← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

الظالمين إلا خسارًا، واقتضى تمامُ الامتحان (١) والابتلاء أن حبس عن رسوله الوحيَ شهرًا في شأنها لا يوحى إليه في ذلك شيء؛ لتتمَّ حكمتُه التي قدَّرها وقضاها وتظهرَ على أكمل الوجوه، ويزدادَ المؤمنون الصادقون إيمانًا وثباتًا على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصدِّيقين من عباده، ويزدادَ المنافقون إفكًا ونفاقًا، ويَظهرَ لرسول الله وللمؤمنين سرائرُهم، ولتَتمَّ العبوديةُ المرادة من الصديقة وأبويها (٢) وتتمَّ نعمةُ الله عليهم، ولتشتد الفاقةُ والرغبةُ منها ومن أبويها والافتقار إلى الله، والذلُّ له وحسنُ الظن به والرجاءُ له، ولينقطعَ رجاؤها من المخلوقين وتيأسَ من حصولِ النصر والفرج على يد أحدٍ من الخلق، ولهذا وفَّتْ هذا المقام حقَّه لما قال لها أبواها: قومي إليه ــ وقد أنزل اللهُ عليه (٣) براءتها ــ فقالت: «والله لا أقوم إليه، ولا أحمدُ إلا الله، هو الذي أنزل براءتي» (٤). وأيضًا: فكان من حكمة حبس الوحي شهرًا أن القضية نضجت (٥) وتمخَّضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظمَ استشرافٍ إلى ما يوحيه الله إلى رسوله فيها وتطلَّعت إلى ذلك غاية التطلُّع، فوافى الوحيُ أحوجَ ما كان إليه رسولُ الله ﷺ وأهلُ بيته والصديقُ وأهلُه وأصحابه والمؤمنون، فورد عليهم ورودَ الغيث على الأرض أحوجَ ما كانت إليه، فوقع منهم أعظمَ موقعٍ

стр. 1682

وألطفَه وسُرُّوا به أتمَّ السرور، وحصل لهم به غايةُ الهناء، ولو أطلع اللهُ رسولَه على حقيقة الحالِ من أوَّلِ وَهلةٍ وأنزل الوحيَ على الفور بذلك لفاتت هذه الحكم (١) وأضعافُها بل أضعافُ أضعافِها. وأيضًا: فإن الله سبحانه أحبَّ أن يُظهر منزلةَ رسوله وأهلِ بيته عنده وكرامتَهم عليه، وأن يخرج رسوله من هذه القضية ويتولَّى هو بنفسه الدفاعَ والمنافحة عنه والردَّ على أعدائه وذمَّهم وعيبَهم بأمرٍ لا يكون له فيه عمل ولا ينسب إليه، بل يكون هو وحدَه المتولي لذلك الثائرَ لرسوله وأهل بيته. وأيضًا: فإن رسول الله ﷺ كان هو المقصودَ بالأذى، والتي رميت زوجته، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه أو ظنِّه المقاربِ (٢) للعلم ببراءتها، ولم يظنَّ بها سوءًا قط ــ وحاشاه وحاشاها ــ، ولذلك لما استعذر من أهل الإفك قال: «من يعذرني مِن رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي» (٣)، وكان عنده من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثرُ مما عند المؤمنين، ولكن لكمال صبره وثباته ورفقه وحسن ظنِّه بربه وثقتِه به وَفَّى مقام الصبر والثبات وحسن الظن بالله حقَّه، حتى جاءه الوحيُ بما أقرَّ عينه وسرَّ قلبَه وعظَّم قدره، وظهر لأمته (٤) احتفاء ربِّه به (٥) واعتناؤه بشأنه.

стр. 1683

ولما جاء الوحي ببراءتها أمر رسول الله ﷺ بمن صرَّح بالإفك فحُدُّوا ثمانين ثمانين (١)، ولم يُحدَّ الخبيثُ عبد الله بن أُبي مع أنه رأس أهل الإفك؛ فقيل: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارةٌ، والخبيث ليس أهلًا لذلك، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة، فيكفيه ذلك عن الحد. وقيل: بل كان يستوشي الحديثَ ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالبِ من لا ينسب إليه. وقيل: الحد لا يثبت إلا بإقرارٍ أو بيِّنةٍ (٢)، وهو لم يقرَّ بالقذف ولا شهد به عليه أحد، فإنه إنما كان يذكره بين أصحابه ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين. وقيل: حد القذف حقٌّ لآدميٍّ لا يستوفى إلا بمطالبته، وإن قيل: إنه حقٌّ لله فلا بد من مطالبة المقذوف؛ وعائشة لم تطالب به لابن أُبي. وقيل: بل ترك حده لمصلحةٍ هي أعظمُ من إقامته، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلُّمه بما يوجب قتله مرارًا، وهي: تأليفُ قومه وعدمُ تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعًا فيهم رئيسًا عليهم، فلم تؤمَن إثارةُ الفتنة في حدِّه. ولعله تُرِك لهذه الوجوه كلها؛ فجلد مِسطح بن أثاثة، وحسّان بن ثابت، وحمنة بنت جحش ــ وهؤلاء من المؤمنين الصادقين ــ تطهيرًا لهم وتكفيرًا،

стр. 1684

وترك عبد الله بن أُبيٍّ (١) إذ ليس (٢) من أهل ذاك. فصل ومن تأمل قولَ الصديقة وقد نزلت براءتُها، وقال لها أبواها: قُومي إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: «والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله» = عَلِم معرفتها وقوةَ إيمانها، وتوليتها النعمةَ ربَّها وإفرادَها له بالحمد (٣) في ذلك المقام (٤)، وتجريدَها التوحيد، وقوةَ جأشِها وإدلالَها ببراءةِ ساحتها، وأنها لم تفعل ما يوجب قيامَها في مقام الراغب في الصلح الطالب له، ولِثقتها (٥) بمحبة رسول الله ﷺ لها قالت ما قالت إدلالًا للحبيب على حبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو (٦) مِن أحسن مقامات الإدلال، فوضعتْه في موضعه. ولِلّاه ما كان أحبَّها إليه حين قالت: «لا أحمد إلا الله فإنه هو الذي أنزل براءتي»! ولِلّاه ذلك الثباتُ والرزانة منها وهو أحب شيء إليها ولا صبر لها عنه! وقد تنكَّر قلبُ حبيبها لها شهرًا ثم صادفت الرضى منه والإقبال، فلم تبادر إلى القيام إليه والسرور برضاه وقربه مع شدة محبتها له، وهذا غاية الثبات والقوة.

стр. 1685

فصل وفي هذه القصة أن النبي ﷺ لما قال: «من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي (١)؟» قام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال: «أنا أعذرك منه يا رسول الله». وقد أشكل هذا على كثيرٍ من أهل العلم، فإن سعد بن معاذ لا يختلف أحد من أهل العلم أنه توفي عقب حكمه في بني قريظةَ عقيب الخندق، وذلك سنة خمس على الصحيح، وحديثُ الإفك لا شك أنه في غزوة بني المصطلق هذه ــ وهي غزوة المريسيع ــ والجمهور عندهم أنها كانت بعد الخندق سنةَ ستٍّ، فاختلفت طرق الناس في الجواب عن هذا الإشكال: فقال موسى بن عقبة: غزوة المريسيع (٢) كانت سنة أربعٍ قبل الخندق، حكاه عنه البخاري (٣). وقال الواقدي (٤): كانت سنة خمس، قال: وكانت قريظة والخندق بعدها.

стр. 1686

وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق (١): اختلفوا في ذلك، والأولى أن تكون المريسيع قبل الخندق. وعلى هذا فلا إشكال، ولكنَّ الناس على خلافه، وفي حديث الإفك ما يدل على خلاف ذلك أيضًا لأن عائشة قالت: إن القصة كانت بعدما أُنزل الحجاب، وآية الحجاب نزلت في شأن زينب بنت جحش (٢)، وزينب إذ ذاك كانت تحته، فإنه ﷺ سألها عن عائشة فقالت: «أحمي (٣) سمعي وبصري»، قالت عائشة: «وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ » (٤). وقد ذكر أرباب التواريخ أن تزويجه بزينب كان في ذي القعدة سنة خمس، وعلى هذا فلا يصح قولُ موسى بن عقبة. وقال محمد بن إسحاق (٥): إن غزوة بني المصطلق كانت في سنة ست بعد الخندق وذكر فيها حديث الإفك، إلا أنه قال عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٦) عن عائشة فذكر الحديث. وقال: فقام أسيد بن الحضير

стр. 1687

فقال: أنا أعذرك منه، فردَّ عليه سعدُ بن عبادة؛ ولم يذكر سعد بن معاذ. قال أبو محمد بن حزم (١): وهذا هو الصحيح الذي لا شك فيه، وذكرُ سعد بن معاذ وهمٌ لأن سعد بن معاذ مات إثر فتح بني قريظة بلا شك، وكانت في آخر ذي القعدة من السنة الرابعة، وغزوةُ بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة، بعد سنةٍ وثمانِ أشهرٍ من موت سعد، وكانت المقاولة بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق بأزيد من خمسين ليلةً. قلت: الصحيح أن الخندق كان في سنة خمسٍ كما سيأتي (٢). فصل ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرق البخاري (٣) عن أبي وائل عن مسروق قال: «سألت أم رومان عن حديث الإفك فحدثتني». قال غير واحد (٤): وهذا غلط ظاهر، فإن أم رومان ماتت على عهدِ

стр. 1688

رسول الله ﷺ ونزل رسول الله ﷺ في قبرها وقال: «من سرَّه أن ينظر إلى امرأةٍ من الحُور العِين فلينظر إلى هذه» (١). قالوا: ولو كان مسروق قدم المدينة في حياتها وسألها لَلَقِي رسولَ الله ﷺ وسمع منه، ومسروقٌ إنما قدم المدينة بعد موتِ رسول الله ﷺ . قالوا: وقد روى مسروق عن أمِّ رومان حديثًا غير هذا فأرسل الرواية عنها، فظن بعض الرواة أنه سمع منها فحمل هذا الحديث على السماع. قالوا: ولعل مسروقًا قال: «سُئِلت أم رومان» فتصحّف على بعضهم بـ «سألت»، لأن من الناس من يكتب الهمزة بالألف على كل حال. وقال آخرون: كل هذا لا يرد الرواية الصحيحة التي أدخلها البخاري في «صحيحه». وقد قال إبراهيم الحربي (٢) وغيره: إن مسروقًا سألها وله خمس عشرة سنةً، ومات وله ثمانٍ وسبعون سنةً، وأم رومان أقدم من حدث عنه. قالوا: وأما حديث موتها في حياة رسول الله ﷺ ونزولِه في قبرها فحديث لا يصح (٣)، وفيه علتان تمنعان صحته: إحداهما: رواية علي بن زيد بن جُدعان له، وهو ضعيف الحديث لا يحتج بحديثه. والثانية: أنه رواه عن القاسم بن محمد عن النبي ﷺ ، والقاسم لم يدرك

стр. 1689

زمن رسول الله ﷺ . فكيف يُقدَّم هذا على حديثٍ إسناده كالشمس يرويه (١) البخاري في «صحيحه» ويقول فيه مسروق: «سألت أم رومان فحدثتني»، وهذا يردُّ أن يكون اللفظ: «سُئِلت». وقد قال أبو نعيم في كتاب «معرفة الصحابة» (٢): قد قيل: إن أم رومان توفيت في عهد رسول الله ﷺ ، وهو وهمٌ. فصل ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرقه أن عليًّا قال للنبي ﷺ لما استشاره: سَل الجاريةَ تصدقك، فدعا بريرة فسألها فقالت: ما علمتُ عليها إلا ما يعلم الصائغ على التبر، أو كما قالت (٣). وقد استشكل هذا، فإن بريرة إنما كاتبت وعَتَقتْ بعد ذلك بمدة طويلة، وكان العباسُ عمُّ رسول الله ﷺ إذ ذاك في المدينة ــ والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح ــ، ولهذا قال له النبي ﷺ وقد شفع (٤) إلى بريرة أن تراجع زوجها (٥) فأبت أن تراجعه: «يا عباس، ألا تعجب من بُغضِ بريرة مُغيثًا وحبِّه

стр. 1690

لها!» (١)؛ ففي قصة الإفك لم تكن بريرة عند عائشة. وهذا الذي ذكروه إن كان لازمًا فيكون الوهم من تسمية الجارية «بريرة»، ولم يقل له عليٌّ: سل بريرة، وإنما قال: فسل الجارية، فظن بعض الرواة أنها بريرة فسمَّاها بذلك؛ وإن لم يلزم بأن يكون طلبُ مغيثٍ لها استمر إلى بعد الفتح ولم ييأس منها، زال الإشكال. والله أعلم. فصل وفي مرجعهم من هذه الغزوة قال رأس المنافقين ابنُ أُبَيّ: «لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذل، فبلَّغها زيد بن أرقم رسولَ الله ﷺ ، وجاء ابن أُبَي يعتذر ويحلف ما قال فسكت عنه رسولُ الله ﷺ ، فأنزل الله تصديق زيدٍ في سورة المنافقين، فأخذ النبي ﷺ بأذنه وقال: «أبشِرْ فقد صدَّقك الله» ثم قال: «هذا الذي وفَّى اللهَ بأذنه»، فقال له عمر: يا رسول الله، مُرْ عبَّاد بن بِشر فليضرب عنقه، فقال: «فكيف إذا تحدَّث الناسُ أن محمدًا يقتل أصحابه؟» (٢). * * *

стр. 1691

فصل في غزوة الخندق وكانت في سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين، إذ لا خلاف أن أُحُدًا كانت في شوال سنة ثلاث وواعد المشركون رسول الله ﷺ في العام المقبل ــ وهو سنة أربع ــ، ثم أخلفوه لأجل جدب تلك السنة فرجعوا، فلما كانت سنة خمس جاؤوا لحربه. هذا قول أهل السير والمغازي (١). وخالفهم موسى بن عقبة وقال: بل كانت سنةَ أربعٍ (٢). قال أبو محمد بن حزم (٣): وهذا هو الصحيح الذي لا شك فيه، واحتج عليه بحديث ابن عمر في «الصحيحين» (٤) أنه عُرض على النبي ﷺ يوم أحدٍ

стр. 1692

وهو ابن أربع عشرة سنةً فلم يجزه، ثم عُرِض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنةً فأجازه. قال: فصح أنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة. وأجيب عن هذا بجوابين: أحدهما: أن ابن عمر أخبر أن النبي ﷺ رده لما استصغره عن القتال، وأجازه لما وصل إلى السن التي رآه فيها مطيقًا، وليس في هذا ما ينفي تجاوزها بسنة أو نحوها. والثاني: أنه لعله كان يومَ أحد في أول الرابعة عشرة ويومَ الخندق في آخر الخامسة عشرة. فصل وكان سبب غزوة الخندق أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين على المسلمين يوم أحد، وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين، فخرج لذلك ثم رجع إلى العام المقبل= خرج أشرافهم كسلام بن أبي الحُقَيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع (١) وغيرهم إلى قريش بمكة يحرِّضونهم على غزو رسول الله ﷺ ويؤلِّبونهم عليه، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم، ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك، فاستجاب لهم من استجاب، فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف ووافتهم بنو سليم بمَرِّ الظهران، وخرجت بنو أسدٍ وفَزارة وأشجع وبنو مرة، وجاءت غطفان وقائدهم عُيَينة بن حصن؛ وكان من وافى الخندق من الكفار عشرةَ آلافٍ.

стр. 1693

فلما سمع رسول الله ﷺ بمسيرهم إليه استشار الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسيُّ بحفر خندقٍ يحول (١) بين العدو وبين المدينة (٢)، فأمر به رسولُ الله ﷺ فبادر إليه المسلمون وعمل بنفسه فيه، وبادروا هجوم الكفار عليهم. وكان في حفره من آياتِ نبوَّته وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبر به. وكان حفر الخندق أمام سَلْعٍ (٣)، وجبلُ سلعٍ جبل خلف ظهور المسلمين، والخندق بينهم وبين الكفار. وخرج رسول الله ﷺ في ثلاثة آلاف من المسلمين فتحصَّن بالجبل (٤) من خلفه وبالخندق أمامه. وقال ابن إسحاق: خرج في سبعمائة (٥)، وهذا غلط من خروجه يومَ أُحُد.

стр. 1694

وأمر النبي ﷺ بالنساء والذراري فجُعلوا في آطام المدينة، واستخلف عليها (١) ابن أم مكتوم. وانطلق حُيَي بن أخطب إلى بني قريظة فدنا من حِصنهم، فأبى كعبُ بن أسد أن يفتح له، فلم يزل يكلمه حتى فتح له، فلما دخل عليه قال له: لقد جئتك بعز الدهر، جئتك بقريشٍ وغطفان وأسد على قادتها لحرب محمد؛ قال: جئتني والله بذلِّ الدهر وبجَهام (٢) قد أراق ماءَه فهو يرعُد ويبرُق (٣). فلم يزل به حتى نقض العهد الذي بينه وبين رسول الله ﷺ ودخل مع المشركين في محاربته، فسُرَّ بذلك المشركون، وشرط كعب على حُيَي أنه إن لم يظفروا بمحمدٍ أن يجيءَ حتى يدخل معه في حِصنه فيصيبه ما أصابه، فأجابه إلى ذلك ووفى له به. وبلغ رسولَ الله ﷺ خبرُ بني قريظة ونقضهم العهدَ، فبعث إليهم السَّعدين (٤) وخَوَّات بن جبير وعبد الله بن رواحة ليعرّفوه: هل هم على عهدهم (٥) أو قد نقضوه؟ فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون، وجاهروهم بالسبِّ والعداوة ونالوا من رسول الله ﷺ ، فانصرفوا عنهم ولحنوا إلى رسول الله ﷺ لحنًا (٦) يخبرونه أنهم قد نقضوا العهد وغدروا،

стр. 1695

فعَظُم ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين» (١). واشتد البلاء ونجم النفاق، واستأذن بعضُ بني حارثة رسول الله ﷺ في الذهاب إلى المدينة وقالوا: بيوتنا عورة ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]، وهمَّ بنو سلمة بالفشل ثم ثبت الله الطائفتين (٢). وأقام المشركون محاصِرين رسولَ الله ﷺ شهرًا، ولم يكن بينهم قتال لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فوارسَ من قريشٍ منهم عمرو بن عبد ودٍّ وجماعة معه أقبلوا نحو الخندق، فلما وقفوا عليه قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها، ثم تيمَّموا مكانًا ضيقًا من الخندق فاقتحموه وجالت بهم خَيلُهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودَعَوا إلى البِراز، فانتدب لعمرٍو عليٌّ بن أبي طالب فبارزه، فقتله الله على يديه (٣)، وكان من شجعان المشركين وأبطالهم، وانهزم الباقون إلى أصحابهم. وكان شعار المسلمين يومئذ «حم لا ينصرون» (٤).

стр. 1696

ولما طالت هذه الحال على المسلمين أراد رسول الله ﷺ أن يصالح عُيينة بن حِصن والحارثَ بن عوف رئيسَي غطفان على ثُلُث ثمار المدينة وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضة على ذلك فاستشار السَّعدَين في ذلك فقالا: يا رسول الله، إن كان الله أمرك بهذا فسمعًا وطاعةً، وإن كان شيئًا تصنعه لنا فلا حاجة لنا به، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمَعون أن يأكلوا منها ثمرةً إلا قِرًى أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزَّنا بك نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف! فصوب رأيهما وقال: «إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيتُ العرب قد رمتكم عن قوسٍ واحدة» (١). ثم إن الله ــ وله الحمد ــ صنع أمرًا من عنده خذل به بين (٢) العدو وهزم جموعهم وفَلَّ حدَّهم، فكان مما هيَّأ مِن ذلك أن رجلًا من غطفان يقال له: نُعَيم بن مسعود بن عامر ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمتُ فمُرْني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 1697

«إنما أنت رجل واحد فخَذِّل عنَّا ما استطعت، فإن الحرب خَدعة» (١)، فذهب من فوره ذلك إلى بني قريظة ــ وكان عشيرًا لهم في الجاهلية ــ فدخل عليهم ولا يعلمون بإسلامه فقال: يا بني قريظة إنكم قد حاربتم محمدًا، وإن قريشًا إن أصابوا فرصةً انتهزوها، وإلا انشمروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمدًا فانتقم منكم، قالوا: فما العمل يا نُعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن، قالوا: لقد أشرتَ بالرأي. ثم مضى على وجهه إلى قريش فقال لهم: تعلمون ودِّي ونصحي لكم، قالوا: نعم، قال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم مِن نقض عهد محمدٍ وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم. ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مثل ذلك، فلما كان ليلة السبت من شوال بعثوا إلى اليهود: إنا لسنا بأرض مقامٍ، وقد هلك الكُراع والخفُّ، فانهضوا بنا حتى نناجز محمدًا؛ فأرسل إليهم اليهود (٢): أن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما أصاب مَن قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن. فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش: صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل إليكم أحدًا فاخرُجوا معنا حتى

стр. 1698

نناجز محمدًا، فقالت قريظة: صدقكم والله نعيم؛ فتخاذل الفريقان. وأرسل الله على المشركين جندًا من الريح فجعلت تقوِّض خيامهم، ولا تدع لهم قِدرًا إلا أكفأتها، ولا طُنبًا إلا قلعته، ولا تُقِرُّ لهم قرارًا؛ وجُندًا (١) من الملائكة يُزلزلون (٢) بهم، ويُلقون في قلوبهم الرعب والخوف. وأرسل رسولُ الله ﷺ حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال وقد تهيَّؤوا للرحيل، فرجع إلى رسول الله ﷺ ليلًا فأخبره برحيل القوم، فأصبح رسول الله ﷺ وقد ردَّ الله عدوَّه بغيظه (٣) لم ينالوا خيرًا وكفاه الله قتالهم، فصدق وعدَه وأعزَّ جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، فدخل المدينة ووضع السلاح، فجاءه جبريل وهو يغتسل في بيت أم سلمة فقال: «أوَضعتم السلاح؟ إن الملائكة لم تضع بعدُ أسلحتها، انهض إلى هؤلاء» يعني بني قريظة (٤)، فنادى رسول الله ﷺ : «من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلينَّ العصر إلا في بني قريظة» (٥)، فخرج المسلمون سراعًا، فكان من أمره وأمر بني قريظة ما قدَّمناه (٦). واستشهد يومَ الخندق ويوم قريظة نحو عشرة من المسلمين. فصل قد قدمنا أن أبا رافع كان ممن ألَّب الأحزاب على رسول الله ﷺ ، ولم

стр. 1699

يُقتَل مع بني قريظة كما قُتل صاحبه حُيَي بن أخطب، ورغبت الخزرج في قتله مساواةً للأوس في قتل كعب بن الأشرف، وكان الله سبحانه قد جعل هذين الحيَّين يتصاولان بين يدي رسول الله ﷺ في الخيرات، فاستأذنوه في قتله فأذن لهم، فانتدب له رجال كلهم من بني سلمة وهم: عبد الله بن عَتِيك وهو أمير القوم، وعبد الله بن أُنَيس، وأبو قتادة الحارث بن رِبْعي، ومسعود بن سنان، وخزاعي بن أسود، فساروا حتى أتوه في خيبر في دارٍ له فنزلوا عليه ليلًا فقتلوه، ورجعوا إلى رسول الله ﷺ فكلّهم ادعى قتله فقال: «أروني أسيافكم»، فلما أَرَوه إياها قال لسيف عبد الله بن أنيس: «هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام (١)» (٢). فصل ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بني لِحيان بعد قريظة بستة أشهر ليغزوهم، فخرج في مِائتي رجل وأظهر أنه يريد الشام، واستخلف على المدينة ابنَ أمِّ مكتوم، ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غُرانَ وادٍ من أودية بلادهم ــ وهو بين أَمَجَ (٣) وعُسفان ــ حيث كان مُصاب أصحابه (٤)، فترحم عليهم ودعا

стр. 1700

لهم، وسمعت بنو لحيان فهربوا في رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يومين بأرضهم وبعث السرايا فلم يقدروا عليهم، فسار إلى عسفان فبعث عشرة فوارس إلى كُراع الغَمِيم (١) لتسمع به قريش، ثم رجع إلى المدينة، وكانت غيبته عنها (٢) أربع عشرة ليلةً (٣). فصل في سريّة نجد ثم بعث رسول الله ﷺ خيلًا قِبَل نجدٍ فجاءت بثُمامة بن أُثال الحَنَفي سيد بني حنيفة، فربطه رسول الله ﷺ إلى سارية من سواري المسجد ومرَّ به فقال: «ما عندك يا ثُمامة؟» فقال: يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تُنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسَلْ تُعطَ منه ما شئتَ، فتركه، ثم مر به مرةً أخرى فقال له مثل ذلك وردَّ عليه كما ردَّ عليه أولًا، ثم مرةً ثالثةً، فقال: «أطلِقوا ثمامة»، فأطلقوه فذهب إلى نخلٍ قريب (٤) من المسجد فاغتسل ثم جاء فأسلم وقال: والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغضَ إليَّ مِن

стр. 1701

وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلِّها إليَّ، واللهِ ما كان على الأرض دين أبغضَ إليَّ من دينك، فقد أصبح دينُك أحبَّ الأديان إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فبشَّره رسولُ الله ﷺ وأمره أن يعتمر. فلما قدم على قريش قالوا: صبوتَ يا ثُمامة؟ قال: لا والله، ولكني أسلمت مع محمد ﷺ ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبَّة حنطةٍ حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ ــ وكانت اليمامة ريف مكة ــ، فانصرف إلى بلاده ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريشٌ، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي إليهم حمل الطعام، ففعل رسول الله ﷺ (١). فصل في غزوة الغابة (٢) ثم أغار عيينة بن حصن الفَزاري في بني عبد الله بن غطفان على لقاح النبي ﷺ التي بالغابة (٣) فاستاقها وقتل راعيها ــ وهو رجل من غفار (٤) ــ

стр. 1702

واحتملوا امرأته. قال عبد المؤمن بن خلف (١): «وهو ابن أبي ذر»، وهو غريب جدًّا. وجاء الصريخ فنودي: «يا خيلَ الله اركبي!» وكان أول ما نودي بها، وركب رسول الله ﷺ مقنَّعًا في الحديد، فكان أول من أقبل إليه المِقداد بن عمرٍو في الدرع والمِغفر، فعقد له رسول الله ﷺ اللواءَ في رمحه وقال: «امض حتى تلحق الخيولُ، وإنَّا على أثرك» (٢)، واستخلف رسول الله ﷺ ابنَ أمِّ مكتوم. وأدرك سلمةُ بن الأكوع القومَ وهو على رِجليه، فجعل يرميهم بالنبل ويقول: خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرُّضَّع (٣) حتى انتهى بهم إلى ذي قَرَد وقد استنقذ منهم جميعَ اللِّقاح وثلاثين بردةً. قال سلمة: فلحقَنا رسولُ الله ﷺ والخيلُ عشاءً فقلت: يا رسول الله، إن

стр. 1703

القوم عِطاش، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما في أيديهم من السَّرْح وأخذت بأعناق القوم، فقال النبي ﷺ : «ملكتَ فأَسجِحْ» ثم قال: «إنهم الآن ليُقْرَون في غطفان» (١). وذهب الصريخ بالمدينة إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد ولم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله ﷺ بذِي قَرَد. قال عبد المؤمن بن خلف (٢): فاستنقذوا عشرَ لقاح وأفلتَ القومُ بما بقي وهي عشر. قلت: وهذا غلط بيِّن، والذي في «الصحيحين» (٣): أنهم استنقذوا اللقاح كلها، ولفظ مسلم في «صحيحه» (٤) عن سلمة: «حتى ما خلق الله من شيء من لقاح رسول الله ﷺ إلا خلَّفتُه وراء ظهري واستلبت منهم ثلاثين بردةً».

стр. 1704

فصل وهذه الغزوة كانت بعد الحديبية، وقد وهم فيها جماعة من أهل المغازي والسير فذكروا أنها قبل الحديبية (١)، والدليل على صحة ما قلناه ما رواه الإمام أحمد، والحسن بن سفيان (٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة: حدثنا (٣) هاشم بن القاسم، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني إياس بن سلمة عن أبيه قال: «قدمت المدينة زمن الحديبية مع رسول الله ﷺ »، قال: «فخرجت أنا ورباحٌ بفرسٍ لطلحةَ أُندِّيه (٤) مع الإبل، فلما كان بغلس أغار

стр. 1705

عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ فقتل راعيها ... » وساق القصة، رواها مسلم في «صحيحه» (١) بطولها. ووهم عبد المؤمن بن خلف في «سيرته» (٢) في ذلك وهمًا بينًا فذكر غزاة بني لحيان بعد قريظة بستة أشهر، ثم قال: «فلمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة لم يمكث إلا ليالي حتى أغار عبد الرحمن بن عيينة ... » وذكر القصة، فأين هذا من قول سلمة: قدمتُ المدينة زمن الحديبية؟! (٣). والذي أغار عبد الرحمن ــ وقيل: أبوه عيينة (٤) ــ، وهو: عبد الرحمن بن

стр. 1706

عيينة (١) بن حِصن بن حذيفة بن بدر. وقد ذكر الواقدي (٢) عدة سرايا في سنة ست من الهجرة قبل الحديبية فقال: بعث رسول الله ﷺ في ربيع الأول ــ أو قال: الآخر ــ سنة ست من قدومه المدينةَ عُكاشة بن مِحصَنٍ الأسدي في أربعين رجلًا إلى الغَمْر (٣) ــ وفيهم: ثابت بن أقرم وسِباع بن وهب ــ فأَغَذَّ السيرَ (٤)، ونَذِر القومُ بهم فهربوا، فنزل على مياههم وبعث الطلائع فأصابوا من دلَّهم على بعض ماشيتهم، فوجدوا مائتي بعيرٍ فساقوها إلى المدينة. وبعث سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القَصَّة (٥)، فساروا ليلتهم مشاةً ووافوها مع الصبح، فأغاروا عليهم وأعجزوهم هربًا في الجبال، وأصابوا رجلًا واحدًا فأسلم. وبعث محمد بن مسلمة في ربيع الأول في عشرِ نفرٍ (٦) سريةً، فكمن

стр. 1707

القوم لهم حتى ناموا، فما شعروا إلا بالقوم فقُتِل أصحابُ محمد بن مسلمة وأفلت محمدٌ جريحًا. وفي هذه السنة ــ وهي سنة ست ــ كانت سريةُ زيد بن حارثة بالجَموم (١)، فأصاب امرأةً من مُزَينة يقال لها: حليمة، فدَّلتهم على مَحِلَّة من محالِّ بني سليم، فأصابوا نعَمًا وشاءً وأسرى، وكان في أوَّل الأسرى زوج حليمة، فلما قفل بما أصاب وهب رسول الله ﷺ للمزنيَّةِ نفسَها وزوجَها. وفيها ــ يعني سنةَ ستٍّ ــ كانت سرية زيد بن حارثة إلى الطَّرَف (٢) في جمادى الأولى إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلًا، فهربت الأعراب وخافوا أن يكون رسول الله ﷺ سار إليهم، فأصاب من نعمهم عشرين بعيرًا وغاب أربع ليال. وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى العِيص (٣) في جمادى الأولى، وفيها أَخذت الأموالَ التي كانت مع أبي العاص بن الرَّبِيع زوج زينب مرجعَه

стр. 1708

من الشام، وكانت أموالَ قريش. قال ابن إسحاق (١): حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم قال: خرج أبو العاص بنُ الرَّبِيع تاجرًا إلى الشام وكان رجلًا مأمونًا وكانت معه بضائع لقريش، فأقبل قافلًا فلقيَتْه سريةٌ لرسول الله ﷺ فاستاقوا عِيره وأفلَتَ، وقدموا على رسول الله ﷺ بما أصابوا فقسمه بينهم، وأتى أبو العاص المدينة فدخل على زينب بنت رسول الله ﷺ فاستجار بها، وسألها أن تطلب له من رسول الله ﷺ ردَّ ماله عليه وما كان معه من أموال الناس، فدعا رسولُ الله ﷺ السرية فقال: «إن هذا الرجل منَّا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالًا ولغيره، وهو فيء الله الذي أفاء عليكم، فإن رأيتم أن تردوا عليه فافعلوا، وإن كرهتم فأنتم وحقُّكم»، قالوا: بل نردُّه عليه يا رسول الله، فرَدُّوا عليه ــ واللهِ ــ ما أصابوا، حتى إن الرجل ليأتي بالشَّنِّ والرجلُ بالإداوة والرجلُ بالحبل، فما تركوا قليلًا أصابوه ولا كثيرًا إلا رَدُّوه عليه، ثم خرج حتى قدم مكة فأدَّى إلى الناس بضائعهم حتى إذا فرغ قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم معي مال لم أردَّه عليه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرًا، قد وجدناك وفيًّا كريمًا، قال: أما والله ما منعني أن أُسْلِم قبل أن أَقْدَم عليكم إلا تخوُّفًا أن تظنوا أني إنما أسلمتُ لأذهب بأموالكم، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. وهذا القول من الواقدي وابن إسحاق يدل على أن قصة أبي العاص (٢)

стр. 1709

كانت قبل الحديبية، وإلا فبعد الهدنة لم تتعرَّض سرايا رسول الله ﷺ لقريش. ولكن زعم موسى بن عقبة أن قصة أبي العاص كانت بعد الهدنة، وأن الذي أخذ الأموال أبو بصير وأصحابُه، ولم يكن ذلك بأمر رسول الله ﷺ لأنهم كانوا منحازين عنه بسِيف البحر (١)، وكان لا يمرُّ بهم عِيرٌ لقريش إلا أخذوها؛ هذا قول الزهري. قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب في قصة أبي بصير (٢): ولم يزل أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما الذين اجتمعوا إليهما هنالك حتى مرَّ بهم أبو العاص بن الربيع ــ وكانت تحته زينب بنت رسول الله ﷺ ــ في نفرٍ من قريش، فأخذوهم وما معهم وأسروهم، ولم يقتلوا منهم أحدًا لصهر رسول الله ﷺ من أبي العاص ــ وأبو العاص يومئذ مشرك، وهو ابن أخت خديجة بنت خويلد لأمها وأبيها ــ، وخلوا سبيل أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته زينب، فكلَّمها أبو العاص في أصحابه الذين أَسَرَ أبو جندل وأبو بصير (٣) وما أخذوا لهم، فكلمت رسولَ الله ﷺ في ذلك، فزعموا أن رسول الله ﷺ قام فخطب الناس فقال: «إنا صاهرنا أناسًا وصاهرنا أبا العاص فنعمَ الصِّهرُ وجدناه، وإنه أقبل من الشام في أصحابٍ له من قريش فأخذهم أبو جندل وأبو بصير، وأخذوا ما كان معهم ولم يقتلوا منهم أحدًا، وإن زينب

стр. 1710

بنتَ رسول الله سألتني أن أُجيرَهم فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟»، فقال الناس: نعم، فلما بلغ أبا جندل وأصحابَه قولُ رسول الله ﷺ في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عنده من الأسرى ردَّ إليهم (١) كلَّ شيء أخذ منهم حتى العِقال، وكتب رسول الله ﷺ إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدَموا عليه، ويأمرُ من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم وأن لا يتعرَّضوا لأحدٍ من قريش وعِيَراتها (٢)، فقدم كتاب رسول الله ﷺ على أبي بصير وهو في الموت، فمات وهو على صدره، فدفنه أبو جندل مكانه (٣)، وقدِم أبو جندل على رسول الله ﷺ وأمنت عِيَراتُ قريش ــ وذكر باقي الحديث. وقول موسى بن عقبة أصوب. وأبو العاص إنما أسلم زمن الهدنة، وقريش إنما انبسطت عيراتها إلى الشام في زمن الهدنة، وسياق الزهري للقصة بَيِّن ظاهر أنها كانت في زمن الهدنة (٤). قال الواقدي (٥): وفيها أقبل دحية بن خليفة الكلبيُّ من عند قيصر (٦)،

стр. 1711

وقد أجازه بمالٍ وكسوة، فلما كان بحِسْمى (١) لقيه ناس من جُذامٍ فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا معه شيئًا، فجاء رسولَ الله ﷺ قبل أن يدخل بيته فأخبره، فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى حِسْمى. قلت (٢): وهذا بعد الحديبية بلا شك (٣). قال الواقدي (٤): وخرج عليٌّ في مائة رجل إلى فَدَكَ (٥) إلى حيٍّ من بني سعد بن بكر، وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أن لهم جمعًا يريدون أن يمدُّوا يهود خيبر، فسار إليهم يسيرُ الليل ويَكْمُن النهار، فأصاب عينًا لهم فأقرَّ له أنهم بعثوه إلى خيبر فعرضوا عليهم نصرتهم على أن يجعلوا لهم ثمر خيبر. قال: وفيها سريةُ عبد الرحمن بن عوف إلى دُومة الجندل (٦) في شعبان، فقال له رسول الله ﷺ : «إن أطاعوا فتزوَّجْ ابنةَ ملكهم»، فأسلم القوم وتزوَّج

стр. 1712

عبد الرحمن تُماضِر بنت الأصبغ، وهي أم أبي سلمة (١)، وكان أبوها رأسهم وملكهم. قال: وكانت سرية كُرْز بن جابر الفِهري إلى العُرَنيين الذين قتلوا راعيَ رسول الله ﷺ واستاقوا الإبل في شوالٍ سنةَ ستٍّ، وكانت السرية عشرين فارسًا. قلت: وهذا يدلُّ على (٢) أنها كانت قبل الحديبية، فإن الحديبية (٣) كانت في ذي القعدة كما سيأتي. وقصة العرنيين في «الصحيحين» (٤) من حديث أنس أن رهطًا من عُكْلٍ وعُرَينة أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا أهلُ ضرع ولم نكن أهلَ ريفٍ فاستوخمنا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بذَودٍ وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صَحُّوا قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم ــ وفي لفظ لمسلم (٥): وسَمَلُوا عين (٦) الراعي ــ، فبعث رسول الله ﷺ في طلبهم فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا.

стр. 1713

وفي حديث أبي الزبير عن جابر: فقال رسول الله ﷺ : «اللهم عَمِّ عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيقَ مِن مَسْك حَمَلٍ» (١)، فعمَّى الله عليهم السبيل فأُدرِكوا ــ وذكر القصة ــ (٢). وفيها من الفقه: جوازُ شرب أبوال الإبل، وطهارةُ بول مأكول اللحم، والجمعُ للمحارب ــ إذا أخذ المال وقتل ــ بين قطعِ يده ورجله وقتله، وأنه يُفعَل بالجاني كما فعل، فإنهم لما سملوا عين (٣) الراعي سمل أعينهم، وقد ظهر بهذا أن القصة محكمة ليست منسوخةً وإن كانت قبل أن تنزل الحدود، فالحدود نزلت بتقريرها لا بإبطالها. والله أعلم (٤). * * *

стр. 1714

فصل في قصة الحديبية قال نافع: كانت سنةَ ستٍّ في ذي القعدة (١)، وهذا هو الصحيح. وهو قول الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم (٢). وقال هشام بن عروة عن أبيه: خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية في رمضان، وكانت في شوال (٣). وهذا وهمٌ وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان، وقد قال أبو الأسود عن عروة: «إنها كانت في ذي القعدة» على الصواب. وفي «الصحيحين» (٤) عن أنس أن النبي ﷺ اعتمر أربعَ عُمَرٍ كلُّهن في ذي القعدة، فذكر منها عمرة الحديبية. وكان معه ألف وخمسمائة، هكذا في «الصحيحين» (٥) عن جابر، وعنه فيهما (٦): كانوا ألفًا وأربعمائة.

стр. 1715

وفيهما (١) عن عبد الله بن أبي أوفى: كنا ألفًا وثلاثمائة. قال قتادة: قلت (٢) لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله وهِم، هو حدَّثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة (٣). قلت: قد صح عن جابر القولان، وصح عنه أنهم نحروا عام الحديبية سبعين بدنةً، البدنة عن سبعةٍ، فقيل له: كم كنتم؟ قال: ألفًا وأربعمائة بخَيلنا ورِجالنا (٤) ــ يعني: فارسهم وراجلهم ــ (٥). والقلب إلى هذا أميل. وهو قول البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين عنه (٦)، وقول المسيب بن حَزْن؛ قال شعبة: عن قتادة عن سعيد بن المسيب

стр. 1716

عن أبيه: كنا مع النبي ﷺ تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة (١). وغلط غلطًا بيِّنًا من قال: كانوا سبعمائة (٢)، وعُذره أنهم نحروا يومئذ سبعين بدنةً، والبدنة قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدل على ما قاله هذا القائل، فإنه قد صَرَّح (٣) بأن البدنة كانت في هذه العمرة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم لكانوا أربعَمائةٍ وتسعين رجلًا، وقد قال في تمام الحديث بعينه: «إنهم كانوا ألفًا وأربعمائة». فصل فلما كانوا بذي الحليفة قلَّد رسولُ الله ﷺ الهديَ وأشعره وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينًا له من خزاعة يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريبًا من عُسفان أتاه عينه فقال: إني تركتُ كعبَ بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعًا، وهم مقاتِلوك وصادُّوك عن البيت فاستشار النبيُّ ﷺ أصحابَه فقال: «أترون أن نَمِيل إلى ذراريِّ هؤلاء الذين أعانوهم فنُصيبهم، فإن قعدوا قعدوا مَوتُورين محرُوبين (٤)، وإن يَجُوا (٥) تكن عنقًا

стр. 1717

قطعها الله، أم ترون (١) أن نؤمَّ البيت فمن صدَّنا عنه قاتلناه؟» فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، إنما (٢) جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحدٍ ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي ﷺ : «فروحوا إذًا»، فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : «إن خالد بن الوليد بالغَمِيم في جندٍ (٣) لقريش طليعةً، فخُذُوا ذات اليمين»، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقَتَرةِ الجيش (٤) فانطلق يركض نذيرًا لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنيَّة التي يُهبَط عليهم منها بركت راحلته فقال الناس: حَلْ! حَلْ! فألحَّت، فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء! فقال النبي ﷺ : «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابسُ الفيل»، ثم قال: «والذي نفسُ محمدٍ بيده لا يسألوني خطةً يعظِّمُون فيها حرمات الله إلا أعطيتُهموها»، ثم زجرها فوثبت به، فعَدَل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ قليلِ الماء إنما يتبرَّضه الناس تبرُّضًا (٥)، فلم يلبث الناس

стр. 1718

أن نزحوه، فشَكَوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه (١). وفزعت (٢) قريشٌ لنزوله عليهم، فأحبَّ رسولُ الله ﷺ أن يبعث إليهم رجلًا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله، ليس لي بمكة أحد من بني كعبٍ يغضب لي إن أوذيت فأرسِلْ عثمانَ بن عفانَ فإن عشيرته بها وإنه يُبلِّغ ما أردت، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال: «أخبِرْهم أنَّا لم نأتِ لقتالٍ وإنما جئنا عُمَّارًا، وادعُهم إلى الإسلام» وأمره أن يأتي رجالًا بمكة مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ فيدخلَ عليهم ويبشِّرَهم بالفتح ويخبرَهم أن الله تعالى مُظهرٌ دينَه بمكة حتى لا يُستخفى فيها بالإيمان.

стр. 1719

فانطلق عثمان فمر على قريشٍ (١) فقالوا: أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، وأخبركم أنا لم نأتِ لقتالٍ وإنما جئنا عُمَّارًا، فقالوا: قد سمعنا ما تقول (٢) فانفُذْ لحاجتك، وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحَّب به وأسرج فرسه فحمل عثمان على الفرس (٣) ورَدِفَه أبانُ حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان: خَلَص عثمان بن عفَّان من بيننا إلى البيت وطاف به، فقال رسول الله ﷺ : «ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون»، قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: «ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف معًا». واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح (٤)، فرمى رجل من أحد الفريقين رجلًا من الفريق الآخر فكانت مُعارَكةٌ وتراموا بالنَّبْل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كلُّ واحدٍ من الفريقين من فيهم (٥)، وبلغ

стр. 1720

رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل (١) فدعا إلى البيعة، فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفرُّوا، فأخذ رسولُ الله ﷺ بيد نفسه وقال: «هذه عن عثمان» (٢). ولمّا تمت البيعة رجع عثمان فقال المسلمون له: اشتفَيتَ يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟ فقال: بئس ما ظننتم بي! والذي نفسي بيده لو مكثتُ بها سنةً ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوفَ رسول الله ﷺ ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيتُ، فقال المسلمون: رسول الله ﷺ كان أعلمَنا بالله وأحسنَنا ظنًّا (٣). وكان عمرُ آخذًا بيد رسول الله ﷺ للبيعة وهو تحت الشجرة، فبايعه المسلمون كلهم إلا الجَدَّ بن قيس (٤). وكان معقل بن يسار آخذًا بغُصْنها يرفعه عن (٥) رسول الله ﷺ (٦).
следующие страницы →