← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

فهذا دواءُ الدَّاء من شرِّ مَن يُرى (١) ... وذاك دواء الدَّاء من شرِّ محجوبِ (٢) فصل فيما يقوله ويفعله مَن اشتدَّ غضبُه أمره ﷺ أن يُطفئ عنه جمرةَ الغضب بالوضوء (٣)، والقعود إن كان قائمًا والاضطجاع إن كان قاعدًا (٤)، والاستعاذة بالله من الشَّيطان الرَّجيم (٥). ولمَّا كان الغضب والشَّهوة جمرتين من نارٍ في قلب ابن آدم، أمر أن يُطفئهما بالوضوء والصَّلاة والاستعاذةِ من الشَّيطان الرَّجيم (٦)، كما قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]. وهذا إنَّما يحمل (٧)

стр. 1367

عليه شدَّة الشَّهوة، فأمرهم بما يُطفِئوا (١) به (٢) جمرتها (٣)، وهو الاستعانة بالصَّبر والصَّلاة، وأمر تعالى بالاستعاذة من الشَّيطان عند نَزَغاتِه. ولمَّا كانت المعاصي كلُّها تتولَّد من الغضب والشَّهوة، وكان نهاية قوَّة الغضب القتل، ونهاية قوَّة الشَّهوة الزِّنا جمع تعالى بين القتل والزِّنا، وجعلهما قرينين في سورة الأنعام وسورة الإسراء وسورة الفرقان (٤). والمقصود أنَّه سبحانه أرشد عباده إلى ما يدفعون به شرَّ قوَّتَي الغضب والشَّهوة من الصَّلاة والاستعاذة. فصل وكان ﷺ إذا رأى ما يحبُّ قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات»، وإذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كلِّ حالٍ» (٥). فصل وكان ﷺ يدعو لمن تقرَّب إليه بما يحبُّ (٦)، فلمَّا وضع له ابن عبَّاسٍ

стр. 1368

وَضوءه قال: «اللَّهمَّ فقِّهْه في الدِّين، وعلِّمه التَّأويلَ» (١). ولمَّا دَعَمَه أبو قتادة في مَسِيره باللَّيل لمَّا مال عن راحلته، قال: «حَفِظَك الله بما حَفِظتَ به نبيَّه» (٢). وقال: «من صُنِع إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثَّناء» (٣). واستقرض من عبد الله بن أبي ربيعة مالًا، ثمَّ وفَّاه إيَّاه، وقال: «بارك الله لك في أهلك ومالك، إنَّما جزاء السَّلفِ الحمدُ والأداء» (٤). ولمَّا أراحه جرير (٥) من ذي الخَلَصة صَنَمِ دَوسٍ، بَرَّكَ على خَيلِ قبيلته (٦) ورجالها خمسَ مرَّاتٍ (٧).

стр. 1369

وكان إذا أُهدِيت إليه هديَّةٌ فقبِلَها، كافأ عليها بأكثرَ منها (١)، وإن ردَّها اعتذر إلى مُهدِيها، كقوله للصَّعْب بن جَثَّامةَ لمَّا أَهدى له (٢) لحمَ الصَّيد: «إنَّا لم نردَّه عليك إلا أنَّا حُرُمٌ» (٣). فصل وأمر أمَّته إذا سمعوا نهيقَ الحمار أن يتعوَّذوا بالله من الشَّيطان، وإذا سمعوا صياحَ الدِّيَكَة أن يسألوا الله من فضله (٤). ويُروى (٥) عنه أنَّه أمرهم بالتَّكبير عند الحريق (٦)، فإنَّ التَّكبير يُطفِئه (٧). وكره لأهل المجلس أن يُخْلُوا مجلسَهم من ذكر الله ، وقال: «ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله فيه، إلا قاموا عن مثل جِيْفَة

стр. 1370

الحمار» (١). وقال: «من قعدَ مقعدًا لم يَذكر الله فيه إلّا (٢) كانت عليه من الله تِرَةٌ، ومن اضطجعَ مضجعًا لا يذكر الله فيه إلّا كانت عليه من الله ترةٌ» (٣). والتِّرة: الحسرة. وفي لفظٍ (٤): «وما سلكَ أحدٌ (٥) طريقًا لم يذكر الله فيه، إلا كانت عليه تِرةٌ». وقال (٦): «من جلس في مجلسٍ فكثُر فيه لَغَطُه، فقال قبل أن يقوم من

стр. 1371

مجلسه: سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غُفِرَ له ما كان في مجلسه ذلك» (١). وفي «سنن أبي داود» و «مستدرك الحاكم» (٢): أنَّه ﷺ كان يقول ذلك إذا أراد أن يقوم من المجلس، فقال له رجلٌ: يا رسول اللَّه، إنَّك لتقول قولًا ما كنت تقوله فيما مضى. قال: «ذلك كفَّارةٌ لما يكون في المجلس». فصل وشكا إليه خالد بن الوليد الأَرَقَ باللَّيل فقال: «إذا أويتَ إلى فراشك فقلْ: اللَّهمَّ ربَّ السَّماوات السَّبع وما أظلَّتْ، وربَّ الأرضين السَّبع وما أقلَّت، وربَّ الشَّياطين وما أضلَّت، كُنْ لي جارًا من شرِّ خلقك كلِّهم جميعًا من (٣) أن يَفْرُطَ أحدٌ منهم عليَّ، أو أن يَبْغِي (٤) عليَّ، عزَّ جارك، وجلَّ ثناؤك، ولا إله إلا أنت» (٥).

стр. 1372

وكان يُعلِّم أصحابه من الفَزَع: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّة (١) من غَضَبه، ومن شرِّ عباده، ومن هَمَزات (٢) الشَّياطينِ وأن يحضرون» (٣). ويُذكر أنَّ رجلًا شكا إليه أنَّه يَفْزَع في منامه, فقال: «إذا أويتَ إلى فراشك فقلْ ... » ثمَّ ذكرها، فقالها فذهب عنه (٤). فصل في ألفاظ كان يكره أن تُقَال فمنها: أن يقول خَبُثَتْ نفسي أو جَاشت (٥)، وليقل: «لَقِسَتْ» (٦). ومنها: أن يسمِّي شجر العنب كَرْمًا، نهى عن ذلك وقال: «لا تقولوا: الكَرْم، وقولوا: العِنب والحَبَلة» (٧). وكره أن يقول الرَّجل (٨): هلك النَّاس، وقال: «إذا قال ذلك فهو

стр. 1373

أهلَكُهم» (١). وفي معنى هذا: فسد النَّاس، وفسد الزَّمان ونحوه (٢). ونهى أن يقال: ما شاء اللَّه وشاء فلانٌ، بل يقال: ما شاء اللَّه ثمَّ شاء فلانٌ. وقال له رجلٌ: ما شاء الله وشئتَ، فقال: «أجعلتَني لله ندًّا؟ قل: ما شاء الله وحده» (٣). وفي معنى هذا: لولا الله وفلانٌ لما كان كذا، بل هو أقبح وأنكر. وكذلك: أنا بالله وبفلانٍ، أو أعوذ بالله وبفلانٍ (٤)، أو أنا في حَسْبِ الله وحَسْب فلانٍ، أو أنا متَّكلٌ على الله وعليك، فقائلُ هذا قد جعل فلانًا ندًّا لله . ومنها: أن يقال (٥): مُطِرْنا بنَوْء كذا وكذا، بل يقول: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته (٦). ومنها: أن يحلف بغير اللَّه. صحَّ عنه أنَّه قال: «من حلفَ بغير الله فقد أشرك» (٧).

стр. 1374

ومنها: أن يقول في حلفه: هو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ أو كافرٌ إن فعلَ كذا (١). ومنها: أن يقول للسُّلطان: ملك الملوك (٢). وعلى قياسه قاضي القضاة (٣). ومنها: أن يقول السَّيِّد لغلامه وجاريته: عبدي وأمتي، أو يقول: الغلام لسيِّده: ربِّي، ولْيقُلِ السَّيِّد: فتاي وفتاتي، ويقول (٤) الغلام: سيِّدي وسيِّدتي (٥). ومنها: سبُّ الرِّيح إذا هَبَّتْ، بل يسأل (٦) الله خيرَها وخيرَ ما أُرسِلَتْ به، ويعوذ بالله من شرِّها وشرِّ ما أُرسِلَتْ به (٧). ومنها: سبُّ الحُمَّى، نهى عنه وقال: «إنَّها تُذهِب خطايا بني آدم كما

стр. 1375

يُذهِب الكِيْرُ خَبَثَ الحديد» (١). ومنها: النَّهي عن سبِّ الدِّيك، صحَّ عنه أنَّه قال: «لا تَسُبُّوا الدِّيك فإنَّه يُوقِظ للصَّلاة» (٢). ومنها: الدُّعاء بدعوى الجاهليَّة (٣)، والتَّعزِّي بعَزائهم (٤)، كالدُّعاء إلى القبائل والعصبيَّة (٥) لها وللأنساب، ومثله التَّعصُّب للمذاهب والطَّرائق والمشايخ، وتفضيل بعضها على بعضٍ بالهوى والعصبيَّة، وكونه منتسبًا إليه، فيدعو إلى ذلك، ويوالي عليه، ويعادي عليه، ويَزِنُ النَّاس به، فكلُّ هذا من دعوى الجاهليَّة (٦). ومنها: تسمية العِشاء بالعَتَمة تسميةً غالبةً يُهْجَر فيها لفظ العِشاء (٧).

стр. 1376

ومنها: النَّهي عن سِباب المسلم، وأن يتناجى اثنان دون الثَّالث (١)، وأن تُخبِر المرأة زوجَها بمحاسنِ امرأةٍ أخرى (٢). ومنها: أن يقول في دعائه: اللَّهمَّ اغفِرْ لي إن شئتَ، وارحمني إن شئتَ (٣). ومنها: الإكثار من الحلف (٤). ومنها: كراهة أن يقول: قوس قُزَح لهذا الذي يُرى في السَّماء (٥). ومنها: أن يسأل أحدٌ (٦) بوجه اللَّه (٧). ومنها: أن يسمِّي المدينة يَثْرِب (٨).

стр. 1377

ومنها: أن لا يسأل (١) الرَّجل فِيمَ ضربَ امرأته (٢)، إلا إذا دَعَتِ الحاجة إلى ذلك. ومنها: أن يقول: صمتُ رمضانَ كلَّه، وقمتُ اللَّيل كلَّه (٣). فصل ومن الألفاظ المكروهة الإيضاح (٤) عن الأشياء الَّتي ينبغي الكناية عنها بأسمائها الصَّريحة. ومنها: أن يقول: أطال الله بقاءك، وأدامَ أيَّامك، وعِشْ (٥) ألف سنةٍ، ونحو ذلك (٦). ومنها: أن يقول الصَّائم: وحقِّ الذي خاتمُه على فمي، فإنه إنما يختم (٧)

стр. 1378

على فم الكافر (١). ومنها: أن يقول للمُكُوس: حقوقًا، وأن يقول لما (٢) ينفقه في طاعة اللَّه: غَرِمْتُ أو خَسِرْتُ كذا وكذا، أو يقول: أنفقتُ في هذه الدُّنيا مالًا كثيرًا. ومنها: أن يقول المفتي: أحلَّ الله كذا، وحرَّم كذا، في مسائل الاجتهاد (٣)، وإنَّما يقوله (٤) فيما ورد النَّصُّ بتحريمه. ومنها: أن يسمِّي أدلَّة القرآن والسُّنَّة ظواهرَ لفظيَّةً ومجازاتٍ، فإنَّ هذه التَّسمية تُسقِط حرمتها من القلوب، ولا سيَّما إذا أضاف إلى ذلك تسمية شُبَه المتكلِّمين والفلاسفة قواطعَ عقليَّةً. ولا إله إلا اللَّه، كم حصل بهاتين التَّسميتين من فسادٍ في العقول والأديان، والدُّنيا والدِّين! فصل ومنها: أن يُحدِّث الرَّجل بجماع أهله، وما يكون (٥) بينه وبينهم (٦) (٧)، كما يفعله السَّفِلَة. وممَّا يُكره من الألفاظ: زعموا (٨)، وذكروا، وقالوا، ونحوه.

стр. 1379

وممَّا يُكره (١) منها أن يقول للسُّلطان: خليفة الله أو نائب الله في أرضه، فإنَّ الخليفة والنَّائب إنَّما يكون عن غائبٍ، والله سبحانه خليفةُ الغائبِ في أهله، ووكيلُ عبدهِ المؤمن (٢). فصل وليحذَرْ كلَّ الحذر من طغيان «أنا» و «لي» و «عندي»، فإنَّ هذه الألفاظ الثَّلاثة ابتُلِي بها إبليس وفرعون وقارونُ، فـ (أنا خيرٌ منه) لإبليس، و (لي ملك مصر) لفرعون، و (إنَّما أوتيته على علمٍ عندي) لقارون. وأحسنُ ما وُضِعَتْ «أنا» في قول العبد: أنا العبد (٣) المذنب، الخَطّاء (٤)، المستغفر، المعترف ونحوه. و «لي» في قوله: لي الذَّنب، ولي الجرمُ، ولي الفقر والمسكنة (٥). و «عندي» في قوله: «اغفِرْ لي جِدِّي وهَزْلي وخطئي وعَمْدي، وكلُّ ذلك عندي» (٦). * * * *

стр. 1380

النسخ المعتمدة في تحقيق هذا الجزء ١ - ف= نسخة القرويين الثانية (مكتوبة في حياة المؤلف) ٢ - م= نسخة دار الكتب المصرية (٧٥٤ هـ)، قوبلت على نسخة المؤلف. ٣ - ق= نسخة القرويين الأولى (٧٦٦ هـ) ٤ - ز= نسخة مكتبة با يزيد في تركيا (٧٦٧ هـ) ٥ - ص= نسخة ابن خاص ترك (تركيا)، قوبلت على أصل مقروء على المؤلف ٦ - ك= نسخة الشيخ محمد عبد الحي الكتاني (٧٧٢ هـ) ٧ - س= نسخة مكتبة مانيسا في تركيا (٧٧٢ هـ) ٨ - ث= نسخة مكتبة أحمد الثالث بتركيا (٧٧٦ هـ) ٩ - ع= نسخة أوقاف بغداد، العراق (٧٩٠ هـ) ١٠ - ج= نسخة عمجه زاده حسين، عليها خط سبط ابن العجمي (ت ٨٤١) ١١ - د= نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق (٨٥٣ هـ) ١٢ - ب= نسخة الرباط بخط الشيخ محمود بن علي الهندي (ت ٨٦٥) ١٣ - ن= النسخة اليمنية بمتحف طوب قابي سراي (١١٥٢ هـ)

стр. 1381

فصل في هديه في الجهاد والغزوات (١) لمَّا كان الجهاد ذِروةَ سنام الإسلام وقُبَّتَه، ومنازِلُ أهله أعلى المنازل في الجنة كما لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة= كان رسول الله ﷺ في الذروة العليا منه، فاستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حقَّ جهاده بالقلب والجَنان، والدعوة والبيان، والسيف والسِّنان (٢)، فكانت ساعاته موقوفةً على الجهاد بقلبه ولسانه ويده، ولهذا كان أرفعَ العالمين ذكرًا وأعظمَهم عند الله قدرًا. وأمَره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه فقال: ﴿(٥٠) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا﴾ [الفرقان: ٥١ - ٥٢]. فهذه سورة مكية أُمِر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن. وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بالحجّة (٣)، وإلا فهُم تحت قهر أهل الإسلام؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]، فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواصِّ الأمة وورثةِ الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ في

стр. 1382

العالم، والمشاركون فيه والمعاوِنون (١) عليه وإن كانوا هم الأقلِّين (٢) عددًا فهم الأعظمون عند الله قدرًا. ولما كان من أفضل الجهاد قولُ الحقِّ مع شدة المُعارِض، مثل أن يَتكلَّم به عند من يَخاف سطوتَه (٣) وأذاه= كان للرسل (٤) ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ من ذلك الحظُّ الأوفر، وكان لنبيِّنا ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ من ذلك أكملُ الجهاد وأتمُّه. ولمّا كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي ﷺ : «المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله (٥)، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (٦) = كان جهاد النفس مقدَّمًا على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له، فإنه ما (٧) لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أُمِرتْ به وتتركَ

стр. 1383

ما نُهِيتْ عنه، ويحارِبْها في الله= لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، وكيف يمكنه جهاد عدوِّه والانتصافُ منه وعدوُّه الذي بين جنبَيه قاهرٌ له متسلِّط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله (١)؟! بل لا يمكنه الخروج إلى عدوِّه حتى يجاهد نفسه على الخروج. فهذان عدوَّان قد امتُحن العبدُ بجهادهما، وبينهما عدوٌّ ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يُثبِّط العبدَ عن جهادهما ويَخْذُله ويَرجُف به، ولا يزال يخيِّل له ما في جهادهما من المشاقِّ وتركِ الحظوظ وفوت اللذَّات والمشتهَيات، ولا يمكنه يجاهد (٢) ذينك العدوَّين إلا بجهاده= كان (٣) جهاده هو الأصلَ لجهادهما، وهو الشيطان؛ قال تعالى: ﴿(٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. والأمر باتخاذه عدوًّا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، فإنه (٤) عدو لا يَفْتُر ولا يَقْصُر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس. فهذه ثلاثة أعداءٍ أُمِر العبدُ بمحاربتها وجهادها، وقد بُلي العبد بمحاربتها في هذه الدار وسُلِّطت عليه امتحانًا من الله له (٥) وابتلاءً،

стр. 1384

وأُعطِي العبد مددًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهاد، وأُعطي أعداؤُه مددًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا، وبُلي أحدُ الفريقين بالآخر وجُعل بعضهم لبعض فتنةً؛ ليبلو أخبارَهم ويَمتحن من يتولَّاه ويتولى رسلَه ممن يتولَّى الشيطانَ وحزبه، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقُوى، وأنزل عليهم كتبه وأرسل إليهم رسله، وأمدهم بملائكته وقال لهم: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]، وأمرهم مِن أمره بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدُوِّه (١)، وأخبرهم أنهم إن امتثلوا ما أمرهم به لم يزالوا منصورين على عدوِّه وعدوِّهم، وأنه إن سُلِّط (٢) عليهم فلِتَرْكهم بعضَ ما أمروا به ومعصيتهم له، ثم لم يُؤْيِسْهم ولم يقنِّطْهم، بل أمرهم أن يستقبلوا أمرهم ويداوُوا جراحهم ويعودوا إلى مناهضة عدوِّهم= يَنصُرْهم عليهم ويُظفِّرهم بهم، وأخبرهم أنه مع المتقين منهم ومع المحسنين ومع الصابرين ومع المؤمنين، وأنه يَدْفَع عن عباده المؤمنين ما لا يَدْفعون عن أنفسهم (٣)، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوهم، ولولا دفاعُه لتخطفهم عدوهم واجتاحهم.

стр. 1385

وهذه المدافعة عنهم بحَسَب إيمانهم وعلى قَدْرِه، فإنْ قويَ الإيمانُ قويت المدافعة، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه. وأَمَرهم أن يجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته. وكما أن حقَّ تقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر= فحق جهاده أن يجاهدَ نفسه ليُسْلِمَ قلبُه ولسانُه وجوارحُه لله (١) وبالله، لا لنفسه ولا بنفسه، ويجاهدَ شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره وارتكاب نهيه، فإنه يعِدُ الأماني ويُمنِّي الغرور، ويَعِد الفقر ويأمر بالفحشاء، وينهى عن الهدى والتقى والعفة والصبر وأخلاق الإيمان كلِّها، فجهاده بتكذيب وعده ومعصية أمره، فينشأ له من هذين الجهادين قوّةٌ وسلطانٌ وعدَّةٌ يجاهِدُ بها أعداءَ الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله لتكون كلمة الله هي العليا. واختلفت عبارات السلف في حقِّ الجهاد (٢): - فقال ابن عباس: هو استفراغ الطاقة فيه، وأن لا يخافَ في الله لومة لائم. - وقال مقاتل: اعملوا لله بالحقِّ (٣) حقَّ عمله، واعبدوه حقَّ عبادته.

стр. 1386

- وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى. ولم يُصِب من قال: إن الآيتين منسوختان لظنِّه أنهما تضمَّنتا (١) الأمرَ بما لا يطاق. وحقُّ تقاته وحقُّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلَّفين في القدرة والعجز والعلم والجهل، فحقُّ التقوى وحقُّ الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل والضعيف شيء. وتأمَّلْ كيف عَقَّب الأمرَ بذلك بقوله: ﴿اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ﴾ [الحج: ٧٨]ــ والحرج: الضيق ــ، بل جعله واسعًا يَسَعُه كلُّ أحدٍ كما جعل رزقَه يسعُ كلَّ حيٍّ، فكلَّف العبد ما (٢) يسعه العبدُ ورزق العبدَ ما يسعُ العبدَ، فهو يسع تكليفَه ويسعه رزقُه، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجهٍ ما؛ قال النبي ﷺ : «بُعثِتُ بالحنيفيَّةِ السَّمْحة» (٣) أي: بالملة، فهي حنيفيَّة في التوحيد سمحة في العمل. وقد وسَّع سبحانه على عباده غايةَ التوسعة في دينه ورزقه وعفوه

стр. 1387

ومغفرته؛ فبسط عليهم التوبة ما دامت الرُّوح في الجسد وفتح لهم بابًا لها لا يغلقه عنهم إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وجعل لكل سيئة كفارةً تكفِّرُها من توبةٍ أو صدقةٍ أو حسنة ماحية أو مصيبة مكفِّرةٍ، وجعل لِكُلِّ ما حرَّم عليهم عوضًا من الحلال أنفعَ لهم منه وأطيبَ وألذَّ يقوم مقامه ليستغني العبدُ عن الحرام ويسعه الحلالُ فلا يَضِيق عنه، وجعل لكل عُسْرٍ يمتحنهم به يُسْرًا قَبْله ويسرًا بعده، فلن يغلب عسرٌ يُسرَين، فإذا كان هذا شأنه مع عباده فكيف يكلِّفهم ما لا يسعهم، فضلًا عمَّا لا يطيقونه ولا يقدرون عليه؟! فصل إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين. فجهاد النفس أربع مراتب أيضًا: أحدها (١): أن يجاهدها على تعلُّم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلْمُه شقيت في الدارين. الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرَّها لم ينفعها. الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه لمن لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه عِلْمُه ولا يُنْجيه من عذاب الله.

стр. 1388

الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاقِّ الدَّعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كلَّه لله. وإذا استكمل هذه المراتبَ الأربع صار من الربَّانيِّين، فإن السلف مُجْمِعون على أن العالم لا يستحق أن يسمَّى ربانيًّا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلِّمَه، فمن عَلِم وعَمِل وعلَّم فذاك يُدْعى عظيمًا في ملكوت السماء (١). فصل وأما جهاد الشيطان فمرتبتان: إحداهما: جهاده على دفع ما يُلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان. والثانية (٢): جهاده على دفع ما يلقي إليه من الإرادات والشهوات. فالجهاد الأول يكون بِعُدَّة اليقين، والثاني بعُدَّة الصَّبر (٣). قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ (٤) أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فأخبر أنَّ إمامة الدين إنما تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهوات والإرادات، واليقين يدفع الشكوك والشبهات.

стр. 1389

فصل وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس. وجهاد الكفار أخصُّ باليد، وجهاد المنافقين أخصُّ (١) باللسان. فصل وأما جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبِدَع فثلاث مراتب، الأولى (٢): باليد إذا قَدَر، فإن عَجَز انتقل إلى اللسان، فإن عَجَز جاهد بقلبه. فهذه ثلاثَ عَشْرةَ (٣) مرتبةً من الجهاد؛ ومن مات ولم يَغْزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق (٤). فصل ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة، ولا الهجرةُ والجهادُ إلا بالإيمان، والراجون رحمةَ الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]. وكما أن الإيمان فرضٌ على كل أحد ففرضٌ (٥) عليه هجرتان في كل

стр. 1390

وقت: هجرةٌ إلى الله بالإخلاص (١) والتوحيد والإنابة والتوكُّل والخوف والرجاء والمحبة والتوبة، وهجرةٌ إلى رسوله بالمتابعة والانقياد لأمره والتصديق لخبره (٢) وتقديمِ أمره وخبره على أمر غيره وخبره؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدُنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (٣). وفرض عليه جهاد نفسه في ذات الله وجهادُ شيطانه، فهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحدٌ عن أحد. وأما جهاد الكفار والمنافقين فقد يكتفى فيه ببعض الأمة إذا حصل منهم مقصوده. فصل وأكمل الخلق عند الله من كمَّل مراتب الجهاد كلَّها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتَهم في مراتب الجهاد. ولهذا كان أكملُ الخلق وأكرمُهم على الله خاتمَ أنبيائه ورسله، فإنه كمَّل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده، وشرع في الجهاد من حين بُعِث إلى أن توفاه الله ، فإنه لما أنزل الله عليه: ﴿رَحِيمٌ (٢٠) يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ١ - ٤] شمَّر عن ساق الدعوة وقام في ذات الله أتمَّ القيام (٤)

стр. 1391

ودعا إلى الله ليلًا ونهارًا وسِرًّا وجهارًا، ولمَّا نزل عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] صَدَع بأمر الله لا تأخذه فيه (١) لومة لائم، فدعا إلى الله الكبيرَ والصغير، والحرَّ والعبد، والذكرَ والأنثى، والأحمرَ والأسود، والجن والإنس. ولمَّا صدع بأمر الله، وصرَّح لقومه بالدعوة، وبادأهم (٢) بسبِّ آلهتهم وعيبِ دينهم= اشتد أذاهم له ولمن استجاب له من أصحابه ونالوهم (٣) بأنواع الأذى. وهذه سنة الله في خلقه، كما قال تعالى: ﴿(٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣]. فعزَّى سبحانه نبيه بذلك وأن له أسوةً بمن تقدمه من المرسلين، وعزَّى أتباعه بقوله: ﴿آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقولِه: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ

стр. 1392

(٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)] (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [العنكبوت: ١ - ١٠] (٢). فليتأمل العبدُ سياقَ هذه الآيات وما تضمنته (٣) من العبر وكنوز الحكم، فإن الناس إذا أُرسِل إليهم الرُّسُل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنَّا، وإما أن لا يقول ذلك بل يستمر على السيئات والكفر (٤)، فمن قال: آمنَّا امتحنه ربُّه وابتلاه وفَتَنه ــ والفتنة: الابتلاء والاختبار ــ ليتبيَّن الصادقُ من الكاذب، ومن لم يقل: آمنَّا فلا يحسب أنه يُعجز الله ويفوته ويسبقه، فإنه إنما يطوي (٥) المراحلَ في يديه.

стр. 1393

وكيف يفرُّ المرء عنه بذنبه ... إذا كان يَطوي في يديه المراحلا (١)؟ (٢) فمن آمن بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذَوه فابتُلي بما يؤلمه، وإن لم يؤمن بهم ولم يُطِعْهم عوقب في الدنيا والآخرة فحصل له ما يؤلمه، وكان هذا المؤلم أعظمَ وأدومَ من ألم اتِّباعهم. فلا بد من حصول الألم لكلِّ نفسٍ آمنت أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمُعْرِض عن الإيمان تحصل له اللذةُ ابتداءً ثم يصير في الألم الدائم. وسئل الشافعي: أيما أفضل للرجل أن يُمكَّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يُمكَّن حتى يبتلى. والله ابتلى أولي العزم من رُسُله، فلما صبروا مكَّنهم، فلا يظنَّ أحد أنه يَخْلُص من الألم البتة، وإنما تفاوَت أهلُ الآلام في العقول (٣)، فأعقلهم من باع ألمًا مستمرًّا عظيمًا بألمٍ منقطع يسير، وأسْفَهُهم (٤) من باع الألمَ المنقطع اليسير بالألم العظيم المستمر.

стр. 1394

فإن قيل: كيف يختار العقل (١) هذا؟ قيل: الحامل له على هذا النَّقْدُ والنسيئة، والنفسُ مُوكَّلة (٢) بالعاجل؛ ﴿كَلَّا بَلْ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَيَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ (٣) [القيامة: ٢٠ - ٢١]، ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]. وهذا يحصل لكل أحد، فإن الإنسان مدنيٌّ بالطبع لا بد له أن يعيش مع الناس (٤)، والناس لهم إرادات وتصوُّرات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب، تارةً منهم وتارةً من غيرهم، كمن عنده دِين وتُقًى حلَّ بين قوم فُجَّار ظَلَمة ولا يتمكنون من فجورهم وظُلْمهم إلا بموافقته لهم أو سكوته عنهم، فإن وافقهم أو سكت عنهم سَلِم من شرِّهم في الابتداء، ثم يتسلَّطون عليه بالإهانة والأذى أضعافَ ما كان يخافه ابتداءً لو أنكر عليهم وخالفهم، وإن سلم منهم فلا بُدَّ أن يُهان ويُعاقَب على يد غيرهم، فالحزمُ كلُّ الحزم في الأخذ بما قالت أم المؤمنين لمعاوية: من أرضى اللهَ بسخط الناس كفاه الله

стр. 1395

مؤنة الناس، ومن أرضى الناسَ بسخط الله لم يُغْنُوا عنه من الله شيئًا (١). ومن تأمل أحوال العالم رأى هذا كثيرًا فيمن يُعين الرؤساءَ على أغراضهم الفاسدة، وفيمن يعين أهلَ البدع على بِدَعهم (٢) هربًا من (٣) عقوبتهم، فمن هداه الله وألهمه رُشْدَه ووقاه شرَّ نفسه امتنع من الموافقة على فعل المحرَّم وصبر على عداوتهم ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، كما كانت الرسلُ (٤) وأتباعُهم كالمهاجرين والأنصار، ومن ابتلي من العلماء والعباد وصالحي الولاة والتجار وغيرِهم. ولما كان الألم لا مَخْلَص (٥) منه البتة عزَّى سبحانه مَن اختار الألم اليسير المنقطع على العظيم المستمر بقوله: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]، فضرب لمدة هذا الألم أجلًا لا بد أن يأتي وهو يوم لقائه، فيلتذُّ العبدُ أعظمَ لذَّةٍ بما تحمَّل من الألم من أجله وفي مرضاته، وتكون لذَّتُه وسروره وابتهاجه بقدرِ ما تحمَّل من الألم في الله ولله.

стр. 1396

وأكد هذا العزاء والتسلية برجاء لقائه (١) ليَحمِل العبدَ اشتياقُه إلى لقاء ربه ووليِّه على تحمُّلِ مشقة الألم العاجل، بل ربما غيَّبه الشوق إلى لقائه عن شهود الألم والإحساس به، ولهذا سأل النبيُّ ﷺ ربَّه الشوقَ إلى لقائه فقال في الدعاء الذي رواه أحمد وابن حبان (٢): «اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيِني إذا كانت الحياةُ خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاةُ خيرًا لي، وأسألك خشيتَك في الغيبِ والشهادة، وأسألك كلمةَ الحقِّ في الغضب والرضى، وأسألك القصدَ في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا يَنْفَد، وأسألك قُرَّةَ عَينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك بردَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوقَ إلى لقائك في غيرِ ضرَّاءَ مُضرَّةٍ ولا فتنةٍ مُضلَّة، اللهم زَيِّنَّا بزينة الإيمان واجعلنا هداةً مهتدين». فالشوق يحمِل المشتاقَ على الجِدِّ في السَّير إلى محبوبه، ويقرِّب عليه الطريق ويطوي له البُعدَ (٣) ويُهوِّن عليه الآلام والمشاقَّ، وهو من أعظم نعمة أنعمها الله (٤) على عبده، ولكن لهذه النعمة أقوالٌ وأعمال هما السبب الذي تُنال به، والله سبحانه سميع لتلك الأقوال، عليم بتلك الأفعال، وهو عليم

стр. 1397

بمن يصلح لهذه النعمة ويشكرها ويعرفُ قدرَها ويحبُّ المنعم عليها (١)، فتَصْلُح (٢) عنده هذه النعمة (٣)، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. فإذا فاتت العبدَ نعمةٌ من نِعَم ربه فليقرأ على نفسه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. ثم عزَّاهم تعالى بعزاءٍ آخر (٤)، وهو أن جهادهم فيه إنما هو لأنفسهم، وثمرته عائدة عليهم، وأنه غني عن العالمين، ومصلحة هذا الجهاد ترجع إليهم لا إليه سبحانه، ثم أخبر أنه يُدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين. ثم أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرةٍ (٥)، وأنه إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس له ــ وهي أذاهم له ونيلهم إياه بالمكروه والألم الذي لا بد أن يناله الرسلُ وأتباعُهم ممن خالفهم ــ، جعل ذلك في فراره منه وتركه

стр. 1398

السببَ الذي ناله به كعذاب الله الذي فر منه المؤمنون بالإيمان. فالمؤمنون لكمال بصيرتهم فرُّوا من ألم عذاب الله إلى الإيمان، وتحمَّلوا ما فيه من الألم الزائل المُفارق عن قُرب (١). وهذا لضعف بصيرته فرَّ من ألمِ عذابِ أعداءِ الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم، ففرَّ من ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله، فجعل ألم فتنةِ الناس في الفرار منه بمنزلة ألم عذاب الله، وغبن كلَّ الغَبْن؛ إذ (٢) استجار من الرمضاء بالنار، وفرَّ من ألم ساعةٍ إلى ألم الأبد. وإذا نصر الله جندَه وأولياءه قال: إني كنت معكم، والله عليم (٣) بما انطوى عليه صدرُه من النفاق. والمقصود: أن الله سبحانه اقتضت حكمته أنه لا بد أن يمتحنَ النفوسَ ويبتليَها، فيظهَر بالامتحان طيِّبُها من خبيثها، ومن يصلح لموالاته وكرامته ومن لا يصلح، وليمحِّص النفوس التي تصلح له ويُخلِّصها بِكِير الامتحان، كالذهب الذي لا يصفُو ويَخْلُص من غشِّه إلا بالامتحان؛ إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة، وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلى السَّبْك والتصفية، فإن خرج في هذه الدار وإلا ففي كِير جهنم، فإذا هُذِّب العبدُ ونُقِّي أُذِن له في دخول الجنة. فصل ولما دعا ﷺ إلى الله استجاب له عبادُ الله من كل قبيلة، فكان

стр. 1399

حائزَ قصبِ سَبْقِهم صدِّيقُ الأمة وأسبقُها إلى الإسلام أبو بكر ﵁، فآزره في دين الله ودعا معه إلى الله على بصيرة، فاستجاب لأبي بكر: عثمانُ بن عفَّان، وطلحةُ بن عبيد الله، وسعدُ بن أبي وقَّاص. وبادر إلى الاستجابة له ﷺ صدِّيقةُ النساء خديجةُ بنت خُوَيلد، وقامت بأعباء الصدِّيقيَّة، وقال لها: «لقد خشيتُ على عقلي (١)»، فقالت: أبشِر، فوالله لا يُخزِيك الله أبدًا، ثم استدلَّتْ بما فيه من الصفات والأخلاق والشِّيَم على أن من كان كذلك لا يَخْزى أبدًا (٢)؛ فعَلِمت بكمال عقلها وفطرتها أن الأعمال الصالحة والأخلاقَ الفاضلةَ والشِّيَم الشريفةَ تُناسِبُ أشكالَها من كرامة الله وتأييده وإحسانه، لا تناسب الخِزْيَ والخِذلان، وإنما يناسبه أضدادُها، فمن ركَّبه الله على أحسن الصفات وأحسن الأخلاق والأعمال إنما يليق به كرامتُه وإتمامُ نعمته عليه، ومن ركَّبه على أقبح الصفات وأسوأ الأخلاق والأعمال إنما يليق به ما يناسبها، وبهذا العقل والصديقية استحقَّتْ أن يُرسِل إليها ربُّها السلامَ منه مع رسولَيه جبريلَ ومحمدٍ ﷺ (٣). فصل وبادر إلى الإسلام علي بن أبي طالب (٤) ابنَ ثمان سنين، وقيل: أكثر من ذلك، وكان في كفالة رسول الله ﷺ ، أخذه من عمِّه إعانةً له في سنةِ مَحْلٍ (٥).

стр. 1400

وبادر زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله ﷺ ، وكان غلامًا لخديجة فوهبَتْه لرسول الله ﷺ لما تزوَّجها، وقَدِم أبوه وعمُّه في فدائه فسألا عن النبي ﷺ فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: يا ابنَ عبد المطلب، يا ابنَ هاشم، يا ابنَ سيِّدِ قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكُّون العاني وتُطعمون الأسير، جئناك في ابننا (١) عندك، فامنُنْ علينا وأحسِنْ إلينا في فدائه، قال: «من هو؟» قالوا: زيد بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ : «فهَّلا غير ذلك؟» قالوا: ما هو؟ قال: «أدعوه فأخيِّرُه، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فواللهِ ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدًا»، قالا: قد زِدتَنا (٢) على النَّصَف وأحسنت، فدعاه فقال: «هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم، قال: «من هذا؟» قال: هذا أبي وهذا عمي، قال: «فأنا مَن قد علمتَ ورأيتَ صحبتي لك، فاختَرْني أو اخترهما»، قال: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكانَ الأب والعمِّ، فقالا: ويحك يا زيد! أتختار العُبودية على الحرية وعلى أبيك وعمِّك وعلى أهل بيتك؟! قال: نعم، قد رأيتُ من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا، فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك أخرجه إلى الحِجر فقال: «أشهدكم أن زيدًا ابني يرثني وأرثه»، فلما رأى ذلك أبوه وعمُّه طابت نفوسهما فانصرفا، ودُعي زيدَ بن محمَّدٍ حتى جاء الله (٣) بالإسلام فنزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فدُعي يومئذ: زيدَ بن حارثة (٤).

стр. 1401

قال معمر في «جامعه» (١) عن الزُّهري: «ما علمنا أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة». وهو الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه أنعم عليه وأنعم عليه رسولُه وسمَّاه باسمه (٢). وأسلم القَسُّ ورقةُ بن نَوفَل وتمنى أن يكون جَذَعًا إذ يُخرِج رسولَ الله ﷺ قومُه (٣). وفي «جامع الترمذي» (٤) أن رسول الله ﷺ رآه في المنام في هيئة حسنة. وفي حديثٍ آخر (٥): أنه رآى عليه ثيابَ بياضٍ.

стр. 1402

ودخل الناس في الدين واحدًا بعد واحدٍ، وقريش لا تنكر ذلك حتى بادأهم بعيب دينهم وسبِّ آلهتهم وأنها لا تضر ولا تنفع، فحينئذٍ شمَّروا له ولأصحابه عن ساق العداوة فحمى الله رسولَه بعمِّه أبي طالب، لأنه كان شريفًا معظَّمًا في قريشٍ، مُطاعًا في أهل مكة، لا يتجاسرون على مكاشفته بشيء من الأذى. وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دينِ قومه لِما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأمَّلها. وأما أصحابه، فمن كان له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته، وسائرُهم تصدَّوا له بالأذى والعذاب، منهم عمَّار بن ياسر وأمُّه وأهلُ بيته عُذِّبوا في الله. وكان رسول الله ﷺ إذا مرَّ بهم وهم يُعذَّبون يقول: «صبرًا يا آل ياسرٍ فإن موعدَكم الجنة» (١). ومنهم بلال بن رباح، فإنه عُذِّب في الله أشدَّ العذاب، فهان على قومه وهانت عليه نفسه في الله، وكان كلَّما اشتد به (٢) العذاب يقول: أحدٌ أحدٌ،

стр. 1403

فيمر به ورقة بن نوفل فيقول: إي والله يا بلال! أحدٌ أحدٌ، أما والله لئن قتلتموه لأتخذنَّه حنانًا (١). فصل ولما اشتد أذى المشركين على من آمن، وفُتِن منهم (٢) من فتن حتى يقولوا لأحدهم: اللَّات (٣) إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجُعَل ليمرُّ بهم فيقولون: وهذا إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم (٤). ومرَّ عدوُّ الله أبو جهل بسُميَّةَ أمِّ عمار بن ياسر ــ وهي تُعذَّب وزوجَها وابنَها ــ فطعنها بحربةٍ في فرجها فقتلها (٥). وكان الصدِّيقُ إذا مرَّ بأحدٍ من العبيد يعذَّب اشتراه منهم وأعتقه، منهم: بلال، وعامر بن فُهَيرة، وأم عُبَيس، وزِنِّيرة، والنَّهْدية، وابنتها، وجاريةٌ لبني عدي (٦) كان عمر يُعذِّبها على الإسلام قبل إسلامه. وقال له أبوه: يا بُنيَّ أراك

стр. 1404

تعتق رقابًا ضعافًا فلو أنك أعتقت قومًا جُلُدًا يمنعونك، فقال له أبو بكر: «إني أريد ما أريد» (١). فلما اشتد البلاء أذن الله سبحانه لهم في الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة. وكان أولُ من هاجر إليها عثمانَ بن عفان، ومعه زوجتُه رقية بنت رسول الله ﷺ ، وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا وأربعَ نسوة: عثمان وامرأته، وأبو حذيفة وامرأته سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة وامرأته أم سلمة، والزبير، [ومصعب بن عمير] (٢)، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمة، وأبو سَبْرة بن أبي رُهم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود (٣). خرجوا متسلِّلين سرًّا فوفَّق الله لهم ساعةَ وصولهم إلى الساحل سفينتَين للتجَّار فحملوهم فيها (٤) إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم في رجبٍ من (٥) السنة الخامسة من المبعث. وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر فلم يدركوا منهم أحدًا.

стр. 1405

ثم بلغهم أن قريشًا قد كفُّوا عن النبي ﷺ فرجعوا، فلما كانوا دون مكة بساعةٍ من نهار بلغهم أن قريشًا أشدُّ ما كانوا عداوةً لرسول الله ﷺ ، فدخل من دخل منهم بجوارٍ. وفي تلك المرة دخل ابنُ مسعودٍ فسلَّم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فلم يردَّ عليه (١)، فتعاظم ذلك على ابن مسعود حتى قال له النبي ﷺ : «إن الله قد أحدث مِن أمره أن لا تَكلَّموا في الصلاة» (٢). هذا هو الصواب، وزعم ابنُ سعد (٣) وجماعة أن ابن مسعود لم يدخل، وأنه رجع إلى الحبشة حتى قدم في المرة الثانية إلى المدينة مع من قدم. ورُدَّ هذا بأن ابن مسعود شهد بدرًا وأَجْهَزَ على أبي جهل (٤)، وأصحابُ هذه الهجرة إنما قدموا المدينة مع جعفرٍ وأصحابه بعد بدر بأربعِ سنين أو خمسٍ (٥). قالوا: فإن قيل: بل هذا الذي ذكره ابن سعد يوافق قولَ زيد بن أرقم: «كنا نقوم في الصلاة فيكلِّم الرجلُ جليسَه حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمِرْنا بالسكوت ونُهِينا عن الكلام» (٦). وزيد بن أرقم من
следующие страницы →