← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

عن أبيه: كنا مع النبي ﷺ تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة (١). وغلط غلطًا بيِّنًا من قال: كانوا سبعمائة (٢)، وعُذره أنهم نحروا يومئذ سبعين بدنةً، والبدنة قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدل على ما قاله هذا القائل، فإنه قد صَرَّح (٣) بأن البدنة كانت في هذه العمرة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم لكانوا أربعَمائةٍ وتسعين رجلًا، وقد قال في تمام الحديث بعينه: «إنهم كانوا ألفًا وأربعمائة». فصل فلما كانوا بذي الحليفة قلَّد رسولُ الله ﷺ الهديَ وأشعره وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينًا له من خزاعة يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريبًا من عُسفان أتاه عينه فقال: إني تركتُ كعبَ بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعًا، وهم مقاتِلوك وصادُّوك عن البيت فاستشار النبيُّ ﷺ أصحابَه فقال: «أترون أن نَمِيل إلى ذراريِّ هؤلاء الذين أعانوهم فنُصيبهم، فإن قعدوا قعدوا مَوتُورين محرُوبين (٤)، وإن يَجُوا (٥) تكن عنقًا

стр. 1717

قطعها الله، أم ترون (١) أن نؤمَّ البيت فمن صدَّنا عنه قاتلناه؟» فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، إنما (٢) جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحدٍ ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي ﷺ : «فروحوا إذًا»، فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : «إن خالد بن الوليد بالغَمِيم في جندٍ (٣) لقريش طليعةً، فخُذُوا ذات اليمين»، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقَتَرةِ الجيش (٤) فانطلق يركض نذيرًا لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنيَّة التي يُهبَط عليهم منها بركت راحلته فقال الناس: حَلْ! حَلْ! فألحَّت، فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء! فقال النبي ﷺ : «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابسُ الفيل»، ثم قال: «والذي نفسُ محمدٍ بيده لا يسألوني خطةً يعظِّمُون فيها حرمات الله إلا أعطيتُهموها»، ثم زجرها فوثبت به، فعَدَل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ قليلِ الماء إنما يتبرَّضه الناس تبرُّضًا (٥)، فلم يلبث الناس

стр. 1718

أن نزحوه، فشَكَوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه (١). وفزعت (٢) قريشٌ لنزوله عليهم، فأحبَّ رسولُ الله ﷺ أن يبعث إليهم رجلًا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله، ليس لي بمكة أحد من بني كعبٍ يغضب لي إن أوذيت فأرسِلْ عثمانَ بن عفانَ فإن عشيرته بها وإنه يُبلِّغ ما أردت، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال: «أخبِرْهم أنَّا لم نأتِ لقتالٍ وإنما جئنا عُمَّارًا، وادعُهم إلى الإسلام» وأمره أن يأتي رجالًا بمكة مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ فيدخلَ عليهم ويبشِّرَهم بالفتح ويخبرَهم أن الله تعالى مُظهرٌ دينَه بمكة حتى لا يُستخفى فيها بالإيمان.

стр. 1719

فانطلق عثمان فمر على قريشٍ (١) فقالوا: أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، وأخبركم أنا لم نأتِ لقتالٍ وإنما جئنا عُمَّارًا، فقالوا: قد سمعنا ما تقول (٢) فانفُذْ لحاجتك، وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحَّب به وأسرج فرسه فحمل عثمان على الفرس (٣) ورَدِفَه أبانُ حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان: خَلَص عثمان بن عفَّان من بيننا إلى البيت وطاف به، فقال رسول الله ﷺ : «ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون»، قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: «ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف معًا». واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح (٤)، فرمى رجل من أحد الفريقين رجلًا من الفريق الآخر فكانت مُعارَكةٌ وتراموا بالنَّبْل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كلُّ واحدٍ من الفريقين من فيهم (٥)، وبلغ

стр. 1720

رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل (١) فدعا إلى البيعة، فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفرُّوا، فأخذ رسولُ الله ﷺ بيد نفسه وقال: «هذه عن عثمان» (٢). ولمّا تمت البيعة رجع عثمان فقال المسلمون له: اشتفَيتَ يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟ فقال: بئس ما ظننتم بي! والذي نفسي بيده لو مكثتُ بها سنةً ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوفَ رسول الله ﷺ ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيتُ، فقال المسلمون: رسول الله ﷺ كان أعلمَنا بالله وأحسنَنا ظنًّا (٣). وكان عمرُ آخذًا بيد رسول الله ﷺ للبيعة وهو تحت الشجرة، فبايعه المسلمون كلهم إلا الجَدَّ بن قيس (٤). وكان معقل بن يسار آخذًا بغُصْنها يرفعه عن (٥) رسول الله ﷺ (٦).

стр. 1721

وكان أول من بايعه أبو سنان الأسدي (١). وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات: في أول الناس ووسطهم وآخرهم (٢). فبينا (٣) هم كذلك إذ جاء بُدَيل بن ورقاء الخُزاعي في نفر من خزاعة ــ وكانوا عَيبة نُصحِ رسولِ الله ﷺ (٤) من أهل تهامة ــ فقال: إني تركتُ كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبية (٥)، معهم العُوذ المطافيل (٦)، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت، قال رسول الله ﷺ : «إنّا لم نجئ لقتال أحدٍ ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا نهكتهم الحربُ وأضرَّت بهم فإن شاؤوا ماددتهم ويخلُّوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جَمُّوا (٧)، وإن أبوا إلا القتالَ فوالذي نفسي بيده لأقاتلنَّهم على أمري هذا حتى تنفردَ سالفتي (٨) أو ليُنْفِذَنَّ اللهُ أمرَه».

стр. 1722

قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشًا فقال: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل وسمعته يقول قولًا فإن شئتم عرضته عليكم، فقالت سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدِّثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعتَه يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فقال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خُطَّة رشدٍ فاقبلوها ودعوني آته، فقالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلمه، فقال له النبي ﷺ نحوًا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أَيْ محمد أرأيت لو استأصلتَ قومَك هل سمعت بأحدٍ من العرب اجتاح أصلَه (١) قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوهًا وأرى أوشابًا من الناس خُلَقاء أن يفرُّوا ويدعوك. فقال أبو بكر: امصص بَضْرَ (٢) اللات أنحن نفر عنه وندعه؟! قال: من ذا؟ قال: «أبو بكر»، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يدٌ كانت لك عندي لم أَجزِك بها لأجبتك، وجعل يكلم النبي ﷺ وكلمَّا كلَّمه أخذ بلحيته، والمغيرةُ بن شعبة عند رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف وعليه المِغْفَر، فكلما أهوى عروةُ إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال: أَخِّرْ يدك عن لحية رسول الله ﷺ ! فرفع عروة رأسه وقال: من ذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غُدَر! أولستُ أسعى في غَدرتك؟! وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم

стр. 1723

جاء فأسلم فقال النبي ﷺ : «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء». ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ ، فوالله ما تنخَّم (١) النبي ﷺ نخامةً إلا وقعت في كفِّ رجل منهم فدَلَك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروةُ إلى أصحابه فقال: أي قوم واللهِ لقد وفدتُ على الملوك على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إنْ رأيت ملِكًا يُعظِّمه أصحابه ما يعظم أصحابُ محمدٍ محمدًا، والله إن تنخَّم نخامةً إلا وقعت في كفِّ رجلٍ منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلَّم (٢) خفضوا أصواتهم عنده وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيمًا له، وقد عرض عليكم خطة رشدٍ فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتِه، فقالوا: ايْته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : «هذا فلان، وهو من قومٍ يُعظِّمون البُدْنَ فابعثوها له»، فبُعثت له واستقبله القوم يُلَبُّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البُدن قد قُلِّدَت وأُشعرت، وما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت، فقام مِكْرَز بن حفصِ فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : «هذا مِكْرَز بن حفص، وهو رجل فاجر»، فجعل يكلِّم

стр. 1724

النبيَّ ﷺ ، فبينا هو يكلمه إذ جاء سُهَيل بن عمروٍ فقال النبي ﷺ : «قد سَهُل لكم مِن أمركم» فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا، فدعا الكاتب فقال: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سهيل: أما «الرحمن» فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: «باسمك اللهم» كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي ﷺ : «اكتب: باسمك اللهم»، ثم قال: «اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسولُ الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ : «إني رسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله». فقال النبي ﷺ : «على أن تخلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف به»، فقال سهيل: واللهِ لا تتحدَّثُ العرب أنَّا أُخِذنا ضَغطةً، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: على أن لا يأتيك مِنَّا رجلٌ وإن كان على دينك إلا رددتَه إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟! فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل قد خرج من أسفل مكة يَرْسُف (١) في قيوده حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن تردَّه، فقال النبي ﷺ : «إنا لم نقض الكتاب بعدُ»، قال: فوالله إذًا لا أصالحك على شيء أبدًا، فقال النبي ﷺ : «فأجزه لي»، قال: ما أنا بمُجيزِه لك، قال: «بلى فافعل»، قال: ما أنا بفاعل، قال مِكرَز: بلى قد أجزناه (٢)، فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أُردُّ إلى

стр. 1725

المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما لقيت؟! وكان قد عُذِّب في الله عذابًا شديدًا. قال عمر بن الخطاب: واللهِ ما شككت منذ أسلمتُ إلا يومئذٍ، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله ألست نبي الله؟ قال: «بلى»، قلت: ألسنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطل؟ قال: «بلى»، فقلت: علامَ نعطي الدنيَّةَ في ديننا ونرجع ولمَّا يحكمِ اللهُ بيننا وبين أعدائنا (١)؟ فقال: «إني رسول الله وهو ناصري، ولست أَعصيه». قلت: أولستَ كنتَ تحدثنا أنا سنأتي البيت ونَطَّوَّف به؟ قال: «بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟»، قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوِّفٌ به»، قال فأتيتُ أبا بكر فقلت له كما قلتُ لرسول الله ﷺ ، ورد عليه (٢) أبو بكر كما رد عليه رسول الله ﷺ سواءً وزاد: «فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق»، قال عمر: فعملتُ لذلك أعمالًا.

стр. 1726

فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ : «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، قال: فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، أتحب ذلك؟ اخرجْ ثم لا تكلِّمْ أحدًا (١) كلمةً حتى تنحر بُدنك وتدعوَ حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاويةُ والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع إلى المدينة وفي مرجعه أنزل الله عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ١ - ٣]، فقال عمر: أوَفتحٌ هو يا رسول الله؟ قال: «نعم» (٢). فقال الصحابة: هنيئًا لك يا رسول الله فما لنا؟ فأنزل الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الفتح: ٤] (٣).

стр. 1727

ولما (١) رجع إلى المدينة جاءه أبو بَصِير ــ رجل من قريش ــ مسلمًا، فأرسلوا في طلبه رجلين وقالوا: العهدَ الذي جعلتَ لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمرٍ لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدًا، فَسَلَتَه (٢) الآخر فقال: أجل واللهِ إنه لجيد، لقد جرَّبتُ به ثم جربت، فقال أبو بصير: أَرِني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد وفرَّ الآخر يعدو حتى بلغ المدينة فدخل المسجد، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذُعْرًا»، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قُتِل والله صاحبي، وإني لمقتول! فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قد واللهِ أوفى اللهُ ذمتك، قد رددتَني إليهم فأنجاني الله منهم، فقال النبي ﷺ : «ويلُ أمِّه! مِسْعَرُ حربٍ لو كان له أحد»، فلما سمع ذلك عرف أنه سيردُّه إليهم فخرج حتى أتى سِيف البحر. وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله لا يسمعون بِعِير لقريشٍ خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده اللهَ والرَّحِمَ لمَّا أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن، فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾

стр. 1728

[الفتح: ٢٤ - ٢٦] وحميَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» وحالوا بينهم وبين البيت (١). قلت: في «الصحيح» أن النبي ﷺ توضأ ومجَّ في بئر الحديبية من فمه فجاشت بالماء. كذلك قال البراء بن عازب وسلمة بن الأكوع في «الصحيحين» (٢). وقال عروة: عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنه غرز فيها (٣) سهمًا من كنانته، وهو في «الصحيحين» (٤) أيضًا. وفي مغازي أبي الأسود عن عروة (٥): توضأ في الدَّلْوِ ومضمض فاه ثم مجَّ فيه وأمر أن يُصبَّ في البئر، ونزع سهمًا من كنانته وألقاه في البئر، ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شَفَتِها (٦)؛ فجمع بين الأمرين، وهذا أشبه. والله أعلم.

стр. 1729

وفي «صحيح البخاري» (١) عن جابر قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه رَكْوةٌ يتوضأ منها إذ جَهَش الناس نحوَه، فقال: «ما لكم؟» قالوا: يا رسول الله، ما عندنا ماء نشرب ولا ما (٢) نتوضأ إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه أمثالَ العيون فشربوا وتوضَّؤوا، وكانوا خمس عشرة مائة. وهذه غير قصة البئر. وفي هذه الغزوة أصابهم ليلةً مطر، فلمَّا صلى النبي ﷺ الصبح قال: «أتدرون ماذا قال ربُّكم الليلةَ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطِرنا بِنَوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» (٣). فصل وجرى الصلحُ بين المسلمين وأهل مكة على وضع الحرب عشر سنين، وأن يأمَنَ الناسُ بعضهم من بعضٍ، وأن يرجع عنهم عامَه ذلك حتى إذا كان العام المقبل قدمها وخلَّوا بينه وبين مكة فأقام بها ثلاثًا، وأن لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القُرُب، وأن من أتانا من أصحابك لم نردَّه

стр. 1730

عليك ومن أتاك من أصحابنا رددتَه علينا، وأنَّ بيننا وبينك عَيبةً مكفُوفةً (١) وأنه لا إسلال ولا إغلال (٢)، فقالوا: يا رسول الله نعطيهم هذا؟ فقال: «من أتاهم منا فأبعده الله، ومن أتانا منهم فرددناه عليهم جعل الله له فرجًا ومخرجًا» (٣). وفي قصة الحديبية أنزل الله فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام أو الصدقة أو النسك في شأن كعب بن عجرة (٤). وفيها دعا رسول الله ﷺ للمُحلِّقين بالمغفرة ثلاثًا وللمُقصِّرين مرةً (٥). وفيها نحروا البَدَنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة (٦).

стр. 1731

وفيها أهدى رسول الله ﷺ في جُملة هديه جملًا كان لأبي جهلٍ في أنفه بُرَة (١) من فضَّة؛ ليغيظ به المشركين (٢). وفيها أنزلت سورةُ الفتح. ودخلت خزاعةُ في عقد رسول الله ﷺ وعهده، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، وكان في الشرط أن من شاء أن يدخل في عقده ﷺ دخل ومن شاء أن يدخل في عقد قريشٍ دخل (٣). ولما رجع إلى المدينة جاءه نساء مؤمنات، منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها يسألونها رسولَ الله ﷺ بالشرط الذي كان بينهم، فلم يَرجعها إليهم، ونهاه الله عن ذلك؛ فقيل: هذا نسخٌ للشرط في النساء، وقيل: تخصيص للسنة بالقرآن وهو عزيز (٤) جدًّا، وقيل: لم يقعِ الشرط إلا على الرجال خاصةً وأراد المشركون أن يُعمِّمُوه في الصنفَين فأنزل (٥) الله تعالى ذلك.

стр. 1732

فصل في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية فمنها: اعتمار النبي ﷺ في أشهر الحج، فإنه خرج إليها في ذي القعدة. ومنها: أن الإحرام بالعمرة من الميقات أفضل، كما أن الإحرام بالحج كذلك، فإنه أحرم بهما من ذي الحُلَيفة وبينها وبين المدينة ميل أو نحوه. وأما حديث: «من أحرم بعمرةٍ من بيت المقدس غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، وفي لفظ: «كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب» = فحديث لا يثبت، وقد اضطرب فيه إسنادًا ومتنًا اضطرابًا شديدًا (١). ومنها: أن سوق الهدي مسنون في العمرة المفردة كما هو مسنون في القِران. ومنها: أن إشعار الهدي سنة، لا مُثلة منهيٌّ عنها. ومنها: استحباب مُغايَظة أعداء الله (٢)، فإن النبي ﷺ أهدى في جُملة هديه جملًا لأبي جهل في أنفه بُرَة من فضة يغيظ به المشركين، وقد قال تعالى في صفة رسول الله ﷺ وأصحابه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ

стр. 1733

فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (١) [الفتح: ٢٩]، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. ومنها: أن أمير الجيش ينبغي أن يبعث العيون أمامَه نحوَ العدو. ومنها: أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة، لأن عَينه الخزاعيَّ كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقربُ إلى اختلاطه بالعدوِّ وأخذه أخبارَهم. ومنها: استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجًا لوجه الرأي، واستطابةً لنفوسهم، وأمنًا لِعَتْبهم، وتعرُّفًا لمصلحةٍ تَختصُّ (٢) بعضَهم دون بعضٍ، وامتثالًا لأمر الرب تعالى في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد مدح عبادَه سبحانه بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. ومنها: جواز سَبْيِ ذراريِّ المشركين إذا انفردوا عن رجالهم قبل مقاتلة الرجال. ومنها: ردُّ الكلام الباطل ولو نسب إلى غير مكلّفٍ، فإنهم لما قالوا: «خلأت القصواء»، يعني حَرَنت وألحَّت فلم تسرِ، والخِلاءُ في الإبل بكسر الخاء وبالمدِّ نظيرُ الحِران في الخيل؛ فلما نسبوا إلى الناقة ما ليس من خلقها

стр. 1734

وطبعها (١) ردَّه عليهم وقال: «ما خلأت وما ذاك لها بخلق»، ثم أخبر عن سبب بروكها وأن الذي حبس الفيل عن مكة حبسها للحكمة العظيمة التي ظهرت بسبب حبسها (٢) وما جرى بعده. ومنها: أن تسمية ما يلابسه الرجلُ من مراكبه ونحوها سنة. ومنها: جواز الحلف بل استحبابه على الخبر الديني الذي يريد تأكيده، وقد حفظ عن النبي ﷺ الحلف في أكثر من ثمانين موضعًا (٣)، وأمره الله بالحلف على تصديق ما أخبر به في ثلاث (٤) مواضع من القرآن (٥): في سورة يونس، وسبأ، والتغابن (٦). ومنها: أن المشركين وأهلَ البدع والفجورِ والبغاةَ (٧) والظلمةَ إذا طَلَبوا أمرًا يُعظِّمون فيه حرمةً من حرمات الله أُجيبوا إليه وأُعطوه وأُعينوا عليه وإن

стр. 1735

مُنِعوا غيرَه، فيعاوَنُون على ما فيه تعظيمُ حرماتِ الله لا على كفرهم وبغيهم، ويُمنَعون مما سوى ذلك. وكل من التمس المعاونةَ على محبوبٍ لله مرضيٍّ له أجيب إلى ذلك كائنًا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوضٌ لله أعظمُ منه. وهذا من أدقِّ المواضع وأصعبها وأشقِّها على النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق وقال عمر ما قال حتى عمل له أعمالًا بعدَه، والصدِّيقُ تلقاه بالرضى والتسليم حتى كان قلبه فيه على قلب رسول الله ﷺ وأجاب عمرَ عمَّا سأل عنه من ذلك بعين جواب رسول الله ﷺ ، وذلك يدل على أن الصديق أفضلُ الصحابة وأكملُهم وأعرفُهم بالله ورسوله وأعلمُهم بدينه وأقومهم بمحابِّه وأشدُّهم موافقةً له، ولذلك لم يسأل عمر عمَّا عرض له إلا رسولَ الله ﷺ وصدِّيقَه خاصةً دون سائر أصحابه. ومنها: أن النبي ﷺ عدل ذات اليمين إلى الحديبية. قال الشافعي (١): وبعضُها من الحل وبعضها من الحرم. وروى الإمام أحمد (٢) في هذه القصة أن النبي ﷺ كان يصلي في الحرم وهو مُضطرِب (٣) في الحِلِّ. وفي هذا

стр. 1736

كالدلالة على أن مضاعفةَ الصلاة بمكةَ متعلِّقٌ بجميع الحرم، لا يختصُّ المسجدَ الذي هو مكان الطواف، وأن قوله: «صلاة في المسجد الحرام أفضلُ من مائةِ صلاةٍ في مسجدي» (١) كقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وكان الإسراء من بيت أم هانئ. ومنها: أن من نزل قريبًا من مكة، فإنه ينبغي له أن ينزل في الحل ويصليَ في الحرم، وكذلك كان ابن عمر يصنع (٢). ومنها: جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه، ولا يتوقَّف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم. وفي قيام المغيرة على رأس رسول الله ﷺ بالسَّيف ــ ولم تكن عادتُه أن يقام على رأسه وهو قاعد ــ سنةٌ يقتدى بها عند قدوم رسل العدوِّ من إظهار العزِّ والفخر وتعظيم الإمام وطاعته ووقايته بالنفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين، وليس هذا من (٣) النوع الذي ذمَّه النبيُّ ﷺ بقوله: «من أحب أن

стр. 1737

يتمثَّل له الرجالُ قيامًا فليتبوَّأ مقعدَه من النار» (١)، كما أن الخُيلاء والفخر في الحرب ليسا من (٢) النوع المذموم في غيره. وفي بعث البُدنِ في وجه الرسول الآخر دليل على استحباب إظهار شعائر الإسلام لرسل الكفار. وفي قول النبي ﷺ للمغيرة: «أما الإسلام فأقبلُ، وأما المال فلستُ منه في شيء» دليل على أن مال المشرك المعاهد معصوم وأنه لا يُملك بل يُرَدُّ عليه، فإن المغيرة كان قد صحبهم على الأمان ثم غدر بهم وأخذ أموالهم، فلم يتعرض النبي ﷺ لأموالهم ولا ذبَّ عنها ولا ضمِنها لهم لأن ذلك كان قبل إسلام المغيرة. وفي قول الصديق لعروة: «امصص بظر (٣) اللَّات» دليلٌ على جواز التصريح باسم العورة إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال، كما أذن النبي ﷺ أن يُصرَّح لمن ادعى دعوى الجاهلية بِهَنِ أبيه ويقال: «اعضَضْ أَير أبيك» ولا يُكنى له (٤)؛ فلكل مقامٍ مقال.

стр. 1738

ومنها: احتمال قلة أدب رسول (١) الكفار وجهله وجفوته، ولا يقابَل على ذلك لما فيه من المصلحة العامة، ولم يقابل النبي ﷺ عروة على أخذه بلحيته وقتَ خطابه، وإن كانت تلك عادة العرب لكن الوقار والتعظيم خلاف ذلك. وكذلك لم يقابل ﷺ رسولَي مسيلمة حين قالا: نشهد أنه رسول الله، وقال: «لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما» (٢). ومنها: طهارة النخامة سواءٌ كانت من رأس أو صدر. ومنها: طهارة الماء المستعمل. ومنها: استحباب التفاؤل وأنه ليس من الطيرة المكروهة، لقوله لما جاء سهيل: «سَهُل أمركم». ومنها: أن المشهود عليه إذا عرف باسمه واسم أبيه أغنى ذلك عن ذكر الجد، لأن النبي ﷺ لم يزد على محمد بن عبد الله، وقَنِع من سهيل بذكر اسمه واسم أبيه خاصةً؛ واشتراط ذكرِ الجدِّ لا أصل له. وأما اشتراء العَدَّاء بن خالدٍ منه ﷺ الغلامَ فكتب له: «هذا ما اشترى

стр. 1739

العدَّاءُ بن خالد بن هَوذة» (١) فذكر جده= فهو زيادة بيان يدلُّ على أنه جائز لا بأس به، لا يدلُّ على اشتراطه، ولما لم يكن في الشُّهرة بحيث يُكتفى باسمه واسم أبيه ذَكر جدَّه، فيشترط ذكرُ الجدِّ عند الاشتراك في الاسم واسم الأب وعند عدم الاكتفاء (٢) بذكر الاسم واسم الأب. والله أعلم. ومنها: أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضَيم على المسلمين جائزةٌ للمصلحة الراجحة ودفعِ ما هو شرٌّ منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. ومنها: أن من حلف على فعل شيء أو نَذَره، أو وعد غيرَه به، ولم يُعيِّن وقتًا لا بلفظه ولا بنيته= لم يكن على الفور، بل على التراخي. ومنها: أن الحِلاق نسك، وأنه أفضل من التقصير، وأنه نسك في العمرة كما هو نسك في الحج، وأنه نسك في عمرة المحصور كما هو نسك في عمرة غيره. ومنها: أن المُحصَر ينحر هديه حيث أُحصِر مِن الحلِّ أو الحرم، وأنه لا يجب عليه أن يُواعِد من ينحره في الحرم إذا لم يصل إليه، وأنه (٣) لم يَصِلْ إلى محلِّه بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].

стр. 1740

ومنها: أن الموضع الذي نحر فيه الهدي كان مِن الحلِّ لا من الحرم؛ لأن الحرم كلَّه مَحِلُّ الهدي. ومنها: أن المحصر لا يجب عليه القضاء، لأنه ﷺ أمرهم بالحلق والنحر ولم يأمر أحدًا منهم بالقضاء. والعمرة من العام القابل لم تكن واجبةً ولا قضاءً عن عمرة الإحصار، فإنهم كانوا في عمرة الإحصار ألفًا وأربعَمائةٍ وكانوا في عمرة القضية دون ذلك، وإنما سُمِّيت عمرةَ القضية والقضاء لأنها العمرةُ التي قاضاهم عليها، فأُضِيفت العمرة إلى مصدرِ فعله. ومنها: أن الأمر المطلق على الفور، وإلا لم يغضب لتأخيرهم الامتثال عن وقت الأمر. وقد اعتُذِر عن تأخيرهم الامتثال بأنهم كانوا يرجون النسخ (١) فأخَّروا متأوِّلين لذلك، وهذا الاعتذارُ أولى أن يُعتذر عنه! وهو باطل، فإنه ﷺ لو فهم منهم ذلك لم يشتدَّ غضبُه لتأخير أمره ويقول: «ما لي لا أغضب وأنا آمُرُ بالأمر فلا أتَّبَع!» (٢)، وإنما كان تأخيرهم من السعي المغفور لا المشكور، وقد ﵃ وغفر لهم وأوجب لهم الجنة. ومنها: أن الأصل مشاركة أُمَّته له في الأحكام، إلا ما خصه الدليل،

стр. 1741

ولذلك قالت له أم سلمة: «اخرج ولا تُكلِّم أحدًا حتى تحلق رأسك وتنحر هديك» وعلمَتْ أن الناس سيتابعونه. فإن قيل: فكيف فعلوا ذلك اقتداءً بفعله ولم يمتثلوه حين أمرهم به؟ قيل: هذا هو السبب الذي لأجله ظنَّ من ظنَّ أنهم أخَّروا الامتثال طمعًا في النسخ، فلما فعل ﷺ ذلك علموا حينئذ أنه حكم مستقر غيرُ منسوخ، وقد تقدم فساد هذا الظن، ولكن لما تغيَّظ عليهم وخرج ولم يكلِّمهم وأراهم أنه قد بادر إلى امتثال ما أمر به وأنه لم يؤخر كتأخيرهم، وأن اتباعَهم له وطاعتَهم توجب اقتداءهم به= بادروا حينئذ إلى الاقتداء به وامتثال أمره. ومنها: جواز صلح الكفار على رد من جاء منهم إلى المسلمين وأن لا يُرَدَّ من ذهب من المسلمين إليهم. هذا في غير النساء، وأما في النساء فلا يجوز اشتراط ردهن إلى الكفار. وهذا موضع النسخ خاصةً في هذا العقد بنصِّ القرآن، فلا سبيل إلى دعوى النسخ في غيره بغير موجِب. ومنها: أن خروج البُضع من ملك الزوج مُتقوَّم، ولذلك أوجب الله سبحانه ردَّ المهر على من هاجرت امرأتُه وحيل بينه وبينها وعلى من ارتدت امرأته من المسلمين إذا استحق الكفار عليهم ردَّ مهور من هاجر إليهم من أزواجهم، وأخبر أن ذلك حكمه الذي حكم به بينهم، ثم لم ينسخه شيء. وفي إيجابه ردَّ ما أعطى الأزواج من ذلك دليل على تقوُّمه بالمسمَّى لا بمهر المثل. ومنها: أن شرطَ ردِّ من جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول من خرج منهم مسلمًا إلى غير بلد الإمام، وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام لا يجب عليه ردُّه بدون الطلب؛ فإن النبي ﷺ لم يردَّ أبا بصير حين جاءه ولا أكرهه على الرجوع، ولكن لما جاءوا في طلبه مكَّنهم مِن أخذه ولم يُكرهه على الرجوع.

стр. 1742

ومنها: أن المعاهدين إذا تسلَّموه وتمكَّنوا منه فقتل أحدًا منهم لم يضمنه بديةٍ ولا قَوَدٍ، ولم يضمنه الإمام، بل يكون حكمه في ذلك حكمَ قتلِه لهم في ديارهم حيث لا حكمَ للإمام عليهم؛ فإن أبا بصير قتل أحد الرجلَين المعاهدَين بذي الحليفة، وهي من حكم المدينة، ولكن كان قد تسلَّموه وفصل عن يد الإمام وحكمه. ومنها: أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام، فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم، ولم يتحيَّزوا إلى الإمام= لم يجب على الإمام دفعُهم عنهم ومنعهم منهم، وسواءٌ دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا. والعهد الذي كان بين النبي ﷺ وبين المشركين لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم. وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهدٌ جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوَهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى مَلَطْيَةَ (١) وسَبْيِهم مستدلًّا بقصة أبي بصير مع المشركين (٢). والله أعلم (٣). فصل في الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة وهي أكبر وأجل من أن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغايةُ على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده.

стр. 1743

فمنها: أنها كانت مقدِّمةً بين يدي الفتح الأعظم الذي أعزَّ الله به رسوله وجنده ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له ومفتاحًا ومُؤْذِنًا بين يديه. وهذه عادة الله سبحانه في الأمور العِظام التي يقضيها (١) شرعًا وقدرًا أن يُوطِّئ لها بين يديها مقدِّماتٍ وتوطئاتٍ تؤذن بها وتدل عليها. ومنها: أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناسَ أَمِن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار وبادؤُوهم (٢) بالدعوة وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الإسلام جهرةً آمنين، وظهر من كان مختفيًا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة مَن شاء الله أن يدخل؛ ولهذا سمَّاه الله ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]. قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاءً عظيمًا، وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحديبية (٣). وحقيقة الأمر أن الفتح في اللغة: فتحُ المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين (٤) بالحديبية كان مسدودًا مغلقًا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صدُّ رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضَيمًا وهضمًا للمسلمين وفي الباطن عزًّا ونصرًا وفتحًا، وكان رسول الله ﷺ ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر مِن وراء سترٍ رقيق، وكان

стр. 1744

يعطي المشركين كلَّ ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورؤوسهم، وهو ﷺ يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببًا ما مِثلُه سببُ (١) فكان يدخل على تلك الشروط دخولَ واثقٍ بنصر الله له وتأييده، وأن العاقبة له، وأن تلك الشروطِ واحتمالَها هو عين النصرة، وهي من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم وهم لا يشعرون، فذَلُّوا من حيث طلبوا العزَّ، وقُهِروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعزَّ رسولُ الله ﷺ وعساكر الإسلام من حيث انكسروا لله واحتملوا الضيم له وفيه؛ فدار الدَّورُ وانعكس الأمر وانقلب العزُّ بالباطل ذلًّا بحقٍّ وانقلبت الكسرة لله عزًّا بالله، وظهرت حكمةُ الله وآياتُه وتصديقُ وعدِه ونَصْرُ رسوله على أتم الوجوه وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها. ومنها: ما سبَّبه الله سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان والإذعان والانقياد على ما أحبُّوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله وتصديق موعوده وانتظارِ ما وُعِدوا به وشهودِ منة الله عليهم ونعمته بالسكينة التي أنزلها في قلوبهم أحوجَ ما كانوا إليها في تلك الحال التي تَزعزَعُ لها الجبال، فأنزل عليهم من سكينته ما اطمأنت به قلوبهم وقويت به نفوسُهم

стр. 1745

وازدادوا به إيمانًا (١). ومنها: أنه سبحانه جعل هذا الحكم الذي حكم به لرسوله وللمؤمنين سببًا لما ذكره من المغفرة لرسوله ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، ولإتمام نعمته عليه، ولهدايته الصراط المستقيم، ونصرِه النصرَ العزيز؛ فَرِضاه به ودخولُه تحته، وانشراحُ صدره به مع ما فيه من الضيمِ وإعطاءِ ما سألوه= كان من الأسباب التي نال بها الرسولُ وأصحابه ذلك، ولهذا ذكره الله سبحانه جزاءً وغايةً، وإنما يكون ذلك على فعلٍ قام بالرسول والمؤمنين عند حُكمِه تعالى (٢) وفتحه. وتأمل كيف وصف سبحانه النصرَ بأنه عزيز في هذا الموطن، ثم ذكر إنزال السكينة في (٣) قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب وقلقت أشدَّ القلق، فهي أحوج ما كانت إلى السكينة، فازدادوا بها إيمانًا إلى إيمانهم. ثم ذكر سبحانه بيعتهم لرسوله وأكَّدها بكونها بيعةً له سبحانه، وأن يده تعالى كانت فوق أيديهم إذ كانت يد رسوله (٤) كذلك، وهو رسوله ونبيه،

стр. 1746

فالعقد معه عقد مع مرسِله وبيعته بيعته، فمن بايعه فكأنما بايع الله ويد الله فوقَ يده. وإذا كان الحجر الأسود يمينَ الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه (١) = فيدُ رسوله أولى بهذا من الحجر الأسود. ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة إنما يعود نكثُه على نفسه، وأن للمُوْفي بها أجرًا عظيمًا، وكلُّ مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله بيعةً على الإيمان (٢) وحقوقِه، فناكثٌ ومُوفٍ. ثم ذكر حال من تخلَّف عنه من الأعراب، وظنَّهم أسوأَ الظن بالله أنه يَخذُل رسولَه وأولياءه وجنده، ويُظفِر بهم عدوَّهم فلن ينقلبوا إلى أهليهم. وذلك من جهلهم بالله وأسمائه وصفاته وما يليق به، وجهلِهم برسوله وما هو أهلٌ أن يعامله به ربُّه ومولاه. ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البيعة (٣) لرسوله، وأنه سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذٍ من الصدق والوفاء وكمالِ الانقياد والطاعة وإيثار اللهِ ورسولِه على ما سواه، فأنزل السكينة والطمأنينة والرضى في قلوبهم، وأثابهم على الرضى بحكمه والصبر لأمره فتحًا قريبًا ومغانمَ كثيرةً يأخذونها، وكان أولُ الفتح والمغانم فتحَ خيبر ومغانمَها، ثم استمرت الفتوح والمغانم إلى انقضاء الدهر.

стр. 1747

ووعدهم سبحانه مغانم كثيرةً يأخذونها وأخبرهم أنه عجل لهم هذه الغنيمة، وفيها قولان، أحدهما: أنها (١) الصلح الذي جرى بينهم وبين عدوِّهم، والثاني: أنها فتح خيبر وغنائمها (٢). ثم قال: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠]، فقيل: أيدي أهل مكة أن يقاتلوهم، وقيل: أيدي اليهود حين هموا بأن يغتالوا مَن بالمدينة بعد خروج رسول الله ﷺ بمن معه من الصحابة منها، وقيل: هم أهل خيبر وحلفاؤهم الذين أرادوا نصرتهم من أسد وغطفان؛ والصحيح تناوُل الآية للجميع. وقوله: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٠]، قيل: هذه الفِعلة التي فعلها بكم وهي كفُّ أيدي أعدائكم عنكم مع كثرتهم، فإنه حينئذ كان أهل مكة ومَن حولها وأهلُ خيبر ومن حولها وأسد وغطفان وجمهور قبائل العرب أعداءً لهم، وهم بينهم كالشامة (٣)، فلم يصلوا إليهم بسوء مع كثرتهم وشدَّة عداوتهم؛ وتَوَلَّى حراستهم وحفظهم في مشهدهم ومغيبهم.

стр. 1748

وقيل: هي فتح خيبر، جعلها آيةً لعباده المؤمنين وعلامةً على ما بعدها من الفتوح، فإن الله وعدهم مغانم كثيرةً وفتوحًا عظيمةً، فعجَّل لهم فتح خيبر وجعلها آيةً لما بعدها وجزاءً لصبرهم ورضاهم يوم الحديبية وشكرانًا، ولهذا خصَّ بها وبغنائمها من شهد الحديبية. ثم قال: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٠]، فجمع لهم إلى النصر والظفر والغنائمِ الهدايةَ، فجعلهم مهتدين (١) منصورين غانمين. ثم وعدهم مغانمَ وفتوحًا أخرى لم يكونوا ذلك الوقت قادرين عليها، فقيل: هي مكة، وقيل: فارس والروم، وقيل: الفتوح التي بعد خيبر من مشارق الأرض ومغاربها (٢). ثم أخبر سبحانه أن الكفار لو قاتلوا أولياءه لولَّى الكفارُ الأدبارَ غيرَ منصورين، وأن هذه سنته في عباده قبلَهم، ولا تبديل لسنته. فإن قيل: فقد قاتلوهم يوم أُحدٍ وانتصروا عليهم ولم يولُّوا الأدبار؟ قيل: هذا وعد معلَّق بشرطٍ مذكور في غير هذا الموضع، وهو الصبر والتقوى، وفات هذا الشرطُ يومَ أحدٍ بفشلهم المنافي للصبر وتنازعهم وعصيانهم المنافي للتقوى، فصرَفهم عن عدوِّهم (٣) ولم يحصل الوعدُ لانتفاء شرطه.

стр. 1749

ثم ذكر سبحانه أنه هو الذي كفَّ أيديَ بعضِهم عن بعضٍ من بعد أن أظفر المؤمنين بهم، لِما له في ذلك من الحكم البالغة التي منها: أنه كان فيهم رجال ونساء قد آمنوا وهم يكتمون إيمانهم، لم (١) يعلم بهم المسلمون، فلو سلَّطكم عليهم لأصبتم أولئك بمَعَرَّة الجيش (٢)، وكان يصيبكم منهم معرَّةُ العُدوان والإيقاعِ بمن لا يستحق الإيقاع به. وذكر سبحانه حصول المعرة بهم من هؤلاء الضعفاء المستخفِين لأنها موجَب المعرة الواقعة منهم بهم. وأخبر سبحانه أنهم لو زايلوهم وتميَّزوا منهم لعذَّب أعداءَه عذابًا أليمًا في الدنيا، إما بالقتل والأسر وإما بغيره، ولكن دفع عنهم هذا العذاب بوجود هؤلاء المؤمنين بين أظهرهم، كما كان يدفع عنهم عذابَ الاستئصال ورسولُه بين أظهرهم. ثم أخبر سبحانه عمَّا جعله الكفارُ في قلوبهم من حميَّة الجاهلية التي مصدرها الجهل والظلم، التي لأجلها صدُّوا رسولَه وعباده عن بيته، ولم يقرُّوا بـ «بسم الله الرحمن الرحيم»، ولم يقروا لمحمدٍ بأنه رسول الله مع تحقُّقهم صِدقَه وتيقُّنهم صحةَ رسالته بالبراهين التي شاهدوها وسمعوا بها في مدَّة عشرين سنةً. وأضاف هذا الجعل إليهم وإن كان بقضائه وقدره كما يُضاف إليهم سائرُ أفعالهم التي هي بقدرتهم وإرادتهم. ثم أخبر سبحانه أنه أنزل في قلب رسوله وأوليائه من السكينة ما هو مقابل لما في قلوب أعدائه من حميَّة الجاهلية، فكانت السكينةُ حظَّ رسوله

стр. 1750

وحزبه وحميةُ الجاهلية حظَّ المشركين وجندِهم، ثم ألزم عباده المؤمنين كلمة التقوى، وهي جنسٌ يعمُّ كلَّ كلمةٍ يتَّقى الله بها، وأعلى نوعها كلمةُ الإخلاص، وقد فسرت ببسم الله الرحمن الرحيم، وهي الكلمة التي أبت قريش أن تلتزمها، فألزمها الله أولياءَه وحزبه، وإنما حرمها أعداءَه صيانةً لها عن غير كُفُوِها، وألزمها من هو أحقُّ بها وأهلها؛ فوضعها في موضعها ولم يُضيعها بوضعها عند غير أهلها، وهو العليم بمحالِّ تخصيصه ومواضعه. ثم أخبر سبحانه أنه صدق رسوله رؤياه في (١) دخولهم المسجد الحرام آمنين، وأنه سيكون ولا بد، ولكن لم يكن قد أتى (٢) وقت ذلك في هذا العام، وأنه سبحانه علم من مصلحة تأخيره إلى وقته ما لم تعلموا أنتم، فأنتم أحببتم استعجالَ ذلك والرب تعالى يعلم من مصلحة التأخير وحكمته ما لم تعلموه، فقدم بين يدي ذلك فتحًا قريبًا توطئةً له وتمهيدًا. ثم أخبرهم بأنه هو الذي أرسل رسولَه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فقد تكفَّل الله لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهل الأرض، ففي هذا تقوية لقلوبهم وبشارة لهم وتثبيت، وأن يكونوا على ثقةٍ من هذا الوعد الذي لا بد أن يُنجزه، فلا يَظُنُّوا أن ما وقع من الإغماض والقهر يومَ الحديبية نصرةً لعدوه، ولا تخلِّيًا عن رسوله ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحق ووعدَه أن يُظهره على كل دينٍ سواه. ثم ذكر سبحانه رسوله وحزبه الذين اختارهم له، ومدحهم بأحسن المدح، وذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل، فكان في هذا أعظمُ البراهين على

стр. 1751

صدقِ من جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم: إنهم متغلبون طالبو ملكٍ ودنيا. ولهذا لمَّا رآهم نصارى الشام وشاهدوا هديَهم وسيرتَهم وعدلَهم وعِلمَهم ورحمتَهم وزهدَهم في الدنيا ورغبتَهم في الآخرة قالوا: ما الذين صحبوا المسيحَ بأفضلَ من هؤلاء، وكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة وفضلهم من الرافضة أعدائهم، والرافضةُ تصفهم بضدِّ ما وصفهم الله به في هذه الآية وغيرها و ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] (١). * * *

стр. 1752

فصل في غزوة خيبر قال موسى بن عقبة (١): ولما قدم رسولُ الله ﷺ المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليلةً أو قريبًا منها ثم خرج منها غاديًا (٢) إلى خيبر، وكان الله وعده إياها وهو بالحديبية. وقال مالك: كان فتح خيبر في السنة السادسة (٣)، والجمهور على أنها في السابعة. وقد (٤) قطع أبو محمد بن حزم بأنها كانت في السادسة بلا شك (٥). ولعل الخلاف مبني على أول التاريخ هل هو شهر ربيع الأول شهرُ مَقْدَمِه المدينةَ أو من المحرم في أول السنة؟ وللناس في هذا طريقان: فالجمهور على أن التاريخ وقع من المحرم، وأبو محمد بن حزم يرى أنه من شهر ربيع الأول حين قَدِم. وكان أول من أرخ بالهجرة يعلى بن أمية باليمن كما رواه الإمام أحمد عنه

стр. 1753

بإسناد صحيح (١). وقيل: عمر بن الخطاب سنة ست عشرة من الهجرة (٢). وقال ابن إسحاق (٣): حدثني الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعًا، قالا: انصرف رسول الله ﷺ عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله فيها خيبر: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] خيبر، فقَدِم رسول الله ﷺ المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم، فنزل رسول الله ﷺ بالرَّجِيع ــ وادٍ بين خيبر وغطفان (٤) ــ فتخوَّف أن تُمِدَّهم غطفان، فبات به حتى أصبح فغدا إليهم. انتهى. واستخلف على المدينة سِباع بن عُرفُطة (٥)، وقدم أبو هريرة حينئذٍ المدينةَ فوافى سباع بن عرفطة في صلاة الصبح فسمعه يقرأ في الركعة الأولى:

стр. 1754

(كهيعص) وفي الثانية: (ويل للمطففين)، فقال في صلاته (١): «ويل لأبي فلان؛ له مِكيالان: إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص»، فلما فرغ من صلاته أتى سِباعًا فزوَّده حتى قدم على رسول الله ﷺ ، فكلَّم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سُهمانهم (٢) (٣). وقال سلمة بن الأكوع: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلًا فقال رجل من القوم لعامر (٤) بن الأكوع: ألا تُسمعنا من هُنيهاتك؟ وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا فاغفر فداءً لك ما اقتفينا ... وثبِّت الأقدامَ إن لاقَينا وأنزلن سكينةً علينا ... إنا إذا صِيح بنا أتينا وبالصياح عوَّلُوا علينا ... وإن أرادوا فتنةً أبينا (٥) فقال رسول الله ﷺ : «من هذا السائق؟» قالوا: عامر. فقال: «﵀»، فقال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله، لولا أمتعتنا به!

стр. 1755

قال: فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى فتحها عليهم، فلما أمسَوا أَوقدوا نيرانًا كثيرةً فقال رسول الله ﷺ : «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «على أي لحم؟» قالوا: لحم حمر إنسية، فقال رسول الله ﷺ : «أَهْرِيقوها واكسروها»، فقال رجل: أو نُهَريقها ونغسلها؟ فقال: «أو ذاك». فلما تصافَّ القومُ خرج مرحب يَخطِر بنفسه (١) وهو يقول: قد علمت خيبرُ أني مرحبُ ... شاكي السلاح بطل مجرَّبُ إذا الحروبُ أقبلت تلهَّب فنزل (٢) إليه عامر وهو يقول: قد علمت خيبر أني عامرُ ... شاكي السلاح بطل مُغامِرُ فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في تُرس عامر فذهب عامر يَسْفُل له ــ وكان سيف عامر فيه قِصَر ــ فرجع عليه ذبُاب سيفه فأصاب عينَ ركبته فمات منه، فقال سلمة للنبي ﷺ : زعموا أن عامرًا حبط عمله. فقال: «كذب من قال! له أجران ــ وجمع بين أصبعيه ــ؛ إنه لجاهِدٌ مجاهد، قلَّ عربيٌّ مشى بها مثلَه» (٣).
следующие страницы →