النسخ المعتمدة في تحقيق هذا الجزء
١ - م= نسخة دار الكتب المصرية الأولى (٧٥٤ هـ)
٢ - ق= نسخة القرويين (٧٦٦ هـ)
٣ - ك= نسخة الشيخ محمد عبد الحي الكتاني (٧٧٢ هـ)
٤ - ع= نسخة أوقاف بغداد (٧٩٠ هـ)
٥ - ص= نسخة ابن خاص ترك (تركيا)، قوبلت على أصل مقروء على المؤلف
٦ - ج= نسخة عمجه زاده حسين (تركيا) عليها خط سبط ابن العجمي (ت ٨٤١)
٧ - مب= نسخة دار الكتب المصرية برقم ٢٣٤
٨ - ن= النسخة اليمنية بمتحف طوب قابي سراي (١١٥٢ هـ)
стр. 154
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وقيُّوم السماوات والأرضين، ومالك يوم الدين، الذي لا فوز إلا في طاعته، ولا عزَّ إلا في التذلُّل لعظمته، ولا غنى إلا في الافتقار إلى رحمته، ولا هدى إلا في الاستهداء بنوره، ولا حياة إلا في رضاه، ولا نعيم إلا في قربه، ولا صلاح للقلب ولا فلاح إلا في الإخلاص له وتوحيد حبِّه؛ الذي إذا أطيع شكر، وإذا عُصِي تاب وغفر، وإذا دعي أجاب، وإذا عومل أثاب.
والحمد لله الذي شهدت له بالربوبية جميعُ مخلوقاته، وأقرَّت له بالإلهية جميعُ مصنوعاته، وشهدت بأنه الله الذي لا إله إلا هو بما أودعها من عجائب صنعته وبدائع آياته. وسبحان الله وبحمده عددَ خلقه ورضا نفسه وزنةَ عرشه ومدادَ كلماته. ولا إله إلا الله وحده، لا شريك له في إلهيته، كما لا شريك له في ربوبيته، ولا شبيه له في ذاته ولا في أفعاله ولا في صفاته (١).
والله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا. وسبحان من تسبِّح له السماوات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكَّانها، والبحار وحيتانها، والنجوم والجبال والشجر والدوابُّ والآكام والرمال، وكلُّ رطب ويابس، وكلُّ حيٍّ وميِّت ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ
стр. 155
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرض والسماوات، وخُلِقت لأجلها جميعُ المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه. ولأجلها نُصِبت الموازين، ووُضِعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار. وبها تقسَّمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار والأبرار والفجار. فهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وهي الحقُّ الذي خُلِقت له الخليقة، وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب. وعليها نُصِبت القبلة، وعليها أُسِّست الملَّة، ولأجلها جُرِّدت سيوفُ الجهاد، وهي حقُّ الله على جميع العباد، فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام.
وعنها يُسأل الأولون والآخرون، فلا تزول (١) قدما العبد بين يدي الله تعالى حتى يُسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ (٢) فجواب الأولى بتحقيق لا إله إلا الله معرفةً وإقرارًا وعملًا. وجواب الثانية بتحقيق أن محمدًا رسول الله معرفةً وإقرارًا وانقيادًا وطاعةً.
فأشهد (٣) أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخِيرته من خلقه،
стр. 156
وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم والمنهج المستقيم. أرسله الله رحمةً للعالمين، وإمامًا (١) للمتقين، وحجَّةً على الخلائق أجمعين. أرسله على حين فترة (٢) من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل. وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ومحبته والقيام بحقوقه، وسدَّ دون جنته الطرق، فلم يفتح (٣) لأحد إلا من طريقه. فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وِزره، وجعل الذلَّة والصَّغار على من خالف أمره.
ففي «المسند» (٤) من حديث (٥) عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «بُعِثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحدَه لا شريك له. وجُعِل رزقي تحت ظلِّ رمحي. وجُعِل الذلَّة والصَّغار على مَن خالف أمري.
стр. 157
ومَن تشبَّه بقوم فهو منهم».
وكما أن الذلَّة مضروبة على من خالف أمره، فالعزُّ لأهل طاعته ومتابعته. قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].
وقال تعالى (١): ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]. أي: الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا تحتاجون (٢) معه إلى أحد. وهنا تقديران، أحدهما: أن تكون الواو عاطفةً لـ (مَنْ) على الكاف المجرورة. ويجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار على المذهب المختار، وشواهده كثيرة، وشُبَهُ المنع منه واهية.
والثاني: أن تكون الواو واوَ مع، وتكون (مَنْ) في محلِّ نصب عطفًا على الموضع، فإن «حسبك» في معنى «كافيك»، أي الله يكفيك ويكفي من اتبعك، كما تقول العرب: حسبك وزيدًا درهم. قال الشاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقَّت العصا ... فحسبُك والضحاكَ سيفٌ مهنَّدُ (٣)
стр. 158
وهذا أصحُّ التقديرين.
وفيها تقدير ثالث: أن تكون (مَن) في موضع رفع بالابتداء، أي: ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله.
وفيها تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى (١): وهو (٢) أن تكون (مَن) في موضع رفع عطفًا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك. وهذا وإن قاله بعض الناس (٣)، فهو خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة. قال تعالى (٤): ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]. ففرَّق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده (٥).
وأثنى سبحانه على أهل التوحيد (٦) من عباده حيث أفردوه بالحسب،
стр. 159
فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله. فإذا كان هذا قولهم، ومدحُ الربِّ تعالى لهم بذلك، فكيف يقول لرسوله: اللهُ وأتباعُك حسبُك؟ وأتباعُه قد أفردوا الربَّ تعالى بالحسب، ولم يُشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يُشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟! هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل.
ونظير هذا قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]. فتأمَّلْ كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا: حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالصَ حقِّه؛ كما قال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. ولم يقل: وإلى رسوله، بل جعل الرغبة إليه وحده، كما قال تعالى: ﴿(٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]. فالرغبة والتوكل والإنابة والتحسُّب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود (١) والنذر والحلف لا يكون إلا له (٢) .
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿(٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. والحسب: هو الكافي، فأخبر سبحانه أنه وحده كافٍ عبدَه، فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية؟ والأدلة الدالة على بطلان هذا التأويل الفاسد
стр. 160
أكثر من أن تذكر هاهنا.
والمقصود أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة، فالله تعالى علَّق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح والعِزُّ والكفاية والنصرة والولاية والتأييد وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة.
وقد أقسم ﷺ بأنه لا يؤمن أحد حتى يكون هو أحبَّ إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين (١).
وأقسم الله سبحانه بأنه لا يؤمن من لم يحكِّمه في كلِّ ما تنازع فيه هو وغيره، ثم يرضى بحكمه، ولا يجد في نفسه حرجًا مما حكم به، ثم يسلِّم له تسليمًا وينقاد انقيادًا.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢) [الأحزاب: ٣٦]، فقطع التخيير بعد أمره وأمر رسوله، فليس لمؤمن أن يختار شيئًا بعد أمره ﷺ ، بل إذا أمر فأمرُه
стр. 161
حَتْم؛ وإنما الخيرة في قول غيره إذا خفي أمره، وكان ذلك الغير من أهل العلم به وبسنته، فبهذه الشروط يكون قول غيره سائغ الاتباع، لا واجب الاتباع. فلا يجب على أحد اتباع قول أحد سواه، بل غايته أنه يسوغ له اتباعه، ولو ترك الأخذ بقوله لم يكن عاصيًا لله ورسوله.
فأين هذا ممن يجب على جميع المكلَّفين اتباعُه، ويحرم عليهم مخالفتُه، ويجب عليهم تركُ كلِّ قولٍ لقوله؛ فلا حكم لأحد معه، ولا قول لأحد معه، كما لا تشريع لأحد معه؟ وكلُّ من سواه، فإنما يجب اتباعه على قوله إذا أمر بما أمر به، ونهى عما نهى عنه، فكان مبلِّغًا محضًا، ومخبرًا لا منشئًا ومؤسِّسًا. فمن أنشأ أقوالًا وأسَّس قواعد بحسب فهمه وتأويله لم يجب على الأمة اتباعها، ولا التحاكم إليها حتى تُعرَض على ما جاء به (١)، فإن طابقته ووافقته وشهد لها بالصحة قُبِلت حينئذ، وإن خالفته وجب ردُّها واطِّراحُها. وإن لم يتبين فيها أحد الأمرين جُعلت موقوفةً، وكان أحسن أحوالها أن يجوز الحكم والإفتاء بها وتركه، وأما أن (٢) يجب ويتعيَّن فكلَّا ولمَّا (٣)!
стр. 162
وبعد، فإن الله سبحانه هو المنفرد (١) بالخلق والاختيار من المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]. وليس المراد بالاختيار هاهنا (٢) الإرادة التي يشير إليها المتكلمون بأنه الفاعل المختار، وهو سبحانه كذلك، ولكن ليس المراد بالاختيار هاهنا هذا المعنى، وهذا الاختيار داخل في قوله: ﴿يَخْلُقُ﴾ فإنه لا يخلق إلا باختياره، وداخل في قوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ فإن المشيئة هي الاختيار. وإنما المراد بالاختيار هاهنا: الاجتباء والاصطفاء، فهو اختيار بعد الخلق، والاختيار العامُّ اختيار قبل الخلق؛ فهو أعمُّ وأسبقُ، وهذا أخص؛ وهو متأخر، فهو اختيار من الخلق، والأول اختيار للخلق.
وأصح القولين أن الوقف التام على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾، ويكون ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] نفيًا، أي: ليس هذا الاختيار إليهم، بل هو إلى الخالق وحده. فكما أنه المتفردُ (٣) بالخلق، فهو المتفرد (٤) بالاختيار منه (٥). فليس
стр. 163
لأحد أن يخلق ولا يختار سواه، فإنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره، ومحالِّ رضاه، وما يصلح للاختيار مما لا يصلح له؛ وغيرُه لا يشاركه في ذلك بوجه.
وذهب بعض من لا تحقيق عنده ولا تحصيل إلى أن (ما) في قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] موصولة، وهي مفعول ﴿وَيَخْتَارُ﴾ أي: ويختار الذي لهم الخيرة (١). وهذا باطل من وجوه:
أحدها: أن الصلة حينئذ تخلو من العائد، لأن ﴿الْخِيَرَةُ﴾ مرفوع بأنه اسم كان، والخبر ﴿لَهُمُ﴾، فيصير المعنى: ويختار الذي كان الخيرة لهم، وهذا التركيب محال من القول.
فإن قيل: يمكن تصحيحه بأن يكون العائد محذوفًا، ويكون التقدير: ويختار الذي كان لهم الخيرة فيه، أي ويختار الأمر الذي كان لهم الخيرة في اختياره.
قيل: هذا يفسد من وجه آخر، وهو أن هذا ليس من المواضع التي يجوز فيها حذف العائد، فإنه إنما يحذف مجرورًا إذا جُرَّ بحرفٍ جُرَّ الموصولُ بمثله مع اتحاد المعنى، نحو قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ونظائره. ولا يجوز أن يقال: جاءني الذي مررت، ورأيت الذي رغبت، ونحوه (٢).
стр. 164
الثاني: أنه لو أريد هذا المعنى لنصَب الخيرة، وشغَل فعلَ الصلة بضمير يعود على الموصول، فكان يقول: ويختار ما كان لهم الخيرة، أي: الذي كان هو عين (١) الخيرة لهم، وهذا لم يقرأ به أحد البتة، مع أنه كان وجه الكلام على هذا التقدير.
الثالث: أن الله سبحانه يحكي عن الكفار اقتراحهم في الاختيار، وإرادتهم أن تكون الخيرة لهم، ثم ينفي هذا سبحانه عنهم، ويبيِّن تفرده بالاختيار، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢]، فأنكر عليهم سبحانه تخيُّرَهم عليه، وأخبر أن ذلك ليس إليهم، بل إلى (٢) الذي قسم بينهم معايشهم المتضمنة لأرزاقهم ومُدَد آجالهم، فكذلك (٣) هو (٤) الذي يقسم فضله بين أهل الفضل على حسب علمه بمواقع الاختيار، ومن يصلح له ممن لا يصلح، فهو (٥) الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات، وقسم بينهم معايشهم ودرجات التفضيل، فهو القاسم ذلك وحده (٦) لا غيره. وهكذا هذه
стр. 165
الآية بيَّن فيها انفراده بالخلق والاختيار، وأنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ﴾ (١) [الأنعام: ١٢٤]، أي: الله أعلم بالمحلِّ الذي يصلح لاصطفائه وكرامته وتخصيصه بالرسالة والنبوة دون غيره.
الرابع: أنه نزه نفسه سبحانه عما اقتضاه شركهم من اقتراحهم واختيارهم فقال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] ولم يكن شركهم مقتضيًا لإثبات خالق سواه حتى ينزِّهَ (٢) نفسه عنه، فتأمله فإنه في غاية اللطف.
الخامس: أن هذا نظير قوله في الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، ثم قال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الآيات: ٧٣ - ٧٦]. وهذا نظير قوله في القصص: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [الآية: ٦٩]، ونظير قوله في الأنعام: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ﴾ [آية: ١٢٤] فأخبر في ذلك كلِّه عن علمه المتضمن لتخصيصه محالَّ اختياره بما خصصها به، لعلمه بأنها تصلح له دون غيرها. فتدبَّر السياق في هذه الآيات تجده منتظِمًا لهذا المعنى، دائرًا عليه، والله أعلم.
стр. 166
السادس: أن هذه الآية مذكورة عقيب (١) قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٥ ــ ٦٨] فكما خلقهم وحده سبحانه، اختار منهم من تاب وآمن وعمل صالحًا، فكانوا صفوته من عباده، وخيرته من خلقه. وكان هذا الاختيار راجعًا إلى حكمته، وعلمه سبحانه بمن (٢) هو أهل له، لا إلى اختيار هؤلاء المشركين واقتراحهم، فسبحان الله وتعالى عما يشركون.
فصل
وإذا تأملت أحوال الخلق (٣)، رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه دالًّا على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته، وأنه الله الذي لا إله إلا هو؛ فلا شريك له يخلق كخلقه، ويختار كاختياره، ويدبِّر كتدبيره. فهذا الاختيارُ والتخصيصُ المشهود أثرُه في هذا العالم من أعظم آيات ربوبيته، وأكبر شواهد وحدانيته، وصفات كماله، وصدق رسله (٤). فنشير فيه إلى شيء يسير يكون منبهًا (٥) على ما وراءه، دالًّا على ما سواه.
فخلق الله السماوات سبعًا، فاختار العليا منها، فجعلها مستقرَّ المقرَّبين
стр. 167
من ملائكته، واختصَّها بالقرب من كرسيه ومن عرشه، وأسكنها من شاء من خلقه. فلها مزيَّة وفضل على سائر السماوات، ولو لم يكن إلا قربها منه ﵎. وهذا التفضيل والتخصيص مع تساوي مادة السماوات من أبين الأدلة على كمال قدرته تعالى وحكمته، وأنه يخلق ما يشاء ويختار.
ومن هذا: تفضيلُه جنةَ الفردوس على سائر الجنان، وتخصيصُها بأن جعل عرشه سقفها (١). وفي بعض الآثار: إن الله سبحانه غرسها بيده واختارها لخيرته من خلقه (٢).
ومن هذا: اختياره من الملائكة المصطفَين منهم على سائرهم كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل. وكان النبي ﷺ يقول: «اللهمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدِني لِما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٣).
فذكر هؤلاء الثلاثة من الملائكة لكمال اختصاصهم واصطفائهم وقربهم من الله. وكم مِن ملكٍ غيرهم في السماوات، فلم يسمِّ إلا هؤلاء
стр. 168
الثلاثة. فجبريل: صاحب الوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل: صاحب القَطْر الذي به حياة الأرض والحيوان والنبات، وإسرافيل: صاحب الصور الذي إذا نفخ فيه أحيت نفختُه بإذن الله الأمواتَ وأخرجتهم من قبورهم.
وكذلك اختياره سبحانه الأنبياءَ من ولد آدم وهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، واختياره الرسل منهم وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، على ما في حديث أبي ذر الذي رواه أحمد وابن حبان في «صحيحه» (١)؛ واختياره أولي العزم منهم، وهم الخمسة (٢) المذكورون في سورتي (٣) الأحزاب والشورى في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]. وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. واختار منهم الخليلين إبراهيم ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم.
ومن هذا: اختياره سبحانه ولد إسماعيل من أجناس بني آدم. ثم اختار منهم بني كنانة بن خزيمة، ثم اختار من ولد كنانة قريشًا، ثم اختار من قريش
стр. 169
بني هاشم، ثم اختار من بني هاشم سيد ولد آدم محمدًا ﷺ (١).
وكذلك اختار أصحابَه من جملة العالمين، واختار منهم السابقين الأولين، واختار منهم أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان. واختار لهم من الدين أكمله، ومن الشرائع أفضلها، ومن الأخلاق أزكاها (٢) وأطهرها.
واختار أمته ﷺ على سائر الأمم، كما في «مسند الإمام أحمد» وغيره (٣) من حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حَيدة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «أنتم توفون (٤) سبعين أمةً أنتم خيرها وأكرمها على الله». قال علي بن المديني وأحمد: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح (٥).
وظهر أثر هذا الاختيار في أعمالهم، وأخلاقهم، وتوحيدهم، ومنازلهم في الجنة، ومقامهم في الموقف؛ فإنهم أعلى من الناس على تَلٍّ فوقهم
стр. 170
يشرفون عليهم (١). وفي الترمذي (٢) من حديث بُرَيدة بن الحُصَيب الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم». قال الترمذي: هذا حديث حسن. والذي في «الصحيح» (٣) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في حديث بعث النار: «والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة»، ولم يزد على ذلك. فإما أن يقال: هذا أصح، وإما أن يقال: النبيُّ (٤) ﷺ طمع هو (٥) أن تكون أمته شطر أهل الجنة، فأعلمه ربه تعالى أنهم ثمانون صفًّا من مائة وعشرين، فلا تنافي بين الحديثين، والله أعلم.
ومن تفضيل الله سبحانه لأمته واختياره لها أنه وهبها من العلم والحلم ما لم يهبه لأمة سواها. وفي «مسند البزار» (٦) وغيره من حديث أبي الدرداء
стр. 171
قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «إن الله قال لعيسى ابن مريم: إني باعث من بعدك أمةً إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم. قال: يا ربِّ، كيف هذا ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي».
ومن هذا: اختياره سبحانه من الأماكن والبلاد خيرَها وأشرفَها، وهي البلد الحرام. فإنه سبحانه اختاره لبيته (١)، وجعله مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كلِّ فجٍّ عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين كاشفي رؤوسهم متجردين عن لباس أهل الدنيا. وجعله حرمًا آمنًا لا يُسفَك فيه دم، ولا يُعضَد به (٢) شجرة، ولا يُنفَّر له صيد، ولا يُختلى خَلاه (٣)، ولا تُلتقَط لقطته للتملُّك (٤) بل للتعريف ليس إلا.
стр. 172
وجعل قصدَه مكفِّرًا لما سلف من الذنوب، ماحيًا للأوزار، حاطًّا للخطايا، كما في «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أتى هذا البيت فلم يرفُث ولم يفسُق رجع كيوم ولدته أمه».
ولم يرضَ لقاصده من الثواب دون الجنة، ففي «السنن» (٢) من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «تابِعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكِيرُ خبَثَ الحديد. وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة». وفي «الصحيح» (٣) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما (٤) بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
ولو لم يكن البلد الأمين خيرَ بلاده، وأحبَّها إليه، ومختارَه من البلاد= لما جعل عرصاتها مناسك لعباده، وفرَضَ عليهم قصدها، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام، وأقسم به في كتابه في موضعين منه فقال: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣]، وقال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]. وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كلِّ قادر السعيُ (٥) إليها والطوافُ بالبيت الذي
стр. 173
فيها غيرها. وليس على وجه الأرض موضع يُشرَع تقبيلُه واستلامه (١)، ويَحُطُّ الخطايا والأوزارَ غير الحجر الأسود والركن اليماني.
وثبت عن النبي ﷺ أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة. ففي النسائي و «المسند» (٢)
بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير عن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة». ورواه ابن حبان في «صحيحه». وهذا صريح في أن المسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق، ولذلك كان شدُّ الرحال إليه فرضًا، وإلى غيره (٣) إنما يُستحَبّ ولا يجب.
وفي الترمذي والنسائي و «المسند» (٤) عن عبد الله بن عدي بن الحمراء
стр. 174
أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف على راحلته بالحَزْوَرة (١) من مكة يقول: «والله إنك لخير أرض الله وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجتُ منك ما خرجتُ». قال الترمذي: هذا حديث صحيح (٢).
ومن خصائصها: كونها قبلةً لأهل الأرض كلهم، فليس لله على وجه الأرض قبلة غيرها.
ومن خواصِّها أيضًا: أنه يحرم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة دون سائر بقاع الأرض. وأصحُّ المذاهب في هذه المسألة: أنه لا فرق في ذلك بين الفضاء والبنيان لبضعة عشر دليلًا قد ذُكِرت في غير هذا الموضع (٣). وليس مع المفرِّق ما يقاومها البتة مع تناقضهم في مقدار الفضاء والبنيان، وليس هذا موضع استيفاء الحِجاج من الطرفين.
ومن خواصِّها أيضًا: أن المسجد الحرام أول مسجد وضع في الأرض،
стр. 175
كما في «الصحيحين» (١) عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون عامًا». وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به فقال: معلوم أن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى، وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام. وهذا من جهل هذا القائل، فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه، والذي أسَّسه هو يعقوب بن إسحاق ﷺ بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا المقدار.
ومما يدل على تفضيلها أن الله تعالى أخبر أنها أم القرى. فالقرى كلها تبع لها وفرع عليها، وهي أصل القرى، فيجب أن لا يكون لها في القرى عديل. وهذا كما أخبر النبي ﷺ عن (الفاتحة) أنها أم القرآن (٢)، ولذلك لم يكن في الكتب الإلهية لها عديل.
ومن خصائصها: أنها لا يجوز دخولها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا بإحرام، وهذه خاصِّيَّة (٣) لا يشاركها فيها شيء من البلاد. وهذه المسألة تلقَّاها الناس عن ابن عباس، وقد روي بإسناد لا يحتج به عن ابن عباس مرفوعًا: «لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام، من أهلها أو من غير أهلها». ذكره أبو أحمد بن عدي (٤)، ولكن الحجاج بن أرطاة بالطريق، وآخر قبله من الضعفاء.
стр. 176
وللفقهاء في المسألة ثلاثة أقوال: النفي، والإثبات، والفرق بين من هو داخل المواقيت ومن هو قبلها. فمن قبلها (١) لا يجاوزها إلا بإحرام (٢)، ومن هو داخلها حكمُه حكمُ أهل مكة، وهذا قول أبي حنيفة (٣). والقولان الأولان للشافعي وأحمد (٤).
ومن خواصِّه: أنه يعاقب فيه (٥) على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. وتأمَّلْ كيف عدَّى (٦) فعل الإرادة هاهنا بالباء ــ ولا يقال: أردت بكذا (٧) ــ لما ضمَّنه (٨) معنى فعل (يَهُمُّ) فإنه يقال: هممت بكذا. فتوعَّد من هَمَّ بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم.
стр. 177
ومن هذا تضاعُفُ مقادير السيئات فيه لا كمِّيَّاتها، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن سيئةٌ كبيرةٌ جزاؤها مثلها، وصغيرُها جزاؤها مثلها (١). فالسيئة في حرم الله وبلده على (٢) بساطه أكبر وأعظم منها في طرف من أطراف الأرض. ولهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه. فهذا فصل النزاع في تضعيف السيئات فيه، والله أعلم.
وقد ظهر سرُّ هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبُه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، فهو أولى بقول القائل:
محاسنُه هَيُولى كلِّ حُسْنٍ ... ومِغْناطيسُ أفئدةِ الرجال (٣)
ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضُون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا له زيارةً ازدادوا له اشتياقًا.
لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها ... حتى يعود إليها الطرف مشتاقَا (٤)
стр. 178
فللّه كم لها من قتيل وسليب وجريح! وكم أنفق في حبِّها من الأموال والأرواح، ورضي المحِبُّ بمفارقة فِلَذ الأكباد والأهل والأحباب والأوطان، مقدِّمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطب والمشاقّ، وهو يستلذُّ ذلك كلَّه ويستطيبه، ويراه ــ لو ظهر سلطان المحبة في قلبه ــ أطيبَ من نعيم المتخلِّفين (١) وترفُّههم (٢) ولذَّاتهم.
وليس محبًّا من يعُدُّ شقاءَه ... عذابًا إذا ما كان يُرضِي حبيبَه (٣)
وهذا كلُّه سرُّ إضافته إليه سبحانه بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]. فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته (٤)، كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك. وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كَسَتهم من المحبة والجلالة (٥) والوقار ما كستهم. فكلُّ ما أضافه الربُّ تعالى إلى نفسه فله من المزية والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاختيار، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلًا آخر وتخصيصًا وجلالةً زائدًا على ما له قبل الإضافة.
ولم يوفَّق لفهم هذا المعنى من سوَّى بين الأعيان والأفعال والأزمان
стр. 179
والأماكن، وزعم أنه لا مزية لشيء منها على شيء، وإنما هو مجرَّد الترجيح بلا مرجِّح. وهذا القول باطل من أكثر (١) من أربعين وجهًا قد ذُكِرت في غير هذا الموضع (٢).
ويكفي تصوُّرُ هذا المذهب الباطل في فساده، فإنَّ مذهبًا يقتضي أن تكون ذواتُ الرسل كذوات أعدائهم في الحقيقة، وإنما التفضيل بأمر لا يرجع إلى اختصاص الذوات بصفات ومزايا لا تكون لغيرها؛ وكذلك نفسُ البقاع واحدة بالذات ليس لبقعة على بقعة مزية البتة، وإنما هو بما يقع فيها من الأعمال الصالحة، فلا مزية لبقعة البيت والمسجد الحرام ومنًى وعرفة والمشاعر على أي بقعة سمَّيتها من الأرض، وإنما التفضيل باعتبار أمر خارج عن البقعة لا يعود إليها ولا إلى وصف قائم بها (٣).
والله سبحانه قد ردَّ هذا القول الباطل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾، قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتِهِ (٤)﴾ [الأنعام: ١٢٤] أي: ليس كل أحد أهلًا ولا صالحًا لتحمل رسالاتِه (٥)، بل لها محالُّ مخصوصة لا تليق إلا بها، ولا تصلح إلا (٦) لها،
стр. 180
والله أعلم بهذه المحالِّ منكم. فلو (١) كانت الذوات متساويةً كما قال هؤلاء لم يكن في ذلك ردٌّ (٢) عليهم.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] أي هو سبحانه أعلم بمن يشكره على نعمته، فيخُصُّه بفضله ويمُنُّ عليه، ممن لا يشكره. فليس كلُّ محلٍّ يصلح لشكره، واحتمال منته، والتخصيص بكرامته.
فذواتُ ما اصطفاه الله واختاره (٣) من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها مشتملةٌ على صفات وأمور قائمة بها ليست في غيرها، ولأجلها اصطفاها الله، وهو سبحانه الذي خصَّها (٤) بتلك الصفات؛ فهو الذي أعطاها الصفات (٥)، وخصَّها بالاختيار. فهذا خلقه، وهذا اختياره. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨].
وما أبيَنَ بطلانَ رأي يقضي بأنَّ مكانَ البيت الحرام مساوٍ لسائر الأمكنة، وذاتَ الحجر الأسود مساوية لسائر حجارة الأرض، وذاتَ رسول الله ﷺ مساوية لذات غيره؛ وإنما التفضيل في ذلك بأمور خارجة عن الذات