← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وقال ابن سعد (١): أخبرنا (٢) قَبِيصة، أخبرنا سفيان، عن ثور بن يزيد، عن مكحول: أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يومًا. قال ابن إسحاق (٣): حتى إذا كان يوم الشَّدْخة (٤) عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبابة ثم دخلوا (٥) بها إلى جدار الطائف ليخرقوه (٦)، فأرسلت عليهم ثقيف سِكَك الحديد مُحماةً بالنار

стр. 1997

فخرجوا من تحتها (١) فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالًا، فأمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب ثقيف، فوقع الناس فيها يقطعون. قال ابن سعد (٢): فسألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال رسول الله ﷺ : «فإني أدعها لله وللرحم»، فنادى منادي رسول الله ﷺ : «أيما عبدٍ نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حرٌّ»، فخرج منهم بضعة عشر رجلًا فيهم أبو بكرةَ، فأعتقهم رسول الله ﷺ (٣)، ودفع كلُّ رجلٍ منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشقَّ ذلك على أهل الطائف مشقةً شديدةً. ولم يؤذَن لرسول الله ﷺ في فتح الطائف، واستشار رسول الله ﷺ نَوفل بن معاوية الدِّيلي فقال: «ما ترى؟» فقال: ثعلب في جُحرٍ إن أقمتَ عليه أخذتَه وإن تركته لم يَضرُرْك (٤)، فأمر رسولُ الله ﷺ عمر بن الخطاب فأذَّن في الناس بالرحيل، فضج الناس من ذلك وقالوا: نرحل ولم يُفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله ﷺ «فاغدوا على القتال» فغدَوا، فأصابت

стр. 1998

المسلمين جراحات، فقال رسول الله ﷺ : «إنا قافلون (١) إن شاء الله»، فسُرُّوا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك (٢). فلما ارتحلوا واستقلوا قال: «قولوا: آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون» (٣). وقيل: يا رسول الله، ادع الله على ثقيف، فقال: «اللهم اهْدِ ثقيفًا وائت بهم» (٤).

стр. 1999

واستشهد مع رسول الله ﷺ بالطائف جماعة (١)، ثم خرج رسول الله ﷺ عن الطائف إلى الجِعرانة (٢)، ثم دخل منها مُحرِمًا بعمرةٍ فقضى عمرتَه ثم رجع إلى المدينة (٣). فصل قال ابن إسحاق (٤): وقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفدُ ثقيفٍ، وكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم اتَّبع أثره عروةُ بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ ــ كما يتحدث قومه (٥) ــ: «إنهم قاتلوك» وعرف رسول الله ﷺ أن فيهم نخوةَ الامتناع الذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أَحبُّ إليهم مِن أبكارهم، وكان فيهم كذلك محبَّبًا مُطاعًا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على عِلِّيَّةٍ له (٦) وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنَّبل من كلِّ وجه، فأصابه سهم

стр. 2000

فقتله، فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إليَّ، فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قُتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم، فدفنوه معهم، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال فيه: «إن مَثَله في قومه كمَثَلِ صاحب يس في قومه» (١). ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحربِ مَن حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجلًا كما أرسلوا عروة، فكلَّموا عبدَ ياليلَ بن عمرو بن عمير ــ وكان سِنَّ عروة بن مسعود ــ وعرضوا عليه ذلك، فأبى أن يفعل وخشي أن يُصنع به إذا رجع (٢) كما صنع بعروة، فقال: لستُ فاعلًا حتى ترسلوا معي رجالًا، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثةً من بني مالك (٣) فيكونون ستةً، فبعثوا معه الحكمَ بنَ عمرِو بن وهبٍ وشرحبيلَ بن غيلان، ومن بني مالك: عثمانَ بن أبي العاص وأوسَ بن عوفٍ ونمير (٤) بن خرشة، فخرج بهم فلما دَنَوا من المدينة ونزلوا قناةَ (٥)

стр. 2001

ألْفَوا بها المغيرة بن شعبة، فاشتد ليبشِّر رسولَ الله ﷺ بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر فقال له: أقسمتُ عليك لا تسبقني إلى رسول الله ﷺ حتى أكونَ أنا أحدِّثه، ففعل فدخل أبو بكر على رسول الله ﷺ فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة على (١) أصحابه فروَّح الظهرَ معهم وعلَّمهم كيف يُحيُّون رسولَ الله ﷺ ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب عليهم قبةً في ناحية مسجده كما يزعمون. وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ حتى اكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه، وكانوا لا يأكلون طعامًا يأتيهم من عند رسول الله ﷺ حتى يأكلَ منه خالد حتى أسلموا. وقد كان فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله ﷺ عليهم، فما برحوا يسألونه سنةً سنةً ويأبى عليهم حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمًّى، وإنما يريدون بذلك ــ فيما يُظهرون ــ أن يَسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريِّهم، ويكرهون أن يروِّعُوا قومهم بهدمها حتى يَدخلهم الإسلام، فأبى رسول الله ﷺ إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها (٢). وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا

стр. 2002

أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ : «أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه» (١). فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا أمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان مِن أحدثهم سِنًّا، وذلك أنه كان مِن أحرصهم على التفقُّه في الإسلام وتعلُّم القرآن (٢). فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله

стр. 2003

بذي الهَرْم (١) فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمِعول وقام دونه بنو مُعتِّب (٢) خشية أن يُرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيفٍ حُسَّرًا يبكين عليها، ويقول أبو سفيان ــ والمغيرة يضربها بالفأس ــ: واهًا لكَ واهًا لكَ (٣)! فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليَّها أرسل إلى أبي سفيان مجموعَ مالِها من الذهب والفضة والجَزْع (٤). وقد كان أبو مليح بن عروةَ وقاربُ بن الأسود قدما على رسول الله ﷺ قبل وفد ثقيف حين قُتل عروة يريدان فراقَ ثقيفٍ وأن لا يُجامعاها (٥) على شيء أبدًا فأسلما، فقال لهما رسول الله ﷺ : «توَلَّيا من شئتما»، فقالا: نتولى الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : «وخالَكما أبا سفيان بن حرب»، فقالا: وخالنا أبا سفيان (٦).

стр. 2004

فلما أسلم أهل الطائف سأل أبو مليح رسولَ الله ﷺ أن يقضي عن أبيه عروة دينًا كان عليه من مال الطاغية، فقال له رسول الله ﷺ : «نعم»، فقال له قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقْضِه ــ وعروة والأسود أخوان لأب وأم ــ فقال رسول الله ﷺ : «إن الأسود مات مشركًا»، فقال [قارب بن] (١) الأسود: يا رسول الله، لكن تصل مسلمًا ذا قرابة ــ يعني نفسَه ــ وإنما الدين عليَّ وأنا الذي أُطلَب به، فأمر رسول الله ﷺ أبا سفيان أن يقضي دين عروةَ والأسودِ من مال الطاغية، ففعل. وكان كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لهم: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي رسولِ الله إلى المؤمنين: إن عِضاهَ وجٍّ وصيدَه حرامٌ لا يُعضَد؛ من وُجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يُجلَد وتُنزَع ثيابُه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيُبلَغ النبيَّ محمَّدًا، وإن هذا أمر النبي محمدٍ رسولِ الله ﷺ . وكتب خالد بن سعيدٍ بأمر الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعَدَّهُ أحدٌ فيظلمَ نفسَه فيما أمر به محمد رسول الله» (٢). فهذه قصة ثقيف مِن أولها إلى آخرها سقناها كما هي وإن تخلَّل بين غزوِها وإسلامها غزاةُ تبوك وغيرها، ولكن آثرنا أن لا نقطع قصَّتَهم وأن نَنْظِم أوَّلَها بآخرها ليقع الكلامُ على فقه هذه القصة وأحكامها في موضع واحد. فنقول: فيها من الفقه جواز القتال في الأشهر الحُرُم ونسخُ تحريمِ ذلك،

стр. 2005

فإن رسول الله ﷺ خرج من المدينة إلى مكة في أواخر رمضان بعد مضي ثمان عشرة ليلةً منه، والدليل عليه ما رواه أحمد في «مسنده» (١): حدثنا إسماعيل عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس أنه مرَّ مع رسول الله ﷺ زمن الفتح على رجل يحتجم بالبقيع لثمان عشرة خلت من رمضان وهو آخذ بيدي فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهذا أصحُّ مِن قول مَن قال: إنه خرج لعشرٍ خلون من رمضان (٢)، وهذا الإسناد شرطُ مسلمٍ، فقد روى به بعينه: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (٣). وأقام بمكة تسع عشرة ليلةً يقصر الصلاة (٤)، ثم خرج إلى هوازن فقاتلهم وفرغ منهم، ثم قصد الطائف فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلةً في قول ابن إسحاق، وثمان عشرة ليلةً في قول ابن سعد، وأربعين ليلةً في قول مكحول (٥).

стр. 2006

فإذا تأملتَ ذلك علمتَ أن بعض مدة الحصار في ذي القَعدة ولا بد، ولكن قد يقال: لم يبتدئ القتال إلا في شوال، فلما شرع فيه لم يقطعه للشهر الحرام، ولكن من أين لكم أنه ﷺ ابتدأ قتالًا في شهر حرام؟ وفرقٌ بين الابتداء والاستدامة. فصل ومنها: جواز غزو الرجل وأهلُه معه، فإن النبي ﷺ كان معه في هذه الغزاة أم سلمة وزينب. فصل ومنها: جواز نصب المنجنيق على الكفار ورميهم به وإن أفضى إلى قتل مَن لم يقاتل من النساء والذرية. ومنها: جواز قطع شجر الكفار إذا كان ذلك يضعفهم ويغيظهم وهو أنكى فيهم. ومنها: أن العبد إذا أبق من المشركين ولحق بالمسلمين صار حُرًّا. قال سعيد بن منصور (١): حدثنا يزيد بن هارون عن الحجاج [عن الحَكَم] (٢) عن مِقْسَم عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا جاؤوا قبل مواليهم.

стр. 2007

وروى سعيد (١) أيضًا قال: قضى رسول الله ﷺ في العبد وسيده قضيتين: قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبلَ سيِّده أنه حرٌّ، فإن خرج سيده بعده لم يُردَّ عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد رُدَّ على سيده. وعن الشعبي عن رجل من ثقيف قال: سألنا رسولَ الله ﷺ أن يردَّ علينا أبا بكرة وكان عبدًا لنا، أتى رسول الله ﷺ وهو مُحاصِر ثقيفًا فأسلم، فأبى أن يردَّه علينا وقال: «هو طليق الله ثم طليق رسوله»، فلم يردَّه علينا (٢). قال ابن المنذر (٣): وهذا قول كل من نحفظ عنه من أهل العلم. فصل ومنها: أن الإمام إذا حاصر حصنًا ولم يُفتَح عليه، ورأى مصلحة المسلمين في الرحيل عنه، لم يلزمه مصابرته وجاز له ترك مصابرته، وإنما تلزم المصابرة إذا كان فيها مصلحة راجحة على مفسدتها. فصل ومنها: أنه أحرم من الجِعْرانة بعمرة وكان داخلًا إلى مكة، وهذه هي

стр. 2008

السنة لمن دخلها من طريق الطائف وما يليه. وأما ما يفعله كثير ممن لا علم عندهم من الخروج من مكة إلى الجعرانة ليُحرم منها بعمرة ثم يرجع إليها، فهذا لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه البتة، ولا استحبَّه أحد من أهل العلم، وإنما يفعله عوام الناس ــ زعموا ــ اقتداءً بالنبي ﷺ وغلطوا، فإنه إنما أحرم منها داخلًا إلى مكة، لم يخرج منها إلى الجعرانة ليحرم منها؛ فهذا لون وسنته لون، وبالله التوفيق. فصل ومنها: استجابة الله سبحانه لرسوله ﷺ دعاءَه لثقيفٍ أن يهديهم ويأتي بهم وقد حاربوه وقاتلوه وقتلوا جماعةً من أصحابه وقتلوا رسولَ رسوله الذي أرسله إليهم يدعوهم إلى الله، ومع هذا كلِّه فدعا لهم ولم يدعُ عليهم، وهذا من كمال رحمته ورأفته ونصيحته صلوات الله وسلامه عليه. فصل ومنها: كمال محبة الصِّدِّيق له وقصدُه التقربَ إليه والتحبُّبَ بكل ما يمكنه، ولهذا ناشد المغيرة أن يدعه هو يبشر النبي ﷺ بقدوم وفد الطائف ليكون هو الذي سرَّه (١) وفرَّحه بذلك. وهذا يدل على أنه يجوز للرجل أن يسأل أخاه أن يؤثره بقُربةٍ من القُرَب، وأنه يجوز للرجل أن يؤثر بها أخاه، وقولُ من قال من الفقهاء: لا يجوز الإيثار بالقرب= لا يصح (٢).

стр. 2009

وقد آثرت عائشةُ عمرَ بن الخطاب بدفنه في بيتها جوارَ النبي ﷺ (١)، وسألها عمر ذلك فلم يُكرَه له السؤالُ ولا لها البذلُ، وعلى هذا فإذا سأل الرجل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول لم يكره له السؤال ولا لذلك البذل، ونظائرُه. ومن تأمل سيرة الصحابة وجدهم غير كارهين لذلك ولا ممتنعين منه، وهل هذا إلا كرم وسخاء، وإيثار على النفس بما هو مِن أعظم محبوباتها، وتفريحًا (٢) لأخيه المسلم، وتعظيمًا لقدره، وإجابةً له إلى ما سأله، وترغيبًا له في الخير؛ وقد يكون ثواب كل واحد من هذه الخصال راجحًا على ثواب تلك القربة، فيكون المُؤْثر بها ممن تاجر فبذل قربةً وأخذ أضعافَها. وعلى هذا فلا يمتنع أن يؤثر صاحب الماء بمائه أن يُتوضأ به ويتيمَّم هو، إذ (٣) كان لا بد من تيمم أحدهما، فآثر أخاه وحاز فضيلة الإيثار وفضيلةَ الطهر بالتراب، ولم يمنع من هذا كتاب ولا سنة ولا مكارم أخلاق. وعلى هذا فإذا اشتد العطش بجماعة وعاينوا التلف، ومع بعضهم ماء فآثر به على نفسه واستسلم للموت كان ذلك جائزًا، ولم نقُل إنه قاتل لنفسه ولا إنه فعل محرمًا، بل هذا غاية الجود والسخاء كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وقد جرى هذا بعينه لجماعة من

стр. 2010

الصحابة في فتوح الشام (١)، وعُدَّ ذلك في مناقبهم وفضائلهم. وهل إهداء القُرَبِ المجمَع عليها والمتنازَع فيها إلى الميت إلا إيثار بثوابها؟ وهو عين الإيثار بالقرب، فأي فرق بين أن يؤثره بفعلها ليُحرِزَ ثوابَها وبين أن يعمل ثم يؤثره بثوابها؟ وبالله التوفيق. فصل ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا، فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المَشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تُعبَد مِن دون الله والأحجارِ التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى أو أعظم شركًا عندها وبها، وبالله المستعان. ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد فيها أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سَنَن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القُذَّة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنةُ بدعةً والبدعة سنةً، ونشأ في ذلك الصغير وهَرِم عليه الكبير، وطَمَست الأعلامُ واشتدت غربة الإسلام، وقلَّ العلماء وغلبت السفهاء، وتفاقم الأمر واشتد

стр. 2011

البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. فصل ومنها: جواز صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد والطواغيت في الجهاد ومصالح المسلمين، فيجوز للإمام بل يجب عليه أن يأخذ أموال هذه الطواغيت التي تُساق إليها كلَّها ويصرَفها على الجند والمقاتلة ومصالح الإسلام، كما أخذ النبي ﷺ أموال اللات وأعطاها لأبي سفيان يتألَّفه بها وقضى منها دينَ عروة والأسود. وكذلك يجب عليه أن يهدم هذه المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا، وله أن يقطعها للمقاتلة أو يبيعَها ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين. وكذلك الحكم في أوقافها، فإن وقفها والوقف عليها باطل وهو مال ضائع، فيُصرَف في مصالح المسلمين، فإن الوقف لا يصح إلا في قربة وطاعة لله ورسوله، فلا يصح الوقف على مشهدٍ ولا قبرٍ يُسرَج عليه ويُعظَّم، ويُنذَر له ويحج إليه، ويُعبد من دون الله ويُتخذ وثنًا من دونه، وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام ومن اتَّبع سبيلهم. فصل ومنها: أن وادي وجٍّ ــ وهو واد بالطائف ــ حَرَم يَحرُم صيدُه وقطع شجره. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فالجمهور قالوا: ليس في البقاع حرم إلا مكة والمدينة، وأبو حنيفة خالفهم في حرم المدينة، وقال الشافعي (١) في أحد

стр. 2012

قوليه: وجٌّ حرم يحرم صيده وشجره، واحتُجَّ لهذا القول بحديثين: أحدهما هذا الذي تقدم، والثاني: حديث عروة بن الزبير عن أبيه الزبير أن النبي ﷺ قال: «إنَّ صَيد وجٍّ وعِضاهَه حَرَمٌ مُحرَّم لله». رواه الإمام أحمد وأبو داود (١). وهذا الحديث يعرف بمحمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة. قال البخاري في «تاريخه» (٢): لا يتابَع عليه. قلت: وفي سماع عروة من أبيه نظر وإن كان قد رآه (٣)، والله أعلم. فصل ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة ودخلت سنةُ تسعٍ بعث المصدِّقين يأخذون الصدقات من الأعراب. قال ابن سعد (٤): ثم بعث رسول الله ﷺ المُصَدِّقين، قالوا: لما رأى رسول الله ﷺ هلال المحرم سنةَ تسعٍ بعث المُصَدِّقين يُصدِّقون العرب، فبعث عُيَينة بن حِصن إلى بني تميم، وبعث يزيد بن الحُصَين (٥) إلى أسلمَ وغِفارٍ، وبعث عبَّاد بن بِشر الأشهلي إلى

стр. 2013

سُلَيمٍ ومُزَينة، وبعث رافع بن مَكِيثٍ إلى جُهَينة، وبعث عمرو بن العاصي (١) إلى بني فَزارة، وبعث الضحاك بن سفيان إلى بني كِلاب، وبعث بُسْر (٢) بن سفيان إلى بني كعب، وبعث ابن اللُّتبيَّة الأزدي إلى بني ذُبْيان؛ وأمر رسول الله ﷺ المصدقين أن يأخذوا العفو منهم ويتوقَّوا كرائم أموالهم (٣). قيل: ولما قدم ابنُ اللُّتْبِيَّة حاسبه (٤). وكان في هذا حجةٌ على محاسبة العُمَّال والأمناء، فإن ظهرت خيانتهم عزلهم وولى أمينًا. قال ابن إسحاق (٥): وبعث المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاءَ فخرج عليه العنسي وهو بها، وبعث زياد بن لَبِيد إلى حضرموتَ، وبعث عدي بن حاتم إلى طيِّئٍ وبني أسد، وبعث مالك بن نُوَيرة على صدقات بني حنظلة، وفرق صدقات بني سعد على رجلين: فبعث الزِّبْرِقان بن بدر على ناحية وقيس بن عاصم على ناحية، وبعث العلاء بن الحضرمي على البحرين، وبعث عليًّا إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويَقْدَم عليه بجزيتهم.

стр. 2014

فصل في السرايا والبعوث في سنة تسع ذكر سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم (١) وذلك في المحرم من هذه السنة، بعثه إليهم في سرية ليغزوهم في خمسين فارسًا ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراءَ وقد سرَّحوا مواشيهم، فلما رأوا الجمع ولَّوا، فأخذ منهم أحد عشر رجلًا وإحدى وعشرين امرأةً وثلاثين صبيًّا فساقهم إلى المدينة، فأُنزلوا في دار رملةَ بنتِ الحارث، فقدم فيهم عدة من رؤسائهم: عُطارد بن حاجب، والزِّبرِقان بن بدر، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأَهتَم، ورِياح (٢) بن الحارث؛ فلما رأوا نساءهم وذراريَّهم بكَوا إليهم، فعجلوا فجاءوا إلى باب النبي ﷺ فنادوا: يا محمد اخرج إلينا، فخرج رسول الله ﷺ وأقام بلالٌ الصلاةَ وتعلَّقوا برسول الله ﷺ يكلمونه، فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر

стр. 2015

ثم جلس في صحن المسجد، فقدَّموا عُطارد بن حاجب فتكلَّم وخطب، فأمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ فأجابهم وأنزل الله فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٤ - ٥]، فردَّ عليهم رسولُ الله ﷺ الأسرى والسبي (١)، فقام الزبرقان شاعرُ بني تميم فأنشد مفاخرًا: نحن الكرام فلا حيٌّ يعادلنا ... منا الملوك وفينا تُنصَب البِيَعُ وكم قَسَرْنا من الأحياء كلِّهِمُ ... عند النِّهاب وفضلُ العز يُتَّبَعُ ونحن يُطعِمُ عند القحط مُطعمنا ... مِن الشِّواء إذا لم يُؤنَس القَزَعُ (٢) بما ترى الناسَ تأتينا سُراتُهم ... من كل أرض هُوِيًّا ثم نَصطَنِعُ (٣) فننحر الكُومَ عُبْطًا في أَرُومتنا ... للنازلين إذا ما أُنزِلوا شبعوا (٤)

стр. 2016

فلا ترانا إلى حيٍّ نفاخرهم ... إلا استقادوا فكانوا الرأسَ يُقتَطَعُ فمن يفاخرنا في ذاك نَعرفه ... فيرجع القومُ والأخبار تُتَّبَعُ (١) إنَّا أبينا ولن يأبى لنا أحدٌ ... إنا كذلك عند الفخر نَرتفِعُ فقام شاعر الإسلام حسان بن ثابت فأجابه على البديهة: إن الذوائب من فِهرٍ وإخوتهم ... قد بينوا سنةً للناس تُتَّبَعُ يرضى بهم كلُّ مَن كانت سريرتُه ... تقوى الإله وكلَّ الخير يصطنِعُ قوم إذا حاربوا ضَرُّوا عدوَّهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غيرُ محدَثَةٍ ... إن الخلائق فاعلم شرُّها البِدَعُ إن كان في الناس سباقون بعدَهمُ ... فكلُّ سبق لأدنى سبقِهم تَبَعُ لا يَرقعُ الناس ما أَوْهت أكفُّهُمُ ... عند الدفاع ولا يُوهُون ما رَقَعوا إن سابقوا النَّاس يومًا فاز سبقُهُمُ ... أو وازنوا أهلَ مجدٍ بالندى مَتَعُوا (٢) أعِفَّةٌ ذُكِرت في الوحي عفَّتُهمْ ... لا يطمعون ولا يُرْديهم الطمعُ (٣) لا يبخلون على جارٍ بفضلهمُ ... ولا يَمَسُّهُمُ من مطمَعٍ طَبَعُ إذا نَصَبْنا لحي لم ندِبَّ لهمْ ... كما يدِبُّ إلى الوحشية الذَّرَعُ (٤)

стр. 2017

نَسْمُو إذا الحرب نالتْنا مخالبُها ... إذا الزَّعانِفُ مِن أظفارها خشعوا (١) لا يفخرون إذا نالوا عدوَّهم ... وإن أصيبوا فلا خُورٌ ولا هُلُعُ (٢) كأنهم في الوَغَى والموتُ مكتنِفٌ ... أُسْدٌ بحَلْيةَ في أرساغها فَدَعُ (٣) خذ منهمُ ما أتوا عفوًا إذا غضبوا ... ولا يكن همُّك الأمرَ الذي مَنَعوا فإن في حربهم ــ فاترك عداوتهم ــ ... شرًّا يُخاض عليه السُّمُّ والسَّلَعُ (٤) أكرِمْ بقومٍ رسولُ الله شيعتهمْ ... إذا تفاوتت الأهواء والشِّيَعُ أهدى لهم مدحتي قلبٌ يُؤازره ... فيما أحبَّ لسانٌ حائِك صَنَعُ (٥) فإنهم أفضل الأحياء كُلِّهِمُ ... إن جدَّ بالناس جِدُّ القولِ أو شَمَعوا (٦) فلما فرغ حسان قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لمُؤَتًّى له (٧)؛ لَخطيبُه أخطبُ من خطيبنا، ولشاعرُه أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من

стр. 2018

أصواتنا، ثم أسلموا وجوَّزهم (١) رسولُ الله ﷺ فأحسن جوائزهم. فصل قال ابن إسحاق (٢): فلما قدم وفد بني تميم دخلوا المسجد ونادوا رسول الله ﷺ أن اخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك رسول الله ﷺ من صياحهم فخرج إليهم فقالوا: جئناك لنفاخرك فَأْذَنْ لشاعرنا وخطيبنا قال: «نعم، قد أذنتُ لخطيبكم فليَقُمْ»، فقام عُطارد بن حاجب فقال: «الحمد لله الذي جعلنا ملوكًا، الذي له الفضلُ علينا، والذي وهب لنا أموالًا عظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلَنا أعزَّ أهل المشرق وأكثرَه عددًا وأيسره عُدَّةً، فمَن مثلنا في الناس؟! ألسنا رؤوسَ الناس وأولي فضلِهم؟ فمن فاخرَنا فليَعُدَّ مثل ما عَدَدْنا، فلو شئنا لأكثرنا من الكلام ولكن نستحيي من الإكثار لِما أعطانا، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا وأمرٍ أفضلَ مِن أمرنا»، ثم جلس. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شَمَّاس: «قم فأجِبْه»، فقام فقال: «الحمد لله الذي السماوات والأرض خَلْقُه، قضى فيهن أمرَه، ووسع كرسيَّه علمُه، ولم يكن شيء قطٌّ إلا مِن فضله، ثم كان من فضله أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خير خلقه رسولًا، أكرَمَه نسبًا وأصدَقَه حديثًا وأفضله حسبًا، فأنزل عليه كتابًا وائتمنه على خلقه، وكان خِيَرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان بالله فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرَمُ

стр. 2019

الناس أحسابًا وأحسنه (١) وجوهًا وخير الناس فعلًا، ثم كان أولَ الخلق إجابةً واستَجابَ (٢) لله حين دعاه رسول الله ﷺ نحن، فنحن أنصار الله ووُزَراء رسول الله نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله مَنَع مالَه ودمَه، ومن نكث جاهدناه في الله أبدًا وكان قتلُه علينا يسيرًا، أقول هذا وأستغفر الله (٣) للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم». ثم ذكر قيام الزبرقان وإنشادَه وجوابَ حسَّانٍ له بالأبيات المتقدمة، فلما فرغ حسان من قوله قال الأقرع: إن هذا الرجلَ خطيبُه أخطبُ مِن خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، وأقوالهم أعلى من أقوالنا (٤)، ثم أجازهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم. فصل ذكر سرية قُطبة بن عامر بن حَدِيدة إلى خَثْعَمَ وكانت في صفر سنة تسع قال ابن سعد (٥): قالوا: بعث رسول الله ﷺ

стр. 2020

قطبة في عشرين رجلًا إلى حيٍّ من خثعم بناحية تَبالةَ (١) وأمره أن يشُنَّ الغارة، فخرجوا على عشرة أبعرةٍ يَعتقبونها، فأخذوا رجلًا فسألوه فاستعجم عليهم فجعل يصيح بالحاضرة ويُحذِّرهم فضربوا عنقه، ثم أقاموا حتى نام الحاضرة فشنُّوا عليهم الغارةَ فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى كَثُر الجرحى في الفريقين جميعًا وقَتَل قطبةُ بن عامر مَن قَتَل، وساقوا النَّعَم والشاء والنساء إلى المدينة. وفي القصة أنه اجتمع القوم وركبوا في آثارهم، فأرسل الله سبحانه سيلًا عظيمًا حال بينهم وبين المسلمين، فساقوا النعم والسبي وهم ينظرون لا يستطيعون أن يعبروا إليهم حتى غابوا عنهم. فصل (٢) ذكر سرية الضحاك بن سفيان الكِلابي إلى بني كلاب في ربيع الأول سنة تسع قالوا (٣): بعث رسول الله ﷺ جيشًا إلى بني كلاب وعليهم الضحاكُ بن سفيان بن عوف الكلابي (٤)، ومعه الأَصْيَدُ بن سلمة فلقوهم بالزَّخِّ زَخِّ لاوةَ (٥)،

стр. 2021

فدعوهم إلى الإسلام فأَبَوا، فقاتَلوهم فهزموهم، فلحق الأصيدُ أباه سلمة وسلمةُ على فرس له في غدير بالزَّخِّ، فدعا أباه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فسبَّه وسب دينه، فضرب الأصيدُ عرقوبَي فرسِ أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمةُ على الرمح في الماء ثم استمسك، حتى جاءه أحدُهم فقتله ولم يقتله ابنُه. فصل ذِكر سرية علقمة بن مُجَزِّزٍ المُدْلِجي إلى الحبشة في شهر ربيع الآخر سنةَ تسعٍ قالوا (١): فلما بلغ رسولُ الله ﷺ أن ناسًا من الحبشة تراياهم أهل جُدَّةَ (٢) بعث إليهم علقمة بن مُجَزِّزٍ في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر وقد خاض إليهم البحر فهربوا منه.

стр. 2022

فلما رجع تعجَّل بعضُ القوم إلى أهليهم فأذن لهم، فتعجَّل عبدُ الله بن حُذافة السَّهمي فأمَّره على من تعجَّل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارًا يصطلون عليها، فقال: عزمتُ عليكم إلا تواثبتم في هذه النار، فقام بعض القوم فتحجَّزُوا (١) حتى ظَنَّ أنهم واثبون فيها فقال: اجلسوا إنما كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «مَن أمركم بمعصيةٍ فلا تطيعوه» (٢). قلت: في «الصحيحين» (٣) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سريةً واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا، ثم قال: أوقدوا نارًا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا (٤)؟ قالوا: بلى، قال: فادْخُلُوها، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا»، وقال: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف». فهذا فيه أن الأمير كان من الأنصار (٥)، وأن رسول الله ﷺ هو الذي أمَّره، وأن الغضب حمله على ذلك.

стр. 2023

وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» (١) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ (٢) وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] قال: «نزلت في عبد الله بن حُذافة بن قَيس بن عديٍّ، بعثه رسول الله ﷺ في سرية»؛ فإما أن يكون واقعتين، أو يكون حديث علي هو المحفوظ، والله أعلم. ذكر سرية علي بن أبي طالب إلى صنم طَيِّئٍ ليهدمه في هذه السنة قالوا (٣): وبعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في خمسين ومائةِ رجلٍ (٤) من الأنصار على مائة بعيرٍ وخمسين فرسًا، ومعه رايةٌ سوداءُ ولواءٌ أبيضُ إلى الفُلْس وهو صنم طيئ ليهدمه، فشَنُّوا الغارة على مَحَلَّة آل حاتمٍ مع الفجر فهدموه ومَلَؤوا أيديَهم من السبي والنَّعَم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عديٌّ إلى الشام، ووجدوا في خِزانته ثلاثة أسياف وثلاثة أدراع، واستُعمِل على السبي أبو قتادة (٥) وعلى الماشية والرِّقَة (٦) عبد الله بن عَتِيك، وقَسَم الغنائمَ في الطريق وعَزَل الصفيَّ لرسول الله ﷺ ،

стр. 2024

ولم يقسم آلَ حاتمٍ (١) حتى قدم بهم المدينة. قال ابن إسحاق (٢): قال عدي بن حاتم: ما كان رجل من العرب أشد كراهية لرسول الله ﷺ مني حين سمعت به، وكنت امرءًا شريفًا وكنت نصرانيًّا وكنت أسير في قومي بالمرباع (٣)، وكنت في نفسي على دينٍ وكنت مَلِكًا في قومي، فلما سمعت برسول الله ﷺ كرهته فقلتُ لغلامٍ عربيٍّ كان (٤) لي وكان راعيًا لإبلي: لا أبا لك، أَعْدِدْ لي من إبلي أجمالًا ذُلُلًا سِمانًا فاحبسها قريبًا مني، فإذا سمعت بجيشٍ لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني، ففعل، ثم إنه أتاني ذاتَ غداةٍ فقال: يا عديُّ، ما كنت صانعًا إذا غشيتْك خيلُ محمدٍ فاصنعْه الآن، فإني قد رأيت راياتٍ فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد، قال: فقلت: فقرِّبْ لي أجمالي، فقرَّبها فاحتملت بأهلي وولدي، ثم

стр. 2025

قلتُ: ألحَقُ بأهل ديني من النصارى بالشام، وخلَّفتُ بنتًا لحاتم في الحاضر، فلما قدمتُ الشام أقمت بها، وتخالفني خيل رسول الله ﷺ فتصيب ابنةَ حاتمٍ فيمن أصابت، فقُدِم بها على رسول الله ﷺ في سبايا من طيئ، وقد بلغ رسولَ الله ﷺ هَرَبي إلى الشام (١). فمَّر بها رسولُ الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، غاب الوافدُ وانقطع الوالد (٢)، وأنا عجوزٌ كبيرة ما بي مِن خدمة، فمُنَّ عليّ منَّ الله عليك، قال: «من وافدك؟» قالت: عدي بن حاتم، قال: «الذي فرَّ من الله ورسوله؟» قالت: فمَنَّ عليَّ، قالت: فلما رجع ورَجلٌ إلى جنبه ــ تُرَى أنه علي ــ قال: سَلِيه الحُملان، قال (٣): فسألَتْه فأمر لها به، قال عدي: فأتتني أختي فقالت: لقد فعلتَ (٤) فِعلةً ما كان أبوك يفعلها، ايْتِهِ راغبًا أو راهبًا، فقد أتاه فلانٌ فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه. قال عدي (٥): فأتيته وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن

стр. 2026

حاتم، وجئتُ بغير أمانٍ ولا كتاب، فلما دُفِعت إليه أخذ بيدي ــ وقد كان قبل ذلك قال: «إني أرجو أن يجعل الله يدَه في يدي» ــ، قال: فقام بي (١) فلقيتْه امرأة ومعها صبي فقالا: إن لنا إليك حاجةً، فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى داره فألقت له الوليدةُ وسادةً فجلس عليها وجلست بين يديه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما يُفِرُّك (٢)؟ أيفرك أن يقال لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله سوى الله؟» قال: قلت: لا، قال: ثم تكلم ساعةً ثم قال: «إنما تَفِرُّ أن يقال: الله أكبر، وهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟» قال: قلت: لا، قال: «فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضالُّون»، قال: فقلت: فإني حنيف مسلم، قال: فرأيت وجهه ينبسط فرحًا، قال: ثم أمر بي فأُنزلت عند رجلٍ من الأنصار وجعلت أغشاه آتيه طرفي النهار، قال: فبينا أنا عنده إذ جاء قوم في ثياب من الصوف من هذه النِّمار، قال: فصلى وقام فحثَّ عليهم ثم قال: «أيها الناس ارضخوا من الفضل، ولو صاعٌ ولو بنصف صاع، ولو بقبضة ولو ببعض قبضة؛ يقي أحدكم وجهه حرَّ جهنم ــ أو: النار ــ ولو بتمرة، ولو بشِقِّ تمرة (٣)، فإن أحدكم لاقي اللهَ وقائِلٌ له ما أقول لكم: ألم

стр. 2027

أجعل لك مالًا وولدًا؟ فيقول: بلى، فيقول: أين ما قدمت لنفسك؟ فينظر قُدَّامه وبَعده وعن يمينه وعن شماله ثم لا يجد شيئًا يقي به وجهه جهنم، ليقِ أحدُكم وجهَه النارَ ولو بشقِّ تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة، فإني لا أخاف عليكم الفاقة، فإن الله ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينةُ ما بين يثرب والحِيرَةِ أكثرَ (١) ما تخاف على مطيَّتها السَّرَق»، قال: فجعلت أقول في نفسي: فأين لصوص طيئ (٢)؟!

стр. 2028

ذكر قصة كعب بن زُهَير مع النبي ﷺ - وكانت فيما بين رجوعه من الطائف وغزوة تبوك. قال ابن إسحاق (١): ولما قدم رسول الله ﷺ من الطائف كتب بُجَير بن زهير إلى أخيه كعب يخبره أن رسول الله ﷺ قتل رجالًا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن مَن بقي مِن شعراء قريش ابنَ الزِّبَعْرى وهُبَيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطِرْ إلى رسول الله ﷺ فإنه لا يقتل أحدًا جاءه تائبًا (٢) وإن أنت لم تفعل فانجُ إلى نَجائك، وكان كعب قد قال: ألا أبلغا عني بجيرًا رسالةً ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا (٣)؟ فبيِّنْ لنا إن كنتَ لستَ بفاعلٍ ... على أي شيءٍ غيرِ ذلك دلَّكا على خُلق لم تُلفِ أُمًّا ولا أبًا ... عليه ولا تُلفي عليه أخًا لكا (٤)

стр. 2029

فإن أنت لم تفعل فلستُ بآسفٍ ... ولا قائلٍ إما عثرت لعًا لكا (١) سقاك بها المأمونُ كأسًا رَوِيَّةً ... فأَنْهَلَك المأمونُ منها وعلَّكا (٢) قال: وبعث بها إلى بجير فلما أتت بُجيرًا كره أن يكتمها رسولَ الله ﷺ فأنشده إياها، فقال رسول الله ﷺ : «سقاك بها المأمون، صدق وإنه لكذوب وأنا المأمون»، ولما سمع: «على خُلقٍ لم تُلفِ أمًّا ولا أبًا عليه» قال: «أجل، لم يُلفِ عليه أباه ولا أمه». ثم قال بُجير لكعب: مَن مُبلِغٌ كعبًا فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلًا وهي أحزمُ إلى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النجاءُ وتَسْلَمُ لدى يومَ لا ينجو وليس بمُفلتٍ ... من الناس إلا طاهرُ القلب مسلمُ فدِينُ زهيرٍ وهو لا شيء دينُه ... ودينُ أبي سُلمى عليَّ مُحرَّمُ فلما بلغ كعبًا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأَرجَفَ به من كان في حاضره مِن عدوِّه فقال: هو مقتول، فلما لم يجد من شيء بُدًّا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ ويذكر خوفَه وإرجافَ الوُشاة به مِن عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجلٍ كانت بينه وبينه معرفة من جُهَينة ــ كما ذُكِر لي ــ، فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلى الصبح فصلى

стр. 2030

مع رسول الله ﷺ ، ثم أشار له إلى رسول الله ﷺ فقال: هذا رسول الله فقم إليه واستأمنه، فذكر لي أنه قام إلى رسول الله ﷺ حتى جلس إليه فوضع يده في يده، وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبًا مسلمًا، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله ﷺ : «نعم»، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير. قال ابن إسحاق (١): فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، دعني وعدوَّ الله أضرِبْ عنقه، فقال رسول الله ﷺ : «دعه عنك فقد جاء تائبًا نازعًا» (٢)، قال: فغضب كعب على هذا الحيِّ من الأنصار لِما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال قصيدته اللامية يصف فيها محبوبته وناقته، التي أولها: بانت سعادُ فقلبِي الْيَومَ مَتبولُ ... مُتيَّمٌ عندها لم يُجْزَ مكبولُ (٣)

стр. 2031

إلى أن قال (١): يمشي الغُواة بجنبَيها وقولهمُ ... إنك يا ابن أبي سُلمى لمقتولُ وقال كلُّ صديقٍ كنت آمُلُه ... لا أُلْهِينَّك إني عنك مشغولُ فقلت خلُّوا طريقي لا أبًا لكمُ ... فكل ما قدَّر الرحمن مفعولُ (٢) كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ (٣) نُبِّئتُ أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمولُ مهلًا هداك الذي أعطاك نافلة الـ ... ـفرقان فيها مواعيظ وتفصيلُ (٤) لا تأخذَنِّي بأقوال الوُشاة ولم ... أُذنبْ ولو كثرت فيَّ الأقاويلُ لقد أقوم مقامًا لو يقوم به ... يرى ويسمع ما قد أَسمعُ الفيلُ لظلَّ ترعد من خوفٍ بوادره ... إن لم يكن من رسول الله تنويلُ (٥) حتى وضعت يميني ما أنازعها ... في كفِّ ذي نَقِمات قولُه القيلُ (٦)

стр. 2032

فَلَهْوَ أخوفُ عندي إذْ أكلِّمه ... وقيل: إنك منسوب ومسؤولُ (١) من ضيغمٍ بضراءِ الأرض مُخْدَرُهُ ... في بطنِ عَثَّرَ غِيلٌ دونه غِيلُ (٢) يغدو فيُلحِم ضِرغامَين عَيشُهما ... لحمٌ من الناس مَعفورٌ خَراديلُ (٣) إذا يساور قِرنًا لا يحلُّ له ... أن يترك القِرْنَ إلا وهو مَفلولُ (٤) منه تظل حميرُ الجوِّ نافرةً ... ولا تمشَّى بِواديه الأراجِيلُ (٥) ولا يزال بِواديه أخو ثقة ... مضرَّجَ البزِّ والدِّرسَين مأكولُ (٦) إن الرسول لنور يستضاء به ... مُهنَّدٌ مِن سيوف الله مسلولُ في عُصبةٍ من قريش قال قائلهمْ ... ببطن مكة لما أسلموا: زُولوا (٧)

стр. 2033

زالوا فما زال أنكاس ولا كُشُفٌ ... عِندَ اللقاء ولا مِيلٌ معازِيلُ (١) يمشون مشيَ الجِمال الزُّهْرِ يَعصِمهمْ ... ضَرْبٌ إذا عرَّد السُّودُ التنابيلُ (٢) شُمُّ العرانين أبطالٌ لَبوسُهُمُ ... مِن نسج داود في الهَيجا سرابيلُ بِيضٌ سوابغُ قد شُكَّت لها حَلَقٌ ... كأنها حَلَق القفعاء مجدولُ (٣) ليسوا مفاريحَ إن نالت رماحُهُمُ ... قومًا وليسوا مجازيعًا إذا نِيلوا لا يقع الطعنُ إلا في نحورهمُ ... وما لهم عن حِياض الموت تَهلِيلُ (٤) قال ابن إسحاق (٥): قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب: «إذا عرَّد السُّود التنابيل» وإنما عنى معشر الأنصار لِما كان صاحبنا صنع به، وخص المهاجرين بمدحته= غضب عليه الأنصار، فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار قصيدتَه التي يقول فيها:

стр. 2034

من سرَّه كرمُ الحياة فلا يزل ... في مِقْنَبٍ من صالحي الأنصارِ (١) ورثوا المكارم كابرًا عن كابرٍ ... إن الخيار همُ بنو الأخيارِ الباذلين نفوسهم لنبيِّهم ... يومَ الهِياج وفتنةِ الأحبار (٢) والذائدين الناس عن أديانهم ... بالمَشْرَفِيِّ وبالقَنا الخَطَّارِ (٣) والبائعين نفوسهم لنبيِّهم ... للموت يوم تعانُقٍ وكِرارِ يتطهرون يرونه نُسُكًا لهم ... بدماءِ من عَلِقوا من الكفارِ وإذا حللت ليمنعوك إليهمُ ... أصبحتَ عند معاقل الأغفارِ (٤) قوم إذا خَوَتِ النجوم فإنهم ... للطارقين النازلين مقاري (٥) وكعب بن زهير من فحول الشعراء هو، وأبوه، وابنه عقبة، وابن ابنه العوَّام بن عقبة. ومما يستحسن لكعب قوله (٦): لو كنتُ أعجب من شيءٍ لأعجبني ... سعيُ الفتى وهو مخبوءٌ له القَدَرُ

стр. 2035

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واحدة والهمُّ منتشرُ (١) والمرء ما عاش ممدود له أملٌ ... لا تنتهي العينُ حتى ينتهي الأثر ويستحسن له أيضًا قوله في النبي ﷺ (٢): تُحْدى به الناقةُ الأَدماء مُعتجِرًا ... بالبُرْدِ كالبدر جَلَّى ليلةَ الظُّلَمِ (٣) ففي عِطافَيه أو أثناءِ بُردته ... ما يعلم الله مِن دينٍ ومن كرم * * *
следующие страницы →