← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فقل: السَّلام عليكم، أَأَدخلُ؟» (١). وفي هذه السُّنن ردٌّ على من قال: يُقدَّم الاستئذان على السَّلام، وردٌّ على من قال: إن وقعتْ عينُه على صاحب المنزل قبل دخوله بدأ بالسَّلام، وإن لم تقع عينُه عليه بدأ بالاستئذان. والقولان مخالفان للسُّنَّة. وكان من هديه إذا استأذن ثلاثًا ولم يُؤذَن له انصرف (٢). وهو ردٌّ على من يقول: إن ظنَّ أنَّهم لم يسمعوا زاد على الثَّلاث، وردٌّ على من قال: يعيده بلفظٍ آخر. والقولان مخالفان للسُّنَّة. فصل ومن هديه أنَّ المستأذن إذا قيل له: من أنت؟ يقول: فلان بن فلانٍ، أو يذكر كنيته أو لقبه، ولا يقول: أنا، كما قال جبريل للملائكة (٣) لمَّا استفتح باب السَّماء فسألوه: من؟ فقال: جبريل. واستمرَّ ذلك في كلِّ سماءٍ سماءٍ (٤). وكذلك في «الصَّحيحين» (٥): لمَّا جلس النبيُّ ﷺ في البستان، وجاء أبو

стр. 1332

بكر فاستأذن، فقال: مَن؟ قال: أبو بكر، ثمَّ جاء عمر فاستأذن فقال: مَن؟ قال: عمر، ثمَّ عثمان كذلك. وفي «الصَّحيحين» (١) عن جابر: أتيتُ النبيَّ ﷺ فدَقَقْتُ الباب (٢)، فقال: «من ذا؟» فقلت: أنا، فقال: «أنا أنا!» كأنَّه كرهها. ولمَّا استأذنتْ أمُّ هانئ، قال لها: «من هذه؟»، قالت: أم هانئ، فلم يكره ذِكرها الكنيةَ (٣). وكذلك لمَّا قال لأبي ذر: «من هذا؟»، قال: أبو ذر (٤). وكذلك لمَّا قال لأبي قتادة: «من هذا؟»، قال: أبو قتادة (٥). فصل وقد روى أبو داود (٦) عنه ﷺ من حديث قتادة (٧)، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: «رسول الرَّجل إلى الرَّجل إذنه». وفي لفظٍ (٨): «إذا دُعِيَ أحدكم

стр. 1333

إلى طعامٍ، ثمَّ جاء مع الرَّسول، فإنَّ ذلك له إذنٌ». وهذا الحديث فيه مقالٌ، قال أبو عليٍّ اللؤلؤي: سمعت أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع. وقال البخاريُّ في «صحيحه» (١): وقال سعيد عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ : «هو إذنه»، فذكره تعليقًا لأجل الانقطاع في إسناده. وذكر البخاريُّ (٢) في هذا الباب حديثًا يدلُّ على اعتبار (٣) الاستئذان بعد الدَّعوة، وهو حديث مجاهد، عن أبي هريرة: دخلت مع النبيِّ ﷺ فوجدتُ لبنًا في قَدَحٍ، فقال: «أبا هِرٍّ الْحَقْ (٤) أهل الصُّفَّة فادْعُهم إليَّ»، قال: فأتيتُهم فدعوتُهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم فدخلوا. وقد قالت طائفةٌ: بأنَّ الحديثين على حالين، فإن جاء الدَّاعي على الفور من غير تراخٍ لم يحتج إلى استئذانٍ، وإن تراخى مجيئه عن الدَّعوة وطال الوقت احتاج إلى استئذانٍ. وقال آخرون: إن كان عند الدَّاعي من قد أذن له قبل مجيء المدعوِّ لم يحتج إلى استئذانٍ (٥) آخر، وإن لم يكن عنده من قد أذن له لم يدخل حتَّى يستأذن.

стр. 1334

وكان ﷺ إذا دخل إلى مكانٍ يحبُّ الانفراد فيه أمرَ من يمسك الباب، فلا يدخل عليه أحدٌ إلا بإذنٍ (١). فصل وأمَّا الاستئذان الذي أمر الله به المماليكَ ومن لم يبلغ الحُلُم في العورات الثَّلاث: قبل الفجر، ووقتَ الظَّهيرة، وعند النَّوم، فكان ابن عبَّاسٍ يأمر به، ويقول: ترك النَّاس العملَ به= فقالت طائفةٌ (٢): الآية منسوخةٌ. ولم تأت بحجَّةٍ. وقالت طائفةٌ: أمر نَدْبٍ وإرشادٍ، لا حَتْمٍ وإيجابٍ، وليس معها ما يدلُّ على صرف الأمر عن ظاهره. وقالت طائفةٌ: المأمور بذلك النِّساء خاصَّةً، وأمَّا الرِّجال فيستأذنون (٣) في جميع الأوقات. وهذا ظاهر البطلان، فإنَّ جمع «الذين» لا يختصُّ المؤنَّثَ، وإن جاز إطلاقه عليهنَّ مع الذُّكور تغليبًا. وقالت طائفةٌ عكس هذا: إنَّ المأمور بذلك الرِّجال دون النِّساء، نظرًا إلى لفظ «الذين» في الموضعين. ولكن سياق الآية يأباه، فتأمَّلْه.

стр. 1335

وقالت طائفةٌ: كان الأمر بالاستئذان ذلك (١) الوقتَ للحاجة، ثمَّ زالت، والحكم إذا ثبت بعلَّةٍ زال (٢) بزوالها، فروى أبو داود في «سننه» (٣) أنَّ نفرًا من أهل العراق قالوا لابن عبَّاسٍ: يا أبا عبَّاسٍ (٤)! كيف ترى هذه الآية الَّتي أمرنا فيها بما أمرنا، ولا يعمل بها أحدٌ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية [النُّور: ٥٨]. فقال ابن عبَّاسٍ: إنَّ الله حكيمٌ رحيمٌ بالمؤمنين، يحبُّ السِّتر، وكان النَّاس ليس لبيوتهم ستورٌ ولا حِجالٌ، فربَّما دخل الخادم أو الولد (٥) أو يتيمة الرَّجل، والرَّجل على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالسُّتور والخير، فلم أرَ أحدًا يعمل بذلك بعدُ. وقد أنكر بعضهم ثبوت هذا عن ابن عبَّاسٍ، وطعن في عكرمة، ولم يصنع شيئًا. وطعن في عمرو بن أبي (٦) عمرٍو (٧)، وقد احتجَّ به صاحبا الصَّحيح، فإنكار هذا تعنُّتٌ واستبعادٌ لا وجهَ له. وقالت طائفةٌ: الآية محكمةٌ عامَّةٌ لا معارضَ لها ولا دافعَ، والعمل بها

стр. 1336

واجبٌ وإن تركه أكثر النَّاس. والصَّحيح: أنَّه (١) إن كان هناك ما يقوم مقامَ الاستئذان: من فتْحِ بابٍ فتحُه دليلٌ على الدُّخول، أو رَفْعِ سترٍ، أو تردُّدِ الدَّاخلِ والخارج ونحوه= أغنى ذلك عن الاستئذان، وإن لم يكن ما يقوم مقامه فلا بدَّ منه. والحكم معلَّلٌ (٢) بعلَّةٍ قد (٣) أشارت إليها الآية، فإذا وُجِدت وُجِد الحكم، وإذا انتفتْ انتفى، والله أعلم. فصل في هديه في أذكار العُطاس ثبت عنه أنّ الله يحبُّ العطاس، ويكره التَّثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمِدَ اللَّه، كان حقًّا على كلِّ مسلمٍ سمعه أن يقول له (٤): يرحمك اللَّه. وأمَّا التَّثاؤب فإنَّما هو من الشَّيطان، فإذا تثاءبَ أحدكم فليردَّه ما استطاع، فإنَّ أحدكم إذا تثاءب ضحك الشَّيطان. ذكره البخاريُّ (٥). وثبت عنه في «صحيحه» (٦) أيضًا: «إذا عَطَسَ أحدكم فليقلْ: الحمد للَّه، وليقلْ له أخوه أو صاحبه: يرحمك اللَّه، فإذا قال له: يرحمك اللَّه، فليقلْ:

стр. 1337

يهديكم الله ويُصلِحُ بالكم». وفي «الصَّحيحين» (١) أنَّه عطسَ عنده رجلان، فشَمَّت أحدَهما، ولم يُشمِّت الآخرَ، فقال الذي لم يُشمِّته: عطسَ فلانٌ فشَمَّتَّه، وعطستُ فلم تُشمِّتني، فقال: «هذا حَمِدَ اللَّه، وأنت (٢) لم تحمد اللَّه». وثبت عنه في «صحيح مسلم» (٣): «إذا عطسَ أحدكم فحَمِدَ الله فشَمِّتوه، فإن لم يحمد اللَّه فلا تُشمِّتوه». وثبت عنه في «صحيحه» (٤): «حقُّ المسلم على المسلم ستٌّ: إذا لقيتَه فسلِّمْ عليه، وإذا دعاك فأجِبْه، وإذا استنصحك فانصَحْ له، وإذا عطَسَ فحمِدَ اللَّه فشَمِّتْه، [وإذا مرِضَ فعُدْه] (٥)، وإذا مات فاتبِعْه». وروى أبو داود (٦) عنه بإسنادٍ صحيحٍ: «إذا عطسَ أحدكم فليقلْ: الحمد لله (٧) على كلِّ حالٍ، وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك اللَّه، ويقول هو: يهديكم الله ويُصلِح بالكم».

стр. 1338

وروى الترمذي (١) أنَّ رجلًا عطَسَ عند ابن عمر، فقال: الحمد لله والسَّلام على رسول اللَّه، فقال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله والسَّلام على رسول الله، وليس هكذا علَّمنا رسول الله ﷺ ، ولكنْ (٢) عَلَّمنا أن نقول: «الحمد لله على كلِّ حالٍ». وذكر مالك (٣) عن نافع، عن ابن عمر: إذا عطَسَ (٤) فقيل (٥) له: يرحمك اللَّه، فيقول: يرحمنا الله وإيَّاكم، ويغفر لنا ولكم. وظاهرُ الحديث المبدوء به: أنَّ التَّشميت فرض عينٍ على كلِّ من سمع العاطس يحمد اللَّه، ولا يُجزِئ تشميتُ الواحد عنهم، وهذا أحد قولي العلماء، اختاره ابن أبي زيد وابن العربيِّ المالكي (٦)، ولا دافعَ له. وقد روى أبو داود (٧) أنَّ رجلًا عطسَ عند النبيِّ ﷺ فقال: السَّلام عليكم، فقال رسول الله ﷺ : «وعليك السَّلام وعلى أمِّك»، ثمَّ قال: «إذا عطس أحدكم فلْيحمدِ الله»، قال: فذكر بعض المحامد، «وليقلْ له مَن عنده:

стр. 1339

يرحمك اللَّه، وليردَّ ــ يعني عليهم ــ: يغفر الله لنا ولكم». وفي السَّلام على أمِّ هذا المسلِّم نكتةٌ لطيفةٌ، وهي إشعاره بأنَّ سلامه قد وقع في غير موقعه اللَّائق به، كما وقع هذا السَّلام على أمِّه، فكما أنَّ هذا سلامٌ في غير موضعه فهكذا سلامه هو. ونكتةٌ أخرى ألطفُ منها، وهي تذكيره بأمِّه ونَسَبُه له إليها، وكأنَّه أمِّيٌّ محضٌ، منسوبٌ إلى الأمِّ، باقٍ على تربيتها، لم تُرَبِّه الرِّجال، وهذا أحد الأقوال في «الأمِّيِّ»، أنَّه الباقي على نسبته إلى أمِّه. وأمَّا النبيُّ الأمِّيُّ، فهو الذي لا يُحسن الكتابة ولا يقرأ الكتاب. وأمَّا الأمِّيُّ الذي لا تصحُّ الصَّلاة خلفه، فهو الذي لا يصحِّح الفاتحة، ولو كان عالمًا بعلومٍ كثيرةٍ. ونظير ذكر الأمِّ هاهنا ذِكْرُ هَنِ الأب لمن تعزَّى بعزاء الجاهليَّة (١)، فيقال له: اعْضَضْ هَنَ أبيك، وكان ذِكرُ الأب هاهنا أحسنَ تذكيرًا لهذا المتكبِّر بدعوى الجاهليَّة بالعضو الذي خرج منه، وهو هَنُ أبيه، فلا ينبغي له أن يتعدَّى طوره، كما أنَّ ذِكْر الأمِّ هاهنا أحسنُ تذكيرًا له بأنَّه باقٍ على أمِّيَّته. والله أعلم بمراد رسوله. ولمَّا كان العاطس قد حصلَ له بالعطاس نعمةٌ ومنفعةٌ بخروج الأبخرة المُحْتقِنة (٢) في دماغه الَّتي لو بقيتْ فيه أحدثتْ فيه أدواءً عسرةً، شُرِعَ له

стр. 1340

حمد الله على هذه النِّعمة مع بقاء أعضائه (١) على التئامها وهيئتها بعد هذه الزَّلزلة الَّتي هي للبدن كزلزلة الأرض لها (٢)، ولهذا يقال: شَمَّتَه (٣) بالشين والسين. فقيل: هما بمعنًى واحدٍ، قاله أبو عُبيد (٤) وغيره. قال: وكلُّ داعٍ بخيرٍ، فهو مشمِّتٌ ومسمِّتٌ. وقيل: بالمهملة دعاءٌ له بحسن السَّمت، وعَودِه (٥) إلى حالته من السُّكون والدَّعة، فإنَّ العُطاس يُحدِث في الأعضاء حركةً وانزعاجًا. وبالمعجمة: دعاءٌ له بأن يَصرف الله عنه ما يشمِّت به أعداءه، فشمَّتَه: إذا أزال عنه الشَّماتة، كقرَّد البعيرَ: إذا أزال قُرادَه عنه (٦). وقيل: هو دعاءٌ له بثباته على قوائمه في طاعة اللَّه، مأخوذٌ من الشَّوامت وهي القوائم. وقيل: هو تشميتٌ له بالشَّيطان، لإغاظته بحمد الله له (٧) على نعمة العطاس، وما حصل به من مَحابِّ اللَّه، فإنَّ الله يحبُّه، فإذا ذكر العبد الله

стр. 1341

وحمِدَه ساء ذلك الشَّيطانَ من وجوهٍ: منها: نفس العطاس الذي يحبُّه اللَّه (١)، وحَمْدُ الله عليه، ودعاء المسلمين له بالرَّحمة، ودعاؤه لهم بالهداية وإصلاحِ البال، وذلك كلُّه غائظٌ (٢) للشَّيطان، مُحزِنٌ له، فيُشَمَّتُ المؤمن بغيظِ عدوِّه وحزنه (٣) وكآبته، فسمِّي الدُّعاء له بالرَّحمة تشميتًا (٤)، لما في ضمنه من شماتته بعدوِّه. وهذا معنًى لطيفٌ إذا تنبَّه له العاطس والمشمِّت انتفعا به، وعظُمتْ عندهما منفعة العطاس في البدن والقلب، وتبيَّن السِّرُّ في محبَّة الله له، فللَّه الحمد الذي هو أهله كما ينبغي لكريم (٥) وجهه وعزِّ جلاله. فصل وكان من هديه ﷺ في العُطاس ما ذكره أبو داود (٦) عن أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ إذا عطَسَ وضعَ يده أو ثوبه على فيه، وخَفضَ (٧) أو غَضَّ بها صوتَه. قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ.

стр. 1342

ويُذكر عنه ﷺ : «إنَّ التَّثاؤب الرفيع (١) والعَطْسَة الشَّديدة من الشَّيطان» (٢). ويُذكر عنه: «إنَّ الله يكره رفْعَ الصَّوت بالتَّثاؤب والعطاس» (٣). وصحَّ عنه أنَّه عطسَ عنده رجلٌ فقال له: «يرحمك الله»، ثمَّ عطسَ أخرى، فقال: «الرَّجل مزكومٌ». هذا لفظ مسلم (٤) أنَّه قاله في المرَّة الثَّانية، وأمَّا الترمذي (٥) فقال فيه عن سلمة (٦): عطسَ رجلٌ عند رسول الله ﷺ وأنا شاهدٌ، فقال رسول الله ﷺ : «يرحمك الله»، ثمَّ عطس الثَّانية والثَّالثة (٧)، فقال رسول الله ﷺ (٨): «هذا رجلٌ مزكومٌ». قال (٩): هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

стр. 1343

وقد روى أبو داود (١) عن سعيد بن أبي سعيدٍ عن أبي هريرة موقوفًا عليه: شَمِّتْ أخاك ثلاثًا، فما زاد فهو زكامٌ (٢). وفي روايةٍ عن سعيد (٣)، قال: لا أعلمه إلا أنَّه رفع الحديث إلى النبيِّ ﷺ بمعناه. قال أبو داود (٤): رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمَّد بن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . انتهى. وموسى بن قيس هذا الذي رفعه يُعرف بعصفور الجنة كوفي. قال يحيى بن معينٍ: ثقةٌ. وقال أبو حاتمٍ الرازيُّ: لا بأس به (٥). وذكر أبو داود (٦) عن عُبيد بن رِفاعة الزُّرقي، عن النبيِّ ﷺ قال: «تُشَمِّت (٧) العاطسَ ثلاثًا، فإن شئتَ فشَمِّتْه، وإن شئتَ فكُفَّ». ولكنْ له علَّتان، إحداهما: إرساله، فإنَّ عبيدًا هذا ليست له صحبةٌ. والثَّانية: أنَّ فيه يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وقد تُكلِّم فيه (٨).

стр. 1344

وفي الباب حديثٌ آخر عن أبي هريرة يرفعه: «إذا عطسَ أحدُكم فلْيُشَمِّتْه جليسُه، وإن زاد على الثَّلاث (١) فهو مزكومٌ، ولا تشمِّته بعد الثَّلاث (٢)». وهذا الحديث هو حديث أبي داود (٣) الذي قال فيه: رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمَّد بن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة. وهو حديثٌ حسنٌ. فإن قيل: فإذا كان الذي به زكامٌ، فهو أولى أن يُدعى له ممَّن لا علَّة به؟ قيل له: يُدعى له كما يُدعى للمريض ومن به داءٌ ووجعٌ. وأمَّا سنَّة العطاس الذي يحبُّه اللَّه، وهو نعمةٌ، ويدلُّ على خفَّة البدن وخروجِ الأبخرة المحتقنة= فإنَّما يكون إلى تمام الثَّلاث (٤)، وما زاد عليها يُدعى لصاحبه بالعافية. وقوله في هذا (٥) الحديث: «الرَّجل مزكومٌ» تنبيهٌ على الدُّعاء له بالعافية؛ لأنَّ الزُّكمة علَّةٌ، وفيه اعتذارٌ من ترك تشميته بعد الثَّلاث، وفيه تنبيهٌ على هذه العلَّة ليتداركها، ولا يُهمِلها فيصعب أمرها، فكلامه ﷺ كلُّه حكمةٌ ورحمةٌ وعلمٌ وهدًى. وقد اختلف النَّاس هاهنا في مسألتين:

стр. 1345

إحداهما: أنَّ العاطس إذا حمد الله فسمعه بعض الحاضرين دون بعضٍ، هل يُسَنُّ لمن لم يسمعه تشميتُه؟ فيه قولان، والأظهر: أنَّه يُشمِّته إذا تحقَّق أنَّه حمد اللَّه، وليس المقصود سماع المشمِّت للحمد، وإنَّما المقصود نفسُ حمْدِه، فمتى تحقَّق ترتَّب عليه التَّشميت، كما لو كان المشمِّت أخرسَ ورأى حركة شفتيه بالحمد، والنبيُّ ﷺ قال: «فإن حمِدَ الله فشَمِّتوه». فهذا هو الصَّواب. الثَّانية: إذا ترك الحمدَ فهل يُستحبُّ لمن حضره أن يُذكِّره الحمد؟ قال ابن العربي: لا يذكِّره، قال: وهذا جهلٌ من فاعله. وقال النووي (١): أخطأ من زعم ذلك، بل يذكِّره، وهو مرويٌّ عن إبراهيم النَّخعيِّ. قال: وهو من باب النَّصيحة، والأمر بالمعروف، والتَّعاون على البرِّ والتَّقوى. وظاهر السُّنَّة يقوِّي قول ابن العربي، لأنَّ (٢) النبيَّ ﷺ لم يشمِّت الذي لم يحمد اللَّه، ولم يذكِّره، وهذا تعزيرٌ له، وحرمانٌ لبركة (٣) الدُّعاء لمَّا حَرَمَ نفسَه بركةَ الحمد، فنسي اللَّه، فصرف قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته والدُّعاء له، ولو كان تذكيره سنَّةً لكان النبيُّ ﷺ أولى بفعلها وتعليمها والإعانة عليها. فصل وصحَّ عنه ﷺ أنَّ اليهود كانوا يتعاطسون عنده، يرجون أن يقول لهم: يرحمكم اللَّه، فيقول: «يهديكم الله ويصلح بالكم» (٤).

стр. 1346

فصل في هديه في أذكار السَّفر وآدابه صحَّ عنه أنَّه قال: «إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركعْ ركعتين من غير الفريضة، ثمَّ ليقلْ: اللَّهمَّ إنِّي أستخيرُك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك (١)، فإنَّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب. اللَّهمَّ إن كنت تعلم هذا (٢) الأمر خيرًا لي في ديني ومعاشي، وعاجلِ أمري وآجلِه، فاقدُرْه لي، ويَسِّرْه لي، وبارِكْ لي فيه، وإن كنت تعلمه شرًّا لي في ديني ومعاشي، وعاجلِ أمري وآجلِه، فاصرِفْه عنِّي، واصرِفْني عنه، واقدُرْ لي الخير حيث كان، ثمَّ رَضِّني به (٣). ويسمِّي حاجته». رواه البخاريُّ (٤). فعوَّض رسول الله ﷺ أمَّته بهذا الدُّعاء، عمَّا كان عليه أهل (٥) الجاهليَّة من زجر الطَّير والاستقسام بالأزلام، الذي نظيره هذه القرعة الَّتي يفعلها إخوان المشركين، يطلبون بها علمَ ما قُسِم لهم في الغيب، ولهذا سُمِّي ذلك استقسامًا، وهو استفعالٌ من القَسْم، والسِّين فيه للطَّلب. وعوَّضهم بهذا الدُّعاء الذي هو توحيدٌ وافتقارٌ، وعبوديَّةٌ وتوكُّلٌ، وسؤالٌ لمن بيده الخير

стр. 1347

كلُّه (١)، الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يَصرِف السَّيِّئاتِ إلا هو، الذي إذا فتح لعبده رحمةً لم يستطع أحدٌ حَبْسَها عنه، وإذا أمسكها لم يستطع أحدٌ إرسالَها إليه عن التَّطيُّر والتَّنجيم واختيار (٢) الطَّالع ونحوه. فهذا الدُّعاء هو الطَّالع الميمون السَّعيد، طالع أهل السَّعادة والتَّوفيق، الذين سبقَتْ لهم من الله الحسنى، لا طالع أهل (٣) الشِّرك والشَّقاء والخذلان، الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر، فسوف يعلمون. فتضمَّن هذا الدُّعاء (٤) الإقرارَ بوجوده سبحانه، والإقرار بصفات كماله من كمال العلم والقدرة والإرادة، والإقرار بربوبيَّته، وتفويض الأمر إليه، والاستعانة به، والتَّوكُّل عليه، والخروج من عهدة نفسه، والتَّبرِّي من الحول والقوَّة إلا به، واعتراف العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه وقدرته عليها وإرادته لها، وأنَّ ذلك كلَّه بيد وليِّه وفاطره وإلهه الحقِّ. وفي «مسند الإمام أحمد» (٥) من حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ من سعادة ابن آدم استخارة الله ورضاه بما قضى اللَّه، وإن من شقاوة ابن آدم ترْكَ استخارة اللَّه، وسَخَطَه بما قضى اللَّه». فتأمَّلْ كيف وقع المقدور مكتنفًا بأمرين: التَّوكُّل الذي هو مضمون

стр. 1348

الاستخارة قبله، والرِّضى بما يقضي الله له بعده، وهما عنوان السَّعادة. وعنوانُ الشَّقاء أن يكتنفه تركُ التَّوكُّل والاستخارةِ قبله، والسَّخطُ بعده. فالتَّوكُّل قبل القضاء، فإذا أُبرِم القضاء وتمَّ انتقلت العبوديَّة إلى الرِّضى بعده، كما في «المسند» والنَّسائيِّ (١) في الدُّعاء المشهور: «وأسألك الرِّضى بعد القضاء». وهذا أبلغ من الرِّضى بالقضاء، فإنَّه قد يكون عزمًا، فإذا وقع القضاء تنحلُّ العزيمة، وإذا حصل الرِّضى (٢) بعد القضاء كان حالًا أو مقامًا. والمقصود أنَّ الاستخارة توكُّلٌ على الله، وتفويضٌ إليه، واستقسامٌ بقدرته وعلمه (٣) وحسنِ اختياره لعبده، وهي من لوازم الرِّضى به ربًّا (٤)، الذي لا يذوق طعمَ الإسلام من لم يكن كذلك، فإن رضيَ بالمقدور بعدها فذلك علامة سعادته. وذكر البيهقي (٥) وغيره عن أنس قال: لم يُرِد رسول الله ﷺ سفرًا قطُّ إلا قال حين ينهض من جلوسه: «اللَّهمَّ بك انتشرتُ، وإليك توجَّهتُ (٦)، وبك اعتصمتُ، وعليك توكَّلتُ. اللَّهمَّ أنت ثقتي، وأنت رجائي. اللَّهمَّ

стр. 1349

اكْفِني ما أهمَّني، وما لا أهتمُّ له، وما أنت أعلم به منِّي (١). عزَّ جارك، وجلَّ ثناؤك، ولا إله غيرك. اللَّهمَّ زَوِّدْني التَّقوى، واغفِرْ لي ذنبي، ووَجِّهْني للخير أينما توجَّهتُ». ثمَّ يخرج. فصل وكان إذا ركب راحلته كبَّر ثلاثًا، ثمَّ قال: «سبحان الذي سَخَّر لنا هذا، وما كنَّا له مُقرِنين، وإنَّا إلى ربِّنا لمنقلبون». ثمَّ يقول: «اللَّهمَّ إنِّي أسألك في سفري هذا البرَّ والتَّقوى، ومن العمل ما ترضى. اللَّهمَّ هَوِّنْ علينا السَّفَر، واطْوِ عنَّا البعيدَ (٢). اللَّهمَّ أنت الصَّاحب في السَّفر، والخليفة في الأهل. اللَّهمَّ اصْحَبْنا في سفرنا، واخْلُفْنا في أهلنا». وكان إذا رجع قال: «آئبون تائبون إن شاء الله، عابدون لربِّنا حامدون» (٣). وذكر أحمد (٤) عنه أنَّه كان يقول: «اللهمَّ أنت الصَّاحبُ في السَّفر، والخليفةُ في الأهل، اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من الضِّبْنَة (٥) في السَّفر، والكآبة في

стр. 1350

المنقلَب، اللَّهمَّ اقبِضْ لنا الأرض، وهوِّنْ علينا السَّفر». وإذا أراد الرُّجوع قال: «تائبون عابدون، لربِّنا حامدون». وإذا دخل البلد (١) قال: «تَوبًا تَوبًا، لربِّنا أوبًا، لا يغادر علينا حَوْبًا». وفي «صحيح مسلم» (٢): أنَّه كان إذا سافر قال: «اللَّهمَّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. اللهمَّ اصْحَبْنا في سفرنا واخلُفْنا في أهلنا (٣). اللهم إنِّي أعوذ بك من وَعْثَاء السَّفر، وكآبةِ المنقلَب، ومن الحَور بعد الكَور، ومن دعوة المظلوم، ومن سوء المنظر في الأهل والمال». فصل وكان إذا وضع رِجلَه في الرِّكاب لركوب دابَّته قال: «بسم الله»، فإذا استوى على ظهرها، قال: «الحمد لله»، ثمَّ يقول: «سبحانَ الذي سخَّر لنا هذا، وما كنَّا له مُقرِنين، وإنَّا إلى ربِّنا لمنقلبون»، ثمَّ يقول: «الحمد لله الحمد لله الحمد لله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر»، ثمَّ يقول: «سبحان الله سبحان الله سبحان الله»، ثمَّ يقول: «لا إله إلا أنت، سبحانك (٤) إنِّي ظلمتُ نفسي، فاغفِرْ لي، إنَّه لا يغفر الذُّنوب إلا أنت» (٥).

стр. 1351

وكان إذا ودَّع أصحابه في السَّفر يقول لأحدهم: «أستودِعُ الله دينَك وأمانَتك وخواتيمَ عملِك» (١). وجاء إليه رجلٌ فقال: يا رسول اللَّه، إنِّي أريد سفرًا، فزَوِّدْني. فقال: «زوَّدك الله التَّقوى». قال: زِدْني. قال: «وغفرَ لك ذنبك». قال: زِدْني. قال: «ويسَّرَ لك الخيرَ حيثُما كنتَ (٢)» (٣). وقال له رجلٌ: إنِّي أريد سفرًا، فقال: «أوصيك بتقوى اللَّه، والتَّكبير على كلِّ شَرَفٍ»، فلمَّا ولَّى قال: «اللَّهمَّ ازْوِ له الأرضَ، وهَوِّنْ عليه السَّفر» (٤). وكان النبيُّ ﷺ وأصحابه إذا عَلَوا الثَّنايا كبَّروا، وإذا هبطوا سبَّحوا،

стр. 1352

فوضعت الصَّلاة على ذلك (١). وقال أنس: كان النبيُّ ﷺ إذا علا شَرَفًا من الأرض أو نَشَزًا قال: «اللَّهمَّ لك الشَّرف على كلِّ شرفٍ، ولك الحمد على كلِّ حال (٢)» (٣). وكان سيره في حجِّه العَنَق، فإذا وجد فَجْوةً رفع السَّير فوق ذلك، وكان يقول: «لا تَصْحَبُ الملائكة رُفْقةً فيها كلبٌ ولا جرسٌ» (٤). وكان يكره للمسافر وحده أن يسير باللَّيل فقال: «لو يعلم النَّاس ما في الوحدة ما سار أحدٌ وحدَه بليلٍ» (٥). بل كان يكره السَّفر للواحد بلا رفقةٍ، وأخبر: «أنَّ الواحد شيطانٌ، والاثنان شيطانان، والثَّلاثة ركبٌ» (٦).

стр. 1353

وكان يقول: «إذا نزلَ أحدكم منزلًا فليقلْ: أعوذ بكلماتِ الله التَّامَّاتِ من شرِّ ما خلق، فإنَّه لا يضرُّه شيءٌ حتَّى يرتحل منه» (١). ولفظ مسلم (٢): «من نزل منزلًا ثمَّ قال: أعوذ بكلمات الله التَّامَّاتِ من شرِّ ما خلق، لم يضرَّه شيءٌ حتَّى يرتحل من منزله ذلك». وذكر أحمد (٣) عنه أنَّه كان إذا غزا أو سافر فأدركه اللَّيل قال: «يا أرضُ، ربِّي وربُّك اللَّه، أعوذ بالله من شرِّك وشرِّ ما فيك، وشرِّ ما خُلِقَ فيك، وشرِّ ما دَبَّ عليك، أعوذ بالله من شرِّ كلِّ أَسَدٍ وأَسْوَد، وحيَّةٍ وعقربٍ، ومن شرِّ ساكن البلد، ومن شرِّ والدٍ وما ولد». وكان يقول: «إذا سافرتم في الخِصْب فأَعطُوا الإبل حظَّها من الأرض، وإذا سافرتم في السَّنة فبادِرُوا نِقْيَها». وفي لفظٍ: «فأَسرِعوا عليها السَّير، وإذا عَرَّستم فاجتنبوا الطُّرق (٤)، فإنَّها طُرق الدَّوابِّ ومأوى الهَوامِّ باللَّيل» (٥). وكان إذا رأى قريةً يريد دخولها قال حين يراها: «اللَّهمَّ ربَّ السَّماوات السَّبعِ وما أَظللنَ، وربَّ الأرضينَ السَّبعِ وما أَقللن، وربَّ الشَّياطين وما أضللن، وربَّ الرِّياحِ (٦) وما ذَرَينَ، فإنَّا نسألك خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها،

стр. 1354

ونعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما فيها» (١). وكان إذا بدا له الفجر في السَّفر قال: «سمِعَ سامعٌ بحمد الله ونعمتِه (٢) وحُسنِ بلائه علينا، ربَّنا صاحِبْنا فأَفضِلْ علينا، عائذٌ (٣) بالله من النَّار» يقول ذلك ثلاث مرات، ويرفع بها صوته (٤) (٥). وكان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوِّ مخافةَ أن يناله العدوُّ (٦). وكان ينهى المرأة أن تسافر بغير مَحْرمٍ (٧)، ولو مسافةَ بَرِيدٍ (٨).

стр. 1355

وكان يأمر المسافر إذا قضى نَهْمَتَه من سفره، أن يُعجِّل (١) إلى أهله (٢). وكان إذا قَفَلَ من سفره يكبِّر على كلِّ شَرَفٍ من الأرض ثلاثَ تكبيراتٍ، ثمَّ يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، آئبون تائبون، عابدون، لربِّنا حامدون، صدق الله وعْدَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه» (٣). وكان ينهى أن يَطْرُقَ الرَّجلُ أهلَه ليلًا إذا طالتْ غَيبتُه عنهم (٤). وفي «الصَّحيحين» (٥): كان لا يَطْرُق أهلَه ليلًا، يدخلُ عليهنَّ (٦) غدوةً أو عَشيَّةً. وكان إذا قَدِمَ من سفرٍ تُلُقِّي (٧) بالولدان من أهل بيته. قال عبد الله بن جعفر: وإنَّه قَدِمَ مرَّةً من سفرٍ، فسُبِقَ بي إليه، فحملني بين يديه، ثمَّ جِيءَ بأحد (٨) ابنَي فاطمة، إمَّا حسن وإمَّا حسين، فأردفه خلفه. قال: فدخلنا

стр. 1356

المدينةَ ثلاثةً على دابَّةٍ (١). وكان يعتنق القادمَ من سفره، ويُقبِّله إذا كان من أهله. قال الزُّهريُّ عن عروة، عن عائشة: قدِمَ زيد بن حارثة المدينةَ ورسول الله ﷺ في بيتي، فأتاه فقَرعَ البابَ، فقام إليه رسول الله ﷺ عريانًا يَجُرُّ ثوبه، والله ما رأيته عريانًا قبله ولا بعده، فاعتنقه وقبَّله (٢). وقالت عائشة: لمَّا قدِمَ جعفر وأصحابه تلقَّاه النبيُّ ﷺ ، فقبَّل ما (٣) بين عينيه واعتنقه (٤). قال الشَّعبيُّ: وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا قَدِموا من سفرٍ تعانقوا (٥). وكان إذا قدِمَ من سفرٍ بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين (٦).

стр. 1357

فصل في هديه في أذكار النكاح ثبت عنه ﷺ أنَّه علَّمهم خطبة الحاجة: «الحمد لله (١)، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ــ وفي لفظ (٢): وسيِّئات أعمالنا ــ، من يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله». ثمَّ يقرأ الثَّلاثَ آيات (٣): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ الآية (٤) [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ إلى قوله (٥): ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٦). قال شعبة: قلت لأبي إسحاق: هذه في خطبة النِّكاح أو في غيرها؟ قال:

стр. 1358

في كلِّ حاجةٍ (١). وقال: «إذا أفاد أحدكم امرأةً أو خادمًا أو دابَّةً فليأخذ بناصيتها، ولْيدعُ الله بالبركة، ولْيُسَمِّ (٢) الله ، وليقُلْ: اللَّهمَّ إنِّي أسألك خيرَها وخيرَ ما جُبِلَتْ عليه، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما جُبِلَتْ عليه» (٣). وكان يقول للمتزوِّج: «باركَ الله لك وباركَ عليك، وجمعَ بينكم (٤) في خيرٍ» (٥). وقال: «لو أنَّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهلَه قال: بسم الله، اللَّهمَّ جَنِّبْنا الشَّيطانَ وجنِّبِ الشَّيطانَ ما رزقتنا، فإنَّه إن يُقدَّر بينهما ولدٌ في ذلك لم يضرَّه شيطانٌ (٦) أبدًا» (٧).

стр. 1359

فصل في هديه فيما يقول مَن رأى ما يُعجبه من أهله وماله يُذكَر عن أنس عنه (١): «ما أنعمَ الله على عبد نعمةً في أهلٍ ولا مالٍ أو ولدٍ (٢)، فيقول: ما شاء اللَّه، لا قوَّة إلا باللَّه، فيرى فيه آفةً دون الموت، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]» (٣). فصل فيما يقوله مَن رأى مُبتلًى صحَّ عنه أنَّه قال: «ما من رجلٍ رأى مُبتلًى فقال: الحمد لله الذي عافاني ممَّا ابتلاك به، وفضَّلني على كثيرٍ ممَّن خلق تفضيلًا= إلا لم يُصِبْه ذلك البلاء كائنًا ما كان» (٤).

стр. 1360

فصل فيما يقوله من لحقَتْه طِيَرَة (١) ذُكِر عنه أنَّه ذُكِرت الطِّيرة عنده، فقال: «أحسنُها الفأل، ولا تَرُدَّ مسلمًا، فإذا رأيتَ من الطِّيرة ما تكره فقلْ: اللَّهمَّ لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السَّيِّئاتِ إلا أنت، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بك» (٢). وكان كعب يقول ــ إذا قال: «اللَّهمَّ لا طيرَ إلا طيرُك، ولا خيرَ إلا خيرُك، ولا ربَّ غيرُك، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بك» ــ: والَّذي نفسي بيده إنَّها لرأس التَّوكُّل، وكنزُ العبد في الجنَّة، ولا يقولهنَّ عبد عند ذلك ثمَّ يمضي إلا لم يضرَّه شيءٌ (٣). فصل فيما يقوله مَن رأى في منامه ما يكرهه صحَّ عنه: «الرُّؤيا الصَّالحة من اللَّه، والرؤيا السوء (٤) من الشَّيطان، فمن رأى رؤيا يكره منها شيئًا، فلْينفُثْ عن يساره (٥)، وليتعوَّذْ بالله من الشَّيطان،

стр. 1361

فإنَّها لا تَضُرُّه، ولا يُخْبِرْ بها أحدًا. فإن (١) رأى رؤيا حسنةً فلْيستبشِرْ، ولا يُخبِرْ بها إلا من يُحِبُّ» (٢). وأمر من رأى ما يكرهه أن يتحوَّل عن جَنْبِه الذي كان عليه، وأمره أن يُصلِّي (٣) (٤). فأمره بخمسة أشياء: أن ينفُثَ عن يساره، وأن يستعيذ بالله من الشَّيطان، وأن لا يُخبِر بها أحدًا، وأن يتحوَّلَ عن جَنْبه الذي كان عليه (٥)، وأن يقوم يصلِّي، ومتى فعل ذلك لم تَضُرَّه الرُّؤيا المكروهة، بل هذا يدفع شرَّها. وقال: «الرُّؤيا على رِجْلِ طائرٍ ما لم تُعبَّر، فإذا عُبِّرتْ وقعتْ، ولا يَقُصُّها إلا على وَادٍّ أو ذي رأيٍ» (٦). وكان عمر بن الخطَّاب إذا قُصَّتْ عليه رؤيا (٧) قال: اللَّهمَّ إن كان خيرًا فلَنا، وإن كان شرًّا فلعدوِّنا (٨).

стр. 1362

ويُذكر عن النبيِّ ﷺ : «من عُرِضَتْ عليه رؤيا فليقلْ للمعروض (١) عليه خيرًا» (٢). ويُذكر عنه أنَّه كان يقول للرَّائي قبل أن يُعبِّرها له: «خيرًا رأيتَ» (٣)، ثمَّ يُعبِّرها (٤). وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: كان أبو بكرٍ (٥) إذا أراد أن يُعبِّر رؤيا قال: إن صَدَقتْ رؤياك يكون كذا وكذا (٦). فصل فيما يقوله ويفعله من بُلِيَ (٧) بالوسواس وما يستعين به على ردّ (٨) الوسوسة روى صالح بن كَيْسان، عن عبيد الله بن عبد الله (٩)، عن ابن مسعودٍ

стр. 1363

يرفعه: «إنَّ للملَك بقلب ابن آدم لمَّةً، وللشَّيطان لمَّةً، فلمَّة المَلكِ إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ ورجاءُ صالح ثواب، ولمَّةُ الشَّيطان إيعادٌ بالشَّرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ وقنوطٌ من الخير، فإذا وجدتم لمَّةَ الملَك فاحمدوا الله وسَلُوه من فضله، وإذا وجدتم لمَّةَ الشَّيطان فاستعيذوا بالله واستغفروه» (١). وقال له عثمان بن العاص (٢): حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي، قال: «ذاك شيطانٌ يقال له خِنْزَبٌ، فإذا أحسستَه فتعوَّذْ بالله منه، واتْفُلْ عن يسارِك ثلاثًا» (٣). وشكا إليه الصَّحابة أنَّ أحدهم يجد في نفسه ما (٤) لأن يكون حُمَمةً أحبُّ إليه من أن يتكلَّم به، فقال: «اللَّه أكبر (٥)، الحمد لله الذي ردَّ كيدَه إلى الوسوسة» (٦).

стр. 1364

وأرشدَ من بُلِيَ بشيءٍ من وسوسة التَّسلسل في الفاعلين، إذا قيل له: هذا الله خلقَ الخلْقَ، فمَن خلقَ اللَّه؟ أن يقرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) [الحديد: ٣]. وكذلك قال ابن عبَّاسٍ لأبي زُمَيل (٢) وقد سأله (٣): ما شيءٌ أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلَّمُ به. قال فقال لي: أشيءٌ من شكٍّ؟ قلت: بلى، فقال لي: ما نجا من ذلك أحدٌ (٤)، فإذا وجدتَ في نفسك شيئًا فقلْ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٥). فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التَّسلسل الباطل ببديهة العقل، وأنَّ سلسلة المخلوقات في ابتدائها (٦) تنتهي إلى أوَّلٍ ليس قبله شيءٌ، كما تنتهي في آخرها إلى آخرٍ ليس بعده شيءٌ، كما أنَّ ظهوره هو العلوُّ الذي ليس فوقه فيه شيءٌ، وبطونه هو الإحاطة الَّتي لا يكون دونه فيها شيءٌ، ولو كان قبله شيءٌ يكون مؤثِّرًا فيه لكان ذلك هو الرَّبَّ الخلَّاق، ولا بدَّ أن ينتهي الأمر إلى

стр. 1365

خالقٍ غير مخلوقٍ، غنيٍّ عن غيره، وكلُّ شيءٍ فقيرٌ إليه، قائمٍ بنفسه، وكلُّ شيءٍ قائمٌ به، موجودٍ بذاته، وكلُّ شيءٍ موجودٌ به، قديمٍ لا أوَّلَ له، وكلُّ ما سواه فوجوده بعد عدمه، باقٍ بذاته، وبقاءُ كلِّ شيءٍ به (١)، فهو الأوَّل الذي ليس قبله شيءٌ، الآخِرُ الذي ليس بعده شيءٌ، الظَّاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، الباطن الذي ليس دونه شيءٌ. وقال ﷺ : «لا يزالُ النَّاس يتساءلون حتَّى يقول قائلهم: هذا الله (٢) خلقَ الخلْقَ، فمن خلقَ اللَّه؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فلْيستعِذْ بالله ولْينتهِ» (٣). وقد قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]. ولمَّا كان الشَّيطان نوعين: نوعًا يُرى عيانًا وهو شيطان الإنس، ونوعًا لا يُرى وهو شيطان الجنِّ، أمر سبحانه نبيَّه أن يكتفيَ شرَّ شيطان الإنس بالإعراض عنه، والعفوِ، والدَّفعِ بالَّتي هي أحسن، ومن شيطان الجنِّ بالاستعاذة بالله منه (٤)، وجمعَ بين النَّوعين في سورة الأعراف وسورة المؤمنين وسورة فصِّلت، والاستعاذة والقراءة والذِّكر أبلغُ في دفع شياطين الجنِّ، والعفو والإعراض والدَّفع بالإحسان أبلغُ في دفع شرِّ شياطين الإنس. فما هو إلا الاستعاذةُ ضارِعًا ... أو الدَّفعُ بالحُسنى هما خيرُ مطلوبِ

стр. 1366

فهذا دواءُ الدَّاء من شرِّ مَن يُرى (١) ... وذاك دواء الدَّاء من شرِّ محجوبِ (٢) فصل فيما يقوله ويفعله مَن اشتدَّ غضبُه أمره ﷺ أن يُطفئ عنه جمرةَ الغضب بالوضوء (٣)، والقعود إن كان قائمًا والاضطجاع إن كان قاعدًا (٤)، والاستعاذة بالله من الشَّيطان الرَّجيم (٥). ولمَّا كان الغضب والشَّهوة جمرتين من نارٍ في قلب ابن آدم، أمر أن يُطفئهما بالوضوء والصَّلاة والاستعاذةِ من الشَّيطان الرَّجيم (٦)، كما قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]. وهذا إنَّما يحمل (٧)

стр. 1367

عليه شدَّة الشَّهوة، فأمرهم بما يُطفِئوا (١) به (٢) جمرتها (٣)، وهو الاستعانة بالصَّبر والصَّلاة، وأمر تعالى بالاستعاذة من الشَّيطان عند نَزَغاتِه. ولمَّا كانت المعاصي كلُّها تتولَّد من الغضب والشَّهوة، وكان نهاية قوَّة الغضب القتل، ونهاية قوَّة الشَّهوة الزِّنا جمع تعالى بين القتل والزِّنا، وجعلهما قرينين في سورة الأنعام وسورة الإسراء وسورة الفرقان (٤). والمقصود أنَّه سبحانه أرشد عباده إلى ما يدفعون به شرَّ قوَّتَي الغضب والشَّهوة من الصَّلاة والاستعاذة. فصل وكان ﷺ إذا رأى ما يحبُّ قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات»، وإذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كلِّ حالٍ» (٥). فصل وكان ﷺ يدعو لمن تقرَّب إليه بما يحبُّ (٦)، فلمَّا وضع له ابن عبَّاسٍ

стр. 1368

وَضوءه قال: «اللَّهمَّ فقِّهْه في الدِّين، وعلِّمه التَّأويلَ» (١). ولمَّا دَعَمَه أبو قتادة في مَسِيره باللَّيل لمَّا مال عن راحلته، قال: «حَفِظَك الله بما حَفِظتَ به نبيَّه» (٢). وقال: «من صُنِع إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثَّناء» (٣). واستقرض من عبد الله بن أبي ربيعة مالًا، ثمَّ وفَّاه إيَّاه، وقال: «بارك الله لك في أهلك ومالك، إنَّما جزاء السَّلفِ الحمدُ والأداء» (٤). ولمَّا أراحه جرير (٥) من ذي الخَلَصة صَنَمِ دَوسٍ، بَرَّكَ على خَيلِ قبيلته (٦) ورجالها خمسَ مرَّاتٍ (٧).

стр. 1369

وكان إذا أُهدِيت إليه هديَّةٌ فقبِلَها، كافأ عليها بأكثرَ منها (١)، وإن ردَّها اعتذر إلى مُهدِيها، كقوله للصَّعْب بن جَثَّامةَ لمَّا أَهدى له (٢) لحمَ الصَّيد: «إنَّا لم نردَّه عليك إلا أنَّا حُرُمٌ» (٣). فصل وأمر أمَّته إذا سمعوا نهيقَ الحمار أن يتعوَّذوا بالله من الشَّيطان، وإذا سمعوا صياحَ الدِّيَكَة أن يسألوا الله من فضله (٤). ويُروى (٥) عنه أنَّه أمرهم بالتَّكبير عند الحريق (٦)، فإنَّ التَّكبير يُطفِئه (٧). وكره لأهل المجلس أن يُخْلُوا مجلسَهم من ذكر الله ، وقال: «ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله فيه، إلا قاموا عن مثل جِيْفَة

стр. 1370

الحمار» (١). وقال: «من قعدَ مقعدًا لم يَذكر الله فيه إلّا (٢) كانت عليه من الله تِرَةٌ، ومن اضطجعَ مضجعًا لا يذكر الله فيه إلّا كانت عليه من الله ترةٌ» (٣). والتِّرة: الحسرة. وفي لفظٍ (٤): «وما سلكَ أحدٌ (٥) طريقًا لم يذكر الله فيه، إلا كانت عليه تِرةٌ». وقال (٦): «من جلس في مجلسٍ فكثُر فيه لَغَطُه، فقال قبل أن يقوم من
следующие страницы →