← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

فلمَّا أتيتُه وقع في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، لا أرجع إليهم، قال: «إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرُد، ارجِعْ إليهم، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجِعْ» (١). قال أبو داود: كان هذا في المدة التي شرط لهم النبي ﷺ أن يردَّ إليهم مَن جاءَه منهم وإن كان مسلمًا، وأما اليوم فلا يصلح هذا. انتهى. وفي قوله: «لا أحبس البُرُد» إشعار بأنَّ هذا حكم يختصُّ بالرسل مطلقًا، وأما ردُّه مَن جاء إليه منهم وإن كان مسلمًا، فهذا إنما يكون مع الشرط كما قال أبو داود، وأما الرسل فلهم حكم آخر، ألا تراه لم يتعرض لرسولَي مسيلمة وقد قالا له في وجهه: نشهد أن مسيلمة رسول الله. وكان من هديه أن أعداءه إذا عاهدوا واحدًا من أصحابه على عهدٍ لا يضرُّ بالمسلمين بغير رضاه أمضاه لهم، كما عاهدوا حذيفةَ وأباه أن لا يقاتلاهم (٢) معه ﷺ ، فأمضى لهم ذلك وقال لهما: «انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم ونستعين اللهَ عليهم» (٣). فصل وصالح قريشًا على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين على أن من جاءه منهم مسلمًا ردَّه إليهم، ومن جاءهم (٤) من عنده لا يردُّونه إليه، وكان

стр. 1542

اللفظ عامًّا في الرجال والنساء، فنسخ الله ذلك في حقِّ النساء وأبقاه في حق الرجال (١)، وأمر نبيَّه والمؤمنين أن يمتحنوا من جاءهم من النساء، فإن علموها مؤمنةً لم يردُّوها إلى الكفار، وأمرهم بردِّ مهرها إليهم لما فات على زوجها من منفعة بُضْعها، وأمر المسلمين أن يردُّوا على من ارتدت امرأتُه إليهم مهرَها إذا عاقبوا، بأن يجبَ عليهم ردُّ مهر المهاجرة فيردُّوه إلى من ارتدت امرأته، ولا يردُّونه (٢) إلى زوجها؛ فهذا هو العقاب، وليس من العذاب في شيء (٣). وكان في هذا دليل على أن خروج البضع من ملك الزوج متقوَّم، وأنه متقوَّم بالمسمى الذي هو ما أنفق الزوج لا بمهر المثل، وأن أنكحة الكفار لها حكم الصحة لا يُحكم عليها بالبطلان، وأنه لا يجوز ردُّ المسلمة المهاجرة إلى الكفار ولو شُرِط ذلك، وأن المسلمة لا يحل لها نكاحُ الكافر وأن المسلم له أن يتزوج المرأة المهاجرة إذا انقضت عدَّتُها وآتاها مهرها، وفي هذا أبين دلالة على خروج بضعها من ملك الزوج وانفساخِ نكاحها منه

стр. 1543

بالهجرة والإسلام. وفيه دليل على تحريم نكاح المشركة على المسلم، كما حُرِّم نكاحُ المسلمة على الكافر. وهذه أحكام استفيدت من هذه الآية (١)، وبعضُها مجمع عليه وبعضها مختلف فيه، وليس مع من ادعى نسخَها حجة البتة، فإن الشرط الذي وقع بين النبي ﷺ وبين الكفار مِن ردِّ من جاءه مسلمًا إليهم إن كان مختصًّا بالرجال لم تدخل النساء فيه، وإن كان عامًّا للرجال والنساء، فالله سبحانه خصَّصَ منه ردَّ النساء ونهاهم عن ردِّهن، وأمرهم بردِّ مُهورهن، وأن يردُّوا منها على من ارتدَّت امرأتُه إليهم من المسلمين المهرَ الذي أعطاها ثم أخبر أن ذلك حكمُه الذي يحكم به بين عباده، وأنه صادر عن علمه وحكمته (٢)، ولم يأت عنه ما ينافي هذا الحكم ويكون بعده حتى يكون ناسخًا له. ولمَّا صالحهم على ردِّ الرجال كان ﷺ يُمكِّنهم أن يأخذوا مَن أتى إليه منهم، ولا يُكرهه على العَود ولا يأمره به. وكان إذا قتل منهم أو أخذ مالًا، وقد فصل عن يده ولمَّا يَلحقْ بهم، لم ينكر عليه ذلك ولم يَضْمنه لهم، لأنه ليس تحت قهره ولا في قبضته ولا أمره بذلك، ولم يَقتضِ عقدُ الصلح الأمانَ على النفوس والأموال إلا ممَّن هو تحت قهره وفي قبضته، كما ضَمِن لبني جُذَيمة ما أتلفه عليهم خالد من نفوسهم وأموالهم، وأنكره وتبرَّأ منه. ولمّا

стр. 1544

كان خالد إنما قتلهم متأوِّلًا، وكان غزوهم بأمر النبي ﷺ (١)، ضَمِنهم بنصف دياتهم لأجل التأويل والشبهة، وأجراهم في ذلك مجرى أهل الكتاب الذين قد عصموا نفوسهم وأموالهم بعقد الذمة ولم يدخلوا في الإسلام. ولم يقتض عقدُ الصلح أن ينصرهم على من حاربهم ممن ليس في قبضة النبي ﷺ وتحت قهره، فكان في هذا دليل على أن المعاهدين إذا غزاهم قوم ليسوا تحت قهر الإمام وفي يده وإن كانوا من المسلمين= أنه لا يجب على الإمام ردُّهم عنهم، ولا منعهم من ذلك، ولا ضمان ما أتلفوه عليهم. وأخذ الأحكام المتعلقة بالحرب ومصالحِ الإسلام وأهله وأمورِ السياسات الشرعية من سِيَره ومغازيه أولى من أخذها من آراء الرجال؛ فهذا لون، وتلك لون، وبالله تعالى التوفيق. فصل وكذلك صالح أهل خيبر لمّا ظهر عليهم على أن يُجليهم منها، ولهم ما حملت ركابُهم، ولرسول الله ﷺ الصفراءُ والبيضاءُ والحَلَقةُ وهي السلاح. واشترط في عقد الصلح أن لا يكتموا ولا يُغيِّبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمةَ لهم ولا عهد، فغيَّبوا مَسْكًا فيه مال وحلي لحُيَي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله ﷺ لعمِّ حيي بن أخطب ــ واسمه سَعْية ــ: «ما فعل مَسْك حُيَي الذي جاء به من النضير؟»، فقال:

стр. 1545

أذهبته النفقات والحروب، فقال: «العهد قريب، والمال أكثر من ذلك»، وقد كان حُيَيٌّ قُتل مع بني قريظة لما دخل معهم، فدفع رسول الله ﷺ عمَّه (١) إلى الزبير ليستقرَّه (٢)، فمسَّه بعذاب، فقال: قد رأيتُ حُيَيًّا يطوف في خِربةٍ هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المَسْك في الخربة (٣). فقتل رسول الله ﷺ ابنَي أبي الحقيق، أحدُهما زوجُ صفية بنتِ حُيَيِّ بنِ أخطب، وسبى نساءهم وذراريَّهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم من خيبر فقالوا: دَعْنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم؛ ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غِلمان يكفونهم مُؤنتها، فدفعها إليهم على أنَّ لرسول الله ﷺ الشطرَ من كل شيءٍ يخرج منها من ثمرٍ أو زرع ولهم الشطر، وعلى أن يُقرَّهم فيها ما شاء. ولم يَعُمَّهم بالقتل كما عمَّ قريظةَ لاشتراك أولئك في نقض العهد. وأما هؤلاء، فالذين عَلِموا بالمَسْك وغيَّبوه وشرطوا له أنه إن ظهر فلا ذمةَ لهم ولا عهد، قَتَلهم بشرطهم على أنفسهم، ولم يتعدَّ ذلك إلى سائر أهل خيبر، فإنه معلوم قطعًا أن جميعهم لم يعلموا بمسك حُيَيٍّ وأنه مدفون في خِربة، فهذا نظير الذمي أو المعاهد إذا نقض العهدَ ولم يمالئه عليه غيرُه، فإن حكم

стр. 1546

النقض يختصُّ به. ثم في دَفْعِه إليهم الأرضَ على النصفِ دليلٌ ظاهر على جواز المساقاة والمزارعة، وكونُ الشجر نخلًا لا أثر له البتة، فحكم الشيء حكمُ نظيره؛ فبلدٌ شجرُهم الأعنابُ والتينُ وغيرُهما من الثمار في الحاجة إلى ذلك حكمُه حكمُ بلدٍ شجرُهم النخلُ سواءً ولا فرق. وفي ذلك دليل على أنه لا يُشترط كونُ البذر من رب الأرض، فإن رسول الله ﷺ صالحهم على الشطر ولم يعطهم بذرًا البتة، ولا كان يرسل إليهم ببذر؛ وهذا مقطوع به من سيرته، حتى قال بعض أهل العلم: إنه لو قيل باشتراط كونه من العامل لكان أقوى من القول باشتراط كونه من رب الأرض، لموافقته لسنَّة رسولِ الله ﷺ في أهل خيبر. والصحيح أنه يجوز أن يكون من العامل وأن يكون من رب الأرض، ولا يُشترط أن يختصَّ به أحدُهما، والذين شرطوه (١) من رب الأرض ليس معهم حجة أصلًا أكثرَ من قياسهم المزارعةَ (٢) على المضاربة، قالوا: فكما يُشترط (٣) في المضاربة أن يكون رأسُ المال من المالك والعملُ من المضارب، فهكذا في المزارعة، وكذلك المساقاة يكون (٤) الشجر من أحدهما والعمل عليها من الآخر. وهذا القياس إلى أن يكون حجةً عليهم أقربُ منه أن يكون حجةً لهم، فإن في المضاربة يعود رأس المال إلى المالك

стр. 1547

ويقتسمان الباقي، ولو شُرِط (١) ذلك في المزارعة فسدت عندهم، فلم يُجْرُوا البذرَ مجرى رأسِ المال، بل أجروه مجرى سائر المُغَلِّ (٢)، فبَطَل إلحاقُ المزارعة بالمضاربة على أصلهم. وأيضًا: فإن البذر جارٍ مجرى الماء ومجرى المنافع، فإن الزرع لا يتكوَّن وينمو به وحدَه، بل لا بد من السَّقْيِ والعملِ، والبذرُ يموت في الأرض وينشئ اللهُ (٣) الزرعَ من أجزاءٍ أُخَرَ تكون معه من الماء والريح والشمس والتراب والعمل، فحكم البذر حكم هذه الأجزاء. وأيضًا: فإن الأرض نظيرُ رأس المال في القِراض (٤)، وقد دفعها مالكُها إلى المزارع، وبذرُها وحرثها وسقيها نظيرُ عملِ المضارب؛ وهذا يقتضي أن يكون المُزارع أولى بالبذر من رب الأرض تشبيهًا له بالمضارب، فالذي جاءت به السنة هو الصواب الموافق لقياس الشرع وأصولِه. وفي القصة دليل على جواز عقد الهدنة مطلقًا من غير توقيتٍ بل ما شاء الإمام، ولم يجئ بعد ذلك ما ينسخ هذا الحكم البتة، فالصوابُ جوازه وصحته، وقد نص عليه الشافعيُّ في رواية المُزَني (٥)، ونصَّ عليه غيرُه من الأئمة؛ ولكن لا يَنهض إليهم ويحاربهم حتى يُعْلِمَهم على سواءٍ ليستووا هم وهو في العلم بنقض العهد.

стр. 1548

وفيها دليل على جواز تقرير (١) المُتَّهَم بالعقوبة، وأن ذلك من السياسة الشرعية، فإن الله سبحانه كان قادرًا على أن يَدُلَّ رسولَه ﷺ على موضع الكنز بطريق الوحي، ولكن أراد أن يسنَّ للأمة عقوبةَ المتَّهمين ويوسِّعَ لهم طرقَ الأحكام رحمةً بهم وتيسيرًا لهم. وفيها دليل على الأخذ بالقرائن في الاستدلال على صحة الدعوى وفسادها، لقوله ﷺ لسَعْية لمَّا ادعى نفاد المال: «العهد قريب، والمال أكثر من ذلك». وكذلك فعل نبيُّ الله سليمان بن داود في استدلاله بالقرينة على تعيين أمِّ الطفل الذي ذهب به الذئب، وادَّعت كلُّ واحدةٍ من المرأتين أنه ابنها (٢) واختصما (٣) في الآخَر، فقضى به داودُ للكبرى، فخرجتا على سليمان فقال: بِمَ قضى بينكما نبيُّ الله؟ فأخبرتاه، فقال: ايتُوني بالسكين أشقُّه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمُك (٤) الله، هو ابنها؛ فقضى به لها (٥)؛ فاستدل بقرينة الرحمة والرأفة التي في قلبها، وعدمِ سماحتها بقتله، وسماحة الأخرى بذلك لتصير أسوتها في فَقْد الولد= على أنه ابن الصغرى.

стр. 1549

فلو اتفقت مثلُ هذه القضية (١) في شريعتنا، فقال أصحاب أحمد والشافعي ومالك: عُمِل (٢) فيها بالقافة، وجعلوا القافةَ سببًا لترجيح المدعي للنسب رجلًا كان أو امرأةً. قال أصحابنا: وكذلك لو وَلَدتْ مسلمة وكافرة ولدَين وادعت الكافرةُ ولدَ المسلمة؛ وقد سئل عنها أحمد فتوقف فيها، فقيل له: ترى القافة؟ فقال: ما أحسنَه (٣)! فإن لم توجد قافة وحكم بينهما حاكم بمثل حكمِ سليمانَ لكان صوابًا وكان أولى من القرعة، فإن القرعة إنما يُصار إليها إذا تساوى المدَّعيان من كل وجهٍ ولم يَرْجَحْ أحدُهما على الآخر؛ فلو ترجَّح بيدٍ، أو شاهدٍ واحد، أو قرينةٍ ظاهرة من لوث، أو نكولِ خصمه عن اليمين، أو موافقةِ شاهد الحال لصدقه، كدعوى كلِّ واحد من الزوجين ما يصلح له من قماش البيت وآلاته (٤)، ودعوى كلِّ واحد من الصانِعَين آلاتِ صَنعته، ودعوى حاسر الرأس عن العمامة عمامةَ من بيده عمامةٌ وهو يشتدُّ عَدْوًا وعلى رأسه أخرى، ونظائر ذلك= قُدِّم ذلك كلُّه على القرعة. ومن تراجم أبي عبد الرحمن النسائي على قصة سليمان هذه: «باب الحاكم يوهم خلاف الحق ليستعلم به الحق» (٥). والنبي ﷺ لم يقصَّ علينا هذه القصة

стр. 1550

لنتخذها سمرًا، بل لنعتبر بها في الأحكام؛ بل الحكم بالقسامة (١) وتقديم أيمان مدَّعِي القتل هو من هذا استنادًا إلى القرائن الظاهرة، بل ومن هذا رجم الملاعنة إذا التعن الزوج ونكلت عن الالتعان، فالشافعي ومالك يقتلانها بمجرد التعان الزوج ونكولها استنادًا إلى اللوث الظاهر الذي حصل بالتعانه ونُكولها (٢). ومن هذا ما شرعه الله سبحانه لنا من قبول شهادة أهل الكتاب على المسلمين في الوصية في السفر وأن أولياء (٣) الميت إذا اطلعا (٤) على خيانة من الوصيَّين جاز لهما أن يحلفا ويستحِقَّا ما حلفا عليه، وهذا لَوث في الأموال، وهو نظير اللوث في الدماء وأولى بالجواز منه. وعلى هذا إذا اطَّلَع الرجلُ المسروقُ مالُه على بعضه في يد خائنٍ معروف بذلك، ولم يتبيَّن أنه اشتراه من غيره، جاز له أن يحلف أن بقية ماله عنده، وأنه صاحب السرقة استنادًا إلى اللوث الظاهر والقرائنِ التي تكشف الأمر وتوضحه. وهو نظير حلف أولياء المقتول في القسامة أنَّ فلانًا قتله سواءً، بل أمر الأموال أسهل وأخفُّ، ولذلك تثبت بشاهد ويمين، وشاهدٍ وامرأتين، ودعوى ونكولٍ؛ بخلاف الدماء. فإذا جاز إثباتها باللوث فإثبات الأموال به بطريق الأولى والأحرى. والقرآن والسنة يدلان على هذا وهذا، وليس مع من ادعى نسخَ ما دلَّ عليه القرآن من ذلك حجَّةٌ أصلًا، فإن هذا الحكم في سورة المائدة وهي مِن

стр. 1551

آخر ما نزل من القرآن، وقد حكم بموجَبِها أصحابُ رسول الله ﷺ بعده كأبي موسى الأشعري (١) وأقرَّه الصحابة. ومن هذا أيضًا ما حكاه (٢) الله سبحانه في قصة يوسف من استدلال الشاهد بقرينةِ قدِّ القميص من دُبُرٍ على صدقه وكذبِ المرأة وأنه كان هاربًا مولِّيًا فأدركته المرأة من ورائه فجبذته فقدَّت قميصَه من دبر، فعَلِمَ بعلُها والحاضرون صِدْقَه وقَبِلوا هذا الحكم، وجعلوا الذنبَ لها وأمروها بالتوبة؛ وحكاه الله سبحانه حكاية مُقرِّرٍ له غيرَ منكرٍ. والتأسي بهذا (٣) وأمثاله في إقرار الله له وعدمِ إنكاره، لا في مجرد حكايته، فإنه إذا أخبر به مُقِرًّا (٤) عليه أو مُثْنيًا على فاعله مادحًا له دلَّ على رضاه به وأنه موافِقٌ لحكمه ومرضاته، فليُتدبَّرْ هذا الموضع فإنه نافع جدًّا. ولو تتبَّعنا ما في القرآن والسنة وعملِ رسول الله ﷺ وأصحابه من ذلك لطال، وعسى أن نُفرد فيه مصنفًا شافيًا إن شاء الله (٥). والمقصود: التنبيه على هديه واقتباس الأحكام من سيرته ومغازيه ووقائعه صلوات الله وسلامه عليه. ولمَّا أقرَّهم في الأرض كان يبعث كل عام مَن يخرص عليهم الثمار

стр. 1552

فينظر: كم يجيءُ منها، فيضمِّنهم نصيبَ المسلمين ويتصرفون (١) فيها، وكان يكتفي بخارص واحد. ففي هذا دليل على جواز خرص الثَّمَر البادي كثمر النخل، وعلى جواز قسمة الثمار خرصًا على رؤوس النخل ويصير نصيبُ أحد الشريكين معلومًا وإن لم يتميز بعدُ لمصلحة النماء (٢)، وعلى أن القسمة إفراز (٣) لا بيع، وعلى جواز الاكتفاء بخارصٍ واحد وقاسم واحد، وعلى أن لِمن الثمار في يديه أن يتصرف فيها بعد الخرص ويَضْمنَ نصيبَ شريكه الذي خرص عليه. فلما كان في زمن عمر ذهب عبدُ الله ابنُه إلى ماله بخيبر، فعَدَوا عليه وألقَوه من فوق بيتٍ ففكُّوا يده، فأجلاهم عمر منها إلى الشام، وقسمها بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية (٤). فصل وأما هديه في عقد الذمة وأهلِ الجزية، فإنه لم يأخذ من أحد من الكفار جزيةً إلا بعد نزول (براءة) في السنة الثامنة من الهجرة، فلما نزلت آية الجزية أخذها من المجوس، وأخذها من أهل الكتاب، فأخذها من النصارى، وبعث معاذًا إلى اليمن فعقد لمن لم يُسْلِم مِن يهودها الذمةَ وضرب عليهم الجزية.

стр. 1553

ولم يأخذها من يهود خيبر، فظنَّ بعضُ الغالطين المخطئين أن هذا حكم مختصٌّ بأهل خيبر، وأنه لا تؤخذ منهم جزية وإن أُخِذت من سائر أهل الكتاب. وهذا من عدم فقهه في السيَّر والمغازي، فإن رسول الله ﷺ قاتلهم وصالحهم على أن يُقرَّهم في الأرض ما شاء ولم تكن الجزية نزلت بعدُ، فسبق عقدُ صلحهم وإقرارِهم في أرض خيبر نزولَ الجزية، ثم أمره الله سبحانه أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون (١)، فلم يدخل في هذا يهود خيبر إذ ذاك، لأن العقد كان قد تمَّ (٢) بينه وبينهم على إقرارهم وأن يكونوا عُمَّالًا في الأرض بالشطر، فلم يطالبهم بشيءٍ غيرِ ذلك، وطالب سواهم من أهل الكتاب مِمَّن لم يكن بينه وبينهم عقد كعقدهم بالجزية، كنصارى نجران ويهودِ اليمن وغيرهم. فلمّا أجلاهم عمر إلى الشام تغير ذلك العقد الذي تضمَّن إقرارَهم في أرض خيبر، وصار لهم حكم غيرهم من أهل الكتاب. ولما كان في بعض الدول التي خفيت فيها السنةُ وأعلامُها أظهر منهم طائفةٌ كتابًا قد عَتَّقُوه وزوَّرُوه، وفيه أن النبي ﷺ أسقط عن أهل خيبر الجزية، وفيه شهادة علي بن أبي طالب وسعدِ بن معاذ وجماعةٍ من الصحابة، فراج ذلك على من جهل سنةَ رسولِ الله ﷺ ومغازيه وسيره، وتوهَّمُوا بل ظنُّوا صحتَه، فأُجِيزُوا (٣) على حكم هذا الكتاب المزوَّر، حتى أُلقِي إلى

стр. 1554

شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحه (١) ــ وطُلِب منه أن يعين على تنفيذه والعمل به، فبصق عليه واستدل على كذبه بعشرة أوجه (٢)، منها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعدٌ توفي قبل خيبر قطعًا. ومنها: أن في الكتاب أنه أسقط عنهم الجزية، والجزيةُ لم تكن نزلت بعدُ ولا يعرفها الصحابةُ حينئذ، فإن نزولها كان عامَ تبوكٍ بعد خيبر بثلاثة أعوام. ومنها: أنه أسقط عنهم الكُلَف والسُّخَر (٣)، وهذا محال؛ فلم يكن في عهد النبي ﷺ (٤) كُلَف ولا سُخَر تؤخذ منهم ولا من غيرهم، وقد أعاذه الله وأعاذ أصحابه من أخذ الكُلَف والسُّخَر، وإنما هي من وضع الملوك الظَّلَمة واستمرَّ الأمرُ عليها. ومنها: أن هذا الكتاب لم يذكره أحدٌ من أهل العلم على اختلاف أصنافهم، فلم يذكره أحدٌ من أهل المغازي والسير، ولا أحدٌ من أهل الحديث والسنة، ولا أحدٌ من أهل الفقه والإفتاء، ولا أحدٌ من أهل التفسير؛ ولا أظهروه في زمان السلف لعلمهم أنهم إن زوَّرُوا (٥) مثلَ ذلك عرفوا كذبَه

стр. 1555

وبُطلانَه، فلما استرقُّوا (١) بعضَ الدول في وقت فتنةٍ وخفاءِ بعض السنة زوَّروا ذلك وعَتَّقوه وأظهروه، وساعدهم على ذلك طمعُ بعض الخائنين لله ولرسوله، ولم يستمر لهم ذلك حتى كشف الله أمره وبيَّن خلفاءُ الرسل بطلانه وكذبه (٢). فصل فلما نزلت آية الجزية أخذها من ثلاث طوائف: من المجوس واليهود والنصارى، ولم يأخذها من عباد الأصنام؛ فقيل: لا يجوز أخذها من كافرٍ غير هؤلاء ومن دان بدينهم، اقتداءً بأخذه وتركه. وقيل: بل تؤخذ من أهل الكتاب وغيرهم من الكفار (٣) كعبدة الأصنام من العجم دون العرب. والأول قول الشافعي وأحمد في إحدى روايتيه، والثاني قول أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى (٤). وأصحاب القول الثاني يقولون: إنما لم يأخذها من مشركي العرب لأنها إنما نزل فرضها بعد أن أسلمت دارة العرب ولم يبق فيها مشرك، فإنها نزلت بعد فتح مكة ودخولِ العرب في دين الله أفواجًا، فلم يبق بأرض العرب مشرك، ولهذا غزا بعد الفتح تبوك وكانوا نصارى، ولو كان بأرض العرب مشركون لكانوا يلونه وكانوا أولى بالغزو من الأبعدين.

стр. 1556

ومن تأمل السيرة وأيام الإسلام عَلِم أن الأمر كذلك، فلم تؤخذ منهم الجزيةُ لعدم من تؤخَذ منه منهم (١)، لا لأنهم (٢) ليسوا من أهلها. قالوا: وقد أخذها من المجوس وليسوا بأهل كتاب، ولا يصح أنه كان لهم كتاب ورُفِع، وهو حديث لا يثبت مثله ولا يصحُّ سنده (٣). ولا فرق بين عُبَّاد النار وعُبَّاد الأصنام، بل أهل الأوثان أقرب حالًا من عباد النار وكان فيهم من التمسك بدين إبراهيم ما لم يكن في عباد النار، بل عباد النار أعداء إبراهيم الخليل؛ فإذا أُخِذت منهم الجزية فأخذُها من عباد الأصنام أولى، وعلى ذلك تدل سنة رسول الله ﷺ كما ثبت عنه في «صحيح مسلم» (٤) أنه قال: «إذا لقيتَ عدوَّك من المشركين فادعهم إلى إحدى خلال ثلاثٍ، فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكُفَّ عنهم ... » ثم أمره أن يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية أو يقاتلهم. وقال المغيرةُ لعامل كسرى: أمرنا نبيُّنا أن نُقاتلَكم حتى تعبدوا الله أو تُؤَدُّوا الجزية (٥).

стр. 1557

وقال النبي ﷺ لقريش: «هل لكم في كلمةٍ (١) تَدِين لكم بها العربُ وتؤدي العجمُ إليكم الجزية؟»، قالوا: وما هي؟ قال: «لا إله إلا الله» (٢). فصل ولما كان في مرجعه من تبوك أخذت خيلُه أُكَيدِرَ دومةَ (٣) فصالحه على الجزية وحقن له دمه. وصالح أهلَ نجران من النصارى على أَلفَي حُلَّة ــ النصف في صَفَر والبقية في رجب ــ يؤدونها إلى المسلمين، وعاريةِ ثلاثين درعًا وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها ــ والمسلمون ضامنون لها حتى يردُّوها عليهم ــ إن كان باليمن كيدٌ أو غَدْرة؛ على أن لا تُهدَم لهم بِيعة، ولا يُخرَج لهم قَسٌّ، ولا يفتنوا عن دينهم؛ ما لم يُحدِثُوا حدثًا أو يأكلوا الربا (٤).

стр. 1558

وفي هذا دليل على انتقاض عهد أهل الذمة بإحداث الحدث، وأكل الربا إذا كان مشروطًا عليهم. ولما وجَّه معاذًا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل محتلمٍ دينارًا أو قيمته من المَعافِر، وهي ثياب تكون باليمن (١). وفي هذا دليل على أن الجزية غيرُ مقدَّرةِ الجنس ولا القدرِ، بل يجوز أن تكون ذهبًا وثيابًا وحُلَلًا، وتزيد وتنقص بحسب حاجة المسلمين واحتمالِ من تؤخذ منه وحاله في المَيْسرة (٢) وما عنده من المال. ولم يفرق رسولُ الله ﷺ ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب والعجم، بل أخذها رسولُ الله ﷺ من نصارى العرب، وأخذها من مجوس هَجَر وكانوا عربًا؛ فإن العرب أمة ليس لها في الأصل كتاب، وكانت كل طائفة تدين بدين من جاورها من الأمم، فكانت عرب البحرين مجوسًا لمجاورتها فارس، وتَنُوخ وبَهْراء (٣) وبنو تغلب نصارى لمجاورتهم للروم، وكانت قبائل من

стр. 1559

اليمن يهود لمجاورتهم ليهود اليمن؛ فأجرى النبي ﷺ أحكامَ الجزية ولم يعتبر آباءَهم، ولا متى (١) دخلوا في دين أهل الكتاب: هل كان دخولهم قبل النسخ والتبديل أو بعده؟ ومن أين يُعرَف ذلك؟! وكيف ينضبط؟ وما الذي دل عليه؟ وقد ثبت في السير والمغازي (٢) أن من الأنصار مَن تهوَّد أبناؤهم بعد النسخ بشريعة عيسى، وأراد آباؤهم إكراهَهم على الإسلام فأنزل الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وفي قوله لمعاذ: «خذ من كل حالم دينارًا» دليل على أنها لا تؤخذ من صبي ولا امرأة. فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه عبد الرزاق في «مصنفه» وأبو عبيد في «الأموال» (٣) أن النبي ﷺ أمر معاذ بن جبل أن يأخذ من

стр. 1560

اليمن (١) الجزيةَ من كل حالمٍ أو حالمةٍ ــ زاد أبو عبيد: عبدًا أو أمةً ــ دينارًا أو قيمته مَعافري؟ فهذا فيه أخذها من الرجل والمرأة والحر والرقيق. قيل: هذا لا يصح وصلُه وهو منقطع، وهذه الزيادة مختلَف فيها، لم يذكرها سائر الرواة، ولعلها من تفسير بعض الرواة. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (٢) وغيرهم هذا الحديث فاقتصروا على قوله: «أمره أن يأخذ من كلِّ حالمٍ دينارًا»، ولم يذكروا هذه الزيادة. وأكثر من أخذ منهم النبي ﷺ الجزيةَ العربُ من النصارى واليهود والمجوس، ولم يكشف عن أحدٍ منهم: متى دخل في دينه؟ وكان يعتبرهم بأديانهم لا بآبائهم. فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بُعث (٣) إلى حين لقي الله أول ما أوحى إليه ربُّه ﵎ أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول (٤) نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر ١ - ٢]، فنبَّأه بقوله: ﴿اقْرَأْ﴾ وأرسله بـ: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 1561

الْمُدَّثِّرُ﴾ ثم أمره أن يُنذر عشيرتَه الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبةً، ثم أنذر العالمين؛ فأقام بضع عشرة سنةً بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويُؤمر بالكف والصبر والصفح. ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال، ثم أمره أن يُقاتِل من قاتله ويكفَّ عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كلُّه لله. ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة؛ فأُمِر أن يُقيم لأهل العهد (١) والصلح بعهدهم، وأن يُوْفِي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانةً نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يُعلِمهم بنبذ العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده. ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان هذه الأقسام كلِّها، فأمره فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغِلظة عليهم؛ فجاهَدَ الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان. وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم، وجَعَل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: - قسمًا أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم. - وقسمًا لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم (٢) إلى مدتهم.

стр. 1562

- وقسمًا لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأمره أن يؤجِّلَهم أربعةَ أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم، وهي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، وهي الحُرُم المذكورة في قوله: ﴿الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥]، فالحُرُم هاهنا: هي أشهر التسيير (١)، أوَّلُها: يوم الأذان وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الحج الأكبر الذي وقع فيه التأذين بذلك، وآخرها: العاشر من ربيع الآخر. وليست هي الأربعة المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، فإن تلك واحدٌ فرد وثلاثةٌ سرد: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ ولم يُسيِّر المشركين في هذه الأربعة، فإن هذا لا يمكن لأنها غير متوالية، وهو إنما أجَّلهم أربعةَ أشهرٍ ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتِلهم فقاتَل الناقضَ لعهده، وأجَّلَ من لا عهد له أو له عهد مطلق أربعةَ أشهرٍ، وأمره أن يُتمَّ للموفي بعهده عهدَه إلى مدته، فأسلم هؤلاء كلُّهم ولم يُقيموا على كفرهم إلى مدتهم، وضرب على أهل الذمة الجزية. فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول (براءة) على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة؛ ثم آلت حالُ أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محارِبين وأهلَ ذمة، والمحاربون له خائفون منه؛ فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب.

стр. 1563

وأما سيرته في المنافقين، فإنه أُمِر أن يقبل منهم علانيتهم وَيكِلَ سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأُمر أن يُعرِض عنهم ويغلُظَ عليهم، وأن يبلُغَ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونُهِي أن يُصلِّي عليهم وأن يقوم على قبورهم، وأُخبِر أنه إن استغفر لهم أو لم يستغفر لهم (١) فلن يغفر الله لهم؛ فهذه سيرته في أعدائه من الكفار والمنافقين. فصل وأما سيرته مع أوليائه وحزبه، فأُمِر أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيِّ يريدون وجهه، وأن لا تَعدُوَ عيناه عنهم، وأُمِرَ أن يعفو عنهم ويستغفرَ لهم ويشاورَهم في الأمر، وأن يصليَ عليهم. وأُمِر بهجر من عصاه وتخلَّف عنه حتى يتوبَ ويُراجعَ طاعته، كما هَجَر الثلاثة الذين خُلِّفوا. وأُمِر أن يقيم الحدود على من أتى موجِباتها منهم، وأن يكونوا في ذلك عنده سواءً شريفُهم ودنيئُهم. وأُمِر في دفع عدوه من شياطين الإنس، بأن يدفع بالتي هي أحسن فيقابِلَ إساءةَ من أساء إليه بالإحسان، وجهلَه بالحلم، وظُلمَه بالعفو، وقطيعته بالصلة؛ وأُخبِر (٢) أنه إن فعل ذلك عاد عدوُّه كأنه ولي حميم. وأُمِر في دفع عدوِّه من شياطين الجن بالاستعاذة بالله منهم. وجَمَع له هذين الأمرين في ثلاثة مواضع

стр. 1564

من القرآن: في سورة الأعراف، والمؤمنين (١)، و سورة حم السجدة؛ فقال في سورة الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فأمَرَه باتقاء شرِّ الجاهلين بالإعراض عنهم، وباتقاء شرِّ الشيطان بالاستعاذة منه. وجمع له في هذه الآية مكارمَ الأخلاق والشِّيَم كلَّها، فإن ولي الأمر له مع الرعية ثلاثة أحوال: فإنه لا بد له من حقٍّ عليهم يلزمهم القيام به، وأمرٍ يأمرهم به، ولا بد من تفريطٍ وعدوان يقع منهم في حقه؛ فأُمِر بأن يأخذ من الحق الذي عليهم ما طوَّعت به أنفسهم وسمحت به، وسَهُل عليهم ولم يشق، وهو العفو الذي لا يلحقهم ببذله ضررٌ ولا مشقة؛ وأُمِر أن يأمرهم بالعُرْف وهو المعروف الذي تعرفه العقول السليمة والفِطَر المستقيمة وتقرُّ بحسنه ونفعه، وإذا أمر به يأمر به بالعُرف أيضًا لا بالعُنْف والغِلظة، وأُمِر أن يُقابِل جهل الجاهلين منهم بالإعراض عنه دون أن (٢) يقابله بمثله، فبذلك يكتفي شرهم. وقال في سورة المؤمنين: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾.

стр. 1565

وقال تعالى في سورة حم السجدة (١): ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فهذه سيرته مع أهل الأرض إنسِهم وجنِّهم، مؤمنهم وكافرهم (٢). * * *

стр. 1566

فصل في سياق مغازيه وبعوثه على وجه الاختصار (١) وكان أولُ لواءٍ عقده رسول الله ﷺ لحمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان على رأس سبعةِ أشهرٍ من مُهاجَره، وكان لواءً أبيض، وكان حامله أبا مَرْثَدٍ كَنَّاز بن الحُصَين الغَنَوي حليفَ حمزة، وبعثه في ثلاثين رجلًا من المهاجرين خاصةً يعترض عِيرًا لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سِيفَ البحر (٢) من ناحية العِيص (٣) فالتقوا واصطفوا للقتال، فمشى مَجْديُّ بن عمرٍو الجُهَني ــ وكان حليفًا للفريقين جميعًا ــ بين هؤلاء وهؤلاء حتى حجز بينهم ولم يقتتلوا (٤). فصل ثم بعث عُبَيدة بن الحارث بن عبد المُطَّلِب (٥) في سرية إلى بطن رابغٍ

стр. 1567

في شوال على رأس ثمانية أشهر من الهجرة، وعقد له لواءً أبيض، وحمله مِسْطَح بن أُثاثة بن المطلب بن عبد مَناف (١)، وكانوا في ستِّين (٢) من المهاجرين ليس فيهم أنصاري؛ فلقي أبا سفيان بن حرب ــ وهو في مائتين ــ على بطن رابغٍ على عشرة أميال من الجحفة فكان بينهم الرمي، ولم يَسُلُّوا السيوفَ ولم يصطفُّوا للقتال وإنما كانت مناوشةً، وكان سعد بن أبي وقاص فيهم وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، ثم انصرف الفريقان على حاميتهم (٣). قال ابن إسحاق: وكان على القوم عكرمة بن أبي جهل، وقدَّم سرية عبيدة على سرية حمزة. فصل ثم بعث سعد بن أبي وقاص إلى الخَرَّار (٤) في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر، وعقد له لواءً أبيض وحمله المقدادُ بن عمرو، وكانوا عشرين

стр. 1568

راكبًا (١) يعترضون عِيرًا لقريش، وعهد إليه أن لا يجاوز الخرَّار، فخرجوا على أقدامهم فكانوا يكمنون بالنهار ويسيرون بالليل، حتى صَبَّحوا المكانَ صبيحةَ خمسٍ فوجدوا العِيرَ قد مرَّت بالأمس، والله أعلم (٢). فصل ثم غزا بنفسه غزوة الأبواء، ويقال لها: وَدَّان (٣)، وهي أول غزوة غزاها بنفسه. وكانت في صفرٍ على رأس اثني عشر شهرًا من مهاجَره، وحمل لواءَه حمزةُ بن عبد المطلب ــ وكان أبيض ــ، واستخلف على المدينة سعدَ بن عبادة، وخرج في المهاجرين خاصةً يعترض عِيرًا لقريش، فلم يلق كيدًا. وفي هذه الغزوة وادَعَ مَخْشيَّ بن عمروٍ الضَمْري ــ وكان سيد بني ضَمْرة في زمانه ــ على أن لا يغزو بني ضَمْرة، ولا يغزوه ولا يُكثِّروا عليه جمعًا ولا يعينوا عليه عدوًّا، وكتب بينه وبينهم كتابًا. وكانت غيبته خمس عشرة ليلةً (٤).

стр. 1569

فصل ثم غزا رسول الله ﷺ بُواطَ في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرًا من مُهاجَره، وحمل لواءَه سعدُ بن أبي وقاص ــ وكان أبيض ــ، واستخلف على المدينة سعدَ بن معاذ، وخرج في مائتين من أصحابه يعترض (١) عيرًا لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ بواطًا (٢) ــ وهما جبلان فرعان أصلهما واحد من جبال جُهَينة مما يلي طريق الشام، وبين بواط والمدينة نحو أربعة بُرُد (٣) ــ فلم يلق كيدًا فرجع (٤). فصل ثم خرج على رأس ثلاثة عشر شهرًا من مُهاجَره لطلب كُرْز بن جابر الفِهْري، وحمل لواءَه علي بن أبي طالب ــ وكان أبيض ــ، واستخلف على المدينة زيدَ بن حارثة. وكان كرز قد أغار على سرح المدينة فاستاقه، وكان يرعى بالحِمى (٥)، فطلبه رسول الله ﷺ حتى بلغ واديًا يقال له: سَفْوان من

стр. 1570

ناحية بدر (١)، وفاته كرز فلم يلحقه (٢)، فرجع إلى المدينة (٣). فصل ثم خرج رسول الله ﷺ في جُمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرًا، وحمل لواءه حمزةُ بن عبد المطلب ــ وكان أبيض ــ، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وخرج في خمسين ومائة ــ ويقال: في مائتين ــ من المهاجرين، ولم يُكره أحدًا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرًا يَعتَقِبونها يعترضون عِيرًا لقريش ذاهبةً إلى الشام، وكان قد جاءه الخبرُ بفصولها (٤) من مكة فيها أموال قريشٍ (٥)، فبلغ ذا العُشَيرة ــ وقيل: العُشَيراء بالمد، وقيل: العسيرة بالمهملة، وهي بناحية يَنبُعَ (٦)، وبين ينبع والمدينة تسعة بُرُد ــ فوجد العير قد فاتته بأيام. وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، وهي التي وعده الله إياها أو المقاتلةَ وذاتَ الشوكة، ووفى له بوعده.

стр. 1571

وفي هذه الغزوة وادَعَ بني مُدْلِجٍ وحلفاءَهم من بني ضَمْرة (١). قال عبد المؤمن بن خَلَفٍ الحافظ (٢): وفي هذه الغزوة كَنَى رسول الله ﷺ عليًّا أبا تراب. وليس كما قاله، فإن النبي ﷺ إنما كَنَاه أبا تراب بعد نكاحه فاطمة، وكان نكاحُها بعد بدرٍ، فإنه لما دخل عليها وقال: «أين ابنُ عمِّكِ؟» قالت: خرج مغاضبًا، فجاء إلى المسجد فوجده مضطجعًا فيه وقد لصق به التراب، فجعل ينفضه عنه ويقول: «اجلس أبا تراب، اجلس أبا تراب» (٣)، وهو أول يوم كُنِي فيه أبا تراب. فصل ثم بعث عبدَ الله بن جَحش الأسدي إلى نخلةَ (٤) في رجبٍ على رأسِ سبعةَ عشرَ شهرًا من الهجرة، في اثني عشر رجلًا من المهاجرين، كل اثنين يَعتَقِبان على بعير، فوصلوا إلى بطنِ نخلةَ يرصدون عِيرًا لقريش.

стр. 1572

وفي هذه السرية سُمِّي عبدُ الله بن جحشٍ أميرَ المؤمنين (١). وكان رسول الله ﷺ كتب له كتابًا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظرَ فيه (٢)، ولمَّا فتح الكتاب وجد فيه: «إذا نظرتَ في كتابي هذا فامضِ حتى تنزل نخلةَ بين مكة والطائف فترصُدَ بها قريشًا وتعلمَ لنا من أخبارهم»، فقال: سمعًا وطاعةً، وأخبر أصحابه بذلك وبأنه لا يستكرههم، فمن أحبَّ الشهادة فلينهض ومن كره الموتَ فليرجع، وأمَّا أنا فناهض، فمضَوا (٣) كلُّهم. فلما كان في أثناء الطريق أضلَّ سعدُ بن أبي وقاص وعتبةُ بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه، فتخلَّفا في طلبه، وبَعُد عبدُ الله بن جحش حتى نزل بنخلةَ، فمرت به عِيرٌ لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارةً، فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان مولى

стр. 1573

بني المغيرة؛ فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهرَ الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحَرَم ثم أجمعوا على ملاقاتهم فرمى أحدُهم عمرَو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت نوفلٌ. ثم قدموا بالعِير والأسيرَين قد عزلوا من ذلك الخُمس، وهو أولُ خُمسٍ كان في الإسلام (١)، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام، وأنكر رسولُ الله ﷺ عليهم ما فعلوه، واشتدَّ تعنُّت (٢) قريش وإنكارُهم ذلك، وزعموا أنهم وجدوا مقالًا فقالوا: قد أحلَّ محمدٌ الشهرَ الحرام، واشتد على المسلمين ذلك، حتى أنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧] (٣). يقول سبحانه: هذا الذي أنكرتموه عليهم وإن كان كبيرًا؛ فما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله، والصدِّ عن سبيله وعن بيته، وإخراجِ المسلمين الذين هم

стр. 1574

أهلُه منه، والشركِ الذي أنتم عليه، والفتنةِ التي حصلت منكم به= أكبرُ عند الله من قتالهم في الشهر الحرام. وأكثر السلف فسروا الفتنة هاهنا بالشرك (١)، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. ويدلُّ عليه قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، أي: لم يكن مآلُ شركهم وعاقبتُه وآخرُ أمرهم إلا أن تبرؤوا منه وأنكروه. وحقيقتها: أنها الشرك الذي يدعو صاحبُه إليه ويقاتِلُ عليه ويعاقبُ من لم يفتتن به، ولهذا يقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، قال ابن عباس: تكذيبكم (٢)؛ وحقيقته: ذوقوا نهاية فتنتكم وغايتَها ومصيرَ أمرِها، كقوله: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤]، وكما فَتَنوا عباده على الشرك فُتِنوا على النار وقيل لهم: ذوقوا فتنتكم. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠]، فُسِّرت الفتنةُ هاهنا بتعذيبهم المؤمنين وإحراقِهم إياهم بالنار، واللفظ أعمُّ مِن ذلك، وحقيقته: عَذَّبوا المؤمنين ليفتتنوا عن دينهم؛ فهذه الفتنة المضافة إلى المشركين. وأما الفتنة التي يضيفها سبحانه إلى نفسه، أو يضيفُها رسوله إليه، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقولِ موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] = فتلك بمعنًى آخر،

стр. 1575

وهي بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر بالنِّعَم والمصائب؛ فهذه لون، وفتنة المشركين لون، وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لونٌ آخر. والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام، كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب عليٍّ ومعاويةَ، وبين أهل الجمل وصِفِّين، وبين المسلمين حتى يتقاتلوا ويتهاجروا (١) = لون آخر، وهي التي قال فيها النبي ﷺ : «ستكون فتنة: القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي» (٢). وأحاديث الفتنة التي أمر النبي ﷺ فيها باعتزال الطائفتين هي هذه الفتنة. وقد تأتي الفتنة مرادًا بها المعصية، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾، يقوله الجَدُّ بن قَيس لمَّا ندبه رسولُ الله ﷺ إلى تبوك، يقول: ايذن لي في القعود ولا تفتنِّي بتعرُّضي لبنات الأصفر، فإني لا أصبر عنهن (٣)، قال تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩]، أي: وقعوا في فتنة النفاق وفرُّوا إليها من فتنة بنات الأصفر. والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبَرِّئ أولياءَه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير وأنَّ ما عليه أعداؤُه المشركون أكبرُ وأعظمُ من مجرَّدِ القتال في الشهر

стр. 1576

الحرام، فهم أحقُّ بالذمِّ والعيبِ والعقوبة، لا سيما وأولياؤه كانوا متأوِّلين في قتالهم ذلك أو مُقصِّرين نوعَ تقصيرٍ يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرةِ مع رسوله وإيثارِ ما عند الله، فهم كما قيل: وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءت محاسنه بألف شفيع فكيف يُقاس ببغيضٍ عدوٍّ جاء بكل قبيح، ولم يأتِ بشفيع واحد من المحاسن! فصل فلما كان في شعبان من هذه السنة حُوِّلت القبلة، وقد تقدم ذكر ذلك (١). فصل فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغ رسول الله ﷺ خبر العِير المُقبلةِ من الشام لقريش صحبةَ أبي سفيان، وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة، وكانوا نحو أربعين رجلًا، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسولُ الله ﷺ الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضرًا بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالًا بليغًا، لأنه خرج مسرعًا في ثلاثمائة وبضعةَ عشرَ رجلًا. ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسان: فرس للزبير بن العوام وفرس للمقداد بن الأسود الكندي (٢).

стр. 1577

وكان معهم سبعون بعيرًا يَعْتَقِب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، فكان رسول الله ﷺ وعليٌّ ومَرْثَد بن أبي مرثدٍ الغَنَوي يعتقبون بعيرًا (١)، وزيد بن حارثة وأَنَسة (٢) و [أبو] (٣) كبشة موالي رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرًا (٤)، وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا. واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابنَ أُمِّ مكتوم، فلما كان بالرَّوحاء ردَّ أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة. ودفع اللواءَ إلى مصعبِ بن عُمَير، والرايةَ الواحدة إلى علي بن أبي طالب، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقةِ قيسَ بن أبي صَعْصَعة. وسار، فلما قَرُب من الصفراء بعث بَسْبَس بن عمروٍ

стр. 1578

الجهني وعَدِيَّ بن الزَّغْباء (١) إلى بدرٍ يتجسَّسان أخبار العِير. وأما أبو سفيان فإنه بلغه مخرجُ رسول الله ﷺ وقَصْدُه إياه، فاستأجر ضَمْضَم بن عمرٍو الغِفاري إلى مكة مستصرخًا لقريش بالنَّفِير إلى عِيرهم ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخ أهلَ (٢) مكة فنهضوا مُسرِعين، وأَوعبوا في الخروج ولم يتخلَّف من أشرافهم أحدٌ سوى أبي لهب فإنه عوَّض عنه رجلًا كان له عليه دَين، وحشدوا فيمن حولَهم من قبائل العرب، ولم يتخلَّف عنهم أحدٌ من بطون قريشٍ إلا بني عدي فلم يخرج معهم منهم أحد، وخرجوا من ديارهم كما قال تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وأقبلوا كما قال رسول الله ﷺ بحَدِّهم وحديدهم تُحادُّه وتحادُّ رسولَه (٣)، وجاؤوا على حَرْدٍ قادرين، وعلى حميَّةٍ وغضب وحَنَقٍ على رسول الله ﷺ وأصحابه لِما يريدون مِن أخذِ عيرهم وقتلِ مَن فيها، وقد أصابوا بِالأَمسِ عمرَو بن الحضرمي والعِيرَ التي كانت معه؛ فجمعهم الله على غير ميعادٍ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ﴾ [الأنفال: ٤٢]. ولمَّا بلغ رسولُ الله ﷺ خروجَ قريشٍ استشار أصحابه، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثانيًا فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم

стр. 1579

استشارهم ثالثًا ففهمت الأنصار أنه يَعْنِيهم فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله! كأنك تُعرِّض بنا؟ وكان إنما يَعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها (١) أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعَنْ حيث شئتَ، وصِلْ حبلَ من شئتَ، واقطَعْ حبلَ من شئتَ، وخُذْ من أموالنا ما شئتَ، وأعطِنا ما شئت، وما أخذتَ منا كان أحبَّ إلينا مما تركت، وما أمرتَ فيه من أمرٍ فأمرُنا تبعٌ لأمرك، فواللهِ لئن سِرْتَ حتى تبلغ البَرْكَ من غُمْدَان (٢) لنَسِيرَنَّ معك، وواللهِ لئن استعرضتَ بنا هذا البحرَ خُضناه معك (٣)!

стр. 1580

وقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قومُ موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكنَّا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومِن بين يديك ومن خلفك (١). فأشرق وجه رسول الله ﷺ وسُرَّ بما سمع من أصحابه، وقال: «سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيتُ مصارعَ القوم» (٢). فسار رسول الله ﷺ إلى بدرٍ، وخَفَض أبو سفيان فلحق بساحل البحر، ولمّا رأى أنه قد نجا وأحرز العيرَ كتب إلى قريش أن ارجِعُوا، فإنكم إنما خرجتم لتُحرِزوا عيرَكم؛ فأتاهم الخبرُ وهم بالجُحفة فهمُّوا بالرجوع، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نَقْدَم بدرًا فنقيمَ بها ونُطعمَ من حضرنا من العرب، وتخافنا العرب بعد ذلك. وأشار الأخنس بن شُرَيق عليهم بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زُهرة، فلم يشهد بدرًا زُهريٌّ، فاغتبطت بنو زهرة بعدُ برأي الأخنس، فلم يزل فيهم مُطاعًا معظمًا. وأرادت بنو هاشم الرجوع فاشتدَّ عليهم أبو جهل وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع.
следующие страницы →