← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (١): رواه مسلم من رواية حفص بن غياثٍ وعبد الأعلى بن عبد الأعلى (٢)، عن هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ دفع إلى أبي طلحة شعرَ شقِّه الأيسر. ورواه من رواية سفيان بن عيينة، عن هشام بن حسَّانٍ: أنَّه دفع إلى أبي طلحة شَعر شِقِّه الأيمن (٣). قال (٤): ورواية ابن عَون عن ابن سيرين أراها تقوِّي رواية سفيان، والله أعلم. قلت: يريد برواية ابن عون ما ذكرناه عن ابن سيرين من طريق البخاريِّ (٥)، وجعل الذي سبق إليه أبو طلحة هو الشِّقَّ الذي اختصَّ به. فالله أعلم. والَّذي يَقوى أنَّ نصيب أبي طلحة الذي اختصَّ به كان الشِّقَّ الأيسر، وأنَّه ﷺ عمَّ ثمَّ خصَّ، وهذه كانت سنَّته في عطائه، وعلى هذا أكثر الرِّوايات، فإنَّ في بعضها (٦) أنَّه قال للحلَّاق: «خُذْ»، وأشار إلى جانبه الأيمن، فقسَمَ شعره بين من يليه، ثمَّ أشار إلى (٧) الحلَّاق إلى الجانب الأيسر فحلقه،

стр. 1157

فأعطاه أم سُليم. ولا يعارض هذا دفْعُه إلى أبي طلحة، فإنَّها امرأته. وفي لفظٍ آخر (١): فبدأ بالشِّقِّ الأيمن، فوزَّعه الشَّعرة والشَّعرتين بين النَّاس، ثمَّ قال بالأيسر، فصنع به مثل ذلك، ثمَّ قال: «هاهنا أبو طلحة؟»، فدفعه إليه. وفي لفظٍ ثالثٍ (٢): «دفع إلى أبي طلحة شعر شقِّ رأسه الأيسر، ثمَّ قلَّم أظفاره وقسَمَها بين النَّاس». وذكر (٣) الإمام أحمد (٤) من حديث محمد [بن عبد الله] (٥) بن زيد أنَّ أباه حدَّثه: أنَّه شهد النبيَّ ﷺ عند المنحر، ورجلٌ من قريشٍ، وهو يَقْسِم أضاحيَ، فلم يُصِبْه شيءٌ ولا صاحبَه، فحلق رسول الله ﷺ رأسه في ثوبه، فأعطاه فقسَمَ منه على رجالٍ، وقلَّم أظفاره فأعطاه صاحبه. قال: فإنَّه عندنا مخضوبٌ بالحنَّاء والكَتَم، يعني شَعره. ودعا للمحلِّقين بالمغفرة ثلاثًا وللمقصِّرين مرَّةً (٦)، وحلق كثيرٌ من الصَّحابة بل أكثرهم، وقصَّر بعضهم، وهذا مع قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ومع قول

стр. 1158

عائشة ﵂: طيَّبتُ رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولإحلاله قبل أن يحلَّ (١) = دليلٌ على أنَّ الحلق نسكٌ، وليس بإطلاقٍ من محظورٍ. فصل ثمَّ أفاض ﷺ إلى مكَّة قبل الظُّهر راكبًا، فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزِّيارة، وهو طواف الصَّدَر، ولم يطف غيره، ولم يسْعَ معه. هذا هو الصَّواب، وقد خالف في ذلك ثلاث طوائف: طائفةٌ زعمت أنَّه طاف طوافين، طوافًا للقدوم سوى طواف الإفاضة، ثمَّ طاف للإفاضة. وطائفةٌ زعمت أنَّه سعى مع هذا الطَّواف لكونه قارنًا. وطائفةٌ زعمت أنَّه لم يطف ذلك اليوم، وإنَّما أخَّر طواف الزِّيارة إلى اللَّيل، فنذكر الصَّواب في ذلك، ونبيِّن منشأ الغلط، وباللَّه التَّوفيق. قال الأثرم (٢): قلت لأبي عبد الله: فإذا رجع ــ أعني المتمتِّع ــ كم يطوف ويسعى؟ قال: يطوف ويسعى لحجِّه، ويطوف طوافًا آخر للزِّيارة. عاودناه في هذا (٣) غيرَ مرَّةٍ، فثبت عليه. قال الشَّيخ (٤) في «المغني» (٥): وكذلك الحكم في القارن والمفرِد إذا لم يكونا أتيا مكَّة قبلَ يوم النَّحر، ولا طافا للقدوم، فإنَّهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزِّيارة. نصَّ عليه أحمد، واحتجَّ بما روت عائشة، قالت: «فطاف

стр. 1159

الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصَّفا والمروة، ثمَّ حلُّوا، ثمَّ طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى لحجِّهم، وأمَّا الذين جمعوا الحجَّ والعمرة، فإنَّما (١) طافوا طوافًا واحدًا». فحمل أحمد قول عائشة على أنَّ طوافهم لحجِّهم هو طواف القدوم. قال (٢): ولأنَّه قد ثبت أنَّ طواف القدوم مشروعٌ، فلم يكن طواف الزِّيارة مُسقِطًا له، كتحيَّة المسجد عند دخوله قبل التَّلبُّس بصلاة الفرض. وقال الخرقي في «مختصره» (٣): وإن كان متمتِّعًا فيطوف بالبيت سبعًا، وبالصَّفا والمروة سبعًا، كما فعل للعمرة، ثمَّ يعود فيطوف بالبيت طوافًا ينوي به الزِّيارة، وهو قوله : ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. فمن قال: إنَّ النبيَّ ﷺ كان متمتِّعًا ــ كالقاضي وأصحابه ــ عندهم هكذا (٤) فعل، والشَّيخ أبو محمد عنده أنَّه كان متمتِّعًا التَّمتُّع الخاصَّ، ولكن لم يفعل هذا، قال (٥): ولا أعلم أحدًا وافق أبا عبد الله على هذا الطَّواف الذي ذكره الخرقي، بل المشروع طوافٌ واحدٌ للزِّيارة، كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصَّلاة، فإنَّه (٦) يكتفي بها من تحيَّة المسجد. ولأنَّه لم يُنقل عن النبيِّ ﷺ ولا أصحابه الذين تمتَّعوا معه في حجَّة الوداع، ولا أمر النبيُّ ﷺ به أحدًا.

стр. 1160

قال (١): وحديث عائشة دليلٌ على هذا، فإنَّها قالت: طافوا طوافًا واحدًا بعد أن رجعوا من منًى لحجِّهم، وهذا هو طواف الزِّيارة، ولم تذكر طوافًا آخر. ولو كان هذا الذي ذكرتْه طواف القدوم لكانت قد أخلَّت بذكر طواف الزِّيارة، الذي هو ركن الحجِّ لا يتمُّ إلا به، وذكرتْ ما يُستغنى عنه. وعلى كلِّ حالٍ فما ذكرتْ إلا طوافًا واحدًا، فمن أين يُستدلُّ به على طوافين؟ وأيضًا، فإنَّها لمَّا حاضت فقرنت الحجَّ إلى العمرة بأمر النبيِّ ﷺ ، ولم تكن طافت للقدوم= لم تطف للقدوم، ولا أمرها به النبيُّ ﷺ . ولأنَّ طواف القدوم لو لم يسقط بالطَّواف الواجب لشُرِع (٢) في حقِّ المعتمر طواف القدوم مع طواف العمرة؛ لأنَّه أوَّل قدومه إلى البيت، فهو به أولى من المتمتِّع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به. انتهى كلامه. قلت: لم يرفع كلام أبي محمد (٣) الإشكالَ، وإن كان الذي أنكره هو الحقُّ، كما أنكره، والصَّواب في إنكاره، فإنَّ أحدًا لم يقل: إنَّ الصَّحابة لمَّا رجعوا من عرفة طافوا للقدوم وسَعَوا، ثمَّ طافوا للإفاضة بعده، ولا النبيُّ ﷺ . هذا لم يقع قطعًا، ولكن منشأ الإشكال أنَّ أمَّ المؤمنين فرَّقت بين المتمتِّع والقارن، فأخبرت أنَّ القارنين طافوا بعد أن رجعوا من منًى طوافًا واحدًا، وأنَّ الذين أهلُّوا بالعمرة طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى لحجِّهم، وهذا غير (٤) طواف الزِّيارة قطعًا، فإنَّه يشترك فيه القارن والمتمتِّع،

стр. 1161

فلا يُفرَّق بينهما فيه. ولكنِ الشَّيخ أبو محمد لمَّا رأى قولها في المتمتِّعين: «إنَّهم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًى»، قال: ليس في هذا ما يدلُّ على أنَّهم طافوا طوافين. والَّذي قاله حقٌّ، ولكنه لم يرفع الإشكال، فقالت طائفةٌ: هذه الزِّيادة من كلام عروة أو ابنه هشام أُدرِجتْ في الحديث. وهذا لا يتبيَّن، ولو كان فغايته أنَّه مرسلٌ، ولم يرتفع الإشكال عنه بالإرسال. فالصَّواب: أنَّ الطَّواف الذي أخبرت به عائشة، وفرَّقتْ به بين المتمتِّع والقارن، هو الطَّواف بين الصَّفا والمروة لا الطَّواف بالبيت، وزال الإشكال جملةً، فأخبرتْ عن القارنين أنَّهم اكتفَوا بطوافٍ واحدٍ بينهما، لم يضيفوا إليه طوافًا آخر يوم النَّحر، وهذا هو الحقُّ، وأخبرتْ عن المتمتِّعين أنَّهم طافوا بينهما طوافًا آخر بعد الرُّجوع من منًى للحجِّ، وذلك الأوَّل كان للعمرة. وهذا قول الجمهور، وتنزيلُ الحديث على هذا موافقٌ لحديثها الآخر، وهو قول النبيِّ ﷺ : «يَسعُكِ طوافك بالبيت وبين الصَّفا والمروة لحجِّك وعمرتك»، وكانت قارنةً، ويوافق قول الجمهور. لكن يُشكِل عليه حديث جابر الذي رواه مسلم في «صحيحه» (١): «لم يطف النبيُّ ﷺ ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأوَّل». وهذا يوافق قول من يقول: يكفي المتمتِّعَ سعيٌ واحدٌ، كما هو إحدى الرِّوايتين عن أحمد، نصَّ عليها في رواية (٢) ابنه عبد الله (٣) وغيره (٤).

стр. 1162

وعلى هذا فيقال: عائشة أثبتت وجابر نفى، والمثبِت مقدَّمٌ على النَّافي. أو يقال: مراد جابر مَن قَرنَ مع النبيِّ ﷺ وساق الهدي، كأبي بكر وعمر وطلحة وعلي وذوي اليسار، فإنَّهم إنَّما سعوا سعيًا واحدًا، وليس المراد به عموم الصَّحابة. أو يُعلَّل حديث عائشة بأنَّ تلك الزِّيادة فيه مدرجةٌ من قول هشام. وهذه ثلاث طرقٍ للنَّاس في حديثها، والله أعلم. وأمَّا من قال: المتمتِّع يطوف ويسعى للقدوم بعد إحرامه بالحجِّ قبل خروجه إلى منًى، وهو قول أصحاب الشَّافعيِّ، ولا أدري أمنصوصٌ عنه أم لا؟ قال أبو محمد (١): فهذا لم يفعله النبيُّ ﷺ ولا أحدٌ من الصَّحابة البتَّة، ولا أمرهم به ولا نقله أحدٌ. قال ابن عبَّاسٍ (٢): لا أرى لأهل مكَّة أن يطوفوا ولا أن يسْعَوا بين الصَّفا والمروة بعد إحرامهم بالحجِّ حتَّى يرجعوا من منًى. وعلى (٣) قول ابن عبَّاسٍ قولُ (٤) الجمهور مالك وأحمد وأبي حنيفة (٥) وإسحاق وغيرهم. والَّذين استحبُّوه قالوا: لمَّا أحرم بالحجِّ صار كالقادم، فيطوف ويسعى للقدوم. قالوا: ولأنَّ (٦) الطَّواف الأوَّل وقع عن العمرة، فبقي طواف القدوم لم يأتِ به، فاستحبَّ له فعله عقيبَ الإحرام بالحجِّ.

стр. 1163

وهاتان الحجَّتان واهيتان، فإنَّه إنَّما كان قارنًا (١) لمَّا طاف للعمرة، فكان طوافه للعمرة مغنيًا عن طواف القدوم، كمن دخل المسجد فرأى الصَّلاة قائمةً، فدخل فيها، قامت مقامَ تحيَّة المسجد وأغنَتْه عنها. وأيضًا فإنَّ الصَّحابة لمَّا أحرموا بالحج مع النبيِّ ﷺ لم يطوفوا عقيبَه، وكان أكثرهم متمتِّعًا. وروى الحسن (٢) عن أبي حنيفة أنَّه إن (٣) أحرم يوم التَّروية قبل الزَّوال طاف وسعى للقدوم، وإن أحرم بعد الزَّوال لم يطفْ، وفرَّق بين الوقتين بأنَّه بعد الزَّوال يخرج من فَوره إلى منًى، فلا يشتغل عن الخروج بغيره، وقبلَ الزَّوال لا يخرج فيطوف. وقول ابن عبَّاسٍ والجمهور هو الصَّحيح الموافق (٤) لعمل الصَّحابة، وباللَّه التَّوفيق. فصل والطَّائفة الثَّانية قالت: إنَّه ﷺ سعى مع هذا الطَّواف، وقالوا: هذا حجَّةٌ في أنَّ القارن يحتاج إلى سعيين كما يحتاج إلى طوافين. وهذا غلطٌ عليه كما تقدَّم، والصَّواب أنَّه لم يسْعَ إلا سعيَه الأوَّل كما قالته عائشة وجابر، ولم يصحَّ عنه في السَّعيين حرفٌ واحدٌ، بل كلُّها باطلةٌ كما تقدَّم، فعليك بمراجعته.

стр. 1164

فصل والطَّائفة الثَّالثة الذين قالوا: أخَّر طواف الزِّيارة إلى اللَّيل، وهم طاوسٌ ومجاهد وعروة. ففي سنن أبي داود والنَّسائيِّ وابن ماجه (١) من حديث أبي الزبير المكيِّ عن عائشة وجابر (٢): أنَّ النبيَّ ﷺ أخَّر طوافَ يوم النَّحر إلى اللَّيل. وفي لفظٍ: «طواف الزِّيارة». قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. وهذا الحديث غلطٌ بيِّنٌ، خلافُ المعلوم من فعله ﷺ الذي لا يشكُّ فيه أهل العلم بحجَّته ﷺ ، ونحن نذكر كلام النَّاس فيه: قال الترمذي في كتاب «العلل» (٣) له: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث وقلت له: سمع أبو الزبير من عائشة وابن عبَّاسٍ؟ قال: أمَّا من (٤) ابن عبَّاسٍ فنعم، وإنّ في سماعه من عائشة نظرًا. وقال أبو الحسن بن القطَّان (٥): عندي أنَّ هذا الحديث ليس بصحيحٍ، إنَّما طاف النبيُّ ﷺ يومئذٍ نهارًا، وإنَّما اختلفوا: هل صلَّى الظُّهر بمكَّة أو رجع إلى منًى، فصلَّى بها بعد أن فرغ من طوافه؟ فابن عمر يقول: إنَّه رجع

стр. 1165

إلى منًى، فصلَّى الظُّهر بها (١)، وجابر يقول: إنَّه صلَّى الظُّهر بمكَّة، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه الَّتي فيها أنَّه أخَّر الطَّواف إلى اللَّيل، وهذا شيءٌ لم يُروَ إلا من هذه (٢) الطَّريق، وأبو الزبير مدلِّسٌ لم يذكر هاهنا سماعًا من عائشة، وقد عُهِد يَروي عنها بواسطةٍ، ولا أيضًا من ابن عبَّاسٍ، فقد عُهِد كذلك يروي عنه بواسطةٍ، وإن كان قد سمع منه. فيجب التَّوقُّف فيما يرويه أبو الزبير عن عائشة وابن عبَّاسٍ ممَّا لا يذكر فيه سماعه منهما، لِما عُرِف به من التَّدليس، ولو عُرِف سماعه منهما (٣) لغير هذا، فأمَّا ولم يصحَّ لنا (٤) أنَّه سمع من عائشة، فالأمر بيِّنٌ في وجوب التَّوقُّف فيه. وإنِّما يختلف العلماء في قبول حديث المدلِّس إذا كان عمَّن قد عُلم لقاؤه له وسماعه منه. هاهنا يقول قومٌ: يُقبل، ويقول آخرون: يُردُّ ما يعنعنه عنهم حتَّى يتبيَّن الاتِّصال في حديثٍ حديثٍ. وأمَّا ما يعنعنه المدلِّس عمَّن لم (٥) يُعلم لقاؤه له ولا سماعه منه، فلا أعلم الخلاف فيه بأنَّه لا يُقبل. ولو كنَّا نقول بقول مسلمٍ في (٦) أن معنعن المتعاصرين محمولٌ على الاتِّصال ولو لم يعلم التقاؤهما، فإنَّما ذلك في غير المدلِّسين. وأيضًا فلما قدَّمناه من صحَّة طواف النبيِّ ﷺ يومئذٍ نهارًا. والخلاف في

стр. 1166

ردِّ حديث المدلِّسين حتَّى يُعلم اتِّصاله أو قبوله حتَّى يعلم انقطاعه، إنَّما هو إذا لم يعارضه ما لا شكَّ في صحَّته (١)، وهذا فقد عارضه ما لا شكَّ في صحَّته. انتهى كلامه. ويدلُّ على غلطه (٢) على عائشة أنَّ أبا سلمة بن عبد الرَّحمن روى عن عائشة أنَّها قالت: حججنا مع رسول الله ﷺ فأفَضْنا يومَ النَّحر (٣). وروى محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها: [أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى. ورواه عمر بن قيس عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم بن محمد عن عائشة:] (٤) أنَّ النبيَّ ﷺ أذِنَ لأصحابه فزاروا البيتَ يوم النَّحر ظهيرةً، وزار رسول الله ﷺ مع نسائه ليلًا (٥). وهذا غلطٌ أيضًا. قال البيهقي (٦): وأصحُّ هذه الرِّوايات حديث نافع عن ابن عمر، وحديث جابر، وحديث أبي سلمة عن عائشة. يعني: أنَّه طاف نهارًا.

стр. 1167

قلت: وإنَّما (١) نشأ الغلط من تسمية الطواف، فإنَّ النبيَّ ﷺ أخَّر طواف الوداع إلى اللَّيل، كما ثبت في «الصَّحيحين» (٢) من حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ... فذكرت الحديث، إلى أن قالت: فنزلنا المحصَّبَ، فدعا عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ، فقال: «اخرجْ بأختك من الحرم، ثمَّ افرغا من طوافكما، ثمَّ تأتياني (٣) هاهنا بالمحصَّب». قالت: فقضى الله العمرة، وفرغنا من طوافنا في جوف اللَّيل، فأتيناه بالمحصَّب، فقال: فرغتما؟ قلنا: نعم. فأذَّن في النَّاس بالرَّحيل، فمرَّ بالبيت فطاف به، ثمَّ ارتحل متوجِّهًا إلى المدينة. فهذا هو الطَّواف الذي أخَّره إلى اللَّيل بلا ريبٍ، فغلِطَ فيه أبو الزبير أو من حدَّثه به (٤)، وقال: طواف الزِّيارة، والله الموفِّق. ولم يرمُلْ ﷺ في هذا الطَّواف ولا في طواف الوداع (٥)، وإنَّما رمل في طواف القدوم. فصل ثمَّ أتى زمزمَ بعد أن قضى طوافه وهم يستقون فقال: «لولا أن يَغلِبكم النَّاس لنزلتُ فسقيتُ معكم» (٦)، ثمَّ ناولوه الدَّلو، فشرِب وهو

стр. 1168

قائمٌ (١). فقيل: هذا نسخٌ لنهيه عن الشُّرب قائمًا، وقيل: بل بيانٌ منه لأن النَّهي على وجه الاختيار وتركِ الأولى، وقيل: بل للحاجة، وهذا أظهر. وهل كان في طوافه هذا راكبًا أو ماشيًا؟ فروى مسلم في «صحيحه» (٢) عن جابر قال: طاف رسول الله ﷺ بالبيت في حجَّة الوداع على راحلته، يستلم الحجر (٣) بمِحْجَنِه لأن يراه النَّاس، وليُشْرِفَ، وليسألوه، فإنَّ النَّاس غَشُوه. وفي «الصَّحيحين» (٤) عن ابن عبَّاسٍ قال: طاف النبيُّ ﷺ في حجَّة الوداع على بعيرٍ يستلم الرُّكن بمِحْجَنٍ. وهذا الطَّواف ليس بطواف الوداع فإنِّه كان ليلًا، وليس بطواف القدوم لوجهين: أحدهما: أنَّه قد صحَّ عنه الرَّمل في طواف القدوم، ولم يقل أحدٌ قطُّ: رملَتْ به راحلته، وإنَّما قالوا: رَمَلَ نفسه (٥). والثَّاني: قول عمرو بن الشَّرِيد (٦): أفضتُ مع رسول الله ﷺ ، فما مسَّت

стр. 1169

قدماه الأرضَ حتَّى أتى جَمْعًا (١). وهذا ظاهره أنَّه من حين أفاض معه ما مسَّت قدماه الأرض (٢) إلى أن رجع. ولا ينتقض هذا بركعتي الطَّواف، فإنَّ شأنهما (٣) معلومٌ. قلت: والظَّاهر أنَّ عمرو بن الشَّريد (٤) إنَّما أراد الإفاضة معه من عرفة، ولهذا قال: «حتَّى أتى جَمْعًا» وهي مزدلفة (٥)، ولم يُرِد الإفاضة إلى البيت يوم النَّحر. ولا ينتقض هذا بنزوله عند الشِّعب حين (٦) بال ثمَّ ركب؛ لأنَّه ليس بنزولٍ مستقرٍّ، وإنَّما مسَّت قدماه الأرضَ مسًّا عارضًا. فصل ثمَّ رجع إلى منًى، واختُلِف أين صلَّى الظُّهر يومئذٍ، ففي «الصَّحيحين» (٧) عن ابن عمر أنَّه ﷺ أفاض يوم النَّحر، ثمَّ رجع فصلَّى الظُّهر بمنًى. وفي «صحيح مسلم» (٨) عن جابر أنَّه صلَّى الظُّهر بمكَّة. وكذلك قالت

стр. 1170

عائشة. واختُلِف في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر، فقال أبو محمد بن حزم (١): قول عائشة وجابر أولى، وتبعه على هذا جماعةٌ، ورجَّحوا هذا القول بوجوهٍ (٢): أحدها: أن رُواتَه اثنان (٣)، وهما أولى من الواحد. الثَّاني: أنَّ عائشة أخصُّ النَّاس به، ولها من القرب والاختصاص والمزيَّة ما ليس لغيرها. الثَّالث: أنَّ سياق جابر لحجَّة النبيِّ ﷺ من أوَّلها إلى آخرها أتمُّ سياقٍ، وقد حفظ القصَّة وضبطَها، حتَّى ضبط جزئيَّاتِها، حتَّى ضبط منها أمرًا لا يتعلَّق بالمناسك، وهو نزول النبيِّ ﷺ ليلةَ جمعٍ (٤) في الطَّريق، فقضى حاجته عند الشِّعب، ثمَّ توضَّأ وضوءًا خفيفًا. فمن ضبط هذا القدر فهو بضبط مكان صلاته يومَ النَّحر أولى. الرَّابع: أنَّ حجَّة الوداع كانت في آذار، وهو تساوي اللَّيل والنَّهار، وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشَّمس إلى منًى، وخطب بها النَّاس، ونحر بُدْنًا عظيمةً وقسَمَها، وطُبخ له من لحمها وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه،

стр. 1171

وتطيَّب (١)، ثمَّ أفاض، فطاف، وشرب من ماء زمزم ومن نبيذ السِّقاية، ووقف عليهم وهم يَسقُون. وهذه أعمالٌ يبدو في الأظهر أنَّها لا تنقضي في مقدارٍ يمكن معه الرُّجوع إلى منًى، بحيث يدرك وقت الظُّهر في فصل آذار. الخامس: أنَّ هذين الحديثين جاريان مجرى النَّاقل والمُبقي، فإن عادته ﷺ كانت في حجَّته الصَّلاة في منزله الذي هو نازلٌ فيه بالمسلمين، فجرى ابن عمر على العادة، وضبط جابر وعائشة الأمر الذي هو خارجٌ عن عادته، فهو أولى بأن يكون هو المحفوظ. ورجَّحت طائفةٌ أخرى قول ابن عمر بوجوهٍ: أحدها: أنَّه لو صلَّى الظُّهر بمكَّة لم يُصلِّ أصحابه بمنًى وُحدانًا ولا زَرافاتٍ، بل لم يكن لهم بدٌّ من الصَّلاة خلف إمامٍ يكون نائبًا عنه، ولم ينقل هذا أحدٌ قطُّ، ولا نقل أحدٌ أنَّه استناب من يصلِّي بهم. ولولا علمه أنَّه يرجع إليهم فيصلِّي بهم لقال: إن حضرت الصَّلاة ولستُ عندكم فليصلِّ بكم فلانٌ، وحيثُ لم يقع هذا ولا هذا، ولا صلَّى الصَّحابة هناك (٢) وُحدانًا قطعًا، ولا كان من عادتهم إذا اجتمعوا أن يصلُّوا عِزِين (٣)، عُلِم أنَّهم صلَّوا معه على عادتهم. الثَّاني: أنَّه لو صلَّى بمكَّة لكان خلفه بعض أهل البلد وهو مقيم (٤)،

стр. 1172

وكان يأمرهم أن يتمُّوا صلاتهم، ولنُقِل (١) أنَّهم قاموا فأتمُّوا بعد سلامه صلاتَهم. وحيث لم يُنقل هذا ولا هذا، بل هو معلوم الانتفاء قطعًا، عُلِم أنَّه لم يصلِّ حينئذٍ بمكَّة. وما ينقله بعض من لا علمَ عنده أنَّه قال: «يا أهلَ مكَّة أتِمُّوا صلاتكم فإنَّا قومٌ سَفْرٌ» (٢) فإنَّما قاله عامَ الفتح، لا في حجَّته. الثَّالث: أنَّه من المعلوم أنَّه لمَّا طاف ركع ركعتي الطَّواف، ومعلومٌ أنَّ كثيرًا من المسلمين كانوا خلفه يقتدون به في أفعاله ومناسكه، فلعلَّه لمَّا ركع ركعتي الطَّواف، والنَّاس خلفه يقتدون به، ظنَّ الظَّانُّ أنَّها صلاة الظُّهر، ولا سيَّما إذا كان ذلك في وقت الظُّهر. وهذا الوهم لا يمكن رفعُ (٣) احتماله بخلاف صلاته بمنًى، فإنَّها لا تحتمل غير الفرض. الرَّابع: أنَّه لا يُحفظ عنه في حجته (٤) أنَّه صلَّى الفرض بجوف مكَّة، بل إنَّما كان يصلِّي بمنزله (٥) بالمسلمين مدَّة مقامه، كان يصلِّي بهم أين نزلوا، لا يصلِّي في مكانٍ آخر غير المنزل العامِّ. الخامس: أنَّ حديث ابن عمر متَّفقٌ عليه، وحديث جابر من أفراد مسلم. فحديث ابن عمر أصحُّ منه، وكذلك هو في إسناده، فإنَّ رواته أحفظ وأشهر

стр. 1173

وأتقن، فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عبيد الله (١)، وأين يقع حفظ جعفر من حفظ نافع؟ السَّادس: أنَّ حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فرُوي عنها على ثلاثة أوجهٍ، أحدها: أنَّه طاف نهارًا، الثَّاني: أنَّه أخَّر الطَّواف إلى اللَّيل، الثَّالث: أنَّه أفاض من آخر يومه، فلم يضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصَّلاة، بخلاف حديث ابن عمر. السَّابع: أنَّ حديث ابن عمر أصحُّ منه بلا نزاعٍ، فإنَّ حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها، وابن إسحاق مختلَفٌ (٢) في الاحتجاج به، ولم يصرِّح بالسَّماع بل عنعنه، فكيف يُقدَّم على قول (٣) عبيد الله: حدَّثني نافع عن ابن عمر. الثَّامن: أنَّ حديث عائشة ليس بالبيِّن أنَّه صلَّى الظُّهر بمكَّة، فإنَّ لفظه هكذا: «أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلَّى الظُّهر، ثمَّ دفع (٤) إلى منًى، فمكث بها ليالي أيَّام التَّشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشَّمس، كلَّ جمرةٍ بسبع حصياتٍ». فأين دلالة هذا الحديث الصَّريحة (٥) على أنَّه صلَّى الظُّهر يومئذٍ بمكَّة؟ وأين هذا في صريح الدَّلالة إلى قول ابن عمر: «أفاض

стр. 1174

يوم النَّحر، ثمَّ صلَّى الظُّهر بمنًى»؟ يعني راجعًا، وأين حديثٌ اتَّفق أصحاب الصَّحيح على إخراجه إلى حديثٍ اختُلِف في الاحتجاج به؟ والله أعلم. فصل قال ابن حزمٍ (١): وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها من وراء النَّاس وهي شاكيةٌ، استأذنت النبيَّ ﷺ في ذلك اليوم فأذِن لها. واحتجَّ عليه بما رواه مسلم في «صحيحه» (٢) من حديث زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة، قالت: شكوتُ إلى رسول الله ﷺ أنِّي أشتكي، فقال: «طوفي من وراء النَّاس وأنتِ راكبةٌ»، قالت: فطفتُ ورسول الله ﷺ حينئذٍ يصلِّي إلى جانب (٣) البيت، وهو يقرأ: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢]. ولا يتبيَّن أنَّ هذا الطَّواف هو طواف الإفاضة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يقرأ في ركعتي ذلك الطَّواف بالطُّور، ولا جهر في القراءة بالنَّهار بحيث تسمعه أم سلمة من وراء النَّاس. وقد بيَّن أبو محمد غلطَ من قال: إنَّه أخَّره إلى اللَّيل، وأصاب في ذلك. وقد صحَّح هو (٤) حديث عائشة أنَّ (٥) النبيَّ ﷺ أرسل بأم سلمة ليلةَ النَّحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثمَّ مضتْ فأفاضت (٦). فكيف يلتئم هذا مع

стр. 1175

طوافها يوم النَّحر وراء النَّاس، ورسول الله ﷺ إلى جانب البيت يصلِّي ويقرأ (١) ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾؟ هذا من المحال؛ فإنَّ هذه الصَّلاة والقراءة كانت في صلاة الفجر أو المغرب أو العشاء، وإنَّها (٢) كانت يوم النَّحر، فلم يكن ذلك الوقت رسول الله ﷺ بمكَّة قطعًا، فهذا من وهمه ﵀. وطافت عائشة في ذلك اليوم طوافًا واحدًا، وسعتْ سعيًا واحدًا أجزأها عن حجِّها وعمرتها، وطافت صفيَّة ذلك اليوم ثمَّ حاضت، فأجزأها طوافها ذلك عن طواف الوداع، ولم تُودِّع (٣). فاستقرَّت سنَّتُّه ﷺ في المرأة الطَّاهر (٤) إذا حاضت قبل الطَّواف (٥) أن تَقْرِن وتكتفي بطوافٍ واحدٍ وسعيٍ واحدٍ، وإن حاضت بعد طواف الإفاضة اجتزأتْ به عن طواف الوداع. فصل ثمَّ رجع ﷺ إلى منًى من يومه ذلك، فبات بها، فلمَّا أصبح انتظر زوال الشَّمس، فلمَّا زالت الشمس مشى من رحله إلى الجِمار ولم يركب، فبدأ بالجمرة الأولى الَّتي تلي مسجدَ الخيف، فرماها بسبع حَصَياتٍ، واحدةً بعد واحدةٍ، يقول مع كلِّ حصاةٍ: الله أكبر، ثمَّ تقدَّم عن (٦) الجمرة أمامها حتَّى

стр. 1176

أسهلَ (١)، فقام مستقبلَ القبلة، ثمَّ رفع يديه ودعا دعاءً طويلًا بقدر سورة البقرة، ثمَّ أتى إلى الجمرة الوسطى، فرماها كذلك، ثمَّ انحدر ذات اليسار ممَّا يلي الوادي، فوقف مستقبلَ القبلة رافعًا يديه يدعو قريبًا من وقوفه الأوَّل، ثمَّ أتى الجمرة الثَّالثة وهي جمرة العَقَبة، فاستبطن الواديَ واستعرض الجمرة، فجعل البيت عن يساره ومنًى عن يمينه، فرماها بسبع حصياتٍ كذلك (٢). ولم يَرْمِها من أعلاها كما يفعل الجهَّال، ولا جعلها عن يمينه واستقبل البيت وقتَ الرَّمي، كما ذكره غير واحدٍ من الفقهاء. فلمَّا أكمل الرَّمي رجع من فوره، ولم يقف عندها، فقيل: لضيق المكان بالجبل، وقيل وهو أصحُّ: إنَّ دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلمَّا رمى جمرة العقبة فرغ الرَّميُ، والدُّعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها (٣) أفضل منه (٤) بعد الفراغ منها. وهذه (٥) كانت سنَّته في دعائه في الصَّلاة؛ كان يدعو في صلبها، وأمَّا بعد الفراغ منها فلم يثبت عنه أنَّه كان يعتاد الدُّعاء، ومن روى عنه ذلك فقد غلِطَ عليه، وإن رُوي في غير الصَّحيح أنَّه كان أحيانًا يدعو

стр. 1177

بدعاءٍ عارضٍ بعد السَّلام (١)، وفي صحَّته نظرٌ. وبالجملة، فلا ريبَ أنَّ عامَّة أدعيته الَّتي كان يدعو بها، وعلَّمها الصِّدِّيق إنَّما هي في صلب الصَّلاة. وأمَّا حديث معاذ بن جبلٍ: «لا تنسَ أن تقول دُبُرَ (٢) كلِّ صلاةٍ: اللَّهمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسنِ عبادتك» (٣)، فدُبُر الصَّلاة يراد به آخرها قبل السَّلام منها، كدبر الحيوان، ويراد به ما بعد السَّلام منها، كقوله: «تُسبِّحون الله (٤) دُبُرَ (٥) كلِّ صلاةٍ» (٦) الحديثَ. فصل ولم يزل في نفسي: هل كان يرمي قبل صلاة الظُّهر أو بعدها؟ والَّذي يغلب على الظنِّ أنَّه كان يرمي قبل الصَّلاة (٧)، ثمَّ يرجع فيصلِّي؛ لأنَّ جابرًا وغيره قالوا: كان يرمي إذا زالت الشَّمس، فعقَّبوا زوال الشَّمس برميه.

стр. 1178

وأيضًا فإنَّ وقت الزَّوال للرَّمي أيَّامَ منًى كطلوع الشَّمس لرمي يوم النَّحر، والنبيُّ ﷺ يوم النَّحر لمَّا دخل وقت الرَّمي لم يقدِّم عليه شيئًا من عبادات ذلك اليوم. وأيضًا فإنَّ الترمذي وابن ماجه رويا في «سننهما» (١) عن ابن عبَّاسٍ: كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشَّمس. زاد ابن ماجه: «قدر ما إذا فرغ من رميه صلَّى الظُّهر». وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ، ولكن في إسناد حديث الترمذي الحجَّاج بن أرطاة، وفي إسناد حديث ابن ماجه إبراهيم بن عثمان بن شيبة (٢) أبو شيبة ولا يحتجُّ به (٣). ولكن ليس في الباب غير هذا. وذكر الإمام أحمد (٤) أنَّه كان يرمي يوم النَّحر راكبًا، وأيَّامَ منًى ماشيًا في ذهابه ورجوعه. فصل فقد تضمَّنت حجَّته ﷺ ستَّ وقفاتٍ للدُّعاء:

стр. 1179

الموقف الأوَّل: على الصَّفا، والثَّاني: على المروة، والثَّالث: بعرفة، والرَّابع: بمزدلفة، والخامس: عند الجمرة الأولى، والسَّادس: عند الجمرة الثَّانية. فصل وخطب ﷺ النَّاسَ بمنًى خطبتين: خطبةً يوم النَّحر وقد تقدَّمت، والخطبة الثَّانية في أوسط أيَّام التَّشريق، فقيل: هو ثاني يوم النَّحر، وهو أوسطها أي خيارها، واحتجَّ من قال ذلك بحديث سَرَّاء بنت نَبْهان، قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تدرون أيُّ يومٍ هذا؟»، قال (١): وهو اليوم الذي يدعون يوم الرُّؤوس. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا أوسط أيَّام التَّشريق. هل تدرون أيُّ بلدٍ هذا؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا المشعر الحرام». ثمَّ قال: «إنِّي لا أدري لعلِّي لا ألقاكم بعد هذا (٢)، ألا وإنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا (٣)، في بلدكم هذا، حتَّى تَلْقَوا ربَّكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلِّغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلَّغتُ». فلمَّا قدمنا المدينة لم يلبث (٤) قليلًا حتَّى مات ﷺ . رواه أبو داود (٥). ويوم الرُّؤوس هو ثاني يوم النَّحر باتِفاق.

стр. 1180

وذكر البيهقي (١) من طريق موسى بن عُبيدة الرَّبَذي، عن صَدَقة بن يسار عن ابن عمر، قال: أنزلت هذه السُّورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول الله ﷺ في وسط أيَّام التَّشريق، وعرف أنَّه الوداع، فأمر براحلته القَصْواء (٢) فَرُحِلت، واجتمع النَّاس فقال: «يا (٣) أيُّها النَّاس»، ثمَّ ذكر الحديث في خطبته. فصل واستأذنه العبَّاس بن عبد المطَّلب أن يبيت بمكَّة لياليَ منًى من أجلِ سقايته، فأذن له (٤). واستأذنه رِعاءُ الإبل في (٥) البيتوتة خارجَ منًى عند الإبل، فأرخص لهم أن يرموا يوم النَّحر، ثمَّ يجمعوا رميَ يومين بعد يوم النَّحر يرمونه في أحدهما (٦).

стр. 1181

قال مالك (١): ظننتُ أنَّه قال: في أوَّل يومٍ منهما، ثمَّ يرمون يوم النَّفر. وقال ابن عيينة في هذا الحديث: «رخَّص للرعاء أن يرموا يومًا ويَدَعوا يومًا» (٢). فيجوز للطَّائفتين بالسُّنَّة تركُ المبيت بمنًى، وأمَّا الرَّمي فإنَّهم لا يتركونه، بل لهم أن يؤخِّروه إلى اللَّيل فيرمون فيه، ولهم أن يجمعوا رميَ يومين في يومٍ. وإذا كان النبيُّ ﷺ قد رخَّص لأهل السِّقاية وللرِّعاء في البيتوتة، فمن له مالٌ يخاف ضياعه، أو مريضٌ يخاف من تخلُّفِه عنه، أو كان مريضًا لا يُمكِنه البيتوتة، سقطت عنه بتنبيه النصِّ على هؤلاء، والله أعلم. فصل ولم يتعجَّل ﷺ في يومين، بل تأخَّر حتَّى أكمل رمي أيَّام التَّشريق الثَّلاثة، وأفاض يوم الثُّلاثاء بعد الظُّهر إلى المحصَّب، وهو الأبطح، وهو خَيْف بني كنانة، فوجد أبا رافع قد ضرب قُبَّتَه (٣) هناك ــ وكان على ثَقَلِه ــ توفيقًا من الله دون أن يأمره به رسول الله ﷺ ، فصلَّى به الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقدَ رقدةً (٤). ثمَّ نهض إلى مكَّة، فطاف للوداع

стр. 1182

ليلًا سَحَرًا، ولم يرمل في هذا الطَّواف، وأخبرته صفية أنَّها حائضٌ فقال: «أحابستُنا هي؟»، فقالوا له (١): إنَّها قد أفاضت، قال: «فلْتنفِرْ إذًا» (٢). ورغبت إليه عائشة تلك اللَّيلة أن يُعمِرها عمرةً مفردةً، فأخبرها أنَّ طوافها بالبيت وبالصَّفا والمروة قد أجزأ عن حجِّها وعمرتها، فأبتْ إلا أن تعتمر عمرةً مفردةً، فأمر أخاها (٣) أن يُعمِرها من التَّنعيم، ففرغتْ من عمرتها ليلًا، ثمَّ وافَت المحصَّبَ مع أخيها، فأتيا في جوف اللَّيل، فقال رسول الله ﷺ : «فرغتما؟»، قالت: نعم، فنادى بالرَّحيل في أصحابه، فارتحل النَّاس، ثمَّ طاف بالبيت قبل صلاة الصُّبح. هذا لفظ البخاري (٤). فإن قيل: كيف تجمعون بين هذا وبين حديث الأسود عنها الذي في «الصَّحيح» (٥) أيضًا؟ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نرى (٦) إلا الحجَّ ... فذكرت الحديث، وفيه: «فلمَّا كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله، يرجع النَّاس بحج وعمرةٍ وأرجع أنا بحجَّةٍ؟ قال: «أوما كنتِ طُفتِ لياليَ قدِمنا مكَّة؟»، قالت: قلت: لا. قال: «فاذهبي مع أخيك إلى التَّنعيم، فأهلِّي بعمرةٍ، ثمَّ موعدُكِ مكانُ كذا وكذا». قالت عائشة: فلقيني رسول الله ﷺ وهو مُصعِدٌ من مكَّة، وأنا منهبطةٌ عليها، أو أنا مُصعِدةٌ وهو منهبطٌ منها».

стр. 1183

ففي هذا الحديث أنَّهما تلاقيا في الطَّريق، وفي الأوَّل أنَّه انتظرها في منزله، فلمَّا جاءت نادى بالرَّحيل في أصحابه. ثمَّ فيه إشكالٌ آخر، وهو قولها (١): «لقيني وهو مُصعِدٌ من مكَّة وأنا منهبطةٌ عليها»، أو بالعكس، فإن كان الأوَّل فيكون قد لقيها مصعدًا منها راجعًا إلى المدينة، وهي منهبطةٌ عليها للعمرة، وهذا ينافي انتظاره لها بالمحصَّب. وقال أبو محمَّدٍ بن حزمٍ (٢): الصَّواب الذي لا شكَّ فيه أنَّها كانت مُصعِدةً من مكَّة وهو منهبطٌ؛ لأنَّها تقدَّمت إلى العمرة وانتظرها ﷺ حتَّى جاءت، ثمَّ نهض إلى طواف الوداع، فلقيها منصرفةً إلى المحصَّب عن مكَّة. وهذا لا يصحُّ، فإنَّها قالت: وهو منهبطٌ منها، وهذا يقتضي أن يكون بعد المحصَّب والخروجِ من مكَّة، فكيف يقول أبو محمد: إنَّه نهض إلى طواف الوداع وهو منهبطٌ من مكَّة؟ هذا محالٌ. وأبو محمد لم يحجَّ. وحديث القاسم عنها صريحٌ كما تقدَّم في أنَّ رسول الله ﷺ انتظرها في منزله بعد النَّفْر حتَّى جاءت، فارتحل وأذِن للنَّاس بالرَّحيل. فإن كان حديث الأسود هذا محفوظًا فصوابه: لقيني رسول الله ﷺ وأنا مُصعِدةٌ من مكَّة وهو منهبطٌ إليها، فإنَّها طافت وقضت عمرتها، ثمَّ أصعدتْ لميعاده، فوافتْه (٣) وهو قد أخذ في الهبوط إلى مكَّة للوداع، فارتحل وأذَّن في النَّاس بالرَّحيل. ولا وجهَ لحديث الأسود غير هذا.

стр. 1184

وقد جُمِع بينهما بجمعين آخرين، وهما وهمٌ: أحدهما: أنَّه طاف للوداع مرَّتين، مرَّةً بعد أن بعثها وقبل فراغها، ومرَّةً بعد فراغها للوداع. وهذا مع أنَّه وهمٌ بيِّنٌ فإنَّه لا يرفع الإشكال بل يزيده، فتأمَّلْه. الثَّاني: أنَّه انتقل من المحصَّب إلى ظهر العقبة خوف المشقَّة على المسلمين في التَّحصيب، فلقيتْه وهي منهبطةٌ إلى مكَّة وهو مُصعِدٌ إلى العقبة (١). وهذا أقبح من الأوَّل؛ لأنَّه ﷺ لم يخرج من العقبة أصلًا، وإنَّما خرج من أسفلِ مكَّة من الثَّنيَّة السُّفلى بالاتِّفاق. وأيضًا، فعلى تقدير ذلك لا يحصل الجمع بين الحديثين. وذكر أبو محمَّدٍ بن حزمٍ (٢) أنَّه رجع بعد خروجه من أسفل مكَّة إلى المحصَّب، وأمر بالرَّحيل. وهذا وهمٌ أيضًا، لم يرجع رسول الله ﷺ بعد وداعه إلى المحصَّب، وإنَّما مرَّ من فوره إلى المدينة. وذكر في بعض تواليفه أنَّه فعل ذلك ليكون كالمُلْحِق مكَّةَ (٣) بدائرةٍ في دخوله وخروجه، فإنَّه بات بذي طُوًى، ثمَّ دخل من أعلى مكَّة، ثمَّ خرج من أسفلها، ثمَّ رجع إلى المحصَّب، ويكون هذا الرُّجوع من يماني مكَّة حتَّى تحصل الدَّائرة، فإنَّه ﷺ لمَّا جاء نزل بذي طُوًى، ثمَّ أتى على مكَّة من

стр. 1185

كَدَاءٍ (١)، ثمَّ نزل به لمَّا فرغ من الطَّواف، ثمَّ لمَّا فرغ من جميع النُّسك نزل به، ثمَّ خرج من أسفل مكَّة وأخذ من يمينها حتَّى أتى المحصَّب. ويحمل أمره بالرَّحيل ثانيًا على أنَّه لقي في رجوعه ذلك إلى المحصَّب قومًا لم يرحلوا، فأمرهم بالرَّحيل، وتوجَّه من فَورِه ذلك إلى المدينة. ولقد شانَ (٢) نفسَه وكتابَه بهذا الهذَيان البارد السَّمِج الذي يُضحَك منه، ولولا التَّنبيه على أغلاط من غلِطَ عليه ﷺ لرغبنا عن ذكر مثل هذا الكلام. والَّذي كأنَّك تراه من فعله أنَّه نزل بالمحصَّب، وصلَّى به الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقدَ رقدةً، ثمَّ نهض إلى مكَّة، وطاف بها طواف الوداع ليلًا، ثمَّ خرج من أسفلها إلى المدينة، ولم يرجع إلى المحصَّب، ولا دار دائرةً، ففي «صحيح البخاريِّ» (٣) عن أنسٍ: أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقدَ رقدةً بالمحصَّب، ثمَّ ركب إلى البيت وطاف به. وفي «الصَّحيحين» (٤) عن عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ ... وذكرت الحديث، قالت: حين (٥) قضى الله الحجَّ ونفرنا من منًى، فنزلنا بالمحصَّب، فدعا عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ فقال: «اخرجْ بأختك من الحرم، ثمَّ افْرُغا من

стр. 1186

طوافكما، ثمَّ تأتياني (١) هاهنا بالمحصَّب». قالت: فقضى الله العمرة وفرغنا من طوافنا من جوف اللَّيل، فأتيناه بالمحصَّب. فقال: «فرغتما؟» قلنا: نعم. فأذَّن في النَّاس بالرَّحيل، فمرَّ بالبيت فطاف به، ثمَّ ارتحل متوجِّهًا إلى المدينة. فهذا من أصحِّ حديثٍ على وجه الأرض، وأدلِّه على فساد ما ذكره ابن حزمٍ وغيره من تلك التَّقديرات الَّتي لم يقع شيءٌ منها، ودليلٌ على أنَّ حديث الأسود غير محفوظٍ، وإن كان محفوظًا فلا وجهَ له غير ما ذكرنا، وباللَّه التَّوفيق. وقد اختلف السَّلف في التَّحصيب: هل هو سنَّةٌ أو منزل اتِّفاقٍ؟ على قولين: فقالت طائفةٌ: هو من سنن الحجِّ، فإنَّ في «الصَّحيحين» (٢) عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال حين أراد أن ينفر من منًى: «نحن نازلون إن شاء الله غدًا (٣) بخَيْفِ بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر». يعني بذلك المحصَّب؛ وذلك أنَّ قريشًا وبني كنانة تقاسموا على بني هاشمٍ وبني المطَّلب أن لا يُناكحوهم، ولا يكون بينهم (٤) شيءٌ حتَّى يسلِّموا إليهم رسول الله ﷺ ، فقصد النبيُّ ﷺ إظهار شعار (٥) الإسلام في المكان الذي

стр. 1187

أظهروا فيه شعار الكفر والعداوة لله ورسوله، وهذه كانت عادته صلوات الله وسلامه عليه أن يقيم شعار التَّوحيد في مواضع شعار الكفر والشِّرك، كما أمر (١) أن يبنى مسجد الطَّائف موضع اللَّات (٢). قالوا: وفي «صحيح مسلم» (٣) عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلونه. وفي روايةٍ لمسلم (٤) عنه: أنَّه كان يرى التَّحصيب سنَّةً. وقال البخاريُّ (٥) عنه: كان يصلِّي به الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، ويهجع، ويذكر أنَّ رسول الله ﷺ فعل ذلك. وذهب آخرون ــ منهم: ابن عبَّاسٍ وعائشة ــ إلى أنَّه ليس بسنَّةٍ، وإنَّما هو منزل اتِّفاقٍ، ففي «الصَّحيحين» (٦) عن ابن عبَّاسٍ: ليس المحصَّب بشيءٍ، وإنَّما هو منزلٌ نزل به رسول الله ﷺ . وفيهما (٧) عن عائشة: إنما كان منزلًا نزل به رسول الله ﷺ (٨) ليكون أسمحَ لخروجه.

стр. 1188

وفي «صحيح مسلم» (١) عن أبي رافع: «لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل بمن معي بالأبطح، ولكن أنا ضربتُ قبَّتَه، ثمَّ جاء فنزل». فأنزله الله فيه بتوفيقه تصديقًا لقول رسوله: «نحن نازلون غدًا بخَيْفِ بني كنانة»، وتنفيذًا لما عزم عليه، وموافقةً منه لرسوله صلوات الله وسلامه عليه. فصل هاهنا ثلاث مسائل: هل دخل رسول الله ﷺ البيتَ في حجَّته (٢) أم لا؟ وهل وقف في الملتزم بعد الوداع أم لا؟ وهل صلَّى الصُّبح ليلةَ الوداع بمكَّة أو خارجًا منها؟ فأمَّا المسألة الأولى، فزعم كثيرٌ من الفقهاء وغيرهم أنَّه دخل البيت في حجَّته، ويرى كثيرٌ من النَّاس أنَّ دخول البيت من سنن الحجِّ اقتداءً بالنبيِّ ﷺ . والَّذي تدلُّ عليه سنَّته أنَّه لم يدخل البيت في حجَّته ولا في عمرته (٣)، وإنَّما دخله عامَ الفتح. ففي «الصَّحيحين» (٤) عن ابن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكَّة على ناقةٍ لأسامة، حتَّى أناخَ بفِناء الكعبة، فدعا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فجاء به، ففتح، فدخل النبيُّ ﷺ وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة، فأجافوا عليهم البابَ مَليًّا (٥)، ثمَّ فتحوه. قال عبد الله:

стр. 1189

فبادرتُ النَّاس، فوجدتُ بلالًا على الباب، فقلت: أين صلَّى رسول الله ﷺ ؟ قال: بين العمودين المقدَّمين. قال: ونسيت أن أسأله كم صلَّى. وفي «صحيح البخاريِّ» (١) عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رسول الله ﷺ لمَّا قدم مكَّة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، قال: فأمر بها فأُخرِجتْ، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله ﷺ : «قاتلهم اللَّه! أما والله لقد علموا أنَّهما لم يَستقسِما بها قطُّ». قال: فدخل البيتَ فكبَّر في نواحيه، ولم يصلِّ فيه. فقيل: كان ذلك دخولين، صلَّى في أحدهما، ولم يصلِّ في الآخر. وهذه طريقة ضعفاء النَّقد، كلَّما رأوا اختلافَ لفظٍ جعلوه قصَّةً أخرى، كما جعلوا الإسراء مرارًا لاختلاف ألفاظه، وجعلوا اشتراءه من جابر بعيرَه مرارًا لاختلاف ألفاظه، وجعلوا طواف الوداع مرَّتين لاختلاف سياقه، ونظائر ذلك. وأمَّا الجهابذة النُّقَّاد فيرغبون عن هذه الطَّريقة، ولا يَجْبُنون عن تغليط من ليس معصومًا من الغلط، ونسبته إلى الوهم. قال البخاريُّ وغيره من الأئمَّة: والقول قول بلال؛ لأنَّه مثبِتٌ شاهدَ صلاته، بخلاف ابن عبَّاسٍ. والمقصود أنَّ دخوله (٢) إنَّما كان في غزاة الفتح، لا في حجِّه ولا عُمَره. وفي «صحيح البخاريِّ» (٣) عن إسماعيل بن أبي خالدٍ قال: قلت لعبد الله بن أبي

стр. 1190

أوفى: أدَخلَ النبيُّ ﷺ في عمرته البيت؟ قال: لا. وقالت عائشة (١): خرج رسول الله ﷺ من عندي وهو قرير العين طيِّب النَّفس، ثمَّ رجع إليَّ وهو حزين القلب، فقلت: يا رسول اللَّه، خرجت من عندي وأنت كذا وكذا. فقال: «إنِّي دخلتُ الكعبة، ووددتُ أنِّي لم أكن فعلتُ، إنِّي أخاف أن أكون قد أتعبتُ أمَّتي من بعدي». فهذا ليس فيه أنَّه كان في (٢) حجَّته، بل إذا تأمَّلته حقَّ التَّأمُّل أطلعك التَّأمُّل على أنَّه كان في غزاة الفتح، والله أعلم. وسألته عائشة أن تدخل البيت، فأمرها أن تصلِّي في الحِجْر ركعتين (٣). فصل وأمَّا المسألة الثَّانية: وهي وقوفه في الملتزم، فالَّذي رُوي عنه أنَّه فعله يوم الفتح، ففي «سنن أبي داود» (٤) عن عبد الرحمن بن صفوان (٥) قال: لمَّا فتح رسول الله ﷺ مكَّة انطلقتُ، فرأيت رسول الله ﷺ قد خرج من الكعبة

стр. 1191

هو وأصحابه، قد استلموا الرُّكن من الباب إلى الحطيم، ووضعوا خدودَهم على البيت ورسول الله ﷺ وسطَهم. وروى أبو داود (١) أيضًا من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: طفتُ مع عبد الله، فلمَّا حاذى دُبُرَ الكعبة قلت: ألا (٢) تتعوَّذ؟ قال: نعوذ بالله من النَّار، ثمَّ مضى حتَّى استلم الحجر، فقام بين الرُّكن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفَّيه (٣) هكذا، وبسطَها (٤) بسطًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله. فهذا يحتمل أن يكون وقتَ (٥) الوداع، وأن يكون في غيره، ولكن قال مجاهد والشَّافعيُّ بعده وغيرهما: إنَّه يُستحبُّ أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ويدعو. وكان ابن عبَّاسٍ يلزم (٦) ما بين الرُّكن والباب، وكان يقول: «لا يلتزم ما بينهما أحدٌ يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إيَّاه» (٧)، والله أعلم.

стр. 1192

فصل وأمَّا المسألة الثَّالثة: وهي موضع صلاته ﷺ الصُّبحَ صبيحةَ (١) ليلة الوداع، ففي «الصَّحيحين» (٢) عن أم سلمة قالت: شكوتُ إلى رسول الله ﷺ أنِّي أشتكي، فقال: «طُوفي من وراء النَّاس وأنتِ راكبةٌ». قالت: فطفتُ ورسول الله ﷺ حينئذٍ يصلِّي إلى جنب البيت، وهو يقرأ بـ (الطور وكتاب مسطور). فهذا يحتمل أن يكون في الفجر (٣) وفي غيرها، وأن يكون في طواف الوداع أو غيره، فنظرنا في ذلك، فإذا البخاريُّ قد روى في «صحيحه» (٤) في هذه القصَّة: أنَّه ﷺ لمَّا أراد الخروج، ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت، وأرادت الخروج، فقال لها رسول الله ﷺ : «إذا أقيمتْ صلاة الصُّبح فطُوفي على بعيرِك والنَّاس يصلُّون». ففعلتْه ولم تصلِّ حتَّى خرجتْ (٥). وهذا محالٌ قطعًا أن يكون يومَ النَّحر، فهو طوافُ الوداع بلا ريبٍ، فظهر أنَّه صلَّى الصُّبح يومئذٍ عند البيت، وسمعته أم سلمة يقرأ فيها بالطُّور. فصل ثمَّ ارتحل ﷺ راجعًا إلى المدينة، فلمَّا كان بالرَّوحاء لقي رَكْبًا، فسلَّم

стр. 1193

عليهم وقال: «من القوم؟»، فقالوا (١): المسلمون، فمن القوم؟ فقال: «رسول الله ﷺ »، فرفعت إليه امرأةٌ صبيًّا لها من مِحَفَّة (٢)، فقالت: يا رسول اللَّه، ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم، ولك أجرٌ» (٣). فلمَّا أتى ذا الحليفة بات بها، فلمَّا رأى المدينة كبَّر ثلاثَ مرَّاتٍ وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، آئبون تائبون عابدون ساجدون, لربِّنا حامدون, صدق الله وعدَه, ونصر عبدَه, وهزم الأحزابَ وحده» (٤). ثمَّ دخلها نهارًا من طريق المُعرَّس، وخرج من طريق الشَّجرة (٥)، والله أعلم. فصل في الأوهام فمنها: وهمٌ لأبي محمد بن حزم في «حجَّة الوداع» (٦) حيث قال: إنَّ النبيَّ ﷺ أعلمَ النَّاسَ وقتَ خروجه أنَّ عمرةً في رمضان تَعدِل حجَّةً.

стр. 1194

وهذا وهمٌ ظاهرٌ؛ فإنَّه إنَّما (١) قال ذلك بعد رجوعه إلى المدينة من حجَّته، قال لأم سِنان الأنصارية: «ما منعَكِ أن تكوني حججتِ معنا؟»، قالت: لم يكن لنا إلا ناضحانِ (٢)، فحجَّ أبو ولدي وابني على ناضحٍ، وترك لنا ناضحًا ننضَحُ عليه. فقال: «فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإنَّ عمرةً في رمضان تقضي حجَّةً». هكذا رواه مسلم في «الصحيح» (٣). وكذلك أيضًا قال هذا لأم مَعقِل بعد رجوعه إلى المدينة، كما رواه أبو داود (٤) من حديث يوسف بن عبد الله بن سلامٍ عن جدَّته أم مَعقِل، قالت: لمَّا حجَّ رسول الله ﷺ حجَّة الوداع، وكان لنا جملٌ فجعله أبو مَعقِل في سبيل اللَّه، فأصابنا مرضٌ، فهلك أبو معقل، وخرج رسول الله ﷺ ، فلمَّا فرغ (٥) جئتُه، فقال: «ما منعكِ أن تخرجي معنا؟»، فقالت: لقد تهيَّأنا فهلك أبو معقل، وكان لنا جملٌ هو الذي نحجُّ عليه، فأوصى به أبو مَعقِل في سبيل اللَّه. قال: «فهلَّا خرجتِ عليه؟ فإنَّ الحجَّ من سبيل اللَّه، فإذْ فاتتْكِ هذه الحجَّة معنا فاعتمري في رمضان؛ فإنَّها حجَّة (٦)».

стр. 1195

فصل ومنها: وهمٌ آخر له، أنَّ خروجه كان يوم الخميس لستٍّ بقين من ذي القعدة (١). وقد تقدَّم أنَّه خرج لخمسٍ، وأنَّ خروجه كان يوم السَّبت. فصل ومنها: وهمٌ آخر لبعضهم ذكره (٢) الطبريُّ في «حجَّة الوداع» (٣)، أنَّه خرج يوم الجمعة بعد الصَّلاة. والَّذي حمله على هذا الوهم القبيح قولُه في الحديث: «خرجَ لستٍّ بقين»، فظنَّ أنَّ هذا لا يمكن إلا أن يكون الخروج يوم الجمعة؛ إذ تمام السِّتِّ يوم الأربعاء، وأوَّل ذي الحجَّة كان الخميس بلا ريبٍ. وهذا خطأٌ فاحشٌ؛ فإنَّه من المعلوم الذي لا ريبَ فيه أنَّه صلَّى الظُّهر يوم خروجه بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين ثبت ذلك في «الصَّحيحين». وحكى الطبريُّ في «حَجَّته» (٤) قولًا ثالثًا: إنَّ خروجه كان يوم السَّبت، وهو اختيار الواقديِّ (٥)، وهو القول الذي رجَّحناه أوَّلًا، لكنَّ الواقديَّ وهم
следующие страницы →