← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ فقال: «نعم وأرجو أن تكون منهم» (١). وقال: «من أنفق نفقةً فاضلةً في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله أو (٢) عاد مريضًا أو مازَ (٣) أذًى عن طريق فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جُنَّة ما لم يَخْرِقها، ومن ابتلاه الله في جسده فهو له حِطَّة» (٤). وذكر ابن ماجه (٥) عنه: «من أرسل بنفقةٍ في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم»، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].

стр. 1472

وقال: «من أعان مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا (١) في غُرْمه (٢)، أو مكاتبًا في رقبته أظلَّه الله في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظله» (٣). وقال: «من اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرَّمهما اللهُ على النار» (٤). وقال: «لا يجتمع شُحٌّ وإيمان في قلب رجلٍ، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخانُ جهنَّمَ في وجه عبد»، وفي لفظ: «في قلب عبد»، وفي لفظ: «في جوف امرئ»، وفي لفظ: «في مَنخَرَي مسلم» (٥).

стр. 1473

وذكر الإمام أحمد (١) عنه: «من اغبرَّت قدماه في سبيل الله ساعةً من نهار فهما حرام على النار». وذكر (٢) عنه أيضًا: «لا يجمعُ اللهُ في جوف رجلٍ غبارًا في سبيل الله ودخانَ جهنم، ومن اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرَّم الله سائرَ جسده على النار، ومن صام يومًا في سبيل الله باعد الله عنه النار مسيرةَ ألفِ سنةٍ للراكب المستعجل، ومن جُرِح جراحةً في سبيل الله ختم (٣) بخاتم الشهداء، له نور يوم القيامة لونها لونُ الزعفران وريحها ريحُ المسك، يعرفه بها الأولون والآخرون يقولون: فلان عليه طابع الشهداء، ومن قاتل في سبيل الله فُواقَ ناقةٍ وجبت له الجنة». وذكر ابن ماجه (٤) عنه: «من راح روحةً في سبيل الله كان له بمثل ما

стр. 1474

أصابه من الغبار مسكًا يوم القيامة». وذكر أحمد (١) عنه: «ما خالط قلبَ امرئ وَهَجٌ (٢) في سبيل الله إلا حرَّم اللهُ عليه النار». وقال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها» (٣). وقال: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأَمِن الفتان» (٤). وقال: «ما من ميت يموت إلا خُتم على عمله، إلا من مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة وأَمِن من فتنة القبر» (٥). وقال: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» (٦).

стр. 1475

وذكر الترمذي (١) عنه: «من رابط ليلةً في سبيل الله كانت له كألف ليلةٍ صيامِها وقيامِها». وقال: «مُقام أحدكم في سبيل الله خير من عبادةِ أحدكم في أهله ستِّين سنةً، أما تحبون أن يغفر اللهُ لكم وتدخلون الجنة؟ جاهِدوا في سبيل الله، مَن قاتل في سبيل الله فُواقَ ناقةٍ (٢) وجبت له الجنة» (٣). وذكر أحمد (٤) عنه: «من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام

стр. 1476

أجزأت عنه رباطَ سنة». وذكر (١) عنه أيضًا: «حَرَسُ ليلةٍ في سبيل الله أفضل من ألف ليلةٍ يُقام ليلُها ويصام نهارُها». وقال: «حرِّمت النارُ على عين دَمَعت ــ أو: بكت ــ من خشية الله، وحُرِّمت النار على عين سَهِرت في سبيل الله» (٢). وذكر أحمد (٣) عنه: «من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لا يأخذه سلطان لم يَرَ النارَ بعينيه إلا تحلَّة القسم، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]». وقال لرجل حرس المسلمين ليلةً في سفرهم من أوَّلِها إلى الصباح على ظهر فرسه لم ينزل إلا لصلاةٍ أو قضاء حاجةٍ: «قد أوجبتَ، فلا عليك أن لا تعملَ بعدها» (٤).

стр. 1477

وقال: «من بلغ بسهمٍ (١) في سبيل الله فله درجة في الجنة» (٢). وقال: «من رمى بسهم في سبيل الله فهو عِدلُ مُحَرَّرٍ، ومن شاب شيبةً في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة» (٣). وعند الترمذي (٤) تفسير الدرجة بمائة عام، وعند النسائي (٥) تفسيرها

стр. 1478

بخمسمائة عام. وقال: «إن الله يُدخل بالسهم الواحدِ الجنةَ: صانِعَه يحتسب في صنعته الخير، والمُمِدَّ به، والراميَ به. وارْمُوا واركبوا، وأن ترموا أحبُّ إليَّ مِن أن تركبوا. وكل شيء يَلهو به الرجل باطل إلا رميَه بقوسه، وتأديبَه فرسَه، وملاعبتَه امرأته. ومن علَّمه الله الرميَ فتركه رغبةً عنه فنعمةً كفرها». رواه أحمد وأهل السنن (١). وعند ابن ماجه (٢): «ومن تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني».

стр. 1479

وذكر أحمد (١) عنه أن رجلًا قال له: أوصني، قال: «أوصيك بتقوى الله، فإنه رأسُ كلِّ شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانيَّةُ الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوةِ القرآن فإنه رَُوحك (٢) في السماء وذكر لك في الأرض». وقال: «ذروة سنام الإسلام الجهاد» (٣). وقال: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتَب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» (٤).

стр. 1480

وقال: «من مات ولم يَغزُ ولم يُحدِّث به نفسه (١) مات على شعبة من نفاق» (٢). وذكر أبو داود (٣) عنه: «من لم يغز، أو يجِّهز غازيًا، أو يَخْلُف غازيًا في أهله بخير أصابه الله بقارعةٍ قبل يوم القيامة». وقال: «إذا ضنَّ الناسُ بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعَيْن (٤)، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاءً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم» (٥). وذكر ابن ماجه (٦) عنه: «من لقي الله وليس له أثر في سبيله لقي

стр. 1481

الله وفيه ثُلمة». وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفسَّر أبو أيوب الإلقاء باليد إلى التهلكة بترك الجهاد (١). وصحَّ عنه ﷺ : «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف» (٢). وصحَّ عنه: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٣). وصح عنه أن النار أول ما تُسَعَّر بالعالم والمُنفق والمقتول في الجهاد إذا فعلوا ذلك ليُقال (٤). وصح عنه أن من جاهد يبتغي عرض الدنيا فلا أجر له (٥).

стр. 1482

وصح عنه أنه قال لعبد الله بن عمرو: «إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا بعثك الله مرائيًا مكاثرًا؛ يا عبد الله بن عمرو، على أي حال قاتلت أو قُتِلتَ بعثك الله على تلك الحال» (١). فصل (٢) وكان ﷺ يَستحِبُّ القتالَ أول النهار، كما يستحب الخروج للسفر أولَه (٣). فإذا لم يقاتل أولَ النهار أخَّر القتال حتى تزول الشمسُ وتَهُبَّ الرياح وينزل النصر (٤).

стр. 1483

فصل وقال: «والذي نفسي بيده لا يُكْلَم أحدٌ في سبيل الله ــ والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله ــ إلا جاء يومَ القيامة واللونُ لونُ دمٍ والريح ريح مسكٍ» (١). وفي الترمذي (٢) عنه: «ليس شيء أحبَّ إلى الله من قطرتين أو (٣) أثرين: قطرة دمعٍ مِن (٤) خشية الله، وقطرةُ دمٍ تُهَراق في سبيل الله؛ وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضةٍ من فرائض الله». وصح عنه أن «ما من عبد يموت له عند الله خير (٥) يسرُّه أن يرجع إلى الدنيا وأنَّ له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لِما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسرُّه أن يرجع إلى الدنيا فيُقتَل مرةً أخرى». وفي لفظ: «فيُقتَل عشرَ مراتٍ لِما يرى من الكرامة» (٦). وقال لأمِّ حارثة بن النعمان (٧) وقد قُتل ابنها معه يوم بدرٍ فسألتْه أين

стр. 1484

هو؟ قال: «إنه في الفردوس الأعلى» (١). وقال: «أرواحُ الشهداء في جوف طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلقة بالعرش، تسرح من (٢) الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع إليهم ربُّك اطِّلاعةً فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أيُّ شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مراتٍ، فلمّا رأوا أنهم لم يُترَكوا من أن يُسألوا قالوا: يا رب، نريد أن تَردَّ أرواحَنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرةً أخرى، فلما رأى أنْ ليس لهم حاجة تُرِكوا» (٣). وقال: «إن للشهيد عند الله خصالًا (٤): أن يغفر له في أول دفقةٍ (٥) من

стр. 1485

دمه، ويُرى مقعدَه من الجنة، ويحلى حُلَّة الإيمان، ويُزوَّج من الحور العين، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاجُ الوقار: الياقوتةُ منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويُزوَّج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفَّعُ في سبعين إنسانًا من أقاربه». ذكره أحمد وصححه الترمذي (١). وقال لجابر: «ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟» قال: بلى، قال: «ما كلَّم الله أحدًا إلا من وراء حجابٍ، وكلَّم أباك كِفاحًا فقال: يا عبدي تمنَّ عليَّ أُعطِك، قال: يا رب، تحييني فأُقتَلَ فيك ثانيةً، قال: إنه سبق مني أنهم إليها لا يُرجَعون، قال: يا ربِّ، فأبلغ مَن ورائي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]» (٢). وقال: «لما أصيب إخوانكم بأُحُدٍ جعل الله أرواحَهم في أجواف طيرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنهارَ الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ في ظلِّ

стр. 1486

العرش، فلما وجدوا طِيبَ مأكلِهم ومشرَبِهم وحُسْنَ مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله: أنا أبلِّغُهم عنكم»، فأنزل الله على رسوله هذه الآيات: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾» (١). وفي «المسند» (٢) مرفوعًا: «الشهداء على بارقِ نهرٍ بباب الجنة في قبةٍ خضراءَ، يخرج عليهم رزقُهم من الجنة بكرةً وعشيةً». وقال: «لا تَجِفُّ الأرض من دم الشهيد حتى يبتدرَه زوجتاه، كأنهما ظِئران أَظَلَّتا (٣) فصيلَيهما بِبَراحٍ من الأرض، بيد كل واحدة منهما حلَّة خيرٌ من الدنيا وما فيها» (٤).

стр. 1487

وفي «المسند» (١) والنسائي مرفوعًا: «لأن أُقتلَ في سبيل الله أحبُّ إلي من أن يكون لي المَدَر والوَبَر (٢)». وفيهما (٣): «ما يجد الشهيدُ من القتل إلا كما يجد أحدُكم مسَّ (٤) القَرْصة». وفي «السنن» (٥): «يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته». وفي «المسند» (٦): «أفضل الشهداء الذين إن (٧) يلقَوا في الصفِّ لا يلتفتون حتى يُقتَلوا، أولئك يتلبَّطُون (٨) في الغُرَف العُلى من الجنة، ويضحك

стр. 1488

إليهم ربُّك، وإذا ضحك ربُّك إلى عبدٍ في الدنيا فلا حساب عليه». وفيه (١): «الشهداء ثلاثة (٢): رجل مؤمن جيِّدُ الإيمان لقي العدوَّ فصدق الله حتى قُتِل، فذاك الذي يرفع الناس إليه أعناقَهم ــ فرفع رسول الله ﷺ رأسه حتى وقعت قَلَنْسُوَته ــ؛ ورجل مؤمن جيِّدُ الإيمان لقي العدوَّ فكأنَّما يُضرَب جِلده بشَوك الطَّلْح (٣) أتاه سهم غَرْبٌ فقتله، هو في الدرجة الثانية؛ ورجل جيد الإيمان خلط عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا لقي العدوَّ فصدق الله حتى قُتِل، فذاك في الدرجة الثالثة؛ ورجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافًا كثيرًا لقي العدو فصدق الله حتى قُتِل، فذاك في الدرجة الرابعة».

стр. 1489

وفي «المسند» و «صحيح ابن حبان» (١): «القتل (٢) ثلاثة: رجل مؤمن جاهَدَ بماله ونفسه في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يُقتَل، فذلك الشهيد المُمتَحَن في خيمة الله تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة؛ ورجل مؤمن قَرَف (٣) على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدوَّ قاتل حتى يُقتَل، فمَصْمَصةٌ (٤) مَحَتْ (٥) ذنوبه وخطاياه ــ إنَّ السيف مَحَّاء الخطايا ــ وأُدخل من أيِّ أبواب الجنة شاء، فإن لها ثمانيةَ أبواب ــ ولجهنَّمَ سبعةُ أبواب ــ وبعضها أفضل من بعض؛ ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدوَّ قاتل في سبيل الله حتى يُقتل، فإن ذلك في النار، إن السيف لا يمحو النفاق». وصحَّ عنه: «لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا» (٦). وسُئل أي الجهاد أفضل؟ فقال: «من جاهد المشركين بماله ونفسه»،

стр. 1490

قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: «من أُهرِيقَ دمُه وعُقِر جوادُه» (١). وفي «سنن ابن ماجه» (٢): «إن من أعظم الجهاد كلمةَ عدلٍ عند سلطان جائر». وهو لأحمد والنسائي مرسلًا (٣). وصحّ عنه أنه لا تزالُ طائفة من أمته يُقاتِلون على الحق لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة (٤). وفي لفظ: «حتى يُقاتِلَ آخرُهم المسيحَ الدجال» (٥).

стр. 1491

فصل وكان ﷺ يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يفرُّوا، وربما بايعهم على الموت، وبايعهم على الجهاد، كما بايعهم على الإسلام، وبايعهم على الهجرة قبل الفتح، وبايعهم على التوحيد والتزام طاعة الله ورسوله. وبايع نفرًا من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان السوط يسقط من يد أحدهم فينزل يأخذه ولا يقول لأحد: ناولني إياه (١). وكان يشاور أصحابه في أمر الجهاد ولقاء العدو وتخيُّرِ المنازل، وفي «المسند» (٢) عن أبي هريرة: «ما رأيت أحدًا أكثر مشورةً لأصحابه من رسول الله ﷺ ». وكان يتخلَّف في ساقتهم في المسير فيُزجي الضعيفَ ويُردف المنقطعَ (٣)، وكان أرفق الناس بهم في السير. وكان إذا أراد غزوةً ورى بغيرها (٤)؛ فيقول مثلًا إذا أراد غزوة خيبر: كيف طريق نجدٍ ومياهُها؟ ومَن بها من العدو؟ ونحو ذلك.

стр. 1492

وكان يقول: «الحرب خَدعة» (١). وكان يبعث العيون يأتونه بخبر عدوِّه، ويُطْلِع الطلائع، ويبثُّ الحرس. وكان إذا لقي عدوَّه وقف ودعا واستنصر الله، وأكثرَ هو وأصحابُه من ذكر الله، وخفضوا أصواتهم (٢). وكان يُرتِّب الجيش (٣) والمقاتِلةَ، ويجعل (٤) في كل (٥) جنبةٍ كفؤًا لها، وكان يبارَز بين يديه بأمره. وكان يلبس للحرب عُدَّته، وربما ظاهَر بين دِرعين، وكان له الألوية والرايات. وكان إذا ظهر على قوم أقام بِعَرْصَتهم ثلاثًا ثم قفل (٦). وكان إذا أراد أن يُغِير انتظر، فإن سمع في الحيِّ مؤذنًا لم يُغِرْ، وإلا أغار (٧). وكان ربما بيَّتَ (٨) عدوَّه، وربما فاجأهم نهارًا.

стр. 1493

وكان يحب الخروج يوم الخميس بكرة النهار (١). وكان العسكر إذا نزل انضمَّ بعضهم (٢) إلى بعضٍ حتى لو بُسط عليهم كساءٌ لعمَّهم (٣). وكان يرتب الصفوف ويُعَبِّيْهم عند القتال بيده، ويقول: «تقدم يا فلان، تأخر يا فلان» (٤). وكان يستحب للرجل منهم أن يقاتِل تحت راية قومه (٥). وكان إذا لقي العدوَّ يقول: «اللهم مُنْزِلَ الكتاب، ومُجريَ السحاب، وهازم الأحزاب، اهزِمْهم وانصرنا عليهم» (٦). وربما قال: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥ - ٤٦] (٧).

стр. 1494

وكان يقول: «اللهم أنزل نصرَك» (١)، وكان يقول: «اللهم أنت عَضُدي وأنت نصيري، وبك أقاتل» (٢). وكان إذا اشتد البأس وحمي الحربُ وقصَدَه العدوُّ يُعْلِم بنفسه ويقول: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب (٣) وكان البأس إذا اشتد اتَّقَوا به ﷺ وكان أقربَهم إلى العدو (٤). وكان يجعل لأصحابه شعارًا في الحرب يُعرَفون به إذا تكلموا، وكان شعارهم مرةً: «أَمِتْ أَمِتْ»، ومرةً: «يا منصور»، ومرةً: «حم لا ينصرون» (٥). وكان يلبس الدِّرْع والخُوذة ويتقلد السَّيف، ويحمل الرُّمحَ والقوس

стр. 1495

العربية، وكان يُتَرِّس (١) بالترس. وكان يحبُّ الخُيَلاء في الحرب، وقال: «إن منها ما يحبه الله، ومنها ما يُبغِض؛ فأما الخيلاء التي يحبُّ (٢) اللهُ فاختيالُ الرجل نفسَه عند اللقاء واختيالُه عند الصدقة، وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي والفخر (٣)» (٤). وقاتل مرةً بالمَنْجَنيق نصبه على أهل الطائف (٥). وكان ينهى عن قتل النساء والوِلدان (٦)، وكان ينظر في المقاتِلة فمن رآه أنبت قَتَله، ومن لم ينبت استحياه (٧). وكان إذا بعث سريةً يُوصيهم بتقوى الله ويقول: «سيروا بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثِّلُوا ولا تَغدِروا، ولا تقتلوا وليدًا» (٨). وكان ينهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو (٩).

стр. 1496

وكان يأمر أمير سريَّته أن يدعو عدوَّه قبلَ القتال، إما إلى الإسلام والهجرة، أو للإسلام (١) دون الهجرة ويكونوا كأعراب المسلمين ليس لهم في الفيء نصيب، أو بذل الجزية؛ فأيّها (٢) أجابوا إليه قُبِل منهم، وإلا استعان بالله وقاتلهم (٣). وكان إذا ظفر بعدوِّه أمر مناديًا فجمع الغنائم كلَّها، فبدأ بالأسلاب فأعطاها لأهلها (٤)، ثم أخرج خُمس الباقي فوضعه حيث أراه الله وأمره به من مصالح الإسلام، ثم يرضخ من الباقي لمن لا سهم له من النساء والصبيان والعبيد (٥)، ثم قسم الباقي بالسويَّة بين الجيش، للفارس ثلاثةُ أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، وللرَّاجِل سهم (٦)، هذا هو الصحيح الثَّبْت (٧) عنه.

стр. 1497

وكان يُنفِّل مِن صُلب الغنيمة بحسب ما يراه من المصلحة. وقيل: بل كان النفل من الخُمس. وقيل ــ وهو أضعف الأقوال ــ: بل كان من خمس الخمس. وجمع لسلمة بن الأكوَع في بعض مغازيه بين سهم الراجل والفارس فأعطاه خمسة أسهم (١) لعظم غَنائه في تلك الغزوة (٢). وكان يُسوِّي بين الضعيفِ والقويِّ في القسمة ما عدا النفل (٣). وكان إذا أغار في أرض العدوِّ بعث سريَّةً بين يديه، فما غنِمت أخرج خُمسه، ونفَّلها ربعَ الباقي، وقسم الباقي بينها وبين سائر الجيش، وإذا رجع فعل ذلك ونفَّلها الثُّلُث، ومع ذلك فكان يكره النَّفْل ويقول: «ليَرُدَّ قويُّ المؤمنين على ضعيفهم» (٤). وكان له ﷺ سهم من الغنيمة يُدعى «الصَّفِيَّ» إن شاء عبدًا وإن شاء أمةً (٥) وإن شاء فرسًا، يختاره قبلَ الخمس (٦).

стр. 1498

قالت: عائشة: «وكانت صفيةُ من الصفي»، رواه أبو داود (١). ولهذا في كتابه إلى بني زُهَير بن أُقَيش: «إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأدَّيتم الخمس من المغنم وسهمَ النبي ﷺ وسهمَ الصفيِّ= أنتم آمنون بأمان الله ورسوله» (٢). وكان سيفه ذو الفقار من الصفي (٣). وكان يُسهِم لمن غاب لمصلحة المسلمين، كما أسهم لعثمان سهمَه من بدرٍ ولم يحضرها، لمكان تمريضه لامرأته ابنةِ رسول الله ﷺ ، فقال: «إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله»، فضرب له بسهمه وأجره (٤). وكانوا يشترون معه في الغزو ويبيعون، وهو يراهم ولا ينهاهم، وأخبره رجل أنه ربح ربحًا لم يربح مثلَه أحدٌ، فقال: «وما هو؟» قال: ما زلت أبيع وأبتاع حتى ربحت ثلاثمائة أوقية، فقال: «أنا أنبئك بخير رجل ربحًا»، قال:

стр. 1499

ما هو يا رسول الله؟ قال: «ركعتين بعد الصلاة» (١). وكانوا يستأجرون الأُجَراء للغزو على نوعين: أحدهما: أن يَخرج الرجلُ ويستأجر من يخدمه في سفره. والثاني: أن يستأجر من ماله مَن يخرج في الجهاد ويسمُّون ذلك الجعائل. وفيها قال: النبي ﷺ : «للغازي أجرُه، وللجاعل أجره وأجرُ الغازي» (٢). وكانوا يتشاركون في الغنيمة على نوعين أيضًا: أحدهما: شركة الأبدان. والثاني: أن يدفع الرجل بعيرَه إلى الرجل أو فرسَه يغزو عليه على النصف مما يغنم، حتى ربَّما اقتسما السهم فأصاب أحدُهما قِدْحَه والآخرُ نَصْلَه ورِيشَه. وقال ابن مسعود: اشتركت أنا وعمَّار وسعد فيما نصيب يوم بدرٍ، فجاء سعد بأسيرَين، ولم أجئ أنا وعمَّار بشيء (٣).

стр. 1500

وكان يبعث السريَّة فرسانًا تارةً، ورَجَّالةً أخرى، وكان لا يُسهم لمن قَدِم من المدد بعد الفتح. فصل وكان يعطي سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب دون إخوتهم من بني عبد شمس وبني نوفل، وقال: «إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد» وشبَّك بين أصابعه، وقال: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» (١). فصل وكان المسلمون يصيبون معه في مغازيهم العسلَ والعنب والطعام فيأكلونه ولا يرفعونه في المغانم؛ قال ابن عمر: «إن جيشًا غنموا في زمان رسول الله ﷺ طعامًا وعسلًا فلم يؤخذ منهم الخمس»، ذكره أبو داود (٢). وتفرَّد عبد الله بن مُغَفَّلٍ يومَ خيبرَ بجِرابِ شحمٍ وقال: «لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا»، فسمعه رسول الله ﷺ فتبسَّم ولم يقل له شيئًا (٣).

стр. 1501

وقيل لابن أبي أوفى: هل كنتم تخمِّسون الطعام في عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: «أصبنا طعامًا يوم خيبر فكان الرجلُ يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف» (١). وقال بعض الصحابة: «كنا نأكل الجوز (٢) في الغزو ولا نَقْسِمه، حتى إن كنا لنرجعُ إلى رِحالنا وأخرِجَتُنا (٣) منه مملوءة (٤). فصل وكان ينهى في مغازيه عن النُّهبة والمُثلة وقال: «من انتهب نهبةً فليس منا» (٥).

стр. 1502

وأمر بالقدور التي طبخت من النُّهبى فأُكفئت (١). وذكر أبو داود (٢) عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأصاب الناس حاجة شديدة وجَهد، وأصابوا غنمًا فانتهبوها، فإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله ﷺ يمشي على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمّل اللحم بالتراب ثم قال: «إن النُّهبة ليست بأحلَّ من الميتة» أو: «إن الميتة ليست بأحلَّ من النهبة». وكان ينهى أن يركب الرجل دابةً من الفيء حتى إذا أعجفها ردَّها فيه، وأن يلبس ثوبًا من الفيء حتى إذا أخلقه ردَّه فيه (٣)؛ ولم يمنع من الانتفاع به حال الحرب. فصل وكان يشدد في الغلول جدًّا ويقول: «هو عار ونار وشَنار على أهله يوم القيامة» (٤).

стр. 1503

ولمّا أُصيب غلامُه مِدْعَم قال بعض الصحابة (١): هنيئًا له الجنة، فقال: «كلَّا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبرَ من المغانم لم تُصِبْها المقاسمُ لتشتعل عليه نارًا»، فجاء رجل بشِراك أو شِراكين لما سمع ذلك فقال: «شراك ــ أو: شراكان ــ من نار» (٢). وقال أبو هريرة: قام فينا رسول الله ﷺ فذكر الغلول فعظَّمَه وعظَّم أمره فقال: «لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء، على رقبته فرس له حَمحَمة، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتُك؛ على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك؛ على رقبته رِقاع تَخفِق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك» (٣). وقال لمن كان على ثَقَله وقد مات: «هو في النار»، فذهبوا ينظرون

стр. 1504

فوجدوا عَباءةً قد غلَّها (١). وقالوا في بعض غزواتهم: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: وفلان شهيد، فقال: «كلَّا، إني رأيته في النار في بردةٍ غلَّها ــ أو: عباءة ــ»، ثم قال رسول الله ﷺ : «يا ابنَ الخطاب اذهبْ فنادِ في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» (٢). وتوفِّي رجل يومَ خيبرَ فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «صلُّوا على صاحبكم»، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: «إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله شيئًا (٣)»، ففتَّشُوا متاعَه فوجدوا خَرَزًا من خرز يهود لا يساوي درهمين (٤). وكان إذا أصاب غنيمةً أمر بلالًا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم، فيُخمِّسها ويَقْسِمها (٥)، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: «سمعتَ بلالًا نادى ثلاثًا؟» قال: نعم، قال: «فما منعك أن تجيء به؟» فاعتذر، فقال:

стр. 1505

«كن أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبَلَه عنك» (١). فصل وأمر بتحريق متاع الغالِّ وضَرْبِه (٢)، وحرَّقه الخليفتان الراشدان بعده (٣). فقيل: هذا منسوخ بسائر الأحاديث التي ذكرت، فإنه لم يجئ التحريقُ في شيءٍ منها. وقيل ــ وهو الصواب ــ: إن هذا من باب التعزير والعقوباتِ المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة بحسب المصلحة، فإنه حرَّق وترك، وكذلك خلفاؤه من بعده.

стр. 1506

ونظير هذا قتلُ شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة (١)، فليس (٢) بحدٍّ ولا منسوخ، وإنما هو تعزير يتعلَّق باجتهاد الإمام (٣). فصل في هديه في الأسارى كان يَمُنُّ على بعضهم، ويَقتل بعضَهم، ويُفادي بعضَهم بالمال وبعضَهم بأسرى المسلمين؛ قد فعل ذلك كلَّه بحسب المصلحة: - ففادى بأسارى بدر بمال، وقال: «لو كان المُطْعِم بن عديٍّ حيًّا ثم كلَّمني في هؤلاء النَّتْنَى لتركتُهم له» (٤). - وهبط عليه في صلح الحديبية سبعون (٥) متسلِّحين (٦) يريدون غِرَّته، فأَسَرهم ثم مَنَّ عليهم (٧).

стр. 1507

- وأسر ثُمامة بن أُثال سيِّدَ بني حنيفة فربطه بسارية المسجد، ثم أطلقه فأسلم (١). - واستشار الصحابة في أُسارى بدرٍ، فأشار عليه الصديقُ أن يأخذَ منهم فديةً تكون لهم قوةً على عدوِّهم ويُطلقَهم، لعلَّ الله أن يهديهم للإسلام، وقال عمر: لا والله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكِّنَنا فنضربَ أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فهَوِي رسولُ الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر، فلمّا كان من الغد أقبل عمر فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر يبكيان، فقال: أخبرني يا رسول الله، من أي شيءٍ تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيتُ لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : «أبكي للذي عَرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرِض عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرة»، وأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (٢) [الأنفال: ٦٧] (٣). وقد تكلم الناس في أيِّ الرَّأيين كان أصوب، فرجحت طائفة رأيَ عمر لهذا الحديث؛ ورجَّحت طائفة رأي أبي بكر لاستقرار الأمر عليه، وموافقته (٤) الكتابَ الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم، ولموافقته الرحمةَ التي غلبت

стр. 1508

الغضب، ولتشبيه النبي ﷺ له في ذلك بإبراهيم وعيسى وتشبيهه لعمر بنُوحٍ وموسى (١)، ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثرِ أولئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفِداء، ولموافقة رسول الله ﷺ لأبي بكر أولًا، ولموافقة الله له آخرًا حيث استقرَّ الأمر على رأيه ــ فلكمال نظر الصديق كأنّه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرًا ــ، وغلبةِ جانب الرحمة على جانب العقوبة. قالوا: وأما بكاء النبي ﷺ ، فإنما كان رحمةً لنزول العذاب بمن أراد بذلك عَرَض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله ﷺ ولا أبو بكر وإن أراده بعض الصحابة، فالفتنة كانت تعمُّ ولا تصيب من أراد ذلك خاصةً، كما هُزِم العسكر يوم حنين بقول أحدهم: لن نُغلَب اليوم من قلة، وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم فهُزِم الجيش بذلك فتنةً ومحنةً، ثم استقرَّ الأمرُ على النصر والظفر، والله أعلم. - واستأذنه الأنصار أن يتركوا للعباس عمِّه (٢) فداءَه فقال: «لا تدعون منه درهمًا» (٣). - واستوهب من سلمة بن الأكوع جاريةً نفَّلَه إيَّاها أبو بكر في بعض مغازيه، فوهبها له، فبعث بها إلى مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين (٤).

стр. 1509

- وفدى رجلين من المسلمين برجلٍ من عُقيلٍ (١). - وردَّ سبْيَ هوازن عليهم بعد القسمة، واستطاب قلوب الغانمين فطيَّبوا له، وعوَّض مَن لم يُطيِّب من ذلك بكل إنسان ستَّ فرائضَ (٢). - وقَتَل عقبة بن أبي مُعَيط من الأسرى وقتل النضر بن الحارث لشدَّةِ عداوتِهما لِلّاه ورسوله (٣). وذكر الإمام أحمد (٤) عن ابن عباس قال: كان ناسٌ من الأسرى لم يكن لهم مال فجعل رسول الله ﷺ فداءَهم أن يعلِّمُوا أولاد الأنصارِ الكتابةَ. وهذا يدل على جواز الفداء بالعمل كما يجوز بالمال. وكان هديه أن من أسلم قبل الأَسْرِ لم يُسترقَّ. وكان يَسترقُّ سَبْيَ العرب كما يسترق غيرَهم من أهل الكتاب، وكان عند عائشة سبيَّة منهم فقال: «أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل» (٥).

стр. 1510

وفي الطبراني (١) مرفوعًا: «من كان عليه رقبة من ولد إسماعيلَ فليُعتِقْ من بَلْعَنْبر». ولما قَسَم سبايا بني المصطلق وقعت جويريةُ بنت الحارث في السبي لثابت بن قيس بن شمَّاس فكاتبَتْه على نفسها، فقضى رسول الله ﷺ كتابتها وتزوَّجها، فأُعتِقَ بتزويجه إياها مئةُ أهلِ بيتٍ من بني المصطلق إكرامًا لصهر رسول الله ﷺ (٢)؛ وهي من صريح العرب. ولم يكونوا يتوقفون في وطء سبايا العرب (٣) على الإسلام، بل كانوا يطؤوهن (٤) بعد الاستبراء، وأباح الله لهم ذلك ولم يشترط الإسلام، بل قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فأباح وطء ملك اليمين وإن كانت محصنةً إذا انقضت عدُّتها بالاستبراء.
следующие страницы →