← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

فصل ومنها: قسمة الغنائم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم، وقد تقدم تقريره. ومنها: أنه يجوز لآحاد الجيش إذا وجد طعامًا أن يأكله ولا يخمِّسه، كما أخذ عبد الله بن المغفَّل جِراب الشحم الذي دُلِّي يومَ خيبر واختص به بمحضر النبي ﷺ (١). ومنها: أنه إذا لحق مددٌ بالجيش بعد تقضِّي الحرب فلا سهم لهم إلا بإذن الجيش ورضاهم (٢)؛ فإن النبي ﷺ كلَّم أصحابه في أهل السفينة حين قدموا عليه بخيبر ــ جعفرٍ وأصحابِه ــ أن يُسهم لهم فأسهم لهم. فصل ومنها: تحريم لحوم الحمر الإنسية. صحَّ عنه تحريمها يوم خيبر، وصح عنه تعليل التحريم بأنها رجس (٣)، وهذا مقدم على قول من قال من الصحابة: إنما حرَّمها لأنها كانت ظهر القوم وحمولتهم، فلمّا قيل له: أُفني الظهر وأُكلت الحمر، حرَّمها (٤)؛ وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها لم

стр. 1787

تُخمَّس (١)؛ وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها كانت جوالَّ (٢) القرية وكانت تأكل العذرة (٣)؛ وكل هذا في «الصحيح»، لكن قول رسول الله ﷺ : «إنها رجس» مقدَّمٌ على هذا كله، لأنه من ظن الراوي وقولِه بخلاف التعليل بكونها رجسًا. ولا تعارض بين هذا التحريم وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فإنه لم يكن قد حُرِّم حين نزول هذه الآية من المطاعم إلا هذه الأربعة، والتحريمُ كان يتجدد شيئًا فشيئًا، فحُرِّم الحمر بعد ذلك تحريمًا مبتدأً لِما سكت عنه النص، لا أنه رافع لما أباحه القرآن ولا مخصِّصٌ لعمومه فضلًا عن أن يكون ناسخًا له. والله أعلم. فصل ولم تُحرَّم المتعة يوم خيبر، وإنما كان تحريمها عام الفتح، هذا هو الصواب. وقد ظن طائفة من أهل العلم أنه حرَّمها يوم خيبر، واحتجوا بما في «الصحيحين» (٤) من حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحُمُر الإنسية.

стр. 1788

وفي «الصحيحين» (١) أيضًا: أن عليًّا سمع ابن عباس يُليِّن في متعة النساء فقال: مهلًا يا ابن عباس، فإن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية. وفي لفظ للبخاري (٢) عنه: أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. ولما رأى هؤلاء أن النبي ﷺ أباحها عام الفتح ثم حرمها قالوا: حُرِّمت ثم أبيحت ثم حرمت. قال الشافعي (٣): لا أعلم شيئًا حرم ثم أبيح ثم حرم (٤) إلا المتعة. قالوا: فنسخت مرتين. وخالفهم في ذلك آخرون (٥) وقالوا: لم تُحرَّم إلا عام الفتح، وقبل ذلك كانت مباحةً. قالوا: وإنما جمع عليُّ بن أبي طالب بين الإخبار بتحريمها وتحريم الحُمُر الأهلية لأن ابن عباس كان يبيحهما، فروى له علي تحريمهما عن النبي ﷺ ردًّا عليه، وكان تحريمُ الحمر يومَ خيبرَ بلا شك، فذَكَر يوم خيبر ظرفًا لتحريم الحمر، وأطلق تحريمَ المتعة ولم يُقيِّده بزمنٍ، كما جاء ذلك في «مسند الإمام أحمد» بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وحرم متعة النساء. وفي لفظ: حرم متعة النساء

стр. 1789

وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. هكذا رواه سفيان بن عُيينة مفصَّلًا مميَّزًا (١)، فظن بعض الرواة أن يوم خيبر زمن للتحريمين فقيّدهما به، ثم جاء بعضهم فاقتصر على أحد المُحرَّمَين وهو تحريم الحُمُر (٢) وقيَّده بالظرف، فمن هاهنا نشأ الوهم. وقصة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتَّعون باليهوديات، ولا استأذنوا في ذلك رسولَ الله ﷺ ، ولا نقله أحد قطُّ في هذه الغزوة، ولا كان للمتعة فيها ذِكرٌ البتة لا فعلًا ولا تحريمًا، بخلاف غزاة الفتح فإن قصة المتعة كانت فيها فعلًا وتحريمًا مشهورةً. وهذه الطريقة أصح الطريقتين. وفيها طريقة ثالثة وهي أن رسول الله ﷺ لم يحرمها تحريمًا عامًّا البتة، بل حرمها عند الاستغناء عنها وأباحها عند الحاجة إليها، وهذه كانت طريقة

стр. 1790

ابن عباس حين (١) كان يفتي بها ويقول: «هي كالميتة والدم ولحم الخنزير، تباح عند الضرورة وخشية العَنَت» (٢)، فلم يفهم عنه أكثر الناس ذلك، وظنوا أنه أباحها إباحةً مطلقةً، وشبَّبوا (٣) في ذلك بالأشعار (٤)، فلما رأى ابن عباس ذلك رجع إلى القول بالتحريم (٥). فصل ومنها: جواز المساقاة والمزارعة بجزءٍ مما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع، كما عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على ذلك، واستمر ذلك إلى حين وفاته لم يُنسَخ البتة، واستمر عملُ خلفائه الراشدين عليه. وليس هذا من باب المؤاجرة في شيء، بل من باب المشاركة، وهو نظير المضاربة سواءً، فمن أباح المضاربة وحرَّم ذلك فقد فرَّق بين متماثلين.

стр. 1791

فصل ومنها: أنه دفع إليهم الأرض على أن يعملوها من أموالهم، ولم يدفع إليهم البذر، ولا كان يَحمل إليهم البذر من المدينة قطعًا، فدل على أن هديه عدمُ اشتراط كون البذر من رب الأرض، وأنه يجوز أن يكون من العامل. وهذا هديُ خلفائه الراشدين من بعده، وكما أنه المنقول فهو الموافق للقياس، فإن الأرض بمنزلة رأس المال في القِراض (١)، والبذرُ يَجري مجرى سقي الماء، ولهذا يموت في الأرض ولا يرجع إلى صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس مال المضاربة لاشتُرِط عَودُه إلى صاحبه، وهذا يفسد المزارعة؛ فعُلِم أن القياس الصحيح هو الموافق لهدي رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين في ذلك. والله أعلم. فصل ومنها: خَرْصُ الثمار على رؤوس النخل وقسمُها كذلك، وأن القسمة ليست بيعًا. ومنها: الاكتفاء بخارص واحد وقاسم واحد. ومنها: جواز عقد المهادنة عقدًا جائزًا للإمام فسخُه متى شاء. ومنها: جواز تعليق عقد الصلح والأمان بالشرط، كما عقد لهم رسول الله ﷺ بشرط أن لا يُغيِّبوا ولا يكتموا. ومنها: جواز تقرير أرباب التُّهَم بالعقوبة (٢)، وأن ذلك من الشريعة

стр. 1792

العادلة لا من السياسة الظالمة. ومنها: الأخذ في الأحكام بالقرائن والأمارات، كما قال النبي ﷺ لكنانة: «المال كثير والعهد قريب»، فاستدل بهذا على كذبه في قوله: أذهبتْه الحروبُ والنفقة. ومنها: أن من كان القول قولَه، إذا قامت قرينة على كذبه لم يُلتفَت إلى قوله ونُزِّل منزلةَ الخائن. ومنها: أن أهل الذمة إذا خالفوا شيئًا مما شرط عليهم لم تبقَ لهم ذمة وحلَّت دماؤهم وأموالهم، لأن رسول الله ﷺ عقد لهؤلاء الهدنة وشرط عليهم أن لا يُغيِّبوا (١) ولا يكتموا، فإن فعلوا حلَّت دماؤهم وأموالهم، فلما لم يَفُوا بالشرط استباح دماءهم وأموالهم. وبهذا اقتدى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الشروط التي شرطها على أهل الذمة، فشرط عليهم أنهم متى خالفوا شيئًا منها فقد حلَّ له منهم ما يحل من أهل الشقاق والعداوة (٢). ومنها: جواز نسخ الأمر قبل فعله، فإن النبي ﷺ أمرهم بكسر القدور ثم نسخه عنهم بالأمر بغسلها. ومنها: أن ما لا يؤكل لحمه لا يَطهُر بالذكاة لا جلدُه ولا لحمُه، وأن

стр. 1793

ذبيحته بمنزلة موته، وأن الذكاة إنما تعمل في مأكول اللحم. ومنها: أن من أخذ من الغنيمة شيئًا قبل قسمتها لم يملكه وإن كان دون حقِّه، وأنه إنما يملكه بالقسمة ولهذا قال في صاحب الشَّملة التي غلَّها: «إنها تشتعل عليه نارًا» وقال لصاحب الشِّراك الذي غله: «شِراك من نار» (١). ومنها: أن الإمام مُخيَّر في أرض العنوة بين قَسْمها وتَرْكِه (٢) وقسمِ بعضِها وتركِ بعضها. ومنها: جواز التفاؤل بل استحبابه بما يراه أو يسمعه مما هو من أسباب ظهور الإسلام وإعلامه، كما تفاءل النبيُّ ﷺ برؤية المساحي والفؤوس والمكاتل مع أهل خيبر، فإن ذلك فأل في خرابها. ومنها: جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام إذا استُغني عنهم ، كما قال النبي ﷺ : «نُقرُّكم ما أقركم الله» وقال لكبيرهم: «كيف بكَ إذا رقصت (٣) بك راحلتُك نحو الشام يومًا ثم يومًا»، وأجلاهم عمر بعد

стр. 1794

موته ﷺ (١). وهذا مذهب محمد بن جرير الطبري (٢)، وهو قول قوي يسوغ العمل به إذا رأى الإمام فيه المصلحة. ولا يقال: أهل خيبر لم تكن لهم ذمة بل كانوا أهلَ هدنة، فهذا كلامٌ لا حاصلَ تحته، فإنهم كانوا أهل ذمة قد أَمِنوا بها على دمائهم وأموالهم أمانًا مستمرًّا. نعم، لم تكن الجزية قد شُرِعت ونزَل فرضُها، وكانوا أهلَ ذمةٍ بغير جزية، فلما نزل فرض الجزية استؤنف ضربها على من تُعقَد له الذمة من أهل الكتاب والمجوس، فلم يكن عدمُ أخذ الجزية منهم لكونهم ليسوا أهلَ ذمة، بل لأنها لم تكن نزل فرضُها بعد. وأما كون العقد غيرَ مؤبَّدٍ فذاك لمدة إقرارهم في أرض خيبر، لا لمدة حقن دمائهم ثم يستبيحها الإمام متى شاء، ولهذا قال: «نُقِرُّكم ما أقرَّكم الله» أو «ما شئنا»، ولم يقل: نحقن دماءكم ما شئنا. وهكذا كان عقد الذمة لقُرَيظة والنَّضير عقدًا مشروطًا بأن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه، ومتى فعلوا فلا ذِمَّة لهم، وكانوا أهل ذمة بلا جزية إذ لم يكن نزل فرضها إذ ذاك، واستباح رسولُ الله ﷺ سبيَ نسائهم وذراريِّهم،

стр. 1795

وجعل نقض العهد ساريًا في حق النساء والذرية، وجعل حكم الساكت والمقرِّ حكمَ الناقض المحارب. وهذا موجَب هديه ﷺ في أهل الذمة بعد الجزية أيضًا: أن يسري نقضُ العهد في ذريتهم ونسائهم، ولكن هذا إذا كان الناقضون طائفةً لهم شوكة ومَنَعة، أما إذا كان الناقض واحدًا من طائفةٍ لم يوافقه بقيتُهم فهذا لا يسري النقض إلى زوجته وأولاده، كما أن من أهدر النبيُّ ﷺ دماءهم ممن كان يسبُّه لم يَسْبِ نساءهم وذريتهم. فهذا هديه في هذا وهذا (١)، وهو الذي لا محيد عنه. وبالله التوفيق. ومنها: جواز عتق الرجل أمتَه وجعلِ عتقها صداقًا لها ، ويجعلها زوجته بغير إذنها ولا شهودٍ ولا وليٍّ غيره، ولا لفظِ إنكاحٍ وتزويج، كما فعل ﷺ (٢) بصفيَّة ولم يقل قطُّ: هذا خاص بي (٣)، ولا أشار إلى ذلك مع علمه باقتداء أمته به، ولم يقل أحد من الصحابة: إن هذا لا يصلح لغيره، بل رووا القصة ونقلوها إلى الأمة ولم يمنعوهم ولا رسولُ الله ﷺ من الاقتداء به في ذلك. والله سبحانه لما خصَّه في النكاح بالموهوبة قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فلو كانت هذه خالصةً له من دون أمته لكان هذا التخصيص أولى بالذكر لكثرة ذلك من السادات مع إمائهم، بخلاف المرأة التي تَهَب نفسها للرجل لندرته وقلته؛ أو مِثْلَه في الحاجة إلى البيان، ولا سيما والأصل مشاركة الأمة له واقتداؤها به، فكيف يسكت عن منع

стр. 1796

الاقتداء به في ذلك الموضع (١) الذي لا يجوز مع قيام مقتضي الجواز؟ هذا شبه المُحال، ولم تجتمع الأمة على عدم الاقتداء به في ذلك فيجبَ المصير إلى إجماعها. وبالله التوفيق. والقياس الصحيح يقتضي جواز ذلك، فإنه يملك رقبتها ومنفعة وطئها وخدمتها، فله أن يُسقط حقَّه من مِلك الرقبة ويستبقي ملك المنفعة أو نوعًا منها، كما لو أعتق عبدَه وشرط عليه أن يخدمه ما عاش، فإذا أخرج المالك رقبةً [مِن] (٢) ملكه واستثنى نوعًا من منفعته لم يُمنَع من ذلك في عقد البيع، فكيف يُمنَع منه في عقد النكاح؟ ولما كانت منفعة البُضع لا تستباح إلا بعقد نكاحٍ (٣) أو مِلكِ (٤) يمينٍ، وكان إعتاقها يزيل ملك اليمين عنها= كان من ضرورة استباحة هذه المنفعة جَعْلُها زوجةً؛ وسيِّدُها كان يلي نكاحها وبيعها ممن شاء بغير رضاها، فاستثنى لنفسه ما كان يملكه منها، ولما كان من ضرورته عقدُ النكاح مَلَكه، لأن بقاء ملكه المستثنى لا يتمُّ إلا به، فهذا محض القياس الصحيح الموافق لسنَّته الصحيحة. والله أعلم. ومنها: جواز كذب الإنسان على نفسه وعلى غيره إذا لم يتضمن ضرر ذلك الغير إذا كان يتوصل بالكذب إلى حقِّه، كما كذب الحجَّاج بن عِلاط

стр. 1797

على المسلمين حتى أخذ مالَه من مكة من غير مضرة لحقت المسلمين (١) من ذلك الكذب. وأما ما نال مَن بمكة من المسلمين مِن الأذى والحزن فمفسدةٌ يسيرة في جنب المصلحة التي حصلت بالكذب، ولا سيما تكميلُ الفرح والسرور وزيادةُ الإيمان الذي حصل بالخبر الصادق بعد هذا الكذب، وكان الكذب سببًا في حصول هذه المصلحة الراجحة. ونظير هذا: الإمامُ والحاكم يوهم الخصمَ خلاف الحق ليتوصَّل بذلك إلى استعلام الحق، كما أوهم سليمان بن داود إحدى المرأتين بشق الولد نصفين حتى توصَّل بذلك إلى معرفة عين الأم (٢). ومنها: جواز بناء الرجل بامرأته في السفر، وركوبِها معه على دابَّةٍ بين الجيش. ومنها: أن من قتل غيره بسُمٍّ يَقتل مِثلُه قُتِل به قصاصًا، كما قُتلت اليهودية ببشر بن البراء. ومنها: جواز الأكل من ذبائح أهل الكتاب وحِلُّ طعامهم. ومنها: قبول هدية الكافر. فإن قيل: فلعل المرأة قُتِلت لنقض العهد لحرابها بالسم لا قصاصًا. قيل: لو كان قتلها لنقض العهد لقتلت من حين أقرت بأنها سمَّت الشاة ولم يتوقَّف قتلُها على موت الآكل منها.

стр. 1798

فإن قيل: فهلا قُتلت بنقض العهد؟ قيل: هذا حجة من قال: إن الإمام مخيَّر في ناقض العهد كالأسير. فإن قيل: فأنتم توجبون قتلَه حتمًا كما هو منصوص أحمد (١)، وإنما القاضي أبو يعلى ومن تبعه قالوا: يُخيَّر الإمام فيه. قيل: إن كانت قصة الشاة قبل الصلح فلا حجة فيها، وإن كانت بعد الصلح فقد اختُلِف في نقض العهد بقتل المسلم على قولين، فمن لم يرَ النقض به فظاهر، ومن رأى النقض به فهل يتحتَّم قتلُه أو يخيَّر فيه؟ أو يُفصَّل بين بعض الأسباب الناقضة وبعضها، فيتحتَّم قتلُه بسبب السبِّ (٢) ويُخيَّر فيه إذا نقضه بحِرابه ولحوقه بدار الحرب؟ وإن نقضه بسواهما، كالقتل، والزنا بالمسلمة، والتجسُّس على المسلمين، وإطلاع العدوِّ على عوراتهم، فالمنصوص: تعيُّنُ القتل. وعلى هذا، فهذه المرأة لما سمَّت الشاة صارت بذلك محارِبةً، وكان قتلها مخيَّرًا فيه، فلما مات بعض المسلمين من السم قُتِلت حتمًا، إما قِصاصًا وإما لنقض العهد بقتلها المسلمَ، فهذا محتمل. والله أعلم. واختُلِف في فتح خيبر: هل كان عنوةً، أو كان بعضها صلحًا وبعضها عنوةً؟ فروى أبو داود (٣) من حديث أنس أن رسول الله ﷺ غزا خيبر فأصبناها

стр. 1799

عنوةً فجُمِع السبي. وقال ابن إسحاق (١): سألت ابن شهاب فأخبرني أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوةً بعد القتال. وذكر أبو داود (٢) عن ابن شهاب: بلغني أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوةً بعد القتال، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعدَ القتال. قال ابن عبد البر (٣): هذا هو الصحيح في أرض خيبر: أنها كانت عنوةً كلُّها مغلوبًا عليها بخلاف فَدَك، فإن رسول الله ﷺ قسم جميع أرضها على الغانمين لها، المُوجفين عليها بالخيل والركاب، وهم أهل الحديبية. ولم يختلف العلماء أن أرض خيبر مقسومة، وإنما اختلفوا: هل تُقسَم الأرضُ إذا غُنِمت البلادُ أو توقف؟ فقال الكوفيون (٤): الإمام مخيَّر بين قسمتها كما فعل رسول الله ﷺ بأرض خيبر، وبين إيقافها كما فعل عمرُ بسواد العراق. وقال الشافعي (٥): تقسم الأرض كلُّها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر، لأن الأرض غنيمة كسائر أموال الكفار.

стр. 1800

وذهب مالك إلى إيقافها اتباعًا لعمر، لأن الأرض مخصوصة من سائر الغنيمة بما فعل عمر في جماعة من الصحابة مِن إيقافها لمن يأتي بعده من المسلمين. وروى مالك (١) عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: «لولا أن يُترك آخِرُ الناس لا شيء لهم ما افتتح المسلمون قريةً إلا قسمتُها سُهمانًا كما قسم رسول الله ﷺ خيبر سهمانًا». وهذا يدل على أن أرض خيبر قسمت كلها سهمانًا كما قال ابن إسحاق. وأما من قال: إن خيبر كان بعضُها صلحًا وبعضُها عنوةً، فقد وهم وغلط، وإنما دخلت عليه الشبهة بالحِصنَين اللَّذَين أسلمهما أهلهما في حقن دمائهم، فلما لم يكن أهلُ ذينك الحِصنين من الرجال والنساء والذرية مغنومين ظَنَّ أن ذلك صلحٌ، ولعَمْري إن ذلك في الرجال والنساء والذرية لضربٌ (٢) من الصلح، ولكنهم لم يتركوا أرضَهم إلا بالحصار والقتال، فكان حكمُ أرضهما (٣) حكمَ سائرِ أرضِ خيبر كلِّها عنوةً غنيمةً مقسومةً بين أهلها. وربما شُبِّه على من قال: إن نصفَ خيبر صلحٌ ونصفَها عنوة بحديث يحيى بن سعيد عن بُشَير بن يسار أن رسول الله ﷺ قسم خيبر نصفين: نصفًا له ونصفًا للمسلمين (٤).

стр. 1801

قال أبو عمر: وهذا لو صح لكان معناه أن النصف له مع سائر من وقع في ذلك النصف معه، لأنها قسمت على ستة وثلاثين سهمًا، فوقع السهم للنبي ﷺ وطائفةٍ معه في ثمانية عشر سهمًا، ووقع سائر الناس في باقيها، وكلُّهم ممن شهد الحديبية ثم خيبر. وليست الحصون التي أسلمها أهلها بعد الحصار والقتال صلحًا، ولو كانت صلحًا لملكها أهلُها كما يملك أهل الصلح أرضهم وسائر أموالهم، فالحق في هذا ما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب. هذا آخر كلام أبي عمر. قلت: ذكر مالك (١) عن ابن شهاب أن خيبر كان بعضها عنوةً وبعضها صلحًا، والكتيبة أكثرها عنوةً وفيها صلح. قال مالك: والكَتِيبة أرضُ خيبرَ، وهو (٢) أربعون ألف عذق. وقال مالك (٣) عن الزهري عن ابن المسيب أن رسول الله ﷺ افتتح بعض خيبر عنوةً. فصل ثم انصرف رسول الله ﷺ من خيبر إلى وادي القُرى (٤)، وكان بها

стр. 1802

جماعة من اليهود، وقد انضاف إليهم جماعةٌ من العرب، فلما نزلوا استقبلهم يهودُ بالرمي وهم على غير تعبية، فقُتل مِدْعَمٌ عبد رسولِ الله ﷺ ، فقال الناس (١): هنيئًا له الجنة، فقال النبي ﷺ : «كلَّا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تُصِبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا»، فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى رسول الله ﷺ بشراك أو شراكين، فقال النبي ﷺ : «شراك من نار» أو «شراكان من نار» (٢). فعبَّى (٣) رسولُ الله ﷺ أصحابَه (٤) للقتال وصفَّهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، ورايةً إلى الحُباب بن المنذر، ورايةً إلى سهل بن حُنَيف، ورايةً إلى عبَّاد بن بِشر، ثم دعاهم إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم وحسابُهم على الله، فبرز رجل منهم فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله (٥)، ثم برز آخر فبرز إليه عليٌّ فقتله، حتى قُتِل منهم أحد عشر رجلًا، كلما قُتِل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام، وكانت الصلاة تحضر ذلك اليوم فيصلي بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام

стр. 1803

وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قِيد رمح حتى أَعطَوا بأيديهم (١) وفتحها عنوةً، وغنَّمه الله أموالَهم وأصابوا أثاثًا ومتاعًا كثيرًا. وأقام رسول الله ﷺ بوادي القرى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود وعاملهم عليها، فلما بلغ يهود تَيماء ما واطى عليه رسولُ الله ﷺ أهلَ خيبر وفدك ووادي القرى صالحوا رسول الله ﷺ وأقاموا بأموالهم، فلما كان عمر بن الخطاب أخرج يهود خيبر وفدك، ولم يُخرج أهل تيماء ووادي القرى لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويَرَى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، وأن ما وراء ذلك من الشام. وانصرف رسول الله ﷺ راجعًا إلى المدينة (٢). فلما كان ببعض الطريق سار ليله حتى إذا كان ببعض الطريق عرَّس وقال لبلال: «اكْلَأ لنا الليل» (٣)، فغلبت بلالًا عيناه وهو مستنِد إلى راحلته، فلم يستيقظ النبي ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا يا بلال؟» فقال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فاقتادوا رواحلهم شيئًا حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم قال: «هذا وادٍ به

стр. 1804

شيطان»، فلما جاوزه أمرهم أن ينزلوا وأن يتوضؤوا، ثم صلَّى سنة الفجر، ثم أمر بلالًا فأقام الصلاة، وصلَّى بالناس ثم انصرف (١) وقال: «يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردَّها إلينا في حينٍ غير هذا، فإذا نام أحدكم عن الصلاة أو نسيها فليصلِّها كما كان يصليها في وقتها»، ثم التفت رسول الله ﷺ إلى أبي بكر فقال: «إن الشيطان أتى بلالًا وهو قائم يصلِّي فأضجعه، فلم يزل يُهَدِّيه كما يُهدَّى (٢) الصبيُّ حتى نام»، ثم دعا رسول الله ﷺ بلالًا فأخبره بمثل ما أخبر به أبا بكر (٣). وقد روي أن هذه القصة كانت في مرجعهم من الحديبية، وروي أنها كانت مرجعَه من غزوة تبوك، وقد روى قصةَ النوم عن صلاة الصبح عمرانُ بن حُصَين ولم يوقِّت مدَّتها ولا ذكر في أيِّ غزوةٍ كانت، وكذلك رواها أبو قتادة، كلاهما في قصة طويلة محفوظة (٤). وروى مالك عن زيد بن أسلم أن ذلك كان بطريق مكة، وهذا مرسل. وقد روى شعبة عن جامع بن شَدَّاد قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي

стр. 1805

علقمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمنَ الحديبية فقال النبي ﷺ : «من يكلؤنا؟» فقال بلال: أنا ــ وذكر القصة ــ (١). ولكن قد اضطربت الرواة في هذه القصة، فقال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن جامع: إن الحارس فيها كان ابنَ مسعود (٢)، وقال غُنْدَرٌ عنه: إن الحارس كان بلالًا؛ واضطربت الرواية في تاريخها فقال المعتمر بن سليمان (٣) عن شعبة عنه: إنها كانت في غزوة تبوك، وقال غيره عنه: إنها

стр. 1806

كانت في مرجعهم (١) من الحديبية؛ فدل على وهم وقع فيها، وروايةُ الزهري عن سعيد (٢) سالمة من ذلك. وبالله التوفيق. فصل في فقه هذه القصة فيها: أن من نام عن صلاةٍ أو نسيها فوقتها حين يستيقظ أو يذكرها. وفيها: أن السنن الرواتبَ تُقضى كما تقضى الفرائض، وقد قضى رسول الله ﷺ سنة الفجر معها، وقضى سنة الظهر وحدها، وكان هديه ﷺ قضاء السنن الرواتب مع الفرائض. وفيها: أن الفائتة يؤذَّن لها ويقام، فإن في بعض طرق هذه القصة أنه أمر بلالًا فنادى بالصلاة (٣)، وفي بعضها: «فأمر بلالًا فأذن وأقام» ذكره أبو داود (٤). وفيها: قضاء الفائتة جماعةً. وفيها: قضاؤها على الفور لقوله: «فليُصلِّها إذا ذكرها» (٥)، وإنما أخرها

стр. 1807

عن مكان معرَّسهم قليلًا لكونه مكانًا فيه شيطان فارتحل منه إلى مكان خير منه، وذلك لا يفوِّت المبادرة إلى القضاء، فإنهم في شغل الصلاة وشأنها. وفيها: تنبيه على اجتناب الصلاة في أمكنة الشيطان، كالحمَّام والحُشِّ بطريق الأولى، فإن هذه منازله التي يأوي إليها ويسكنها، فإذا كان النبي ﷺ ترك المبادرة إلى الصلاة في ذلك الوادي وقال: «إن به شيطانًا» فما الظن بمأوى الشيطان وبيته. فصل ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ردَّ المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم إياها من النخيل حين صار لهم بخيبرَ مالٌ ونخيل، وكانت أم سُلَيم ــ وهي أم أنس بن مالك ــ أعطت رسول الله ﷺ عذاقًا، فأعطاهن أمَّ أيمنَ مولاتَه ــ وهي أم أسامة بن زيد ــ، فردَّ رسولُ الله ﷺ على أم سُلَيم عِذاقها وأعطى أمَّ أيمن مكانهن من حائطه مكانَ كلِّ عذقٍ عشرةً (١). فصل وأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد مقدمه من خيبر إلى شوال، ويبعث في خلال ذلك السرايا. فمنها: سرية أبي بكر الصديق إلى نجد قِبَلَ بني فزارة ، ومعه سلمة بن الأكوع فوقع في سهمه جارية حسناء، فاستوهبها منه رسولُ الله ﷺ وفادى بها

стр. 1808

أسرى من المسلمين كانوا بمكة (١). ومنها: سرية عمر بن الخطاب في ثلاثين راكبًا نحو هوازن، فجاءهم الخبر فهربوا، وجاء محالَّهم فلم يلقَ منهم أحدًا، فانصرف راجعًا إلى المدينة فقال له الدليل: هل لك في جمع من خثعم جاؤوا سائرين قد أَجْدَبت بلادُهم؟ فقال عمر: «ما أمرني رسول الله ﷺ بهم»، ولم يعرض لهم (٢). ومنها: سرية عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبًا ــ فيهم عبد الله بن أُنَيس ــ إلى اليُسَير (٣) بن رِزام اليهودي، فإنه بلغ رسول الله ﷺ أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم، فأتوه بخيبر فقالوا: أرسلَنا إليك رسولُ الله ﷺ ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلًا، مع كل رجلٍ منهم رديفٌ من المسلمين، فلما بلغوا قرقرة ثِبار (٤) ــ وهي من خيبر على ستة أميال ــ ندم اليُسَير فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس، ففطن له

стр. 1809

عبد الله فزجر بعيرَه ثم اقتحم عن البعير يسوق القوم حتى إذا استمكن من اليسير ضرب رِجله فقطعها، واقتحم اليسير وفي يده مِخْرَش من شَوحطٍ (١) فضرب به وجه عبد الله فشجَّه مأمومةً (٢)، فانكفأ كلُّ رجلٍ من المسلمين على رديفه فقتله، غيرَ رجل من اليهود أعجزهم شدًّا، ولم يُصَبْ من المسلمين أحد، وقَدِموا على رسول الله ﷺ فبصق في شَجَّة عبد الله بن أنيس، فلم تَقِحْ ولم تُؤذه حتى مات (٣). ومنها: سرية بَشير بن سعد الأنصاري إلى بني مُرَّة بفَدَكٍ في ثلاثين رجلًا، فخرج إليهم فلقي رِعاءَ الشاء، فاستاق الشاءَ والنَّعم ورجع إلى المدينة، فأدركه الطلب عند الليل فباتوا يُرامونهم بالنبل حتى فني نبل بشير وأصحابه، فولَّى منهم من ولى وأصيب من أصيب، وقاتل بشير قتالًا شديدًا، ورجع القوم بنعمهم وشائهم، وتحامل بشير حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهود حتى برأت جراحه فرجع إلى المدينة (٤).

стр. 1810

ثم بعث رسول الله ﷺ سريةً إلى الحُرَقات من جُهَينة وفيهم أسامة بن زيد، فلما دنا منهم بعث الأمير الطلائع، فلما رجعوا بخبرهم أقبل حتى إذا دنا منهم ليلًا وقد احتلبوا وهدؤوا قام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأن تطيعوني ولا تعصوني ولا تخالفوا أمري، فإنه لا رأي لمن لا يطاع» ثم رتَّبهم وقال: «يا فلان أنت وفلان، ويا فلان أنت وفلان، لا يفارق كلٌّ منكما صاحبَه وزميله، وإياكم أن يرجع أحد منكم فأقول: أين صاحبك؟ فيقول: لا أدري، فإذا كبَّرتُ فكبروا وجَرِّدوا السيوف»، ثم كبَّروا وحملوا حملةً واحدةً وأحاطوا بالقوم، وأخذتهم سيوفُ الله فَهُم يضعونها حيث شاؤوا منهم، وشِعارهم: «أمت أمت». وخرج أسامة في أثر رجل منهم يقال له: نَهِيك بن مِرداس (١)، فلما دنا منه ولَحَمَه بالسيف قال: لا إله إلا الله، فقتله. ثم استاقوا النساء (٢) والنعم والذرية، وكانت سُهمانهم عشرة أبعرةٍ لكل رجل أو عدلها من النعم. ولمَّا قدموا على رسول الله ﷺ أُخبِر بما صنع أسامة، فكَبُرَ ذلك عليه وقال: «أقتلتَه بعد ما قال: لا إله إلا الله؟» فقال: إنما قالها متعوِّذًا، قال: «فهلَّا شققت عن قلبه!» ثم قال: «من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟» فما زال يكرِّر ذلك عليه حتى تمنى أن يكون أسلم يومئذ، وقال: يا رسول الله، أعطي الله عهدًا أن لا أقتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : «بعدي»،

стр. 1811

فقال أسامة: «بعدك» (١). فصل وبعث غالبَ بن عبد الله الكلبي إلى بني المُلوَّح بالكَدِيد وأمره أن يُغير عليهم (٢). قال ابن إسحاق (٣): فحدثني يعقوب بن عُتبة، عن مسلم بن عبد الله الجُهَني، عن جُندب بن مَكِيث الجهني قال: كنتُ في سريته فمضينا حتى إذا كنا بقُدَيد لقينا به الحارث بن مالك بن البَرصاء الليثي، فأخذناه فقال: إنما جئت لأُسلِم، فقال له غالب بن عبد الله: إن كنتَ إنما جئت لتُسلم فلا يضرُّك رباط يوم وليلة، وإن كنتَ على غير ذلك استوثقنا منك، فأوثقه رباطًا وخلَّف عليه رُويجِلًا أسودَ وقال: امكُثْ معه حتى نمُرَّ عليك، فإن نازعك فاحتزَّ رأسَه، ومضينا حتى أتينا بطن الكَدِيد فنزلناه عشيةً بعد العصر، فبعثني

стр. 1812

أصحابي إليه (١) فعمدت إلى تَلٍّ يُطْلِعني على الحاضر فانبطحتُ عليه، وذلك قبل غروب الشمس، فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحًا على التل فقال لامرأته: إني لأرى سوادًا على هذا التلِّ ما رأيتُه في أول النهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترَّت بعضَ أوعيتك، فنظرت فقالت: واللهِ ما أفقد شيئًا، قال: فناوليني قوسي وسهمين من نبلي، فناولَتْه، فرماني بسهم فوضعه في جنبي، فنزعتُه فوضعتُه ولم أتحرك، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي، فنزعته فوضعته ولم أتحرك، فقال لامرأته: أما واللهِ لقد خالطه سهامي، ولو كان زائلًا لتحرَّك، فإذا أصبحتِ فابتغي سهميَّ فخُذِيهما لا تمضغهما الكلاب عليَّ. قال: فأمهلنا حتى إذا راحت رائحتهم (٢)، واحتلبوا وسكنوا، وذهبت عَتَمة من الليل= شننَّا عليهم الغارةَ، فقتلنا من قتلنا، واستقنا النَّعَم فوجَّهنا قافلين به، وخرج صريخُهم إلى قومهم، وخرجنا سراعًا حتى نمرَّ بالحارث بن مالك وصاحبه، فانطلقنا به معنا، وأتانا صريخ الناس فجاءنا ما لا قِبَلَ لنا به حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي من قُدَيد أرسل الله من حيث شاء سيلًا، لا واللهِ ما رأينا قبل ذلك مطرًا، فجاء بما لا يقدر أحد يقوم عليه، فلقد رأيتُهم وقوفًا ينظرون إلينا ما يقدر أحدٌ منهم أن

стр. 1813

يُقدِم عليه ونحن نحدوها، فذهبْنا سِراعًا حتى أسندناها في المُشَلَّل (١)، ثم حدرنا عنه، فأعجَزْنا القومَ بما في أيدينا. وقد قيل: إن هذه السرية هي السرية التي قبلها، فالله أعلم. فصل ثم قدم حُسَيل بن نُوَيرة، وكان دليلَ النبي ﷺ إلى خيبر، فقال له النبي ﷺ : «ما وراءك؟» قال: تركتُ جمعًا من يَمْنٍ وغطفانَ وحيَّان (٢) وقد بعث

стр. 1814

إليهم عيينة: إما أن تسيروا إلينا وإما أن نسير إليكم، فأرسلَوا إليه أن سِرْ إلينا وهم يريدونك أو بعضَ أطرافِك، فدعا رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر فذكر لهما ذلك، فقالا جميعًا: ابعَثْ بشيرَ بن سعدٍ، فعقد له لواءً وبعث معه ثلاثمائة رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل ويَكمُنُوا النهار، وخرج معهم حُسَيل دليلًا، فساروا الليل وكمنوا النهار حتى أتوا أسفل خيبر، حتى دنوا من القوم فأغاروا على سرحهم، وبلغ الخبرُ جميعَهم (١) فتفرَّقوا، فخرج بشير في أصحابه حتى أتى محالَّهم، فيجدها ليس بها أحد فرجع بالنعم، فلما كانوا بسِلاحٍ (٢) لَقُوا عينًا لعيينة فقتلوه، ثم لقوا جمعَ عيينةَ وعيينةُ لا يشعر بهم، فناوشوهم، ثم انكشف جمعُ عيينة وتبعهم أصحابُ رسول الله ﷺ فأصابوا منهم رجلين فقدموا بهما على النبي ﷺ ، فأسلما فأرسلهما. وقال الحارث بن عوف (٣) لعيينة ولقيه منهزمًا تعدو به فرسه: قف، فقال: لا أقدِر خلفي الطلب، فقال له الحارث: أما آن لك أن تبصر بعض ما أنت عليه؛ إن محمدًا قد وطئ البلاد وأنت تُوضِع في غير شيء؟ قال

стр. 1815

الحارث: فأقمتُ من حين زالت الشمس إلى الليل وما أرى أحدًا ولا طلبوه، إلا الرعب الذي دخله! (١). فصل وبعث رسول الله ﷺ أبا حَدْرَد (٢) الأسلمي في سرية وكان من قصته ما ذكر ابن إسحاق (٣): أن رجلًا من جُشَم بن معاوية يقال له: قيس بن رفاعة ــ أو رفاعة بن قيس ــ أقبل في عدد كثير حتى نزلوا بالغابة يريد أن يجمع قيسًا على محاربة رسول الله ﷺ وكان ذا اسمٍ وشرف في جشم. قال (٤): فدعاني رسول الله ﷺ ورجلين من المسلمين، فقال: «اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم»، وقدَّم لنا شارفًا عجفاءَ (٥) فحمل عليها أحدنا فواللهِ ما قامت به ضعفًا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم

стр. 1816

حتى استقلت وما كادت، وقال: «تبلَّغوا على هذه»، فخرجنا ومعنا سِلاحُنا من النبل والسيوف، حتى إذا جئنا قريبًا من الحاضر مع غروب الشمس فكمنت في ناحية وأمرتُ صاحبَيَّ فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، قلت لهما: إذا سمعتماني قد كبَّرتُ وشددت في العسكر فكبِّرا وشُدَّا معي، فوالله إنا لكذلك ننتظر أن نرى غِرَّةً أو نرى شيئًا وقد غشينا الليلُ حتى ذهبت فحمة العشاء. وقد كان لهم راعٍ قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه، فقام صاحبهم رفاعة بن قيس فأخذ سيفه فجعله في عنقه وقال: والله لأتبعنَّ أثر راعينا هذا ولقد أصابه شرٌّ (١)، فقال نفر ممن معه: واللهِ لا تذهب نحن نكفيك، فقال: لا يذهب إلا أنا، قالوا: نحن معك، قال: والله لا يتبعني منكم أحد، وخرج حتى يمر (٢) بي، فلما أمكنني نفحتُه بسهمٍ فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلم، فوثبتُ إليه فاحتززت رأسه، ثم شددت في ناحية العسكر وكبَّرت، وشدَّ صاحباي وكبَّرا، فوالله ما كان إلا النجاء ممن كان فيه: عندك عندك! بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم، واستقنا إبلًا عظيمةً وغنمًا كثيرةً فجئنا بها رسولَ الله ﷺ ، وجئتُ برأسه أحمله معي، فأعطاني من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرًا في صداقي، فجمعتُ إليَّ أهلي، وكنت قد تزوجتُ امرأةً من قومي فأصدقتها مائتي درهم فجئت رسول الله ﷺ أستعينه على نكاحي فقال: «والله ما عندي ما أعينُك»، فلبثت أيامًا ــ ثم ذكر هذه السرية ــ.

стр. 1817

فصل وبعث سَريةً إلى إضَمٍ (١)، وكان فيهم أبو قتادة ومُحلِّم بن جَثَّامة في نفرٍ من المسلمين، فمرَّ بهم عامرُ بن الأضبط الأشجعي على قَعودٍ له معه مُتَيِّعٌ (٢) له ووَطْبٌ مِن لبن، فسلم عليهم بتحية الإسلام فأمسكوا عنه وحمل عليه مُحلِّم بن جَثَّامة فقتله لشيءٍ كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومُتيِّعَه، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أخبروه الخبر، فنزل فيهم القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] (٣).

стр. 1818

فلما قدموا أُخبِر رسول الله ﷺ بذلك فقال ﷺ : «أقتلتَه بعدما قال: آمنت بالله؟» (١). ولما كان عام حُنين (٢) جاء عيينة بن بدر (٣) يطلب بدم عامر بن الأضبط وهو سيِّدُ قيس، وكان الأقرع بن حابس يرد عن مُحلِّم وهو سيد خِندِف، فقال رسول الله ﷺ لقوم عامر: «هل لكم أن تأخذوا منَّا الآن خمسين بعيرًا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟» فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه حتى أذيقَ نساءَه من الحرِّ مثلَ ما أذاق نسائي، فلم يزل به حتى رضوا بالدية، فجاؤوا بمحلِّم حتى يستغفر له رسولُ الله ﷺ ، فلما قام بين يديه قال: «اللهم لا تغفر لمحلِّم» قالها ثلاثًا، فقام وإنه ليتلقَّى دموعَه بطرف ثوبه (٤). قال ابن إسحاق: وزعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك.

стр. 1819

قال ابن إسحاق (١): وحدثني سالم أبو النضر قال: لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم فقال: يا معشر قيسٍ، سألكم رسولُ الله ﷺ قتيلًا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه، أفأمنتم أن يغضب عليكم رسولُ الله ﷺ فيغضبَ الله عليكم لغضبه، أو يلعنكم رسول الله ﷺ فيلعنكم الله بلعنته لكم، والله لتُسلِمُنَّه إلى رسول الله ﷺ أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل ما صلى قط فلأُبطِلنَّ (٢) دمه، فلما قال ذلك أخذوا الدية. فصل في سرية عبد الله بن حُذافة السَّهمي ثبت في «الصحيحين» (٣) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] في عبد الله بن حُذافة السهمي بعثه رسول الله ﷺ في سرية (٤). وثبت في «الصحيحين» (٥) أيضًا من حديث الأعمش عن سعد (٦) بن عُبَيدة عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي عن علي ﵁ قال: استعمل

стр. 1820

رسول الله ﷺ رجلًا من الأنصار على سرية بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال: فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا، فقال: أوقدوا لي نارًا، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار (١)، قال: فسكن غضبه وطفئت النار، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها؛ إنما الطاعة في المعروف». وهذا هو عبد الله بن حُذافة السهمي (٢). فإن قيل: فلو دخلوها لدخلوها طاعةً لله ورسوله في ظنهم فكانوا متأولين مخطئين، فكيف يخلَّدون فيها؟ قيل: لمَّا كان إلقاء نفوسهم في النار معصيةً يكونون بها قاتلي أنفسهم، فهمُّوا بالمبادرة إليها من غير اجتهاد منهم هل هو طاعة وقربة أو معصية= كانوا مُقْدِمين على ما هو محرَّم عليهم ولا تسوغ طاعة ولي الأمر فيه، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فكانت طاعةُ مَن أمرهم بدخول النار معصيةً لله ورسوله، فكانت هذه الطاعة هي سبب العقوبة، لأنها نفس المعصية، فلو دخلوها لكانوا عصاةً لله ورسوله وإن كانوا مطيعين لولي الأمر، فلم تَدفع طاعتُهم لوليِّ الأمر معصيتَهم لله ورسوله، لأنهم قد علموا

стр. 1821

أن من قتل نفسه فهو مستحق للوعيد، والله قد نهاهم عن قتل أنفسهم، فليس لهم أن يقدموا على هذا النهي طاعةً لمن لا تجب طاعته إلا في المعروف. فإذا كان هذا حكمَ من عذَّب نفسه طاعةً لولي الأمر، فكيف بمن عذب مسلمًا لا يجوز تعذيبه طاعةً لولي الأمر. وأيضًا فإذا كان الصحابة المذكورون لو دخلوها لما خرجوا منها مع قصدهم طاعةَ الله ورسوله بذلك الدخول، فكيف بمن حمله على ما لا يجوز من الطاعةِ الرَّغبةُ والرَّهبةُ الدُّنيوية. وإذا كان هؤلاء لو دخلوها لما خرجوا منها مع كونهم قصدوا طاعة الأمير وظنوا أن ذلك طاعةٌ لله ورسوله، فكيف بمن دخلها من هؤلاء المُلبِّسين إخوانِ الشياطين، وأوهموا الجهال أن ذلك ميراثٌ مِن إبراهيم الخليل، وأن النار قد تصير عليهم بردًا وسلامًا كما صارت على إبراهيم، وخيارُ هؤلاء ملبوس عليه يظن أنه دخلها بحالٍ رحماني، وإنما دخلها بحال شيطاني؛ فإن كان لا يعلم بذلك فهو ملبوس عليه، وإن كان يعلم به فهو مُلبِّس على الناس يوهمهم أنه من أولياء الرحمن وهو من أولياء الشيطان، وأكثرهم يدخلها بحال بهتاني وتحيُّل إنساني، فهم في دخولها في الدنيا ثلاثة أصناف: ملبوس عليه، وملبِّس، ومتحيِّل؛ ونار الآخرة أشد عذابًا وأبقى (١). * * *

стр. 1822

فصل في عمرة القضية قال نافع: كانت في ذي القَعْدة سنةَ سبعٍ (١)، وقال سليمان التيمي: لما رجع رسول الله ﷺ من خيبر بعث السرايا وأقام بالمدينة حتى استهل ذا (٢) القعدة ثم نادى في الناس بالخروج (٣). قال موسى بن عقبة (٤): ثم خرج رسول الله ﷺ من العام المقبل من عام الحديبية معتمرًا في ذي القعدة سنةَ سبعٍ، وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن المسجد الحرام، حتى إذا بلغ يَأْجَجَ (٥) وضع الأداة كلَّها: الحَجَفَ (٦) والمَجانَّ والنبلَ والرماح، ودخلوا بسلاح الراكب: السيوف، وبعث رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث بن حَزْنٍ العامرية (٧) فخطبها إليه، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوَّجها العباسُ رسولَ الله ﷺ .

стр. 1823

فلما قدم رسول الله ﷺ أمر أصحابه فقال: «اكشفوا عن المناكب واسعَوا في الطواف» (١)، ليرى المشركون جَلَدهم وقوتهم، وكان يُكايدهم بكل ما استطاع، فوقف أهل مكة الرجالُ والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ يرتجز متوشحًا بالسيف يقول: خَلُّوا بني الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمنُ في تنزيله في صحفٍ تتلى على رسوله ... يا رب إني مؤمن بقيله إني رأيت الحقَّ في قبوله ... اليوم نَضرِبْكم على تأويله ضربًا يزيل الهامَ عن مقيله ... ويُذهل الخليلَ عن خليله (٢) وتغيَّب رجال من المشركين أن ينظروا إلى رسول الله ﷺ حنقًا وغيظًا، فأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثًا، فلما أصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العُزَّى، ورسولُ الله ﷺ في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فصاح حويطب: نناشدك اللهَ والعقدَ لمَّا خرجتَ من

стр. 1824

أرضنا (١) فقد مضت الثلاث، فقال سعد بن عبادة: كذبتَ لا أمَّ لك! ليست بأرضك ولا أرض آبائك، والله لا يخرج! ثم نادى رسول الله ﷺ سُهيلًا أو حويطبًا فقال: «إني قد نكحت منكم امرأةً، فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا» (٢)، فقالوا: نناشدك الله والعقد إلَّا خرجت عنا، فأمر رسولُ الله ﷺ أبا رافع فأذَّن بالرحيل، وركب رسولُ الله ﷺ حتى نزل بطن سَرِف (٣) فأقام بها وخلَّف أبا رافع ليحمل ميمونة إليه حين يمسي، وأقام حتى قدمت ميمونة ومن معها، وقد لقُوا أذًى وعناءً من سفهاء المشركين وصبيانهم، فبنى بها بسَرِف، ثم أدلج وسار حتى قدم المدينة، وقدَّر الله أن يكون قبر ميمونة بسرف حيث بنى بها. فصل وأما قول ابن عباس: «إن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال» فمما استُدرك عليه وعُدَّ من وهمه. قال سعيد بن المسيب: «وَهِل (٤) ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوَّجها رسولُ الله ﷺ إلا بعد ما حل». ذكره البخاري (٥).

стр. 1825

وقال يزيد بن الأصمِّ عن ميمونة: «تزوَّجني رسولُ الله ﷺ ونحن حلالان بسَرِف». رواه مسلم (١). وقال أبو رافع: «تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت الرسول بينهما» (٢)، صح ذلك عنه. وقال سعيد بن المسيب: هذا عبد الله بن عباس يزعم أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم، وإنما قدم رسول الله ﷺ مكة وكان الحِلُّ والنكاح جميعًا، فشُبِّه ذلك على الناس (٣).
следующие страницы →