← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

صدقِ من جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم: إنهم متغلبون طالبو ملكٍ ودنيا. ولهذا لمَّا رآهم نصارى الشام وشاهدوا هديَهم وسيرتَهم وعدلَهم وعِلمَهم ورحمتَهم وزهدَهم في الدنيا ورغبتَهم في الآخرة قالوا: ما الذين صحبوا المسيحَ بأفضلَ من هؤلاء، وكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة وفضلهم من الرافضة أعدائهم، والرافضةُ تصفهم بضدِّ ما وصفهم الله به في هذه الآية وغيرها و ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] (١). * * *

стр. 1752

فصل في غزوة خيبر قال موسى بن عقبة (١): ولما قدم رسولُ الله ﷺ المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليلةً أو قريبًا منها ثم خرج منها غاديًا (٢) إلى خيبر، وكان الله وعده إياها وهو بالحديبية. وقال مالك: كان فتح خيبر في السنة السادسة (٣)، والجمهور على أنها في السابعة. وقد (٤) قطع أبو محمد بن حزم بأنها كانت في السادسة بلا شك (٥). ولعل الخلاف مبني على أول التاريخ هل هو شهر ربيع الأول شهرُ مَقْدَمِه المدينةَ أو من المحرم في أول السنة؟ وللناس في هذا طريقان: فالجمهور على أن التاريخ وقع من المحرم، وأبو محمد بن حزم يرى أنه من شهر ربيع الأول حين قَدِم. وكان أول من أرخ بالهجرة يعلى بن أمية باليمن كما رواه الإمام أحمد عنه

стр. 1753

بإسناد صحيح (١). وقيل: عمر بن الخطاب سنة ست عشرة من الهجرة (٢). وقال ابن إسحاق (٣): حدثني الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعًا، قالا: انصرف رسول الله ﷺ عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله فيها خيبر: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] خيبر، فقَدِم رسول الله ﷺ المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم، فنزل رسول الله ﷺ بالرَّجِيع ــ وادٍ بين خيبر وغطفان (٤) ــ فتخوَّف أن تُمِدَّهم غطفان، فبات به حتى أصبح فغدا إليهم. انتهى. واستخلف على المدينة سِباع بن عُرفُطة (٥)، وقدم أبو هريرة حينئذٍ المدينةَ فوافى سباع بن عرفطة في صلاة الصبح فسمعه يقرأ في الركعة الأولى:

стр. 1754

(كهيعص) وفي الثانية: (ويل للمطففين)، فقال في صلاته (١): «ويل لأبي فلان؛ له مِكيالان: إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص»، فلما فرغ من صلاته أتى سِباعًا فزوَّده حتى قدم على رسول الله ﷺ ، فكلَّم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سُهمانهم (٢) (٣). وقال سلمة بن الأكوع: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلًا فقال رجل من القوم لعامر (٤) بن الأكوع: ألا تُسمعنا من هُنيهاتك؟ وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا فاغفر فداءً لك ما اقتفينا ... وثبِّت الأقدامَ إن لاقَينا وأنزلن سكينةً علينا ... إنا إذا صِيح بنا أتينا وبالصياح عوَّلُوا علينا ... وإن أرادوا فتنةً أبينا (٥) فقال رسول الله ﷺ : «من هذا السائق؟» قالوا: عامر. فقال: «﵀»، فقال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله، لولا أمتعتنا به!

стр. 1755

قال: فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى فتحها عليهم، فلما أمسَوا أَوقدوا نيرانًا كثيرةً فقال رسول الله ﷺ : «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «على أي لحم؟» قالوا: لحم حمر إنسية، فقال رسول الله ﷺ : «أَهْرِيقوها واكسروها»، فقال رجل: أو نُهَريقها ونغسلها؟ فقال: «أو ذاك». فلما تصافَّ القومُ خرج مرحب يَخطِر بنفسه (١) وهو يقول: قد علمت خيبرُ أني مرحبُ ... شاكي السلاح بطل مجرَّبُ إذا الحروبُ أقبلت تلهَّب فنزل (٢) إليه عامر وهو يقول: قد علمت خيبر أني عامرُ ... شاكي السلاح بطل مُغامِرُ فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في تُرس عامر فذهب عامر يَسْفُل له ــ وكان سيف عامر فيه قِصَر ــ فرجع عليه ذبُاب سيفه فأصاب عينَ ركبته فمات منه، فقال سلمة للنبي ﷺ : زعموا أن عامرًا حبط عمله. فقال: «كذب من قال! له أجران ــ وجمع بين أصبعيه ــ؛ إنه لجاهِدٌ مجاهد، قلَّ عربيٌّ مشى بها مثلَه» (٣).

стр. 1756

فصل ولما قدم رسول الله ﷺ خيبرَ صلى بها الصبح وركب (١) وركب المسلمون، فخرج أهلُ خيبرَ بمساحيهم ومَكاتِلهم ولا يشعرون بل خرجوا لأرضهم، فلما رأوا الجيش قالوا: محمد والله! محمد والخميس! ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم (٢)، فقال النبي ﷺ : «الله أكبر خربت خيبر! الله أكبر خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحُ المنذرين» (٣). ولما دنا النبي ﷺ منها وأشرف عليها قال: «قِفُوا»، فوقف الجيش فقال: «اللهم ربَّ السماوات السبع وما أظللن، وربَّ الأرضينَ السبعِ وما أقللن، وربَّ الشياطينِ وما أضللن، فإنا نسألك (٤) خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها وخيرَ ما فيها، ونعوذ بك من شرِّ هذه القرية وشرِّ أهلها وشرِّ ما فيها. أقدموا بسم الله» (٥).

стр. 1757

ولما كان ليلة الدخول قال: «لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يحبُّ اللهَ ورسولَه ويحبه اللهُ ورسولهُ، يفتح الله على يديه»، فبات الناس يَدُوكون أيهم يُعطاها، فلما أصبح الناسُ غدَوا على رسول الله ﷺ كلُّهم يرجو أن يعطاها فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال: «فأرسِلوا إليه»، فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: «انفُذْ على رِسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبِرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فواللهِ لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم» (١). فخرج مرحب وهو يقول: أنا الذي سمَّتْني أمي مرحبُ ... شاكي السلاح بطل مجرَّب إذا الحروب أقبلت تلهَّبُ فبرز إليه علي وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدرَه ... كليثِ غاباتٍ كريه المنظره أُوفيهم بالصاع كَيلَ السندره (٢) فضرب مرحبًا ففلق هامته، وكان الفتح (٣).

стр. 1758

ولما دنا عليٌّ مِن حصونهم اطلَّع يهودي من رأس الحِصن فقال: مَن أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: علوتم وما أُنزِل على موسى (١)! هكذا في «صحيح مسلم» أن علي بن أبي طالب هو الذي قتل مرحبًا. وقال موسى بن عقبة عن الزهري؛ وأبو الأسود (٢) عن عروة؛ ويونسُ بن بكير عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن سهل أحد بني حارثة عن جابر بن عبد الله: أن محمد بن مسلمة هو الذي قتله (٣). قال جابر في حديثه: خرج مرحب اليهوديُّ من حصن خيبرَ قد جمع سلاحَه وهو يرتجز ويقول: من يبارز؟ فقال رسول الله ﷺ : «من لهذا؟» فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا واللهِ الموتور الثائر، قتلوا أخي بالأمس ــ يعني محمود بن مسلمة، وكان قُتل بخيبر ــ فقال: «قم إليه، اللهم أعِنْه عليه»، فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة، فجعل كلٌّ منهما يلوذ من صاحبه بها، كلما لاذ بها أحدهما اقتطع بسيفه ما دونه، حتى

стр. 1759

برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فَنَن (١)، ثم حمل على محمدٍ فضربه فاتَّقاه بالدَّرَقة، فوقع سيفه فيها فعضَّت به وضربه محمد بن مسلمة فقتله. وكذلك قال سلمة بن سلامة ومُجمِّع بن جارية (٢): إن محمد بن مسلمة قتل مرحبًا (٣). قال الواقدي (٤): وقيل: إن محمد بن مسلمة ضرب ساقَي مرحب فقطعهما فقال مرحب: أَجهِزْ عليَّ يا محمد، فقال محمد: «ذُق الموت كما ذاقه أخي محمود» وجاوزه، ومرَّ به عليٌّ فضرب عنقه وأخذ سَلَبه، فاختصما إلى رسول الله ﷺ في سلبه، فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله، ما قطعتُ رجليه ثم تركته إلا ليذوقَ الموت وكنت قادرًا أن أُجهز عليه، فقال علي: صدق، ضربتُ عنقه بعد أن قطع رجليه، فأعطى رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته، وكان عند آل محمد بن مسلمة سيفُه، فيه كتاب لا يُدرى ما فيه حتى قرأه يهودي فإذا فيه: هذا سيفُ مرحبْ ... من يذُقْه يَعطَبْ

стр. 1760

ثم خرج ياسر (١)، فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمُّه: يا رسول الله، يقتل ابني! فقال: «بل ابنكِ يقتله إن شاء الله»، فقتله الزبير (٢). قال موسى بن عقبة (٣): ثم دخل اليهود حصنًا لهم منيعًا يقال له: «القَمُوص»، فحاصرهم رسول الله ﷺ قريبًا من عشرين ليلةً، وكانت أرضًا وَخِمةً شديدةَ الحرِّ فجَهَد المسلمون جَهدًا شديدًا فذبحوا الحمرَ فنهاهم النبي ﷺ عن أكلها. وجاء عبدٌ أسود حبشي من أهل خيبر كان في غنمٍ لسيِّده فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي فوقع في نفسه ذكرُ النبي ﷺ فأقبل بغنمه إلى رسول الله ﷺ فقال: ماذا تقول وما تدعو إليه؟ قال: «أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن لا تعبد إلا الله». قال العبد: فما لي إن أنا شهدت وآمنت بالله ؟ قال: «لك الجنة إن متَّ على ذلك»، فأسلَم ثم قال: يا نبي الله، إن هذه الغنم عندي أمانة، فقال له رسول الله ﷺ : «أخرجها من عندك وارمها بالحصباء، فإن الله سيؤدي عنك أمانتك»، ففعل فرجعت الغنم إلى سيدها فعلم اليهودي أن غلامه قد أسلم، فقام رسول الله ﷺ في

стр. 1761

الناس فوعظهم وحضَّهم (١) على الجهاد، فلما التقى المسلمون واليهود قُتِل فيمن قتل: العبد الأسود، فاحتمله المسلمون إلى عسكرهم (٢) فأُدخِل في الفسطاط، فزعموا أن رسول الله ﷺ اطلع في الفسطاط ثم أقبل على أصحابه فقال: «لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير، ولقد رأيتُ عند رأسه اثنتين من الحور العين»، ولم يُصَلِّ للهِ سجدةً قط. وقال حماد بن سلمة: عن ثابت عن أنس: أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل أسود اللَّون قبيحُ الوجه منتنُ الريح لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أدخل الجنة؟ قال: «نعم». فتقدَّم فقاتلَ حتى قُتِل فأتى عليه النبي ﷺ وهو مقتول فقال: «لقد أحسن الله وجهَك وطيَّب ريحَك وكثَّر مالك». ثم قال: «لقد رأيت زوجتيه من الحور العين تنزعان جبته عنه تدخلان فيما بين جلده وجبته» (٣). وقال شداد بن الهاد: جاء رجل من الأعراب إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه فقال: أهاجر معك، فأوصى به بعضَ أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله ﷺ شيئًا فقَسَمه، وقسم للأعرابي فأعطى أصحابه ما قسمه له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسَم لك (٤) رسولُ الله ﷺ ، فأخذه فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال:

стр. 1762

«قسم قسمته لك»، قال: ما على هذا اتبعتُك، ولكن اتبعتك على أن أُرمى هاهنا ــ وأشار إلى حلقه ــ بسهم فأموتَ فأدخل الجنة، فقال: «إن تصدُقِ اللهَ يَصدُقْكَ»، ثم نهض (١) إلى قتال العدو، فأُتي به إلى النبي ﷺ (٢) وهو مقتول فقال: «هو هو؟» قالوا: نعم، قال: «صدق الله فصدقه»، فكفنه النبي ﷺ في جبته ثم قدَّمه فصلى عليه، وكان من دعائه له: «اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك قُتل شهيدًا وأنا عليه شهيد» (٣). قال الواقدي (٤): وتحولت اليهود إلى قلعة الزُّبَير حصنٍ منيع في رأس قُلَّة، فأقام عليه رسول الله ﷺ ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود يقال له: عزَّال (٥) فقال: يا أبا القاسم، إنك لو أقمت شهرًا ما بالَوا؛ إن لهم شِرْبًا وعيونًا (٦) تحت الأرض يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت شِرْبهم (٧) عليهم أصحروا لك، فسار

стр. 1763

رسول الله ﷺ إلى مائهم فقطعه عليهم، فلما قُطِع عليهم خرجوا فقاتلوا أشد القتال وقُتِل من المسلمين نفر وأُصِيب من اليهود نحو العشرة، وافتتحه رسول الله ﷺ ثم تحوَّل رسولُ الله ﷺ إلى أهل الكَتِيبة (١) والوَطِيح (٢) والسُّلالِم حصنِ ابن أبي الحُقَيق، فتحصَّن أهله أشد التحصُّن وجاءهم كل مَن (٣) كان انهزم من النَّطاة والشِّق؛ فإن خيبر كانت جانبين، الجانب الأول: الشِّق والنَّطاة وهو الذي افتتحه أولًا، والجانب الثاني: الكتيبة والوطيح والسُّلالم. فجعلوا لا يخرجون من حصونهم حتى همَّ رسولُ الله ﷺ أن ينصب عليهم المَنجَنيق، فلما أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسولُ الله ﷺ أربعة عشر يومًا سألوا رسول الله ﷺ الصلح وأرسل ابن أبي الحُقَيق إلى رسول الله ﷺ : أنزل فأكلمك؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم»، فنزل ابن أبي الحُقَيق فصالح رسولَ الله ﷺ على حقن دماء مَن في حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم،

стр. 1764

ويَخرُجون من خيبر وأرضها بذراريِّهم ويخلُّون بين رسول الله ﷺ وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء والكُراع والحلقة إلا ثوبًا على ظهر إنسان، فقال رسول الله ﷺ : «وبرئت منكم ذمةُ الله وذمةُ رسوله إن كتمتموني شيئًا»، فصالحوه على ذلك. قال حماد بن سلمة: أخبرنا عبيدُ الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم فغلب على الزرع والأرض والنخل، فصالحوه على أن يَجلُوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله ﷺ الصفراءُ والبيضاء، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيِّبُوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمةَ لهم ولا عهد، فغيَّبوا مَسْكًا فيه مال وحُليٌّ لحُيَيِّ بن أخطب ــ كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير (١) ــ فقال رسول الله ﷺ لعمِّ حُيي بن أخطب: «ما فعل مَسْكُ حيي الذي جاء به من النضير؟» قال: أذهبته النفقاتُ والحروب، قال: «العهد قريب والمال أكثرُ من ذلك»، فدفعه رسول الله إلى الزُّبَير فمسَّه بعذاب ــ وقد كان قبل ذلك دخل خَربةً ــ فقال: قد رأيتُ حُيَيًّا يطوف في خَربةٍ هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسولُ الله ﷺ ابنَي أبي الحقيق، وأحدهما زوجُ صفيةَ بنتِ حيي بن أخطب، وسبى رسولُ الله ﷺ نساءَهم وذراريَّهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد أن يُجليهم منها فقالوا: يا محمد, دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غِلمانٌ يقومون عليها وكانوا لا يفرغون يقومون عليها،

стр. 1765

فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر مِن كلِّ زرعٍ وكلِّ ثمرٍ (١) ما بدا لرسول الله ﷺ أن يُقرَّهم، وكان عبد الله بن رواحة يَخرُصه عليهم كما تقدم (٢) (٣). ولم يقتل رسول الله ﷺ بعد الصلح (٤) إلا ابنَي أبي الحقيق للنكث الذي نكثوا، فإنهم شرطوا أنَّهم إن غيبوا أو كتموا فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله، فغيبوا فقال لهم: «أين المال الذي خرجتم به من المدينة حين أجلَيناكم؟» (٥) قالوا: ذهبَ. وحلفوا على ذلك، فاعترف ابن عمِّ كنانة عليهما بالمال حين (٦) دفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير فعذَّبه (٧)، فدفع رسول الله ﷺ كنانة إلى محمد بن مسلمة فقتله، ويقال: إن كنانة هو كان قتل أخاه محمود بن مسلمة.

стр. 1766

وسبى رسولُ الله ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب وابنة عمِّها (١)، وكانت صفية تحت كنانة بن أبي الحقيق وكانت عَروسًا حديثة عهدٍ بالدخول، فأمر بلالًا أن يذهب بها إلى رحله، فمرَّ بها بلال وسط القتلى، فكره ذلك رسول الله ﷺ وقال: «أذهبت الرحمةُ منك يا بلال؟!» (٢). وعرض عليها رسولُ الله ﷺ الإسلام فأسلمت، فاصطفاها لنفسه وأعتقها وجعل عِتقها صداقَها، وبنى بها في الطريق وأولم عليها. ورأى بوجهها خُضرةً فقال: «ما هذا؟» قالت: يا رسول الله، رأيتُ قبل قدومك علينا كأن القمر زال من مكانه فسقط في حجري ــ ولا واللهِ ما أذكر من شأنك شيئًا ــ فقصصتُها على زوجي فلطم وجهي وقال: تَمَنَّينَ هذا المَلِك الذي بالمدينة؟! (٣). وشكَّ الصحابة هل اتخذها سُرِّيَّةً أو زوجةً؟ فقالوا: انظروا إن حجبها فهي إحدى نسائه وإلا فهي مما ملكت يمينه، فلما ركب جعل ثوبه الذي ارتدى به على ظهرها ووجهها ثم شدَّ طرفه تحته، فتأخروا عنه في المسير وعلموا أنها إحدى نسائه (٤). ولما قدَّم فخذه ليحملها على الرحل أجلَّت أن تضع قدمها على فخذه

стр. 1767

فوضعت ركبتها على فخذه ثم ركبت (١). ولما بنى بها بات أبو أيوب ليلته قائمًا قريبًا من قبته آخذًا بقائم السيف حتى أصبح، فلما رأى رسولَ الله ﷺ كبَّر أبو أيوب حين رآه قد خرج، فسأله رسول الله ﷺ : «ما لك يا أبا أيوب؟» قال له: أَرِقتُ ليلتي هذه يا رسول الله، لما دخلتَ بهذه المرأة ذكرتُ أنك قتلتَ أباها وأخاها وزوجها وعامة عشيرتها فخفت أن تغتالك، فضحك رسول الله ﷺ وقال له معروفًا. فصل وقسم خيبر على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كلُّ سهم مائة سهم (٢)، وكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول الله ﷺ سهم كسهم أحد المسلمين، وعزل النصف الآخر وهو ألف وثمانمائة لنوائبه وما ينزل به من أمور المسلمين (٣). قال البيهقي (٤): وهذا لأن خيبر فُتح شطرها عنوةً وشطرها صلحًا، فقسم ما فتح عنوةً بين أهل الخمس والغانمين، وعزل ما فتح صلحًا لنوائبه وما يحتاج إليه في أمور المسلمين.

стр. 1768

قلت: وهذا بناء منه على أصل الشافعي أنه يجب قَسْم الأرض المفتتحة عنوةً كما تُقسَم سائر المغانم، فلما لم يجده قَسَم النصفَ (١) من خيبر قال: إنه فتح صلحًا. ومن تأمل السير والمغازي حقَّ التأمُّل تبين له أن خيبر إنما فتحت عنوةً وأن رسول الله ﷺ استولى على أرضها كلِّها بالسيف عنوةً ولو فُتح شيء منها صلحًا لم يُجْلِهم رسولُ الله ﷺ منها، فإنه لما عزم على إخراجهم منها قالوا: نحن أعلم [بالأرض] (٢) منكم، دعونا نكون (٣) فيها ونَعمُرَها لكم بشطر ما يخرج منها. وهذا صريح جدًّا في أنها إنما فتحت عنوةً وقد حصل بين المسلمين واليهود بها من الحِراب والمبارزة والقتل من الفريقين ما هو معلوم، ولكن لمّا أُلجئوا إلى حصنهم نزلوا على الصلح الذي بذلوه: أن لرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة والسلاح، ولهم رقابهم وذريتهم ويَجلُوا من الأرض؛ فهذا كان الصلح، ولم يقع بينهم صلحٌ أن شيئًا من أرض خيبر لليهود ولا جرى ذلك البتة، ولو كان كذلك لم يقل: «نُقِرُّكم ما شئنا» (٤) فكيف يقرُّهم في أرضهم ما شاء؟ ولا كان عمر أجلاهم كلَّهم من الأرض ولم يصالحهم أيضًا على أن الأرض للمسلمين وعليها خراج يؤخذ منهم (٥)، هذا لم يقع فإنه لم يَضرب على خيبر خراجًا البتة. فالصواب الذي لا شك فيه أنها فُتحت عنوةً والإمام مخيَّرٌ في أرض

стр. 1769

العنوة بين قَسمها ووقفها وقسمِ بعضها ووقف البعض، وقد فعل رسول الله ﷺ الأنواع الثلاثة: فقسم قريظة والنضير، ولم يقسم مكة، وقسم شطر خيبر وترك شطرها، وقد تقدَّم تقرير كون مكة فتحت عنوةً بما لا مدفع له. وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمةً من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفًا وأربعمائةٍ، وكان معهم مائتا فرس لكل فرس سهمان، فقسمت على ألف وثمانمائة. ولم يَغِب عن خيبر من أهل الحديبية إلا جابر بن عبد الله، فقسم له رسول الله ﷺ كسهم (١) مَن حضرها. وقسم للفارس ثلاثةَ أسهمٍ وللراجل سهمًا، وكانوا ألفًا وأربعمائة وفيهم مائتا فارس، هذا هو الصحيح الذي لا ريب فيه. وروى عبد الله العُمَري عن نافع عن ابن عمر أنه أعطى الفارس سهمين والراجل سهمًا (٢). قال الشافعي (٣): كأنه سمع نافعًا يقول: «للفرس سهمين وللرجل سهمًا» فقال: للفارس سهمين وللراجل سهمًا. قال (٤): وليس يشكُّ أحد من أهل العلم في تقدمة عبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ، وقد أخبرنا الثقة

стр. 1770

من أصحابنا عن إسحاق الأزرق الواسطي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ضرب للفرس بسهمين وللفارس بسهم (١). ثم روى (٢) من حديث أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ أسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه. وهو في «الصحيحين» (٣). وكذلك رواه الثوري وأبو أسامة عن عبيد الله (٤). قال الشافعي (٥): ورُوي عن مُجمِّع بن جارية (٦) أن النبي ﷺ قسم سهام خيبر على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيشُ ألفًا وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين والراجل سهمًا (٧).

стр. 1771

قال الشافعي: ومُجمِّع بن يعقوب ــ يعني: راوي هذا الحديث عن أبيه، عن عمِّه عبد الرحمن بن يزيد، عن عمِّه مجمع بن جارية ــ شيخٌ لا يُعرَف، فأخذنا في ذلك بحديث عبيد الله، ولم نَرَ له مثلَه خبرًا يعارضه، ولا يجوز ردُّ خبرٍ إلا بخبر مثله. قال البيهقي: والذي رواه مجمع بن يعقوب بإسناده في عدد الجيش وعدد الفرسان قد خولف فيه؛ ففي رواية جابر وأهل المغازي: أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وهم أهل الحديبية (١). وفي رواية ابن عباس وصالح بن كيسان وبُشَير بن يسار وأهل المغازي: أن الخيل كانت مائتي فرس، وكان للفرس سهمان ولصاحبه سهم، ولكل راجل سهم (٢). وقال أبو داود (٣): حديث أبي معاوية أصح والعمل عليه، وأرى الوهم في حديث مجمع أنه قال: «ثلاثمائة فارس»، وإنما كانوا مائتي فارس. وقد روى أبو داود (٤) أيضًا من حديث أبي عَمرة عن أبيه قال: أتينا

стр. 1772

رسول الله ﷺ أربعةَ نفرٍ ومعنا فرس، فأعطى كلَّ إنسان منا سهمًا وأعطى الفرس سهمين. وهذا الحديث في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله (١) بن مسعود، وهو المسعودي، وفيه ضعف. وقد روي الحديث عنه على وجه آخر فقال: أتينا رسول الله ﷺ ثلاثةَ نفرٍ ومعنا فرس، فكان للفارس ثلاثة أسهم. ذكره أبو داود أيضًا (٢). فصل وفي هذه الغزوة قدم عليه ابنُ عمِّه جعفر بن أبي طالب وأصحابه، ومعهم الأشعريون عبد الله بن قيس أبو موسى وأصحابه، وكان فيمن قدم معهم أسماء بنت عميس. قال أبو موسى: بلغَنا مخرجُ النبي ﷺ ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه (٣) أنا وأَخَوان لي أنا أصغرهما ــ أحدهما أبو رُهم والآخر أبو بردة ــ في بضع وخمسين رجلًا من قومي، فركبنا سفينةً فألقتنا سفينتُنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفرَ بن أبي طالب وأصحابَه عنده، فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا فوافقنا رسولَ الله ﷺ حين فتح خيبر، فأسهم لنا، وما قسم لأحدٍ غاب عن فتح خيبر شيئًا إلا لمن شهد معه، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفرٍ وأصحابه قسم لهم معهم. وكان ناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة. قال:

стр. 1773

ودخلت أسماء بنت عُمَيس على حفصة، فدخل عليها عمر فقال: من هذه؟ قالت: أسماء، فقال عمر: سبقناكم بالهجرة نحن أحقُّ برسول الله ﷺ (١)، فغضبت وقالت: يا عمر كلَّا والله! لقد كنتم مع رسول الله ﷺ يُطعِم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البُعَداء البُغَضاء، وذلك في الله وفي رسوله، وايم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلتَ لرسول الله ﷺ ، ونحن كنا نُؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك، فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا رسول الله إن عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : «ما قلتِ له؟» قالت: قلت له كذا وكذا، قال: «ليس بأحق بي منكم؛ له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم ــ أهلَ السفينة ــ هجرتان». فكان أبو موسى وأصحاب السفينة يأتون أسماءَ أرسالًا يسألونها عن هذا الحديث؛ ما من الدنيا شيء هم به أفرحُ ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ (٢). ولما قدم جعفر على النبي ﷺ تلقاه وقبَّل جبهته وقال: «والله ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟» (٣).

стр. 1774

وأما ما روي في هذه القصة أن جعفرًا لما نظر إلى النبي ﷺ حَجَل، يعني: مشى على رجلٍ واحدة إعظامًا لرسول الله ﷺ ، وجعله أشباهُ الدِّباب (١) الرقَّاصُون (٢) أصلًا لهم في الرقص= فقال البيهقي (٣) ــ وقد رواه من طريق الثوري عن أبي الزبير عن جابر ــ: في إسناده إلى الثوري من لا يُعرَف.

стр. 1775

قلت: ولو صح لم يكن في هذا حجة على جواز التشبه بالدِّباب والتكسُّر والتخنُّث في المشي المنافي لهدي رسول الله ﷺ (١)، فإن هذا لعله كان من عادة (٢) الحبشة تعظيمًا لكُبرائها كضرب الجوك (٣) عند الترك ونحو ذلك، فجرى جعفر على تلك العادة وفعلها مرةً ثم تركها بسُنَّة (٤) الإسلام، فأين هذا من القفز والتكسُّر والتخنيث والتثنِّي؟! وبالله التوفيق. قال موسى بن عقبة (٥): وكانت بنو فَزارة ممن قدم على أهل خيبر ليعينوهم، فراسلهم رسول الله ﷺ أن لا يعينوهم وأن يخرجوا عنهم ولكم من خيبر كذا وكذا، فأبوا عليه، فلمّا فتح الله عليه خيبر أتاه من كان ثَمَّ مِن بني فزارة فقالوا: وعدَك (٦) الذي وعدتنا، فقال: «لكم ذو الرُّقيبة» ــ جبل من جبال خيبر ــ فقالوا: إذًا نقاتلك، فقال: «موعدكم كذا»، فلما سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ خرجوا هاربين. وقال الواقدي (٧): قال أبو شُيَيم المُزَني وكان قد أسلم فحسُنَ إسلامُه:

стр. 1776

لما نفرنا إلى أهلنا مع (١) عيينة بن حصن رجع بنا عيينة (٢)، فلما كان دون خيبر عرَّسنا من الليل، ففزعنا فقال عيينة: أبشروا إني أرى الليلة في النوم أنني أُعطيت ذا الرُّقَيبة جبلًا بخيبر؛ قد والله أخذتُ برقبة محمد. فلما قدمنا خيبر قَدِم عيينة فوجد رسول الله ﷺ قد فتح خيبر، فقال: يا محمد، أعطِني ما غنمتَ من حلفائي، فإني انصرفت عنك وعن قتالك (٣). قال رسول الله ﷺ : «كذبتَ! ولكن الصياح الذي سمعتَ نفَّرك إلى أهلك»، قال: أجزني يا محمد، قال: «لك ذو الرقيبة»، قال: وما ذو الرقيبة؟ قال: «الجبل الذي رأيت في النوم أنك أخذته»، فانصرف عيينة، فلما رجع إلى أهله جاءه الحارث بن عوف فقال: ألم أقل لك: إنك مُوضِعٌ (٤) في غير شيء، والله ليظهرنَّ محمدٌ على ما بين المشرق والمغرب؛ يهود كانوا يخبروننا بهذا، أَشهد (٥) لسمعتُ أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول: إنا نحسد محمدًا على النبوة حيث خرجت من بني هارون، وهو نبي مرسل ويهود لا تطاوعني على هذا، ولنا

стр. 1777

منه ذبحان: واحد بيثرب وآخر بخيابر (١)، قال الحارث: قلت لسلام: يملك الأرض جميعًا؟ قال: نعم والتوراةِ التي أُنزلت على موسى، وما أحب أن تعلم يهودُ بقولي (٢) فيه. فصل وفي هذه الغزاة سُمَّ رسول الله ﷺ ؛ أهدت له زينب بنت الحارث اليهودية امرأةُ سلام بن مشكم شاةً مشويَّةً (٣) قد سمَّتها، وسألت: أيُّ اللحم أحب إليه؟ فقالوا: الذراع، فأكثرت من السمِّ في الذراع، فلمَّا انتهش من ذراعها أخبره الذراع بأنه مسموم فلفظ الأكلة، ثم قال: «اجمعوا لي مَن هاهنا مِن اليهود»، فجُمِعوا له فقال لهم: «إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقيَّ فيه؟» قالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ : «من أبوكم؟» قالوا: أبونا فلان، قال: «كذبتم، أبوكم فلان»، قالوا: صدقت وبررت، قال: «هل أنتم صادقيَّ عن شيءٍ إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال رسول الله ﷺ : «من أهل النار؟» فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلُفُونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ : «اخسؤوا فيها! فوالله لا نَخلُفكم فيها أبدًا»، ثم قال: «هل أنتم صادقيَّ عن شيءٍ إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم، قال: «أجعلتم في هذه الشاة (٤) سمًّا؟» قالوا: نعم، قال: «فما حملكم على ذلك؟» قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريحُ منك، وإن كنتَ

стр. 1778

نبيًّا لم يضرَّك (١). وجيء بالمرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: أردت قتلك، فقال: «ما كان الله ليسلِّطكِ عليَّ»، قالوا: ألا نقتلها؟ قال: «لا» (٢). ولم يَعرِض لها ولم يعاقبها، واحتجم على الكاهل وأمر من أكل منها فاحتجم فمات بعضهم (٣). واختُلف في قتل المرأة، فقال الزهري: أسلمت فتركها. ذكره عبد الرزاق (٤) عن معمر عنه، ثم قال معمر: والناس يقولون: قتلها النبي ﷺ .

стр. 1779

وقال أبو داود (١): حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أن رسول الله ﷺ أهدت له يهوديةٌ بخيبرَ شاةً مَصْليةً ــ فذكر القصة ــ وقال: فمات بِشر بن البراء بن مَعرور، فأرسل إلى اليهودية: «ما حملك على الذي صنعت؟» قال جابر (٢): فأمر بها رسول الله ﷺ فقُتِلت. قلت: كلاهما مرسل، ورواه حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة متصلًا: أنه قتلها لمَّا مات بشر بن البراء (٣). وقد وُفِّق بين الروايتين بأنه لم يقتلها أولًا، فلما مات بِشر قتلها. وقد اختلف: هل أكل النبي ﷺ منها أو لم يأكل؟ وأكثر الروايات أنه أكل منها، وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى قال في وجعه الذي مات فيه: «ما زلت أجد من الأَكلة التي أكلتُ من الشاة يوم خيبر، فهذا أوانُ انقطاع الأَبْهَرِ

стр. 1780

مني» (١). قال الزهري: فتوفي رسول الله ﷺ شهيدًا. قال موسى بن عقبة (٢) وغيره: وكان بين قريشٍ حين سمعوا بخروج رسول الله ﷺ إلى خيبر تراهُنٌ عظيم وتبايُع، فمنهم من يقول: يظهر محمد وأصحابه، ومنهم يقول: يظهر الحليفان ويهود خيبر، وكان الحجَّاج بن عِلاط السُّلَمي قد أسلم وشهد فتح خيبر وكانت تحته أم شيبة أختُ بني عبد الدار بن قُصي، وكان الحجاج مكثرًا من المال، كانت له معادنُ أرضِ بني سليم، فلما ظهر النبي ﷺ على خيبر قال الحجاج بن عِلاط: إن لي ذهبًا عند امرأتي، وإن تعلم هي وأهلُها بإسلامي فلا مال لي، فأْذَنْ لي فلأُسرع السير وأَسبِق الخبر، ولأُخبرنَّ أخبارًا إذا قدمتُ أدرأ بها عن مالي ونفسي،

стр. 1781

فأذِنَ له رسولُ الله ﷺ . فلما قدم مكة قال لامرأته: أَخفي علي واجمعي ما كان لي عندكِ من مالٍ فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم، وإن محمدًا قد أُسِر وتفرَّق عنه أصحابه، وإن اليهود قد أقسموا (١) ليبعَثُنَّ به إلى مكة ثم ليقتلُنَّه بقتلاهم بالمدينة (٢)، وفشا ذلك في مكة واشتد على المسلمين وبلغ منهم، وأظهر المشركون الفرح والسرور، وبلغ العباسَ عمَّ رسول الله ﷺ زَجْلةُ الناس وجَلَبتهم وإظهارُهم السرورَ فأراد أن يقوم ويخرج فانخزل ظهرُه فلم يقدر على القيام، فدعا ابنًا له يقال له: «قُثَم» وكان شِبْهَ (٣) رسولِ الله ﷺ ، فجعل يرتجز ويرفع صوته لئلا يشمت به أعداء الله: «قُثَمْ، شبيه ذي الأنف الأَشَمْ، فتى (٤) ذي النِّعَمْ، برغم مَن رَغَمْ». وحشر إلى باب داره رجال كثيرون من المسلمين والمشركين، منهم المُظهر للفرح والسرور، ومنهم الشامت والمعزِّي، ومنهم مَن به مثل الموت من الحزن والبلاء؛ فلما سمع المسلمون رجز العباس وتجلُّدَه طابت أنفسهم، وظن المشركون أنه قد أتاه ما لم يأتهم.

стр. 1782

ثم أرسل العباس غلامًا له إلى الحجاج وقال له: اخلُ به وقل له: ويلك! ما جئت به؟ وما تقول؟ فالذي وعد اللهُ خيرٌ مما جئت به، فلما كلمه الغلام قال له: أَقْرِ أبا الفضل السلامَ وقل له: فليخلُ لي (١) في بعض بيوته حتى آتيه، فإن الخبر على ما يسره، فلما بلغ العبدُ باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل، فوثب العباس فرحًا كأنه لم يصبه بلاء قط حتى جاءه وقبَّل ما بين عينيه، فأخبره بقول الحجاج، فأعتقه ثم قال: أخبرني، قال: يقول لك الحجاج: اخلُ له (٢) في بعض بيوتك حتى يأتيك ظهرًا، فلما جاءه الحجاج وخلا به أخذ عليه لتكتُمَنَّ خبري، فوافقه عباس على ذلك، فقال له الحجاج: جئتُ وقد افتتح رسولُ الله ﷺ خيبر وغنم أموالهم وجرت فيها سهام الله، وإن رسول الله ﷺ قد اصطفى صفية بنت حُيَي لنفسه وأعرس بها، ولكن جئتُ لمالي أردت أن أجمعه وأذهب به، وإني استأذنت رسول الله ﷺ أن أقول فأذن لي (٣)، فأخفِ علي ثلاثًا ثم اذكر ما شئتَ. قال: فجمعتْ له امرأته متاعَه ثم انشمر راجعًا، فلما كان بعد ثلاث أتى العباسُ امرأةَ الحجاج فقال: ما فعل زوجك؟ قالت: ذهب، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل، لقد شقَّ علينا الذي بلغك، فقال: أجل، لا يحزنني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أُحبُّ: فتح الله على رسوله خيبر وجرت فيها سهام الله واصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه، وإن كان لكِ في زوجك حاجة فالحقي به، قالت: أظنك واللهِ صادقًا، قال: فإني والله صادق والأمر

стр. 1783

على ما أقول لك، قالت: فمن أخبرك بهذا؟ قال: الذي أخبركِ بما أخبرك، ثم ذهب حتى أتى مجالس قريشٍ، فلما رأوه قالوا: هذا والله التجلد يا أبا الفضل، لا يصيبك إلا خير، قال: أجل، لم يصبني إلا خير والحمد لله، خبَّرني الحجاج بكذا وكذا، وقد سألني أن أكتم عليه ثلاثًا لحاجة؛ فردَّ الله ما كان بالمسلمين من كآبة وجزع على المشركين، وخرج المسلمون من مواضعهم حتى دخلوا على العباس فأخبرهم الخبر فأشرقت وجوه المسلمين. فصل فيما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية فمنها: محاربة الكفار ومقاتلتهم في الأشهر الحرم، فإن رسول الله ﷺ رجع من الحديبية في ذي الحجة، فمكث بها أيامًا ثم سار إلى خيبر في المحرَّم كذلك قال الزهري عن عروة عن مروان والمِسْوَر (١). وكذلك قال الواقدي: خرج في أول سنة سبع من الهجرة (٢). ولكن في الاستدلال بذلك نظر، فإن خروجه كان في أواخر المحرَّم لا في أوله، وفتحُها إنما كان في صفر. وأقوى من هذا الاستدلالِ بيعةُ النبي ﷺ أصحابَه بيعةَ الرضوان عند الشجرة على القتال (٣) وأن لا يفروا، وكانت في ذي القعدة. ولكن لا دليل في

стр. 1784

ذلك، لأنه إنما بايعهم على ذلك لمّا بلغه أنهم قد قتلوا عثمان وهم يريدون قتاله، فحينئذ بايع الصحابة، ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام (١) إذا بدأ العدُّو، إنما الخلاف هل يقاتل فيه ابتداءً، فالجمهور جوزوه وقالوا: تحريم القتال فيه منسوخ، وهو مذهب الأئمة الأربعة. وذهب عطاء وغيره إلى أنه ثابت غير منسوخ، وكان عطاء يحلف بالله ما يحل القتال في الشهر الحرام ولا نَسَخ تحريمَه شيء (٢). وأقوى من هذين الاستدلالين الاستدلال بحصار النبي ﷺ للطائف، فإنه خرج إليها في أواخر شوال، فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلةً، فبعضها كان في ذي القعدة، فإنه فتح مكة لعشرٍ بقين من رمضان (٣)، وأقام بها بعد الفتح تسع عشرة يقصر الصلاة (٤)، فخرج إلى هوازن وقد بقي من شوال عشرون يومًا، ففتح الله عليه هوازن وقسم غنائمها، ثم ذهب منها إلى الطائف فحاصرها بضعًا وعشرين ليلةً، وهذا يقتضي أن بعضها في ذي القعدة بلا شك. وقد قيل: إنما حاصرهم بضع عشرة ليلةً. قال ابن حزم (٥): وهو الصحيح بلا شك. وهذا عجب منه! فمن أين له هذا التصحيح والجزم به؟

стр. 1785

وفي «الصحيحين» (١) عن أنس بن مالك في قصة الطائف قال: فحاصرناهم أربعين يومًا فاستعصَوا وتمنَّعُوا ... وذكر الحديث؛ فهذا الحصار وقع في ذي القَعدة بلا ريب. ومع هذا فلا دليل في القصة، لأن غزو الطائف كان من تمام غزوة هوازن، وهم بدؤوا رسولَ الله ﷺ بالقتال، ولما انهزموا دخل ملِكهم وهو مالك بن عوف النَّصري مع ثقيفٍ في حصن الطائف محاربين لرسول الله ﷺ ، فكان غزوُهم من تمام الغزوة التي شرع فيها، والله أعلم. وقد قال تعالى في سورة المائدة ــ وهي من آخر القرآن نزولًا وليس فيها منسوخ ــ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢]. وقال في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. فهاتان آيتان مدنيتان بينهما في النزول نحو ثمانية أعوام، وليس في كتاب الله ولا سنَّة رسوله ناسخ لحكمهما، ولا أجمعت الأمة على نسخه. ومن استدل على نسخه بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ونحوها من العمومات، فقد استدل على النسخ بما لا يدل عليه. ومن استدل عليه بأن النبي ﷺ بعث أبا عامر في سريةٍ إلى أوطاس في ذي القعدة (٢)، فقد استدل بغير دليل لأن ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال، ولم يكن ابتداءً منه لقتالهم في الشهر الحرام.

стр. 1786

فصل ومنها: قسمة الغنائم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم، وقد تقدم تقريره. ومنها: أنه يجوز لآحاد الجيش إذا وجد طعامًا أن يأكله ولا يخمِّسه، كما أخذ عبد الله بن المغفَّل جِراب الشحم الذي دُلِّي يومَ خيبر واختص به بمحضر النبي ﷺ (١). ومنها: أنه إذا لحق مددٌ بالجيش بعد تقضِّي الحرب فلا سهم لهم إلا بإذن الجيش ورضاهم (٢)؛ فإن النبي ﷺ كلَّم أصحابه في أهل السفينة حين قدموا عليه بخيبر ــ جعفرٍ وأصحابِه ــ أن يُسهم لهم فأسهم لهم. فصل ومنها: تحريم لحوم الحمر الإنسية. صحَّ عنه تحريمها يوم خيبر، وصح عنه تعليل التحريم بأنها رجس (٣)، وهذا مقدم على قول من قال من الصحابة: إنما حرَّمها لأنها كانت ظهر القوم وحمولتهم، فلمّا قيل له: أُفني الظهر وأُكلت الحمر، حرَّمها (٤)؛ وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها لم

стр. 1787

تُخمَّس (١)؛ وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها كانت جوالَّ (٢) القرية وكانت تأكل العذرة (٣)؛ وكل هذا في «الصحيح»، لكن قول رسول الله ﷺ : «إنها رجس» مقدَّمٌ على هذا كله، لأنه من ظن الراوي وقولِه بخلاف التعليل بكونها رجسًا. ولا تعارض بين هذا التحريم وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فإنه لم يكن قد حُرِّم حين نزول هذه الآية من المطاعم إلا هذه الأربعة، والتحريمُ كان يتجدد شيئًا فشيئًا، فحُرِّم الحمر بعد ذلك تحريمًا مبتدأً لِما سكت عنه النص، لا أنه رافع لما أباحه القرآن ولا مخصِّصٌ لعمومه فضلًا عن أن يكون ناسخًا له. والله أعلم. فصل ولم تُحرَّم المتعة يوم خيبر، وإنما كان تحريمها عام الفتح، هذا هو الصواب. وقد ظن طائفة من أهل العلم أنه حرَّمها يوم خيبر، واحتجوا بما في «الصحيحين» (٤) من حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحُمُر الإنسية.

стр. 1788

وفي «الصحيحين» (١) أيضًا: أن عليًّا سمع ابن عباس يُليِّن في متعة النساء فقال: مهلًا يا ابن عباس، فإن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية. وفي لفظ للبخاري (٢) عنه: أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. ولما رأى هؤلاء أن النبي ﷺ أباحها عام الفتح ثم حرمها قالوا: حُرِّمت ثم أبيحت ثم حرمت. قال الشافعي (٣): لا أعلم شيئًا حرم ثم أبيح ثم حرم (٤) إلا المتعة. قالوا: فنسخت مرتين. وخالفهم في ذلك آخرون (٥) وقالوا: لم تُحرَّم إلا عام الفتح، وقبل ذلك كانت مباحةً. قالوا: وإنما جمع عليُّ بن أبي طالب بين الإخبار بتحريمها وتحريم الحُمُر الأهلية لأن ابن عباس كان يبيحهما، فروى له علي تحريمهما عن النبي ﷺ ردًّا عليه، وكان تحريمُ الحمر يومَ خيبرَ بلا شك، فذَكَر يوم خيبر ظرفًا لتحريم الحمر، وأطلق تحريمَ المتعة ولم يُقيِّده بزمنٍ، كما جاء ذلك في «مسند الإمام أحمد» بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وحرم متعة النساء. وفي لفظ: حرم متعة النساء

стр. 1789

وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. هكذا رواه سفيان بن عُيينة مفصَّلًا مميَّزًا (١)، فظن بعض الرواة أن يوم خيبر زمن للتحريمين فقيّدهما به، ثم جاء بعضهم فاقتصر على أحد المُحرَّمَين وهو تحريم الحُمُر (٢) وقيَّده بالظرف، فمن هاهنا نشأ الوهم. وقصة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتَّعون باليهوديات، ولا استأذنوا في ذلك رسولَ الله ﷺ ، ولا نقله أحد قطُّ في هذه الغزوة، ولا كان للمتعة فيها ذِكرٌ البتة لا فعلًا ولا تحريمًا، بخلاف غزاة الفتح فإن قصة المتعة كانت فيها فعلًا وتحريمًا مشهورةً. وهذه الطريقة أصح الطريقتين. وفيها طريقة ثالثة وهي أن رسول الله ﷺ لم يحرمها تحريمًا عامًّا البتة، بل حرمها عند الاستغناء عنها وأباحها عند الحاجة إليها، وهذه كانت طريقة

стр. 1790

ابن عباس حين (١) كان يفتي بها ويقول: «هي كالميتة والدم ولحم الخنزير، تباح عند الضرورة وخشية العَنَت» (٢)، فلم يفهم عنه أكثر الناس ذلك، وظنوا أنه أباحها إباحةً مطلقةً، وشبَّبوا (٣) في ذلك بالأشعار (٤)، فلما رأى ابن عباس ذلك رجع إلى القول بالتحريم (٥). فصل ومنها: جواز المساقاة والمزارعة بجزءٍ مما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع، كما عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على ذلك، واستمر ذلك إلى حين وفاته لم يُنسَخ البتة، واستمر عملُ خلفائه الراشدين عليه. وليس هذا من باب المؤاجرة في شيء، بل من باب المشاركة، وهو نظير المضاربة سواءً، فمن أباح المضاربة وحرَّم ذلك فقد فرَّق بين متماثلين.
следующие страницы →