث هؤلاء الإسراع، يريدون أن يفوتوا الغبارَ (٥). ومنشأ هذا الوهم اشتباه الإيضاع وقتَ الدَّفع من عرفة الذي يفعله الأعراب وجُفاة النَّاس بالإيضاع في وادي محسِّرٍ، فإنَّ الإيضاع هناك بدعةٌ لم يفعله رسول الله ﷺ ، بل نهى عنه، والإيضاع في وادي محسِّرٍ سنَّةٌ نقلها عن رسول الله ﷺ جابر وعليُّ بن أبي طالبٍ والعبَّاس بن عبد المطَّلب، وفعله عمر بن الخطَّاب، وكان ابن الزبير يُوضِع أشدَّ الإيضاع، وفعلته عائشة، وغيرهم (٦) من الصَّحابة (٧)، والقول في هذا قول من أثبتَ، لا قول من نفى، والله أعلم.

стр. 1205

فصل ومنها: وهمُ طاوسٍ وغيره أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُفيض كلَّ ليلةٍ من ليالي منًى إلى البيت، وقال البخاريُّ في «صحيحه» (١): ويُذكر عن أبي حسّان عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يزور البيت أيَّام منًى. ورواه ابن عَرْعَرة (٢) قال: دفع إلينا معاذ بن هشامٍ كتابًا، قال: سمعته من أبي، ولم يقرأه، قال: وكان فيه عن أبي حسان عن ابن عبَّاسٍ أنَّ نبيَّ الله ﷺ كان يزور البيت كلَّ ليلةٍ ما دام بمنًى، قال: وما رأيت أحدًا واطأه عليه. انتهى. ورواه الثَّوريُّ في «جامعه» عن ابن طاوس عن أبيه مرسلًا (٣). وهو وهمٌ فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يرجع إلى مكَّة بعد أن طاف للإفاضة ورجع إلى منًى إلى حين الوداع، والله أعلم. فصل ومنها: وهمُ من قال: إنَّه ودَّع مرَّتين، ووهمُ من قال: إنَّه جعل مكَّة دائرةً في دخوله وخروجه، فبات بذي طُوًى، ثمَّ دخل من أعلاها، ثمَّ خرج من أسفلها، ثمَّ رجع إلى المحصَّب عن يمين مكَّة، فكملت الدَّائرة. ومنها: وهمُ من زعم أنَّه انتقل من المحصَّب إلى ظهر العقبة. فهذه كلُّها من الأوهام، نبَّهنا عليها مفصَّلًا ومجملًا، وباللَّه التَّوفيق.

стр. 1206

فصل في هديه ﷺ في الهدايا والضحايا والعقيقة وهي مختصَّةٌ بالأزواج الثَّمانية المذكورة في سورة الأنعام، ولم يُعرف عنه ﷺ ولا (١) عن أصحابه (٢) هديٌ ولا أضحيَّةٌ ولا عقيقةٌ من غيرها، وهذا مأخوذٌ من القرآن من مجموع أربع آياتٍ: إحداها: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]. والثَّانية: قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا (٣) اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]. والثَّالثة: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٢ - ١٤٣]، ثمَّ ذكرها. والرَّابعة: قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ﴾ [المائدة: ٩٥]. فدلَّ على أنَّ الذي يبلغ الكعبةَ من الهدي هو هذه الأزواج الثَّمانية، وهذا استنباط عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ (٤).

стр. 1207

والذَّبائح الَّتي هي قربةٌ إلى الله وعبادةٌ هي ثلاثةٌ: الهدي، والأضحيَّة، والعقيقة. فأهدى رسول الله ﷺ الغنم، وأهدى الإبل، وأهدى عن نسائه البقر (١)، وأهدى في مقامه وفي (٢) عمرته وفي حجَّته (٣)، وكانت سنَّته تقليد الغنم دون إشعارها (٤). وكان إذا بعث بهديه وهو مقيمٌ لم يَحْرُم عليه شيءٌ كان منه حلالًا (٥). وكان إذا أهدى الإبل قلَّدها وأشعرها، فيشُقُّ صفحةَ سَنامِها الأيمن يسيرًا حتَّى يسيل الدَّم (٦). قال الشَّافعيُّ (٧): والإشعار في الصَّفحة اليمنى، كذلك أشعر النبيُّ ﷺ . وكان إذا بعث بهديه أمر رسولَه إذا أشرف على عَطَبٍ شيءٌ منه أن

стр. 1208

ينحره، ثمَّ يصبغ نعلَه في دمه، ثمَّ (١) يجعله على صفحته، ولا يأكل منه هو ولا أحدٌ من أهل رُفْقَته، ثمَّ يَقْسِم لحمه (٢). ومنعه من هذا الأكل سدًّا للذَّريعة؛ فإنَّه لعلَّه ربَّما قصَّر في حفظه ليشارف (٣) العطب، فينحره ويأكل منه، فإذا علم أنَّه لا يأكل منه شيئًا، اجتهد في حفظه. وشرَّك بين أصحابه في الهدي كما تقدَّم: البدنة عن سبعةٍ، والبقرة كذلك (٤). وأباح لسائق الهدي ركوبَه بالمعروف إذا احتاج إليه، حتَّى يجد ظهرًا غيره (٥). وقال علي: يشرب من لبنها ما فَضَلَ عن ولدها (٦). وكان هديه ﷺ نَحْر الإبل قيامًا، مقيَّدةً معقولة اليسرى على ثلاثٍ، وكان يسمِّي الله عند نحره ويكبِّر، وكان يذبح نُسكَه بيده، وربَّما وكَّل في بعضه، كما أمر عليًّا أن يذبح ما بقي من المائة. وكان إذا نَحَرَ (٧) الغنم وضع قدمه على صِفاحِها ثمَّ سمَّى، وكبَّر

стр. 1209

ونحرَ (١). وقد تقدَّم أنَّه نحرَ بمنًى، وقال: «إنَّ فِجاج مكَّة كلَّها منحرٌ» (٢)، وقال ابن عبَّاسٍ: مناحرُ البُدْن بمكَّة، ولكنَّها نُزِّهت عن الدِّماء، ومنًى من مكَّة. وكان ابن عبَّاسٍ ينحر بمكَّة (٣). وأباح لأمَّته أن يأكلوا من هداياهم وضحاياهم ويتزوَّدوا منها (٤)، ونهاهم مرَّةً أن يدَّخروا منها بعد ثلاثٍ لدافَّةٍ دفَّت (٥) عليهم ذلك العامَ من النَّاس، فأحبَّ أن يوسِّعوا عليهم (٦). وذكر أبو داود (٧) من حديث جُبير بن نُفيرٍ عن ثوبان قال: ضحَّى رسول الله ﷺ ، ثمَّ قال: «يا ثوبانُ، أصلِحْ لنا لحم هذه الشَّاة». قال: فما زلتُ أُطعِمه منها حتَّى قدِمَ المدينة. وروى مسلم (٨) هذه القصَّة، ولفظه فيها: أنَّ رسول الله ﷺ قال له في حجَّة الوداع: «أصلِحْ هذا اللَّحم»، قال: فأصلحتُه، فلم يزل يأكل منه حتى بلغ المدينة.

стр. 1210

وكان ربَّما قَسَم لحوم الهدي (١)، وربَّما قال: «من شاء اقتطَعَ» (٢)، فعلَ هذا وهذا. واستُدِلَّ بهذا (٣) على جواز النُّهبة في النِّثار في العرس ونحوه، وفرِّق بينهما بما لا يتبيَّن. فصل وكان هديه ذبح هدي العمرة عند المروة، وهدي القران بمنًى، وكذلك كان ابن عمر يفعل (٤). ولم ينحر هديه ﷺ قطُّ إلا بعد أن حلَّ، ولم ينحره قبل يوم النَّحر ولا أحدٌ من الصَّحابة البتَّة، ولم ينحره أيضًا إلا بعد طلوع الشَّمس وبعد الرَّمي. فهي أربعة أمورٍ مرتَّبةٍ (٥) يوم النَّحر، أوَّلها: الرَّمي، ثمَّ النَّحر، ثمَّ الحلق، ثمَّ الطَّواف، وهكذا رتَّبها ﷺ (٦)، ولم يرخِّص في النَّحر قبل طلوع الشَّمس البتَّة، ولا ريبَ أنَّ ذلك مخالفٌ لهديه، فحكمه حكم الأضحيَّة إذا ذُبِحتْ قبل طلوع الشَّمس. فصل وأمَّا هديه في الأضاحي: فإنَّه ﷺ لم يكن يدع الأضحيَّة، وكان يضحِّي بكَبْشين، وكان ينحرهما بعد صلاة العيد، وأخبر أنَّ من ذبح قبل الصَّلاة فليس من النُّسك في شيءٍ، وإنَّما هو لحمٌ قدَّمه لأهله (٧). هذا الذي دلَّت

стр. 1211

عليه سنَّته وهديه، لا الاعتبار بوقت الصَّلاة والخطبة، بل بنفس فعلها. وهذا هو الذي ندين الله به. وأمرَهم أن يذبحوا الجَذَعَ من الضَّأن (١) والثَّنيَّ ممَّا سواه (٢)، وهو السنة (٣). وروي عنه أنَّه قال: «كلُّ أيَّام التَّشريق ذبحٌ» (٤)، لكنَّ الحديث منقطعٌ لا يثبت وصله. وأمَّا نهيه عن ادِّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ (٥) فلا يدلُّ على أنَّ أيَّام الذَّبح ثلاثةٌ فقط؛ لأنَّ الحديث دليلٌ على نهي الذَّابح أن يدَّخر شيئًا فوق ثلاثة أيَّامٍ من يوم ذبحه، فلو أخَّر الذَّبح إلى اليوم الثَّالث لجاز له الادِّخار في وقت النَّهي (٦) ما بينه وبين ثلاثة أيَّامٍ. والَّذين حدَّدوه بالثَّلاث فهموا من نهيه عن الادِّخار فوق ثلاثٍ أنَّ أوَّلها (٧) من يوم النَّحر، قالوا: وغير جائزٍ أن يكون

стр. 1212

الذَّبح مشروعًا في وقتٍ يحرم فيه الأكل، قالوا: ثمَّ نُسخ تحريم الأكل فبقي وقت الذَّبح بحاله. فيقال لهم (١): النبيُّ ﷺ لم ينهَ إلا (٢) عن الادِّخار فوق ثلاثٍ، لم ينهَ عن التَّضحية بعد ثلاثٍ، فأين أحدهما من الآخر؟ ولا تلازمَ بين ما نهى عنه وبين اختصاص الذَّبح بثلاثٍ لوجهين: أحدهما: أنَّه يسوغ (٣) الذَّبح في اليوم الثَّاني والثَّالث، فيجوز له الادِّخار إلى تمام الثَّلاث من يوم الذَّبح، ولا يتمُّ لكم الاستدلال حتَّى يثبت النَّهي عن الذَّبح بعد يوم النَّحر، ولا سبيل لكم إلى هذا. الثَّاني: أنَّه لو ذبح في آخر جزءٍ من يوم النَّحر لساغ له حينئذٍ الادِّخارُ ثلاثة أيَّامٍ بعده بمقتضى الحديث، وقد قال عليُّ بن أبي طالبٍ: أيَّام النَّحر يوم الأضحى وثلاثةُ أيَّامٍ بعده. وهو مذهب إمام أهل البصرة الحسن، وإمام أهل مكَّة عطاء بن أبي رباحٍ (٤)، وإمام أهل الشَّام الأوزاعيِّ، وإمام فقهاء أهل الحديث الشَّافعيِّ، واختاره ابن المنذر (٥)؛ ولأنَّ الثَّلاثة تختصُّ بكونها أيَّامَ منًى وأيَّام الرَّمي وأيَّام التَّشريق، ويحرم صيامها، فهي إخوةٌ في هذه الأحكام فكيف تفترق (٦) في جواز الذَّبح بغير نصٍّ ولا إجماعٍ؟ وروي من وجهين

стр. 1213

مختلفين يشدُّ أحدهما الآخر عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «كلُّ منًى منحرٌ، وكلُّ أيَّام التَّشريق ذبحٌ»، روي من حديث جبير بن مطعمٍ (١)، وفيه انقطاعٌ؛ ومن حديث أسامة بن زيدٍ عن عطاء عن جابر، قال يعقوب بن سفيان (٢): أسامة بن زيدٍ عند أهل المدينة ثقةٌ مأمونٌ. وفي هذه المسألة أربعة أقوالٍ هذا أحدها. والثَّاني: أنَّ وقت الذَّبح يوم النَّحر ويومان بعده، وهذا مذهب أحمد ومالك وأبي حنيفة، قال أحمد: هو قول غير واحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، وذكره الأثرم (٣) عن ابن عمر وابن عبَّاسٍ (٤). الثَّالث: أنَّ وقت النَّحر يومٌ واحدٌ، وهو قول ابن سيرين (٥)، لأنَّه اختصَّ بهذه التَّسمية فدلَّ على اختصاص حكمها به، ولو جاز في الثَّلاثة لقيل لها: أيَّام النَّحر، كما قيل لها: أيَّام الرَّمي وأيَّام منًى وأيَّام التَّشريق. ولأنَّ العيد يضاف إلى النَّحر، وهو يومٌ واحدٌ كما يقال عيد الفطر. الرَّابع: قول سعيد بن جبيرٍ (٦) وجابر بن زيدٍ (٧): إنَّه يومٌ واحدٌ في

стр. 1214

الأمصار (١) وثلاثة أيَّامٍ بمنًى؛ لأنَّها هناك أيَّام لأعمال المناسك من الرَّمي والطَّواف والحلق، فكانت أيَّامًا للذَّبح، بخلاف أهل الأمصار. فصل ومن هديه: أنَّ من أراد التَّضحية ودخل العشرَ فلا يأخذ من شعره وبَشرته شيئًا، ثبت النَّهي عن ذلك في «صحيح مسلم» (٢). وأمَّا الدَّارقطنيُّ (٣) فقال: الصَّحيح عندي أنَّه موقوفٌ على أم سلمة. وكان من هديه اختيار الأضحيَّة واستحسانها، وسلامتها من العيوب، ونهى أن يُضحَّى بعَضْباء الأذن والقرن، أي مقطوع الأذن ومكسور القرن، النِّصف فما زاد. ذكره أبو داود (٤). وأمر أن تُستشرفَ العينُ والأذن، أي: يُنظر إلى سلامتها، وأن لا يُضحَّى بعوراءَ ولا مُقابَلةٍ ولا مُدابَرةٍ ولا شَرْقاء ولا خَرْقاء. والمقابلة: الَّتي قُطع مقدَّم أذنها، والمدابرة: الَّتي قُطع مؤخَّر أذنها، والشَّرقاء: الَّتي شُقَّت أذنها، والخَرقاء: الَّتي خُرقت أذنها. ذكره أبو داود (٥)

стр. 1215

وذَكَر عنه (١) أيضًا: «أربعٌ لا تُجزئ في الأضاحي: العوراء البيِّنُ عَوَرُها، والمريضة البيِّنُ مرضُها، والعرجاء البيِّن ظَلْعُها، والكسير الذي لا يُنْقِي، والعجفاء الَّتي لا تُنْقِي» أي من هزالها لا مخَّ فيها. وذَكَر (٢) أيضًا (٣) أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن المُصْفرَّة والمستأصَلة والبَخْقاء والمُشَيَّعة والكَسْراء. فالمصفرَّة: الَّتي تُستأصَل أذنُها حتَّى يبدو صِماخُها، والمستأصلة: الَّتي استُؤْصِل قرنُها من أصله، والبَخْقاء: الَّتي بخقتْ عينها، والمشيَّعة: الَّتي لا تتبع الغنمَ عَجْفًا وضَعْفًا، والكسراء: الكسيرة. فصل وكان من هديه أن يضحِّي بالمصلَّى، ذكر أبو داود (٤) عن جابر أنَّه شهد

стр. 1216

معه الأضحى بالمصلَّى، فلمَّا قضى خطبته نزل من منبره، وأُتي بكَبْشٍ فذبحه بيده، وقال: «بسم اللَّه، والله أكبر، هذا عنِّي وعمَّن لم يضحِّ من أمَّتي». وفي «الصَّحيحين» (١) أنَّ النبيَّ ﷺ كان يذبح وينحر بالمصلَّى. وذكر أبو داود (٢) عنه أنَّه ذبح يوم النَّحر كبشين أقرنين أملحين مَوجُوءين، فلمَّا وجَّههما قال: «وجَّهتُ وجهيَ للَّذي فطرَ السَّموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمِرتُ، وأنا أوَّل المسلمين، اللَّهمَّ منك ولك، عن محمَّدٍ وأمَّته، بسم اللَّه، والله أكبر»، ثمَّ ذبح. وأمر النَّاس إذا ذبحوا أن يُحسِنوا الذبح، وإذا قتلوا أن يُحسِنوا القتل، وقال: «إنَّ الله كتب الإحسان على كلِّ شيءٍ» (٣). وكان من هديه: أنَّ الشَّاة تُجزِئ عن الرَّجل وعن (٤) أهل بيته، ولو كثر عددهم، كما قال عطاء بن يسارٍ: سألتُ أبا أيُّوب الأنصاريَّ: كيف كانت الضَّحايا على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان الرَّجل يضحِّي بالشَّاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون (٥) ويُطعمون (٦). قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

стр. 1217

فصل في هديه في العقيقة في «الموطَّأ» (١) أنَّ رسول الله ﷺ سئل عن العقيقة فقال: «لا أُحِبُّ العُقوق»، كأنَّه كره الاسم. ذكره عن زيد بن أسلم، عن رجلٍ من بني ضمرة عن أبيه. قال ابن عبد البرِّ (٢): وأحسن أسانيده ما ذكره عبد الرزاق (٣): ثنا داود بن قيس، قال: سمعت عمرو بن شعيبٍ يحدِّث عن أبيه عن جدِّه، قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة، فقال: «لا أُحبُّ العُقوقَ»، وكأنَّه كره الاسم. قالوا: يا رسول الله، يَنْسُكُ أحدُنا عن ولده؟ فقال: «من أحبَّ منكم أن يَنسُكَ عن ولده فليفعلْ، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ». وصحَّ عنه من حديث عائشة: «عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ» (٤). وقال: «كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعقيقته، تُذبح عنه يوم السَّابع، ويُحلَق رأسه ويسمَّى» (٥).

стр. 1218

قال الإمام أحمد (١): معناه أنَّه محبوسٌ عن الشَّفاعة في أبويه. والرَّهن في اللُّغة الحبس، قال تعالى: ﴿أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ﴾ [المدثر: ٣٨]، وظاهر الحديث أنَّه رهينةٌ في نفسه ممنوعٌ محبوسٌ عن خيرٍ يُراد به، ولا يلزم من ذلك أن يُعاقَب عليها في الآخرة، وإن حُبِس بسبب تركِ (٢) أبويه العقيقةَ عمَّا يناله مَن عَقَّ عنه أبواه، وقد يفوت الولدَ خيرٌ بسبب تفريط الأبوين، وإن لم يكن من كسبه، كما أنَّه عند الجماع إذا سمَّى أبوه لم يضرَّ الشَّيطان ولدَه، وإذا ترك التَّسمية لم يحصل للولد هذا الحفظُ. وأيضًا، فإنَّ هذا إنَّما يدلُّ على أنَّها لازمةٌ لا بدَّ منه (٣)، فشبَّه لزومها وعدم انفكاك المولود منها بالرَّهن. وقد يستدلُّ بهذا من يرى وجوبها، كاللَّيث والحسن وأهل الظَّاهر (٤). والله أعلم. فإن قيل: فكيف تصنعون في رواية همّام عن قتادة في هذا الحديث: «ويُدمَّى». قال همام: سُئل قتادة عن قوله: «ويُدمَّى» كيف يصنع بالدَّم؟ فقال: إذا ذُبِحت العقيقة أُخِذت منها صُوفةٌ، واستُقبِلتْ بها أوداجُها، ثمَّ تُوضع على يافوخ الصَّبيِّ حتَّى تسيلَ على رأسه مثل الخيط، ثمَّ يُغسَل رأسه

стр. 1219

بعدُ ويُحلَق (١). قيل: اختلف النَّاس في ذلك، فمن قائلٍ (٢): هذا من رواية الحسن عن سمرة، ولا يصحُّ سماعه منه، ومن قائلٍ: سماع الحسن من سمرة حديثَ العقيقة هذا صحيحٌ، صحَّحه الترمذي وغيره، وقد ذكر البخاريُّ في «صحيحه» (٣) عن حبيب بن الشَّهيد قال: قال لي محمَّد بن سيرين: اذهبْ فسَلِ الحسنَ ممَّن سمع حديث العقيقة؟ فسأله، فقال: سمعتُه من سمرة. ثمَّ اختُلِف في التَّدمية بعدُ، هل هي صحيحةٌ أو غلطٌ؟ على قولين (٤). فقال أبو داود في «سننه» (٥): هي وهمٌ من همَّام بن يحيى قوله «ويدمَّى»، يعني: إنَّما هو «ويسمَّى». وقال غيره: كان في لسان همام لُثْغةٌ، فقال: «ويدمَّى» وإنَّما أراد «ويسمَّى» (٦). وهذا لا يصحُّ، فإنَّ همّامًا وإن كان وهم في اللَّفظ ولم يُقِمْه لسانه، فقد حكى عن قتادة صفَّة التَّدمية، وأنَّه سُئل عنها فأجاب بذلك، وهذا لا تحتمله اللُّثغة بوجهٍ. فإن كان لفظ التَّدمية منه وهمًا، فهو من قتادة أو من الحسن. والذين أثبتوا لفظ التَّدمية قالوا: إنَّه من سنَّة العقيقة، وهذا مرويٌّ عن الحسن

стр. 1220

وقتادة، والَّذين منعوا التَّدمية ــ كمالك والشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق ــ قالوا: «يُدمَّى» غلطٌ، وإنَّما هو «يُسمَّى»، قالوا: وهذا كان من عمل الجاهليَّة، فأبطله الإسلام، بدليل ما رواه أبو داود (١) عن بُريدة بن الحُصَيب قال: كنَّا في الجاهليَّة إذا وُلِد لأحدنا غلامٌ ذبحَ شاةً، ولطَّخ رأسه بدمها، فلمَّا جاء الله بالإسلام كنَّا نذبح شاةً، ونَحلِق رأسه، ونلطِّخه بزعفرانٍ. قالوا: وهذا وإن كان في إسناده الحسين بن واقدٍ (٢)، ولا يحتجُّ به، فإذا انضاف إلى قول النبيِّ ﷺ : «أَمِيطُوا عنه الأذى» (٣)، والدَّم أذًى، فكيف يأمرهم أن يُلطِّخوه بالأذى؟ قالوا: ومعلومٌ أنَّ النبيَّ ﷺ عَقَّ عن الحسن والحسين بكبشينِ (٤)، ولم يُدمِّهما، ولا كان ذلك من هديه وهدي أصحابه. قالوا: وكيف يكون من سنَّته تنجيسُ رأس المولود؟ وأين لهذا شاهدٌ ونظيرٌ في سنَّته؟ وإنَّما يليق هذا بأهل الجاهليَّة.

стр. 1221

فصل فإن قيل: عَقُّه عن الحسن والحسين بكبشٍ كبشٍ يدلُّ (١) على أنَّ هديه أنَّ على الرَّأس رأسًا، وقد صحَّح عبد الحقِّ (٢) من حديث ابن عبَّاسٍ وأنس أنَّ النبيَّ ﷺ عقَّ عن الحسن بكَبْشٍ، وعن الحسين بكَبْشٍ (٣). وكان مولد الحسن في عام أُحدٍ، والحسين في العام القابل منه. وروى الترمذي (٤) من حديث علي عنه قال: عَقَّ رسول الله ﷺ عن الحسن بشاةٍ، وقال: «يا فاطمةُ احْلِقي رأسَه، وتصدَّقي بزنةِ شعره فضَّةً»، قال: فوزنَّاه، فكان وزنه درهمًا أو بعضَ درهمٍ. وهذا وإن لم يكن إسناده متَّصلًا فحديث أنس وابن عبَّاسٍ يكفيان. قالوا: ولأنَّه نُسكٌ، فكان عن الرَّأس مثله، كالأضحيَّة ودم التَّمتُّع. فالجواب: أنَّ أحاديث الشَّاتين عن الذَّكر والشَّاة عن الأنثى أولى أن يؤخذ بها لوجوهٍ:

стр. 1222

أحدها: كثرتها، فإنَّ رواتها: عائشة، وعبد الله بن عمرو، وأم كُرْز الكعبية، وأسماء. فروى أبو داود (١) عن أم كُرْز قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاةٌ». قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: مكافئتان مستويتان أو متقاربتان. قلت: هو مُكافَأَتان بفتح الفاء ومُكافِئَتان بكسرها، والمحدِّثون يختارون الفتح، قال الزَّمخشريُّ (٢): لا فرق بين الرِّوايتين، لأنَّ كلَّ من كافأتَه فقد كافأك. وروى أيضًا عنها: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «أَقِرُّوا الطَّيرَ على مَكَناتها»، وسمعتُه يقول: «عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ، لا يضرُّكم أذُكْرانًا كنَّ أو إناثًا» (٣). وعنها أيضًا ترفعه: «عن الغلام شاتان مثلان، وعن الجارية شاةٌ» (٤). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد تقدَّم حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدَّه في ذلك. وعن عائشة أنَّ النبيَّ ﷺ أمرهم: عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاةٌ. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٥).

стр. 1223

وروى إسماعيل بن عيَّاشٍ عن ثابت بن عجلان عن مجاهد عن أسماء عن النبيِّ ﷺ : «يُعَقُّ عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاةٌ» (١). قال مهنَّا: قلت لأحمد: من أسماء؟ قال: ينبغي أن تكون أسماء بنت أبي بكر. وفي كتاب الخلال قال مهنَّا: قلت لأحمد: حدَّثنا خالد بن خِداشٍ، قال: ثنا عبد الله بن وهبٍ، قال: ثنا عمرو بن الحارث أنَّ أيُّوب بن موسى حدَّثه أنَّ يزيد بن عبد الله المزني حدَّثه عن أبيه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «يُعَقُّ عن الغلام، ولا يُمَسُّ رأسُه بدمٍ»، وقال: «في الإبل فَرَعٌ، وفي الغنم فَرَعٌ» (٢)، فقال أحمد: ما أظرفَه (٣)! ولا أعرف يزيد بن عبد الله (٤) المزني، ولا هذا الحديث. فقلت له: أتنكره؟ قال: لا أعرفه، وقصَّة الحسن والحسين حديثٌ واحدٌ. الثَّاني: أنَّها من فعل النبيِّ ﷺ ، وأحاديث (٥) الشَّاتين من قوله، وقوله

стр. 1224

عامٌّ، وفعله يحتمل الاختصاص. الثَّالث: أنَّها متضمِّنةٌ (١) لزيادةٍ، فكان الأخذ بها أولى. الرَّابع: أنَّ الفعل يدلُّ على الجواز، والقول يدلُّ على الاستحباب، والأخذ بهما ممكنٌ، فلا وجهَ لتعطيل أحدهما. الخامس: أنَّ قصَّة الذَّبح عن الحسن والحسين كانت (٢) عامَ أُحُدٍ والعام الذي بعده، وأم كُرْز سمعت من النبيِّ ﷺ ما روته عام الحديبية سنة ستٍّ بعد الذَّبح عن الحسن والحسين، قاله النسائي في «كتابه الكبير» (٣). السَّادس: أنَّ قصَّة الحسن والحسين يحتمل أن يُراد بها بيان جنس المذبوح وأنَّه من الكِبَاش، لا تخصيصه بالواحد، كما قالت عائشة: «ضحَّى عن نسائه بقرةً، وكنَّ تسعًا» (٤)، ومرادها الجنسُ لا التَّخصيص بالواحدة. السَّابع: أنَّ الله سبحانه فضَّل الذَّكر على الأنثى، كما قال: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، ومقتضى هذا التَّفاضل ترجيحه عليها في الأحكام، وقد جاءت الشَّريعة بهذا التَّفضيل في جعل الذَّكر كالأنثيين في الشَّهادة والميراث والدِّية، فكذلك أُلحِقت العقيقة بهذه الأحكام. الثَّامن: أنَّ العقيقة تُشبِه العتق عن المولود، فإنَّه رهينٌ بعقيقته، فالعقيقة تفكُّه وتُعتِقه، فكان الأولى أن يعقَّ عن الذَّكر بشاتين وعن الأنثى بشاةٍ، كما

стр. 1225

أنَّ عتق الأنثيين يقوم مقام عتق الذَّكر. كما في «جامع الترمذي» (١) وغيره عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : «أيُّما امرئٍ مسلمٍ أعتقَ امرأً مسلمًا، كان فِكاكَه من النَّار، يَجزِي كلُّ عضوٍ منه عضوًا منه، وأيُّما امرئٍ مسلمٍ أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فِكاكَه (٢) من النَّار، يَجزي كلُّ عضوٍ منهما عضوًا منه، وأيُّما امرأةٍ مسلمةٍ أعتقتْ امرأةً مسلمةً كانت فِكاكَها من النَّار، يَجزي كلُّ عضوٍ منها عضوًا منها». وهذا حديثٌ صحيحٌ. فصل ذكر أبو داود في «المراسيل» (٣) عن جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه أنَّ النبيَّ ﷺ قال في العقيقة الَّتي عقَّتها فاطمة عن الحسن والحسين: أن يبعثوا إلى بيت القابلة برِجْلٍ، وكلوا وأَطعِموا، ولا تكسروا منها عظمًا. فصل ذكر ابن أيمن (٤) من حديث أنس (٥) أنَّ النبيَّ ﷺ عقَّ عن نفسه بعد ما

стр. 1226

جاءته النُّبوَّة (١). وهذا الحديث قال أبو داود في «مسائله» (٢): سمعت أحمد حدَّثهم بحديث الهيثم بن جَميلٍ، عن عبد الله بن المثنى، عن ثُمامة، عن أنس أنَّ النبيَّ ﷺ عقَّ عن نفسه. فقال أحمد: عبد الله بن المحرَّر، عن قتادة، عن أنس أنَّ النبيَّ ﷺ عقَّ عن نفسه (٣). قال مهنَّا: قال أحمد (٤): هذا منكرٌ، وضعَّف عبد الله بن المحرَّر. فصل ذكر أبو داود (٥) عن أبي رافع قال: رأيت النبيَّ ﷺ أذَّن في أُذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصَّلاة.

стр. 1227

فصل في هديه ﷺ في تسمية المولود وختانه قد تقدَّم قوله في حديث قتادة عن الحسن عن سمرة في العقيقة: «تُذْبَح يوم سابعه ويُسمَّى» (١). قال الميموني (٢): تَذاكَرْنا لِكَمْ يُسمَّى الصَّبيُّ؟ فقال لنا أبو عبد الله: يروى عن أنس أنَّه يُسمَّى ليلتَه (٣)، وأمَّا سمرة فقال: يُسمَّى اليومَ السَّابع (٤). وأمَّا الختان فقال ابن عبَّاسٍ: كانوا لا يختنون الغلام حتَّى يُدرِك (٥). قال الميموني: وسمعت أحمد يقول: كان الحسن يكره أن يُختن الصَّبيُّ يومَ سابعه (٦). وقال حنبل: إنَّ أبا عبد الله قال: وإن ختن يوم السَّابع فلا بأس، وإنَّما كرهه الحسن لئلَّا يتشبَّه باليهود، وليس في هذا شيءٌ (٧).

стр. 1228

وقال مكحول: ختن إبراهيم ابنه إسحاق لسبعة أيَّامٍ، وختن إسماعيل لثلاث عشرة سنةً. ذكره الخلال (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فصار ختان إسحاق سنَّةً في ولده، وختان إسماعيل سنَّةً في ولده (٢). وقد تقدَّم الخلاف في ختان النبيِّ ﷺ متى كان ذلك (٣). فصل في هديه ﷺ في الأسماء والكنى ثبت عنه أنَّه قال: «إنَّ أخنعَ اسمٍ عند الله رجلٌ تسمَّى مَلِكَ الأملاك، لا مَلِكَ إلا اللَّه» (٤). وثبت عنه أنَّه قال: «أحبُّ الأسماء إلى الله عبد اللَّه وعبد الرَّحمن، وأصدقها حارثٌ وهمَّامٌ، وأقبحها حربٌ ومرَّة» (٥).

стр. 1229

وثبت عنه أنَّه قال: «لا تُسمِّينَّ غلامك يسارًا ولا رباحًا ولا نجيحًا ولا أفلح؛ فإنَّك تقول: أَثَمَّ (١) هو؟ فلا يكون، فيقول: لا» (٢). وثبت عنه أنَّه غيَّر اسم عاصية، وقال: «أنتِ جميلةٌ» (٣). وكان اسم جُويرية بَرَّة، فغيَّره رسول الله ﷺ باسم جويرية (٤). وقالت زينب بنت أم سلمة: نهى رسول الله ﷺ أن يسمَّى بهذا الاسم، وقال: «لا تُزكُّوا أنفسَكم، الله أعلمُ بأهل البرِّ منكم» (٥). وغيَّر اسم أصرمَ بزُرْعة (٦)، وغيَّر اسم أبي الحكم بأبي شُريحٍ (٧)، وغيَّر اسم حَزْنٍ جدِّ سعيد (٨)، وجعله سهلًا، فأبى وقال: السَّهلُ يُوطَأ ويُمتَهن (٩).

стр. 1230

قال أبو داود (١): وغيَّر النبيُّ ﷺ اسم العاص وعزيزٍ وعَتْلَة وشيطانٍ والحَكَم وغُرابٍ وحُبابٍ (٢)، وشهابٍ فسمَّاه هشامًا، وسمَّى حربًا سَلْمًا، وسمَّى المضطجع المنبعث، وأرضًا تُسمَّى (٣) عفرةً سمَّاها خَضِرةً، وشِعْبَ الضَّلالة سمَّاه شِعْب الهدى، وبنو الزِّنية سمَّاهم بني الرِّشْدة، وسمَّى بني مُغْوِية بني رِشْدة. فصل في فقه هذا الباب لمَّا كانت الأسماء قوالبَ للمعاني ودالَّةً عليها، اقتضت الحكمة أن يكون بينها وبينها ارتباطٌ وتناسبٌ (٤)، وأن لا تكون معها بمنزلة الأجنبيِّ المحض الذي لا تعلُّقَ له بها (٥)، فإنَّ حكمة الحكيم تأبى ذلك، والواقع يشهد بخلافه، بل للأسماء تأثيرٌ في المسمَّيات، وللمسمَّيات تأثُّرٌ عن أسمائها في الحسن والقبح، والخفَّة والثِّقل، واللَّطافة والكثافة، كما قيل (٦):
следующие страницы →