← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

ونظير هذا قتلُ شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة (١)، فليس (٢) بحدٍّ ولا منسوخ، وإنما هو تعزير يتعلَّق باجتهاد الإمام (٣). فصل في هديه في الأسارى كان يَمُنُّ على بعضهم، ويَقتل بعضَهم، ويُفادي بعضَهم بالمال وبعضَهم بأسرى المسلمين؛ قد فعل ذلك كلَّه بحسب المصلحة: - ففادى بأسارى بدر بمال، وقال: «لو كان المُطْعِم بن عديٍّ حيًّا ثم كلَّمني في هؤلاء النَّتْنَى لتركتُهم له» (٤). - وهبط عليه في صلح الحديبية سبعون (٥) متسلِّحين (٦) يريدون غِرَّته، فأَسَرهم ثم مَنَّ عليهم (٧).

стр. 1507

- وأسر ثُمامة بن أُثال سيِّدَ بني حنيفة فربطه بسارية المسجد، ثم أطلقه فأسلم (١). - واستشار الصحابة في أُسارى بدرٍ، فأشار عليه الصديقُ أن يأخذَ منهم فديةً تكون لهم قوةً على عدوِّهم ويُطلقَهم، لعلَّ الله أن يهديهم للإسلام، وقال عمر: لا والله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكِّنَنا فنضربَ أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فهَوِي رسولُ الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر، فلمّا كان من الغد أقبل عمر فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر يبكيان، فقال: أخبرني يا رسول الله، من أي شيءٍ تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيتُ لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : «أبكي للذي عَرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرِض عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرة»، وأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (٢) [الأنفال: ٦٧] (٣). وقد تكلم الناس في أيِّ الرَّأيين كان أصوب، فرجحت طائفة رأيَ عمر لهذا الحديث؛ ورجَّحت طائفة رأي أبي بكر لاستقرار الأمر عليه، وموافقته (٤) الكتابَ الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم، ولموافقته الرحمةَ التي غلبت

стр. 1508

الغضب، ولتشبيه النبي ﷺ له في ذلك بإبراهيم وعيسى وتشبيهه لعمر بنُوحٍ وموسى (١)، ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثرِ أولئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفِداء، ولموافقة رسول الله ﷺ لأبي بكر أولًا، ولموافقة الله له آخرًا حيث استقرَّ الأمر على رأيه ــ فلكمال نظر الصديق كأنّه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرًا ــ، وغلبةِ جانب الرحمة على جانب العقوبة. قالوا: وأما بكاء النبي ﷺ ، فإنما كان رحمةً لنزول العذاب بمن أراد بذلك عَرَض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله ﷺ ولا أبو بكر وإن أراده بعض الصحابة، فالفتنة كانت تعمُّ ولا تصيب من أراد ذلك خاصةً، كما هُزِم العسكر يوم حنين بقول أحدهم: لن نُغلَب اليوم من قلة، وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم فهُزِم الجيش بذلك فتنةً ومحنةً، ثم استقرَّ الأمرُ على النصر والظفر، والله أعلم. - واستأذنه الأنصار أن يتركوا للعباس عمِّه (٢) فداءَه فقال: «لا تدعون منه درهمًا» (٣). - واستوهب من سلمة بن الأكوع جاريةً نفَّلَه إيَّاها أبو بكر في بعض مغازيه، فوهبها له، فبعث بها إلى مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين (٤).

стр. 1509

- وفدى رجلين من المسلمين برجلٍ من عُقيلٍ (١). - وردَّ سبْيَ هوازن عليهم بعد القسمة، واستطاب قلوب الغانمين فطيَّبوا له، وعوَّض مَن لم يُطيِّب من ذلك بكل إنسان ستَّ فرائضَ (٢). - وقَتَل عقبة بن أبي مُعَيط من الأسرى وقتل النضر بن الحارث لشدَّةِ عداوتِهما لِلّاه ورسوله (٣). وذكر الإمام أحمد (٤) عن ابن عباس قال: كان ناسٌ من الأسرى لم يكن لهم مال فجعل رسول الله ﷺ فداءَهم أن يعلِّمُوا أولاد الأنصارِ الكتابةَ. وهذا يدل على جواز الفداء بالعمل كما يجوز بالمال. وكان هديه أن من أسلم قبل الأَسْرِ لم يُسترقَّ. وكان يَسترقُّ سَبْيَ العرب كما يسترق غيرَهم من أهل الكتاب، وكان عند عائشة سبيَّة منهم فقال: «أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل» (٥).

стр. 1510

وفي الطبراني (١) مرفوعًا: «من كان عليه رقبة من ولد إسماعيلَ فليُعتِقْ من بَلْعَنْبر». ولما قَسَم سبايا بني المصطلق وقعت جويريةُ بنت الحارث في السبي لثابت بن قيس بن شمَّاس فكاتبَتْه على نفسها، فقضى رسول الله ﷺ كتابتها وتزوَّجها، فأُعتِقَ بتزويجه إياها مئةُ أهلِ بيتٍ من بني المصطلق إكرامًا لصهر رسول الله ﷺ (٢)؛ وهي من صريح العرب. ولم يكونوا يتوقفون في وطء سبايا العرب (٣) على الإسلام، بل كانوا يطؤوهن (٤) بعد الاستبراء، وأباح الله لهم ذلك ولم يشترط الإسلام، بل قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فأباح وطء ملك اليمين وإن كانت محصنةً إذا انقضت عدُّتها بالاستبراء.

стр. 1511

وقال له سلمة بن الأكوع لما استوهبه الجاريةَ من السبي: يا رسول الله، واللهِ لقد أعجبَتْني وما كشفتُ لها ثوبًا؛ ولو كان وطؤها حرامًا قبل الإسلام عندهم لم يكن لهذا القول معنًى، ولم تكن قد أسلمت لأنها فدى بها أناسًا من المسلمين بمكة، والمسلم لا يفادى به. وبالجملة فلا يُعرَف في أثرٍ واحد قطُّ اشتراطُ الإسلام منهم قولًا أو فعلًا في وطء المَسبيَّة، فالصواب الذي كان عليه هديه وهدي أصحابه استرقاقُ العرب ووطءُ المَسبيَّات منهم (١) بملك اليمين من غير اشتراط الإسلام (٢). فصل وكان ﷺ يمنع التفريق في السبي بين الوالدة وولدها، ويقول: «من فرَّق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة» (٣). وكان يؤتى (٤) بالسَّبي فيعطي أهلَ البيت جميعًا كراهيةَ أن يفرِّق بينهم (٥).

стр. 1512

فصل في هديه فيمن جسَّ عليه ثبت عنه أنه قتل جاسوسًا من المشركين (١). وثبت عنه أنه لم يقتل حاطِبًا وقد جسَّ عليه، واستأذنه عمر في قتله، فقال: «وما يدريك لعل الله اطَّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٢)؛ فاستدل به من لا يرى قتل المسلم الجاسوس كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة. واستدلَّ به من يرى قتله كمالك وابنِ عَقيلٍ من أصحاب أحمد وغيرهما (٣)، قالوا: لأنه علَّل بعلةٍ مانعة من القتل منتفيةٍ في غيره، ولو كان الإسلام مانعًا من قتله لم يعلِّل بأخصَّ منه، لأن الحكم إذا عُلِّل بالأعم كان الأخصُّ عديمَ التأثير؛ وهذا أقوى، والله أعلم. (٤) وكان هديه عِتق عبيد المشركين (٥) إذا خرجوا إلى المسلمين وأسلموا، ويقول: «هم عُتقاء الله » (٦).

стр. 1513

وكان هديه أنَّ من أسلم على شيءٍ في يده فهو له ، ولم ينظر إلى سببه قبل الإسلام بل يُقرُّه في يده (١) كما كان قبل الإسلام، ولم يكن يُضمِّن المشركين إذا أسلموا ما أتلفوه على المسلمين من نفس أو مالٍ حالَ الحرب ولا قبله. وعزم الصديق على تضمين المحاربين من أهل الردَّة ديات المسلمين وأموالهم، فقال عمر: «تلك دماء أصيبت في الله، وأجورهم على الله، ولا دية لشهيد»، فأَصْفَق (٢) الصحابةُ على ما قال عمر (٣). ولم يكن يَرُدَّ أيضًا على المسلمين أعيان أموالهم التي أخذها منهم الكفار قهرًا بعد إسلامهم، بل كانوا يرونها بأيديهم ولا يتعرَّضُون لها، سواءٌ في ذلك العقار والمنقول؛ هذا هديه الذي لا شك فيه. ولمّا فتح مكة قام إليه رجال من المهاجرين يسألونه أن يرد عليهم دُورَهم التي استولى عليها المشركون، فلم يَردَّ على أحدٍ منهم دارَه، وذلك لأنهم تركوها لله وخرجوا عنها ابتغاء مرضاته، فأعاضهم عليها دورًا خيرًا منها في الجنة، فليس لهم أن يرجعوا فيما تركوه لله. بل أبلغ من ذلك أنه لم يُرخِّص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد نسكه أكثر من ثلاث (٤)، لأنه قد ترك بلده لله وهاجر منه، فليس له أن يعود ويستوطنه، ولهذا رثى لسعد بن خولة

стр. 1514

وسماه بائسًا أن مات بمكة ودُفن بها بعد هجرته منها (١). فصل في هديه في الأرض المغنومة ثبت عنه أنه قسم أرض بني (٢) قريظة وبني النضير وخيبر بين الغانمين. وأما المدينةُ ففُتِحت بالقرآن وأسلم عليها أهلها فأُقِرَّت بحالها. وأما مكةُ ففتحها عنوةً ولم يَقْسِمها، فأشكل على طائفة من العلماء الجمعُ بين فتحها عنوةً وتركِ قسمتها، فقالت طائفة: لأنها دار المناسك، وهي وقف على المسلمين كلِّهم وهم فيها سواء، فلا يمكن قسمتها. ثم مِن هؤلاء مَن منع بيعها وإجارتها، ومنهم من جوَّز بيع رباعها ومنع إجارتها. والشافعي لمّا لم يجمع بين العَنْوة وبين عدمِ القسمة قال (٣): إنها فتحت صلحًا، فلذلك لم تُقسَم، قال: ولو فُتِحت عنوةً لكانت غنيمةً فتجب قسمتُها كما تجب قسمة الحيوان والمنقول. ولم يَرَ مَنْعَ بيعِ (٤) رباع مكة وإجارتها، واحتج بأنها مِلك لأربابها تُورَث عنهم وتُوهَب، وقد أضافها الله سبحانه إليهم إضافة الملك إلى مالكه (٥)، واشترى عمر بن الخطاب دارًا من

стр. 1515

صفوان بن أمية (١)، وقيل للنبي ﷺ : أين تنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال: «وهل ترك لنا عَقيل من رباع؟!» وكان عقيل ورث أبا طالب (٢). فلما كان أصله ﵁ أن الأرض من الغنائم، وأن الغنائم تجب قسمتُها، وأن مكة تُملَك وتُباع رباعُها ودورها، ولم تقسم= لم يجد بُدًّا من كونها فُتحت صلحًا. ولكن من تأمل الأحاديث الصحيحة وجدها كلَّها دالةً على قول الجمهور وأنها فُتحت عنوةً. ثم اختلفوا لأيِّ شيءٍ لم يَقْسِمها؟ فقالت طائفة: لأنها دار النسك ومحل العبادة، فهي وقف من الله على عباده المسلمين. وقالت طائفة: الإمام مخير في الأرض بين قِسمتها وبين وقفها، والنبي ﷺ قَسَم خيبر ولم يَقْسِم مكة، فدلَّ على جواز الأمرين. قالوا: والأرض لا تدخل في الغنائم المأمور بقسمتها، بل الغنائم هي الحيوان والمنقول، لأن الله تعالى لم يُحلَّ الغنائم لأمة غير هذه الأمة، وأحل لهم ديار (٣) الكفر

стр. 1516

وأرضهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ إلى قوله: (١) ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠ - ٢١]، وقال في ديار فرعون وقومه وأرضهم: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: ٥٩]، فعلم أن الأرض لا تدخل في الغنائم، والإمام مخيَّر فيها بحسب المصلحة، وقد قسم رسول الله ﷺ وترك، وعمر لم يقسم بل أقرَّها على حالها وضرب عليها خراجًا (٢) مستمرًّا في رقبتها يكون للمقاتِلة، فهذا معنى وقفها، ليس معناه الوقفَ الذي يَمنع من نقل الملك في الرقبة، بل يجوز بيع هذه الأرض كما هو عمل الأمة، وقد أجمعوا على أنها تورث والوقفُ لا يورث. وقد نص الإمام أحمد على أنها يجوز أن تُجعل صداقًا، والوقفُ لا يجوز أن يكون (٣) مهرًا في النكاح. ولأن الوقف إنما امتنع بيعُه ونقلُ الملك في رقبته لما في ذلك من إبطال حق البطون الموقوف عليهم من منفعته، والمقاتِلةُ حقُّهم في خراج الأرض، فمَن اشتراها صارت عنده خراجيَّةً كما كانت عند البائع سواءً، فلا يَبطل حقُ أحدٍ من المسلمين بهذا البيع، كما لم يَبطُل بالميراث والهبة والصداق. ونظير هذا بيع رقبة المكاتَب وقد انعقد فيه سبب الحرية بالكتابة، فإنه ينتقل إلى المشتري مكاتبًا كما كان عند البائع، ولا يَبطل ما انعقد في حقِّه من سبب العتق ببيعه، والله أعلم.

стр. 1517

ومما يدل على ذلك: أن النبي ﷺ قسم نصف أرض خيبر خاصَّةً، ولو كان حكمها حكمَ الغنيمة لقسمها كلَّها بعد الخمس؛ ففي «السنن» و «المسند» (١): «أن رسول الله ﷺ لمّا ظهر على خيبر قسمها على ستةٍ وثلاثين سهمًا، جمع كلُّ سهمٍ مائةَ سهمٍ، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصفُ من ذلك، وعزل النصف الباقي (٢) لمن نزل (٣) به من الوفود والأمور ونوائب الناس». هذا لفظ أبي داود. وفي لفظ (٤): «عزل رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهمًا ــ وهو الشطر ــ لنوائبه وما ينزل به من أمر المسلمين، فكان ذلك: الوَطِيح، والكتيبة، والسلالم، وتوابعها». وفي لفظ له أيضًا (٥): «فعزل نصفَها لنوائبه وما نزل به: الوطيحة والكتيبة وما أُحِيز معها، وعَزَل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين: الشق والنطاة وما أُحِيز معها، وكان سهم رسول الله ﷺ فيما أُحِيز معها». فصل والذي يدل على أن مكة فتحت عنوةً وجوه:

стр. 1518

أحدها: أنه لم يَنقل أحد قط أن النبي ﷺ صالح أهلها زمن الفتح. ولا جاءه أحدٌ منهم صالحه على البلد، وإنما جاءه أبو سفيان، فأعطاه الأمان لمن دخل داره أو دخل المسجد أو ألقى سلاحَه. ولو كانت قد فتحت صلحًا لم يقل: من دخل داره أو أغلق بابه أو دخل المسجد فهو آمِن، فإن الصلح يقتضي الأمان العام. الثاني: أن النبي ﷺ قال: «إن الله حبس عن مكةَ الفيلَ وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه أذن لي فيها ساعةً من نهار» (١). وفي لفظ: «إنها لم (٢) تَحِلَّ لأحد قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّت لي ساعةً من نهار» (٣). وفي لفظ: «فإنْ أحدٌ ترخَّص لِقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعةً من نهار، وقد عادت (٤) حرمتُها اليوم كحرمتها بالأمس» (٥). وهذا صريح في أنها فتحت عنوةً.

стр. 1519

وأيضًا: فإنه ثبت في «الصحيح» (١): أنه جعل يوم الفتح خالدَ بن الوليد على المُجنِّبة اليمنى، وجعل الزبير على المُجنِّبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذِقة (٢) وبطن الوادي فقال: «يا أبا هريرة ادعُ لي الأنصار»، فجاءوا يُهَروِلون فقال: «يا معشر الأنصار هل ترون أوباش قريش؟» قالوا: نعم، قال: «انظروا إذا لقيتموهم غدًا أن تَحصُدوهم حَصْدًا» وأَحْفَى (٣) بيده ووضع يمينه على شماله، وقال: «موعدكم الصفا»، قال: فما أشرف يومئذ لهم أحدٌ إلا أناموه (٤)، وصَعِد رسول الله ﷺ الصفا وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أبيدت خضراءُ قريش، لا قريش بعد اليوم! فقال رسول الله ﷺ : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن». وأيضًا: فإن أم هانئ أجارت رجلًا فأراد علي بن أبي طالب قتله، فقال النبي ﷺ : «قد أجرنا من أَجَرْتِ يا أم هانئ» (٥). وفي لفظ عنها: لمّا كان يوم

стр. 1520

فتح مكة أجرتُ رجلين من أحمائي، فأدخلتهما بيتًا وأغلقت عليهما بابًا، فجاء ابنُ أمِّي عليٌّ فتفلَّت (١) عليهما بالسيف، فذكرتْ حديثَ الأمان وقولَ النبي ﷺ : «قد أجرنا من أَجَرْتِ يا أمَّ هانئ» (٢). وذلك ضحًى بجوف مكة بعد الفتح؛ فإجارتُها له، وإرادةُ عليٍّ قتلَه، وتنفيذُ (٣) النبي ﷺ إجارتَها صريح في كونها فُتحت عنوةً. وأيضًا: فإنه أمر بقتل مِقْيَس بن صُبابة، وابن خَطَل، وجاريتين (٤)؛ ولو كانت فتحت صلحًا لم يأمر بقتل أحدٍ من أهلها، ولكان ذكر هؤلاء مستثنًى في عقد الصلح. وأيضًا: ففي «السنن» (٥) بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ لما كان يوم فتح مكة قال: «أَمِن الناسُ (٦) إلا أربعةَ نفرٍ وامرأتين؛ اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلِّقين بأستار الكعبة».

стр. 1521

فصل ومنع ﷺ من إقامة المسلم بين المشركين إذا قدر على الهجرة من بينهم، وقال: «أنا بريء مِن كلِّ مُسلم يقيم بين أظهر المشركين». قيل: يا رسول الله! ولم؟ قال: «لا تَرايا ناراهُما» (١). وقال: «من جامع المشركَ وسكن معه فهو مثله» (٢). وقال: «لا تنقطعُ الهجرة حتى تنقطعَ التوبة، ولا تنقطعُ التوبة حتى تَطلُعَ الشمسُ من مغربها» (٣).

стр. 1522

وقال: «ستكون هجرة بعد هجرة فخيارُ أهل الأرض ألزمُهم مهاجَرَ إبراهيم، ويبقى في الأرض شرارُ أهلها تلفظهم أرضوهم، تَقْذَرُهم نفسُ الله، ويحشرهم الله (١) مع القردة والخنازير» (٢). فصل في هديه في الأمان والصلح، ومعاملة رُسُل الكفار، وأخذ الجزية، ومعاملة أهل الكتاب والمنافقين، وإجارةِ من جاءه من الكفار يسمعُ كلامَ الله وردِّه إلى مأمنه، ووفائه بالعهد وبراءته من الغدر ثبت عنه أنه قال: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا (٣)» (٤). وقال: «المسلمون تتكافأ دماؤُهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمَّتهم أدناهم، لا يُقتَل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثًا فعلى نفسه، ومن أحدث حدثًا أو آوى مُحدِثًا فعليه لعنة الله والملائكة

стр. 1523

والناس أجمعين» (١). وثبت عنه أنه قال: «من كان بينه وبين قوم عهدٌ فلا يَحُلَّنَّ عقدةً ولا يشدَّها حتى يمضيَ أمدُه أو يَنبِذَ إليهم على سواء» (٢). وقال: «من آمن (٣) رجلًا على نفسه فقتله فأنا بريء من القاتل». وفي لفظ: «أعطي لواء غدرٍ» (٤). وقال: «لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يُعرَف به بقدرِ غَدْرَته (٥)، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان (٦)» (٧).

стр. 1524

ويذكر عنه أنه قال: «ما نقض قومٌ العهدَ إلا أُدِيل عليهم العدو» (١). فصل ولمّا قدم النبيُّ ﷺ المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام: - قسم صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه، ولا يُمالِئُوا عليه عدوَّه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم. - وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة. - وقسم تارَكوه فلم يُصالِحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمرُه وأمرُ أعدائه. ثم مِن هؤلاء من كان يحب ظهورَه وانتصاره في الباطن، ومنهم: من كان يحب ظهور عدوِّه عليه وانتصارَهم، ومنهم: من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون. فعامل كلَّ طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربُّه ﵎، فصالح يهودَ المدينة وكتب بينه وبينهم كتابَ أمنٍ، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بني قَينُقاع، وبني النَّضِير، وقُرَيظة. فحاربته بنو قينقاع بعد ذلك بعد بدرٍ، وشَرِقُوا بوقعة بدرٍ وأظهروا البغي

стр. 1525

والحسدَ، فسارت إليهم جنود الله يَقْدُمهم عبدُه ورسوله يومَ السبت النصفِ من شوال على رأس عشرين شهرًا من مُهاجَره، وكانوا حلفاءَ عبد الله بن أُبيٍّ ابن سَلول رئيسِ (١) المنافقين، وكانوا أشجعَ يهود المدينة. وحامل لواء المسلمين يومئذٍ حمزةُ بن عبد المطلب، واستَخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، وحاصرهم خمس عشرة ليلةً إلى هلال ذي القعدة. وهم أول من حارب من اليهود، وتحصَّنوا في حصونهم، فحاصرهم أشدَّ الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرُّعبَ الذي إذا أراد خِذلان قوم وهزيمتَهم أنزله عليهم وقذفه في قلوبهم، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم، فأمر بهم فكُتِّفُوا، وكلَّم عبدُ الله بن أبي فيهم رسولَ الله ﷺ وألحَّ عليه، فوهبهم له وأمرهم أن يَخرجوا من المدينة ولا يُجاوروه بها، فخرجوا إلى أَذْرِعاتِ الشام، فقلَّ أن لبِثُوا بها (٢) حتى هلك أكثرهم، وكانوا صاغةً وتُجَّارًا، وكانوا نحو الستمائة مقاتلٍ، وكانت دارهم في طرف المدينة. وقُبِض أموالُهم، فأخذ منها رسول الله ﷺ (٣) ثلاث قِسِيٍّ، ودِرعَين، وثلاثةَ أسياف، وثلاثة رماح؛ وخُمِّست غنائمُهم، وكان الذي تولَّى جمع

стр. 1526

الغنائم محمد بن مسلمة (١). والله أعلم (٢). فصل ثم نقض العهد بنو النضير. قال البخاري (٣): وكان ذلك بعد بدر بستة أشهر، قاله عروة. وسبب ذلك أنه ﷺ خرج إليهم في نفر من أصحابه وكلَّمهم أن يعينوه في دية الكلابِيَّين اللذين قتلهما عمرو بن أميَّة الضَّمْري (٤)، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي (٥) حاجتك، وخلا بعضُهم ببعضٍ وسوَّل لهم الشيطانُ ــ للشقاء الذي كتب عليهم ــ فتوامروا (٦) بقتله ﷺ ،

стр. 1527

وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحا ويصعد فيُلْقِيها على رأسه يَشْدَخُه بها؟ فقال أشقاها (١) عمرو بن جحاش: أنا، فقال لهم سلَّام بن مِشْكَم: لا تفعلوا، فواللهِ لَيُخبَرَنَّ بما هممتم به، وإنه لنَقْضُ العهد الذي بيننا وبينه، وجاء الوحي على الفور إليه مِن ربِّه ﵎ بما همُّوا به، فنهض مسرعًا وتوجَّه إلى المدينة، ولحقه أصحابه فقالوا: نهضتَ ولم نشعر بك، فأخبرهم بما همَّت يهودُ به (٢). وبعث إليهم رسول الله ﷺ أن: «اخرُجوا من المدينة، ولا تساكنوني بها، وقد أجَّلتُكم عشرًا، فمن وُجد بعد ذلك بها ضُرِبت عنقه»، فأقاموا أيَّامًا يتجهَّزون، وأرسل إليهم المنافقُ عبدُ الله بن أبي أن: لا تخرجوا مِن دياركم، فإن معي ألفين يدخلون معكم حِصنكم فيموتون دونكم، وتنصركم قريظةُ وحلفاؤكم من غطفان، وطمع رئيسهم حُيَيُّ بن أخطب فيما قال له وبعث إلى رسول الله ﷺ : إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنعْ ما بدا لك! فكبَّر رسولُ الله ﷺ وأصحابُه (٣) ونهضوا إليه، وعليُّ بن أبي طالب يحمل اللواء، فلما انتهى إليهم قاموا على حصونهم يرمونه بالنبل والحجارة، واعتزلتهم قريظةُ وخانهم ابنُ أبيٍّ وحلفاؤهم من غطفان، ولهذا شبه سبحانه قصتهم وجعل

стр. 1528

مثلهم ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦]، فإن سورة الحشر هي سورة بني (١) النضير (٢)، وفيها مبدأُ قصتهم ونهايتُها، فحاصرهم رسولُ الله ﷺ وقطع نخلهم (٣) وحرَّق، فأرسلوا إليه: نحن نخرج عن المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريِّهم وأنَّ لهم ما حملت الإبل إلا السلاح، وقبض النبيُّ ﷺ الأموالَ والحلقةَ (٤). وكانت بنو النضير خالصةً لرسول الله ﷺ ، لنوائبه ومصالح المسلمين، ولم يُخمِّسها لأن الله أفاءها عليه ولم يُوجِف المسلمون عليها بخيلٍ ولا ركاب؛ وخمَّس قريظة. قال مالك (٥): خمَّس رسول الله ﷺ قريظة ولم يُخمِّس بني النضير، لأن المسلمين لم يوجفوا بخيلهم ولا ركابهم على بني النضير كما أوجفوا على قريظة. وأجلاهم إلى خيبر، وفيهم حُيَي بن أخطب كبيرهم. وقبض السلاحَ واستولى على أرضهم وديارهم وأموالهم، فوجد من السلاح خمسين درعًا، وخمسين بيضةً، وثلاثمائة وأربعين سيفًا، وقال: «هؤلاء في قومهم بمنزلة بني

стр. 1529

المغيرة في قريش» (١). وكانت قصتهم في ربيع الأول سنة أربع من الهجرة. فصل وأما قريظة فكانت (٢) أشدَّ اليهود عداوةً لرسول الله ﷺ وأغلظَهم كفرًا، ولذلك جرى عليهم ما لم يَجرِ على إخوانهم. وكان سببُ غزوهم أن رسول الله ﷺ لمَّا خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صلح، جاء حُيَي بن أخطب إلى بني قريظة في ديارهم فقال: قد جئتكم بعزِّ الدهر، جئتكم بقريشٍ على سادتها وغطفانَ على قادتها، وأنتم أهلُ الشوكة والسلاح، فهَلُمَّ حتى نناجز محمَّدًا ونفرُغ منه، فقال له رئيسهم: بل جئتني واللهِ بذُلِّ الدهر، جئتني بسحاب قد أراق ماءَه فهو يَرعُد ويَبرُق، فلم يزل يُخادِعه ويَعِده ويُمنِّيه (٣) حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حصنه يصيبه ما أصابهم، ففعل ونقضوا عهدَ رسول الله ﷺ وأظهروا سبَّه، فبلغ رسول الله ﷺ الخبر فأرسل يستعلم الأمر، فوجدهم قد نقضوا العهد فكبَّر وقال: «أبشروا يا معشر المسلمين» (٤).

стр. 1530

فلما انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة فلم يكن إلا أن وضع سلاحَه فجاءه جبريل فقال: أوضعت السلاح؟ إن الملائكة لم تضع أسلحتها، فانهض بمن معك إلى بني قريظة، فإني سائِرٌ أمامَك أزلزل بهم حصونهم وأقذف في قلوبهم الرعب، فسار جبريل في موكبه من الملائكة، ورسول الله ﷺ على أثره في موكبه من المهاجرين والأنصار، وقال لأصحابه يومئذ: «لا يصلين أحدٌ منكم العصرَ إلا في بني قريظة» (١)، فبادَروا إلى امتثال أمره ونهضوا من فورهم، فأدركتهم العصرُ في الطريق، فقال بعضهم: لا نصليها إلا في بني قريظة كما أَمرَنا، فصلَّوها بعد عشاء الآخرة، وقال بعضهم: لم يُرِد منا ذلك وإنما أراد سرعة الخروج، فصلَّوها في الطريق؛ فلم يُعنِّف واحدةً من الطائفتين. واختلف الفقهاء أيهما كان أصوب؟ فقالت طائفة: الذين أخَّروها هم المُصيبون، ولو كنَّا معهم لأخَّرناها كما أخروها، ولما صلَّيناها إلا في بني قريظة امتثالًا لأمره وتركًا للتأويل المخالف للظاهر (٢). وقالت طائفة أخرى: بل الذين صلوها في الطريق في وقتها حازوا قَصَبَ السَّبْق، وكانوا أسعدَ بالفضيلتين، فإنهم بادروا إلى امتثال أمره في الخروج، وبادروا إلى مرضاته في الصلاة في وقتها، ثم بادروا إلى اللَّحاق بالقوم، فحازوا فضيلة الجهاد وفضيلة الصلاة في وقتها، وفهموا ما يُراد منهم، وكانوا أفقهَ من الآخرين، ولا سيَّما تلك الصلاة، فإنها كانت صلاة العصر، وهي

стр. 1531

الصلاةُ الوسطى بنصِّ رسول الله ﷺ الصحيح الصريح الذي لا مدفع له ولا مطعن فيه، ومجيءُ السنة بالمحافظة عليها والمبادرة إليها والتبكير بها، وأنَّ من فاتته فقد وُتِر أهلُه وماله أو قد حبط عمله، فالذي جاء فيها (١) أمر لم يجئ مثلُه في غيرها. وأما المؤخِّرون لها فغايتهم أنهم معذورون، بل مأجورون أجرًا واحدًا لتمسُّكهم بظاهر النص وقصدِهم امتثالَ الأمر. وأما أن يكون هم المصيبون (٢) في نفس الأمر، ومن بادر إلى الصلاة وإلى الجهاد مخطئًا، فحاشا وكلّا! فالذين صلَّوا في الطريق جمعوا بين الأدلة وحصَّلوا الفضيلتين، فلهم أجران، والآخرون مأجورون أيضًا ﵃. فإن قيل: كان تأخير الصلاة للجهاد حينئذ جائزًا مشروعًا، ولهذا كان عقبَ تأخير النبي ﷺ العصر يوم الخندق إلى الليل، فتأخيرهم صلاةَ العصر إلى الليل كتأخيره ﷺ لها يوم الخندق إلى الليل سواء، ولا سيما فإن (٣) ذلك كان قبل شَرْع (٤) صلاة الخوف. قيل: هذا سؤال قوي، وجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال: لم يثبت أن تأخير الصلاة عن وقتها كان جائزًا بعد بيان المواقيت، ولا دليل على ذلك إلا قصة الخندق، فإنها هي التي استدل

стр. 1532

بها من قال ذلك؛ ولا حجَّةَ فيها، لأنه ليس فيها بيان أن التأخير من النبي ﷺ كان عن عمدٍ، بل لعله كان نسيانًا، وفي القصة ما يشعر بذلك، فإن عمر لما قال له: يا رسول الله! ما كدتُ أصلي العصرَ حتى كادت الشمس تغرب، قال: «والله ما صَلَّيتُها» ثم قام فصلَّاها (١). وهذا مُشعر بأنه ﷺ كان ناسيًا بما هو فيه من الشغل والاهتمامِ بأمر العدو المحيط به، وعلى هذا يكون قد أخَّرها بعُذر النسيان كما أخَّرها بعذر النوم في سفره، وصلَّاها بعد استيقاظه وبعد ذكره لتتأسَّى أمته به. الجواب الثاني: أن هذا على تقدير ثبوته إنما هو في حال الخوف أو المسايفة عند الدَّهش عن تعقُّل أفعالِ الصلاة والإتيان بها، والصحابة في مسيرهم إلى بني قريظة لم يكونوا كذلك. بل كان أكثرُ (٢) أسفارِهم إلى العدوِّ قبل ذلك وبعده، ومعلوم أنهم لم يكونوا يؤخِّرون الصلاة عن وقتها؛ ولم تكن قريظة ممن يُخاف فوتُهم، فإنهم كانوا مقيمين بدارهم. فهذا منتهى أقدام الفريقين في هذا الموضع. فصل وأعطى رسول الله ﷺ الراية عليَّ بن أبي طالب، واستخلف على المدينة ابن أمِّ مكتوم، ونازل حصون بني قريظة وحصرهم خمسًا وعشرين ليلةً، ولما اشتدَّ بهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعبُ بن أسدٍ ثلاث خصال: إما أن يُسْلموا ويدخلوا مع محمد في دينه، وإما أن يقتلوا ذراريَّهم

стр. 1533

ويخرجوا إليه بالسيوف مُصْلِتين يناجزونه حتى يظفروا أو يُقْتلوا عن آخرهم، وإما أن يهجموا على رسول الله ﷺ وأصحابه ويَكبِسوهم يومَ السبت لأنهم قد أمنوا أن يقاتلوهم فيه، فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدةٍ منهن، فبعثوا إليه أن أرسِلْ إلينا أبا لُبابة بن عبد المنذر نستشيره، فلما رأوه قاموا في وجهه يبكون وقالوا: يا أبا لبابة كيف ترى لنا أن ننزل على حكم محمد؟ فقال: نعم وأشار بيده إلى حَلْقه، يعني أنه الذبح، ثم علم من فوره أنه قد خان الله ورسوله، فمضى على وجهه ــ ولم يرجع إلى رسول الله ﷺ ــ حتى أتى المسجد مسجد المدينة، فربط نفسه بسارية المسجد وحلف أن لا يحله إلا رسولُ الله ﷺ بيده، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدًا. فلما بلغ رسولَ الله ﷺ ذلك قال: «دعوه حتى يتوب الله عليه»، ثم تاب اللهُ عليه، وحلَّه رسولُ الله ﷺ بيده (١). ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فقامت إليه الأوسُ فقالوا: يا

стр. 1534

رسول الله، قد فعلتَ في بني قينقاع ما قد علمتَ وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا فأحسِنْ فيهم، فقال: «ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟» قالوا: بلى، قال: «فذلك إلى سعد بن معاذ»، قالوا: قد رضينا، فأرسل إلى سعد بن معاذ وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان به، فأُركب حمارًا وجاء إلى رسول الله ﷺ ، فجعلوا يقولون له وهم كنفتَيه (١): يا سعدُ، أجمِل في مواليك وأحسِنْ فيهم، فإن رسول الله ﷺ قد حكَّمك فيهم لتُحسن فيهم، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئًا، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة فنعى إليهم القومَ، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال للصحابة: «قوموا إلى سيدكم»، فلما أنزلوه قال (٢): «يا سعد، إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك»، فقال: وحكمي نافذ عليهم؟ قالوا (٣): نعم، قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم، قال: وعلى من هاهنا ــ وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية رسول الله ﷺ إجلالًا له وتعظيمًا ــ؟ فقال: «نعم، وعليَّ». فقال: فإني أحكم فيهم أن يُقتل الرجال وتُسبى الذريَّة وتُقسم الأموال، فقال رسول الله

стр. 1535

- ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الله مِن فوق سبع سماواتٍ» (١). وأسلم منهم تلك الليلة نفرٌ قبلَ النزول، وهرب عمرو بن سُعدى (٢) فانطلق فلم يُعلم أين ذهب، وكان قد أبى الدخول معهم في نقض العهد. فلما حكم فيهم بذلك، أمر رسولُ الله ﷺ بقتل كل من جرت عليه المواسي منهم، ومن لم يُنبت أُلحق بالذريَّة؛ فحُفِر لهم خنادق في سوق المدينة وضُربت أعناقهم، وكانوا ما بين الستمِائة إلى السبعمِائة. ولم يُقتل من النساء أحدٌ سوى امرأة واحدة كانت طرحت على رأس سُويد بن الصامت (٣) رحًى فقتلته. وجعل يذهب بهم إلى الخنادق أرسالًا أرسالًا فقالوا لرئيسهم كعب بن أسد: يا كعب، ما تراه يصنع بنا؟ فقال: أفي كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع والذاهب منكم لا يرجع؟ هو واللهِ القتل. قال مالك في رواية ابن القاسم (٤): قال عبد الله بن أُبيٍّ لسعد بن معاذ في أمرهم: إنهم أحد جناحيَّ ــ وهم ثلاثمائة دارعٍ وستمائة حاسرٍ ــ، فقال: قد آن لسعدٍ أن لا تأخذه في الله لومة لائم.

стр. 1536

ولمّا جيء بحُيَي بن أخطب إلى بين يديه (١) ووقع بصره عليه قال: أما والله ما لمتُ نفسي في معاداتك، ولكن من يغالب الله يُغلَب، ثم قال: أيها الناس، لا بأس قَدَرُ الله وملحمة كتبت على بني إسرائيل، ثم جلس فضُرِبت عنقه. واستوهب ثابتُ بن قيسٍ الزَّبِيرَ بن باطا وأهله وماله، فوهبهم له، فقال له ثابت: قد وهبك رسول الله ﷺ لي، ووهب لي مالَك وأهلَك فهم لك، فقال له: سألتك بيدي عندك يا ثابت إلا ألحقتني بالأحبَّة، فضَرَب (٢) عنقه وألحقه بأحبَّته من اليهود (٣). فهذا كله (٤) في يهود المدينة، وكانت غزوة كل طائفة منهم عَقِيبَ غزوةٍ من الغزوات الكبار، فغزوة بني قينقاع عَقِيبَ بدر، وغزوة بني النضير عقيب أُحُد، وغزوة بني قريظة عقيب الخندق. وأما يهود خيبر فسيأتي ذكر قصتهم إن شاء الله تعالى. فصل وكان هديه أنه إذا صالح قومًا، فنقض بعضُهم عهدَه وصُلْحَه، وأقرهم الباقون ورَضُوا به= غزا الجميعَ وجعلهم كلَّهم ناقضين، كما فعل بقريظة والنضير وبني قينقاع، وكما فعل بأهل مكة. فهذه سنته في أهل العهد، وعلى

стр. 1537

هذا ينبغي أن يُجرى أهلُ الذمة كما صرح به الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد وغيرِهم. وخالفهم أصحاب الشافعي فخصُّوا نقضَ العهد بمن نقضه خاصةً دون من رضي به وأقرَّ عليه، وفرَّقوا بينهما (١) بأن عقد الذمة أقوى وآكد، ولهذا كان موضوعًا على التأبيد بخلاف عقد الهدنة والصلح. والأولون يقولون: لا فرق بينهما، وعقدُ الذمة لم يوضع للتأبيد، بل بشرط استمرارهم ودوامهم على التزام ما فيه، فهو كعقد الصلح الذي وُضع للهدنة بشرط التزامهم أحكام ما وقع عليه العقد. قالوا: والنبي ﷺ لم يوقِّت عقدَ الصلح والهدنة بينه وبين اليهود لمَّا قَدِم المدينة، بل أطلقه ما داموا كافِّين عنه غيرَ محاربين له، فكانت تلك ذمَّتَهم غيرَ أن الجزية لم يكن نزل فرضُها بعدُ، فلما نزل فرضها ازداد ذلك إلى الشروط المشترطة في العقد، ولم يتغيَّر (٢) حكمُه وصار مقتضاه التأبيد؛ فإذا نقض بعضهم العهد، وأقرَّهم الباقون ورضوا بذلك، ولم يُعْلِموا به المسلمين صاروا في ذلك كنقض أهل العهد، فأهل العهد والصلح سواءٌ في هذا المعنى، ولا فرق بينهما فيه وإن افترقا من وجه آخر. يوضح هذا: أن المُقرَّ والراضيَ الساكت إن كان باقيًا على عهده وصلحه لم يَجُز قتاله ولا قتله (٣) في الموضعين، وإن كان بذلك خارجًا عن عهده

стр. 1538

وصلحه راجعًا إلى حاله الأولى قبل العهد والصلح لم يفترق الحال بين عقد الهُدنة وعقد الذمة في ذلك، فكيف يكون عائدًا إلى حاله في موضع دون موضع؟! هذا أمر غير معقول. يوضِّحه: أن تجدُّدَ أخذِ الجزية منه لا (١) يوجب له أن يكون مُوفيًا بعهده مع رضاه وممالأتِه ومواطأتِه لمن نقض، وعدمَ الجزية يوجب له أن يكون ناقضًا غادرًا غير مُوفٍ بعهده= هذا بين الامتناع. فالأقوال ثلاثة: النقض في الصورتين وهو الذي دلت عليه سنة رسول الله ﷺ في الكفار، وعدمُ النقض في الصورتين وهو أبعد الأقوال عن السنة، والتفريقُ بين الصورتين؛ والأول (٢) أصوبها. وبالله التوفيق. وبهذا القول أفتينا وليَّ الأمر لما أحرق النصارى أموالَ المسلمين بالشام ودُورَهم، وراموا حَرْقَ جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارته، وكاد ــ لولا دفاع الله ــ أن يحترقَ كلُّه (٣)، وعلم بذلك من علم من النصارى وواطأوا عليه وأقرُّوه ورضُوا به ولم يُعْلِموا به ولي الأمر، فاستفتى فيهم وليُّ الأمر من حضره من الفقهاء، وأفتيناه بانتقاض عهد من فعل ذلك أو أعان عليه بوجهٍ من الوجوه أو رضي به وأقر عليه، وأن حدَّه القتلُ حتمًا، ولا يُخيَّر الإمام فيه كالأسير، بل صار القتل له حدًّا، والإسلامُ لا يُسقط القتلَ إذا كان حدًّا ممن هو تحت الذمة ملتزمًا لأحكام الملّة (٤)؛ بخلاف الحربي إذا أسلم، فإن

стр. 1539

الإسلام يَعْصِم دمه وماله (١)، ولا يُقتل بما فعله قبل الإسلام، فهذا له حكم والذميُّ الناقضُ العهدِ إذا أسلم له حكم آخر. وهذا الذي ذكرناه هو (٢) الذي تقتضيه نصوص الإمام أحمد وأصوله، ونصَّ عليه شيخُ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحَه (٣) ــ وأفتى به في غير موضع (٤). فصل وكان هديه وسنته أنه إذا صالح قومًا وعاهدهم (٥) فانضاف إليهم عدو له سواهم فدخلوا معهم في عقدهم، وانضاف إليه قوم آخرون فدخلوا معه في عقده= صار حكمُ من حارب من دخل معه في عقده من الكفار حكمَ من حاربه. وبهذا السبب غزا أهلَ مكة، فإنه لما صالحهم على وضع الحرب بينه وبينهم عشرَ سنين تواثَبَتْ بنو بكر بن وائل فدخلت في عهد قريش وعقدِها، وتواثبت خزاعةُ فدخلت في عهد رسول الله ﷺ وعقده، ثم عَدَتْ بنو بكرٍ على خزاعةَ فبيَّتَتْهم وقتلت منهم، وأعانتهم قريش في الباطن بالسلاح، فعَدَّ رسولُ الله ﷺ قريشًا ناقضين للعهد بذلك واستجاز غزوَ بني بكر بن وائل لتعدِّيهم على حلفائه، وسيأتي ذكر القصة إن شاء الله تعالى.

стр. 1540

وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية (١) بغزو نصارى المشرق (٢) لما أعانوا عدوَّ المسلمين على قتالهم وأمدوهم بالمال والسلاح وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا، ورآهم بذلك ناقضين للعهد، كما نقضت قريش عهد النبي ﷺ بإعانتهم بني (٣) بكر بن وائل على حرب حلفائه، فكيف إذا أعان أهلُ الذمة المشركين على حرب المسلمين؟! فصل وكانت تَقْدَم (٤) عليه رسلُ أعدائه وهم على عداوته فلا يهيجهم ولا يقتلهم. ولما قدم (٥) عليه رسولا مسيلمةَ الكذاب ــ وهما: عبد الله بن النواحة، وابن أثال ــ قال لهما: «فما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال، فقال رسول الله ﷺ : «واللهِ لولا أن الرسل لا تُقتل لضربتُ أعناقكما» (٦)، فجرت سنته أن لا يُقتل رسول. وكان هديه أيضًا أن لا يحبسَ الرسولَ عنده إذا اختار دينه ويمنعَه (٧) من اللَّحاق بقومه، بل يردُّه إليهم كما قال أبو رافع: بعثتني قريش إلى النبي ﷺ ،

стр. 1541

فلمَّا أتيتُه وقع في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، لا أرجع إليهم، قال: «إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرُد، ارجِعْ إليهم، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجِعْ» (١). قال أبو داود: كان هذا في المدة التي شرط لهم النبي ﷺ أن يردَّ إليهم مَن جاءَه منهم وإن كان مسلمًا، وأما اليوم فلا يصلح هذا. انتهى. وفي قوله: «لا أحبس البُرُد» إشعار بأنَّ هذا حكم يختصُّ بالرسل مطلقًا، وأما ردُّه مَن جاء إليه منهم وإن كان مسلمًا، فهذا إنما يكون مع الشرط كما قال أبو داود، وأما الرسل فلهم حكم آخر، ألا تراه لم يتعرض لرسولَي مسيلمة وقد قالا له في وجهه: نشهد أن مسيلمة رسول الله. وكان من هديه أن أعداءه إذا عاهدوا واحدًا من أصحابه على عهدٍ لا يضرُّ بالمسلمين بغير رضاه أمضاه لهم، كما عاهدوا حذيفةَ وأباه أن لا يقاتلاهم (٢) معه ﷺ ، فأمضى لهم ذلك وقال لهما: «انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم ونستعين اللهَ عليهم» (٣). فصل وصالح قريشًا على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين على أن من جاءه منهم مسلمًا ردَّه إليهم، ومن جاءهم (٤) من عنده لا يردُّونه إليه، وكان

стр. 1542

اللفظ عامًّا في الرجال والنساء، فنسخ الله ذلك في حقِّ النساء وأبقاه في حق الرجال (١)، وأمر نبيَّه والمؤمنين أن يمتحنوا من جاءهم من النساء، فإن علموها مؤمنةً لم يردُّوها إلى الكفار، وأمرهم بردِّ مهرها إليهم لما فات على زوجها من منفعة بُضْعها، وأمر المسلمين أن يردُّوا على من ارتدت امرأتُه إليهم مهرَها إذا عاقبوا، بأن يجبَ عليهم ردُّ مهر المهاجرة فيردُّوه إلى من ارتدت امرأته، ولا يردُّونه (٢) إلى زوجها؛ فهذا هو العقاب، وليس من العذاب في شيء (٣). وكان في هذا دليل على أن خروج البضع من ملك الزوج متقوَّم، وأنه متقوَّم بالمسمى الذي هو ما أنفق الزوج لا بمهر المثل، وأن أنكحة الكفار لها حكم الصحة لا يُحكم عليها بالبطلان، وأنه لا يجوز ردُّ المسلمة المهاجرة إلى الكفار ولو شُرِط ذلك، وأن المسلمة لا يحل لها نكاحُ الكافر وأن المسلم له أن يتزوج المرأة المهاجرة إذا انقضت عدَّتُها وآتاها مهرها، وفي هذا أبين دلالة على خروج بضعها من ملك الزوج وانفساخِ نكاحها منه

стр. 1543

بالهجرة والإسلام. وفيه دليل على تحريم نكاح المشركة على المسلم، كما حُرِّم نكاحُ المسلمة على الكافر. وهذه أحكام استفيدت من هذه الآية (١)، وبعضُها مجمع عليه وبعضها مختلف فيه، وليس مع من ادعى نسخَها حجة البتة، فإن الشرط الذي وقع بين النبي ﷺ وبين الكفار مِن ردِّ من جاءه مسلمًا إليهم إن كان مختصًّا بالرجال لم تدخل النساء فيه، وإن كان عامًّا للرجال والنساء، فالله سبحانه خصَّصَ منه ردَّ النساء ونهاهم عن ردِّهن، وأمرهم بردِّ مُهورهن، وأن يردُّوا منها على من ارتدَّت امرأتُه إليهم من المسلمين المهرَ الذي أعطاها ثم أخبر أن ذلك حكمُه الذي يحكم به بين عباده، وأنه صادر عن علمه وحكمته (٢)، ولم يأت عنه ما ينافي هذا الحكم ويكون بعده حتى يكون ناسخًا له. ولمَّا صالحهم على ردِّ الرجال كان ﷺ يُمكِّنهم أن يأخذوا مَن أتى إليه منهم، ولا يُكرهه على العَود ولا يأمره به. وكان إذا قتل منهم أو أخذ مالًا، وقد فصل عن يده ولمَّا يَلحقْ بهم، لم ينكر عليه ذلك ولم يَضْمنه لهم، لأنه ليس تحت قهره ولا في قبضته ولا أمره بذلك، ولم يَقتضِ عقدُ الصلح الأمانَ على النفوس والأموال إلا ممَّن هو تحت قهره وفي قبضته، كما ضَمِن لبني جُذَيمة ما أتلفه عليهم خالد من نفوسهم وأموالهم، وأنكره وتبرَّأ منه. ولمّا

стр. 1544

كان خالد إنما قتلهم متأوِّلًا، وكان غزوهم بأمر النبي ﷺ (١)، ضَمِنهم بنصف دياتهم لأجل التأويل والشبهة، وأجراهم في ذلك مجرى أهل الكتاب الذين قد عصموا نفوسهم وأموالهم بعقد الذمة ولم يدخلوا في الإسلام. ولم يقتض عقدُ الصلح أن ينصرهم على من حاربهم ممن ليس في قبضة النبي ﷺ وتحت قهره، فكان في هذا دليل على أن المعاهدين إذا غزاهم قوم ليسوا تحت قهر الإمام وفي يده وإن كانوا من المسلمين= أنه لا يجب على الإمام ردُّهم عنهم، ولا منعهم من ذلك، ولا ضمان ما أتلفوه عليهم. وأخذ الأحكام المتعلقة بالحرب ومصالحِ الإسلام وأهله وأمورِ السياسات الشرعية من سِيَره ومغازيه أولى من أخذها من آراء الرجال؛ فهذا لون، وتلك لون، وبالله تعالى التوفيق. فصل وكذلك صالح أهل خيبر لمّا ظهر عليهم على أن يُجليهم منها، ولهم ما حملت ركابُهم، ولرسول الله ﷺ الصفراءُ والبيضاءُ والحَلَقةُ وهي السلاح. واشترط في عقد الصلح أن لا يكتموا ولا يُغيِّبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمةَ لهم ولا عهد، فغيَّبوا مَسْكًا فيه مال وحلي لحُيَي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله ﷺ لعمِّ حيي بن أخطب ــ واسمه سَعْية ــ: «ما فعل مَسْك حُيَي الذي جاء به من النضير؟»، فقال:

стр. 1545

أذهبته النفقات والحروب، فقال: «العهد قريب، والمال أكثر من ذلك»، وقد كان حُيَيٌّ قُتل مع بني قريظة لما دخل معهم، فدفع رسول الله ﷺ عمَّه (١) إلى الزبير ليستقرَّه (٢)، فمسَّه بعذاب، فقال: قد رأيتُ حُيَيًّا يطوف في خِربةٍ هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المَسْك في الخربة (٣). فقتل رسول الله ﷺ ابنَي أبي الحقيق، أحدُهما زوجُ صفية بنتِ حُيَيِّ بنِ أخطب، وسبى نساءهم وذراريَّهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم من خيبر فقالوا: دَعْنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم؛ ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غِلمان يكفونهم مُؤنتها، فدفعها إليهم على أنَّ لرسول الله ﷺ الشطرَ من كل شيءٍ يخرج منها من ثمرٍ أو زرع ولهم الشطر، وعلى أن يُقرَّهم فيها ما شاء. ولم يَعُمَّهم بالقتل كما عمَّ قريظةَ لاشتراك أولئك في نقض العهد. وأما هؤلاء، فالذين عَلِموا بالمَسْك وغيَّبوه وشرطوا له أنه إن ظهر فلا ذمةَ لهم ولا عهد، قَتَلهم بشرطهم على أنفسهم، ولم يتعدَّ ذلك إلى سائر أهل خيبر، فإنه معلوم قطعًا أن جميعهم لم يعلموا بمسك حُيَيٍّ وأنه مدفون في خِربة، فهذا نظير الذمي أو المعاهد إذا نقض العهدَ ولم يمالئه عليه غيرُه، فإن حكم
следующие страницы →