← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

إلى أن قال (١): يمشي الغُواة بجنبَيها وقولهمُ ... إنك يا ابن أبي سُلمى لمقتولُ وقال كلُّ صديقٍ كنت آمُلُه ... لا أُلْهِينَّك إني عنك مشغولُ فقلت خلُّوا طريقي لا أبًا لكمُ ... فكل ما قدَّر الرحمن مفعولُ (٢) كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ (٣) نُبِّئتُ أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمولُ مهلًا هداك الذي أعطاك نافلة الـ ... ـفرقان فيها مواعيظ وتفصيلُ (٤) لا تأخذَنِّي بأقوال الوُشاة ولم ... أُذنبْ ولو كثرت فيَّ الأقاويلُ لقد أقوم مقامًا لو يقوم به ... يرى ويسمع ما قد أَسمعُ الفيلُ لظلَّ ترعد من خوفٍ بوادره ... إن لم يكن من رسول الله تنويلُ (٥) حتى وضعت يميني ما أنازعها ... في كفِّ ذي نَقِمات قولُه القيلُ (٦)

стр. 2032

فَلَهْوَ أخوفُ عندي إذْ أكلِّمه ... وقيل: إنك منسوب ومسؤولُ (١) من ضيغمٍ بضراءِ الأرض مُخْدَرُهُ ... في بطنِ عَثَّرَ غِيلٌ دونه غِيلُ (٢) يغدو فيُلحِم ضِرغامَين عَيشُهما ... لحمٌ من الناس مَعفورٌ خَراديلُ (٣) إذا يساور قِرنًا لا يحلُّ له ... أن يترك القِرْنَ إلا وهو مَفلولُ (٤) منه تظل حميرُ الجوِّ نافرةً ... ولا تمشَّى بِواديه الأراجِيلُ (٥) ولا يزال بِواديه أخو ثقة ... مضرَّجَ البزِّ والدِّرسَين مأكولُ (٦) إن الرسول لنور يستضاء به ... مُهنَّدٌ مِن سيوف الله مسلولُ في عُصبةٍ من قريش قال قائلهمْ ... ببطن مكة لما أسلموا: زُولوا (٧)

стр. 2033

زالوا فما زال أنكاس ولا كُشُفٌ ... عِندَ اللقاء ولا مِيلٌ معازِيلُ (١) يمشون مشيَ الجِمال الزُّهْرِ يَعصِمهمْ ... ضَرْبٌ إذا عرَّد السُّودُ التنابيلُ (٢) شُمُّ العرانين أبطالٌ لَبوسُهُمُ ... مِن نسج داود في الهَيجا سرابيلُ بِيضٌ سوابغُ قد شُكَّت لها حَلَقٌ ... كأنها حَلَق القفعاء مجدولُ (٣) ليسوا مفاريحَ إن نالت رماحُهُمُ ... قومًا وليسوا مجازيعًا إذا نِيلوا لا يقع الطعنُ إلا في نحورهمُ ... وما لهم عن حِياض الموت تَهلِيلُ (٤) قال ابن إسحاق (٥): قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب: «إذا عرَّد السُّود التنابيل» وإنما عنى معشر الأنصار لِما كان صاحبنا صنع به، وخص المهاجرين بمدحته= غضب عليه الأنصار، فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار قصيدتَه التي يقول فيها:

стр. 2034

من سرَّه كرمُ الحياة فلا يزل ... في مِقْنَبٍ من صالحي الأنصارِ (١) ورثوا المكارم كابرًا عن كابرٍ ... إن الخيار همُ بنو الأخيارِ الباذلين نفوسهم لنبيِّهم ... يومَ الهِياج وفتنةِ الأحبار (٢) والذائدين الناس عن أديانهم ... بالمَشْرَفِيِّ وبالقَنا الخَطَّارِ (٣) والبائعين نفوسهم لنبيِّهم ... للموت يوم تعانُقٍ وكِرارِ يتطهرون يرونه نُسُكًا لهم ... بدماءِ من عَلِقوا من الكفارِ وإذا حللت ليمنعوك إليهمُ ... أصبحتَ عند معاقل الأغفارِ (٤) قوم إذا خَوَتِ النجوم فإنهم ... للطارقين النازلين مقاري (٥) وكعب بن زهير من فحول الشعراء هو، وأبوه، وابنه عقبة، وابن ابنه العوَّام بن عقبة. ومما يستحسن لكعب قوله (٦): لو كنتُ أعجب من شيءٍ لأعجبني ... سعيُ الفتى وهو مخبوءٌ له القَدَرُ

стр. 2035

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واحدة والهمُّ منتشرُ (١) والمرء ما عاش ممدود له أملٌ ... لا تنتهي العينُ حتى ينتهي الأثر ويستحسن له أيضًا قوله في النبي ﷺ (٢): تُحْدى به الناقةُ الأَدماء مُعتجِرًا ... بالبُرْدِ كالبدر جَلَّى ليلةَ الظُّلَمِ (٣) ففي عِطافَيه أو أثناءِ بُردته ... ما يعلم الله مِن دينٍ ومن كرم * * *

стр. 2036

فصل في غزوة تبوك وكانت في شهر رجب سنة تسع. قال ابن إسحاق (١): وكانت في زمن عُسرةٍ من الناس وجدبٍ من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون شخوصهم على تلك الحال. وكان رسول الله ﷺ قلما يخرج في غزوة إلا كنَّى عنها وورَّى بغيرها إلا ما كان من غزوة تبوك لبعد الشُّقَّة وشدة الزمان (٢). فقال رسول الله ﷺ ذات يومٍ وهو في جَهازه للجَدِّ بن قيس أحدِ بني سلمة: «يا جَدُّ، هل لك العام في جِلاد بني الأصفر؟» فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتنِّي، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عُجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: «قد أذنتُ لك» ففيه نزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] (٣).

стр. 2037

وقال قوم من المنافقين بعضُهم لبعضٍ: لا تنفروا في الحرِّ، فأنزل الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ الآية [التوبة: ٨١]. ثم إن رسول الله ﷺ جدَّ في سفره وأمر الناس بالجَهاز وحضَّ أهل الغنى على النفقة والحُملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان في ذلك نفقةً عظيمةً لم ينفق أحدٌ مثلها. قلت: كانت ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وعُدَّتها، وألف دينار عينًا (١). وذكر ابن سعد (٢): قالوا (٣): بلغ رسول الله ﷺ أن الروم قد جمعت

стр. 2038

جموعًا كثيرةً بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابَه لسنةٍ، وأجلبت معه لَخْمٌ وجُذامُ وعاملةُ وغَسَّان، وقدَّموا مقدماتهم إلى البلقاء، وجاء البكَّاؤون وهم سبعة يستحملون رسولَ الله ﷺ فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه»، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا أن لا يجدوا ما ينفقون (١)، وهم: سالم بن عُمَير، وعُلْبة بن زيد (٢)، وأبو ليلى المازني، وعمرو بن عَنَمة، وسلمة بن صخر، والعِرباض بن سارية (٣). وفي بعض الروايات: وعبد الله بن مغفَّلٍ ومَعقِل بن يسار. وبعضهم يقول: البكاؤون بنو مُقرِّن السبعة (٤)، وهم من مُزَينة. وابن إسحاق يعُدُّ فيهم عمرو بن الحُمام بن الجموح (٥).

стр. 2039

وأرسل أبا موسى أصحابُه (١) إلى رسول الله ﷺ [لِـ] يحملهم فوافاه غضبان فقال: «والله لا أحملكم ولا عندي ما أحملكم عليه»، ثم أتاه إبل فأرسل إليهم ثم قال: «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم، وإني واللهِ لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفَّرتُ عن يميني وأتيتُ الذي هو خير» (٢). فصل وقام عُلْبة بن زيد فصلى من الليل وبكى وقال: «اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغَّبتَ فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوَّى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدَّق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مالٍ أو جسد أو عرض، ثم أَصبحَ مع الناس فقال النبي ﷺ : «أين المتصدق هذه الليلة؟» فلم يقم أحد، ثم قال: «أين المتصدق؟ فليقم»، فقام إليه فأخبره فقال رسول الله ﷺ : «أبشر، فوالذي نفس محمد بيده لقد كُتبتْ في الزكاة المتقبلة» (٣).

стр. 2040

وجاء المُعذِّرون من الأعراب ليؤذَن لهم فلم يعذرهم، قال ابن سعد (١): وهم اثنان وثمانون رجلًا (٢)، وكان عبد الله بن أُبيٍّ ابنُ سلول قد عسكر على ثنيَّة الوَداع في حلفائه من اليهود والمنافقين، فكان يقال: ليس عسكره بأقلِّ العسكرين. واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وقال ابن هشام: سِباع بن عرفطة (٣)، والأول أثبت. فلما سار رسول الله ﷺ تخلف عبد الله بن أُبيٍّ ومن كان معه، وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب منهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع، وأبو خيثمة السالمي، وأبو ذر (٤)؛ ثم لحقه أبو خيثمة وأبو ذر. وشهدها رسول الله ﷺ في ثلاثين ألفًا من الناس، والخيلُ عشرة آلاف فرس، وأقام بها عشرين ليلةً يقصر الصلاة، وهرقل يومئذ بحِمْص.

стр. 2041

قال ابن إسحاق (١): ولما أراد رسول الله ﷺ الخروج خلَّف علي بن أبي طالب على أهله، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلَّفه إلا استثقالًا وتخفُّفًا منه، فأخذ عليٌّ سلاحَه ثم خرج حتى أتى رسولَ الله ﷺ وهو نازل بالجُرْف (٢) فقال: يا نبي الله، زعم المنافقون أنك إنما خلَّفتني لأنك استثقلتني وتخففت مني، فقال: «كذبوا، ولكنني خلفتك لِما تركتُ ورائي، فارجع فاخلُفْني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي»، فرجع علي إلى المدينة (٣). ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله ﷺ أيامًا إلى أهله في يوم حارٍّ فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشَّت كلُّ واحدة منهما عريشها وبرَّدت له ماءً وهيأت له فيه طعامًا، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله ﷺ في الضِّحِّ (٤) والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيَّأٍ وامرأة حسناء (٥)، ما هذا

стр. 2042

بالنَّصَف! ثم قال: والله لا أدخل عريشَ واحدةٍ منكما حتى ألحق برسولِ الله (١) ﷺ فهيِّئَا لي زادًا، ففعلتا، ثم قدَّم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عُمَيرُ بن وهبٍ الجُمَحي في الطريق يطلب رسول الله ﷺ فترافقا، حتى إذا دنَوَا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبًا فلا عليك أن تتخلَّف عني حتى آتي رسول الله ﷺ ، ففعل حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ وهو نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله ﷺ : «كن أبا خيثمة»، قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلَّم على رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : «أولى لك (٢) يا أبا خيثمة»، فأخبر رسولَ الله ﷺ خبره، فقال له رسول الله ﷺ خيرًا ودعا له بخير (٣).

стр. 2043

وقد كان رسول الله ﷺ حين مرَّ بالحِجْر بديار ثمودَ قال: «لا تشربوا من مائها شيئًا ولا تتوضَّؤوا منه للصلاة، وما كان من عجينٍ عجنتموه فَاعْلِفوه الإبلَ ولا تأكلوا منه شيئًا، ولا يخرجنَّ أحدٌ منكم إلا ومعه صاحب له»، ففعل الناس إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فإنه خُنِق على مذهبه، وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريحُ حتى طرحَتْه بجبلَي طيِّئٍ، فأُخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: «ألم أنهكم أن يخرجَ (١) أحدٌ منكم إلا ومعه صاحبه؟» ثم دعا للذي خنق على مذهبه فشُفِي، وأما الآخر فأهدته طيئ لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة (٢). قلت: والذي في «صحيح مسلم» (٣) من حديث أبي حُمَيد: انطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله ﷺ : «ستهُبُّ عليكم الليلةَ ريحٌ شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشدَّ عقاله»، فهبَّت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقَتْه بجبلي طيئ. قال ابن هشام (٤): بلغني عن الزهري أنه قال: لما مرَّ رسولُ الله ﷺ

стр. 2044

بالحِجر سجَّى ثوبه على وجهه واستحثَّ راحلته، ثم قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون خوفًا أن يصيبكم ما أصابهم». قلت: في «الصحيحين» (١) من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبُكم مثلُ ما أصابهم». وفي «صحيح البخاري» (٢): أنه أمرهم بإلقاء العجين وطرحه. وفي «صحيح مسلم» (٣) أنه أمرهم أن يعلِفوا الإبل العجينَ، وأن يُهَرِيقوا الماء، ويستقوا من البئر التي كانت تَرِدها الناقة. ورواه البخاري أيضًا، وقد حفظ راويه ما لم يحفظه من روى الطَّرْح. وذكر البيهقي (٤) أنه نادى فيهم: «الصلاة جامعة»، فلما اجتمعوا قال: «علامَ تدخلون على قومٍ غضب الله عليهم؟» فناداه رجل فقال: نَعجب منهم يا رسول الله، فقال: «ألا أنبئكم بما هو أعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدَكم، استقيموا وسدِّدوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئًا، وسيأتي الله بقوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئًا».

стр. 2045

فصل قال ابن إسحاق (١): وأصبح الناس ولا ماء معهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ فأرسل الله سبحانه سحابةً فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء (٢). ثم إن رسول الله ﷺ سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فقال زيد بن اللُّصَيت وكان منافقًا (٣): أليس محمَّد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟! فقال رسول الله ﷺ : «إن رجلًا يقول (وذكر مقالته)، وإني والله لا أعلم إلا ما علَّمني الله، وقد دلَّني اللهُ عليها وهي في الوادي في شعب كذا وكذا قد حبستها شجرةٌ بزمامها، فانطلِقوا حتى تأتوني بها»، فذهبوا فجاؤوه بها (٤).

стр. 2046

وفي طريقه تلك خرص حديقة المرأة بعشرة أوسق (١). ثم مضى رسولُ الله ﷺ فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: تخلَّف فلان، فيقول: «دعوه فإن يك فيه خيرٌ فسيُلحقه الله بكم، وإن يكُ غيرَ ذلك فقد أراحكم الله منه» (٢). وتلوَّم (٣) على أبي ذر بعيرُه، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيًا، ونزل رسول الله ﷺ في بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله ﷺ : «كُن أبا ذر»، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر، فقال رسول الله ﷺ : «رحم الله أبا ذرٍّ، يمشي وحدَه ويموت وحده ويُبعَث وحده» (٤).

стр. 2047

قال ابن إسحاق (١): فحدثني بريدة (٢) بن سفيان الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الرَّبَذة وأصابه بها قَدَرُه لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما: أن اغسِلاني وكفِّناني ثم ضُمَّاني إلى (٣) قارعة الطريق، فأول ركب يمرُّ بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحبُ رسول الله ﷺ فأَعِينونا على دفنه، فلما مات فعلا ذلك به (٤)، وأقبل عبد الله بن مسعود في رهطٍ مِن أهل العراق عُمَّارًا، فلم يَرُعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه، قال: فاستهلَّ عبدُ الله يبكي ويقول: صدق رسول الله ﷺ تمشي وحدَك وتموت وحدك وتُبعَث وحدك، ثم نزل هو وأصحابه فوارَوه، ثم حدَّثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله ﷺ في مسيره إلى تبوك.

стр. 2048

قلت: وفي هذه القصة نظر، فقد ذكر أبو حاتم بن حبان في «صحيحه» (١) وغيرُه في قصة وفاته عن مجاهد عن إبراهيم بن الأَشْتَر عن أبيه عن أُمِّ ذر قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بَكيتُ فقال: ما يبكيكِ؟ فقلت: وما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض وليس عندي ثوب يسعك كفنًا ولا يدانِ لي في تغييبك، قال: أبشري ولا تبكي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لنفرٍ أنا فيهم: «ليموتَنَّ رجل منكم بفلاةٍ من الأرض تشهده عِصابةٌ من المسلمين» وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة فأنا ذلك الرجل، والله ما كَذَبتُ ولا كُذِبت، فأبصري الطريق، فقلت: أنى وقد ذهب الحاجُّ وتقطَّعت الطرق؟! فقال: اذهبي فتبصَّري، قالت: فكنت أشتدُّ (٢) إلى الكثيب أتبصَّر ثم أرجع فأمرِّضه، فبينا هو وأنا كذلك إذا أنا برجالٍ على رحالهم كأنهم الرَّخَمُ (٣) تخُبُّ بهم رواحلهم، قالت: فأشرت إليهم فأسرَعوا إليَّ حتى وقفوا عليَّ، فقالوا: يا أمةَ الله ما لك؟ قلت: امرؤ من المسلمين يموت

стр. 2049

تكفِّنونه، قالوا: ومَن هو؟ قلت: أبو ذر، قالوا: صاحب رسول الله ﷺ ؟ قلت: نعم، ففدَّوه بآبائهم وأمهاتهم وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فقال لهم: أبشروا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لنفر أنا فيهم: «ليموتَنَّ رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين»، وليس من أولئك النفر رجل إلا وقد هلك في جماعة، والله ما كَذَبت ولا كُذِبت، وإنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنًا لي ولامرأتي (١) لم أكفَّن إلا في ثوب هو لي ولها، فإني أنشدكم الله أن يكفِّنَني (٢) رجلٌ منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا أو نقيبًا، وليس من أولئك النفر أحدٌ إلا وقد قارف بعضَ ما قال إلا فتًى من الأنصار قال: أنا يا عمُّ، أكفنك في ردائي هذا وفي ثوبين من عَيبتي مِن غزل أمي، قال: أنت فكفِّنِّي، فكفَّنه الأنصاري وقاموا عليه ودفنوه في نفرٍ كلُّهم يمانٍ. رجعنا إلى قصة تبوك: وقد كان رهط من المنافقين ــ منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، ومنهم رجل من أشجعَ حليفٌ لبني سلمة يقال له:

стр. 2050

مُخَشِّن (١) بن حُميِّر ــ قال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضِهم لبعضٍ؟! والله لكأنَّا بكم غدًا مقرَّنين في الحبال ــ إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين ــ، فقال مُخَشِّن بن حمير: والله لوددت أنِّي أقاضى على أن يُضرَب كلٌّ منا مائةَ جلدةٍ وإنا ننفلت أن ينزل فينا قرآنٌ لمقالتكم هذه. وقال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر: «أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عمَّا قالوا فإن أنكروا فقل: بلى، فقلتم (٢) كذا وكذا»، فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت: كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، فقال مخشِّن بن حُميِّر: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي، فكان الذي عُفِي عنه في هذه الآية (٣)، وتسمَّى «عبد الرحمن» وسأل الله أن يُقتَل شهيدًا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر (٤).

стр. 2051

وذكر ابن عائذ (١) في «مغازيه» (٢) أن رسول الله ﷺ نزل تبوك في زمان قلَّ ماؤها فيه، فاغترف رسول الله ﷺ غرفةً بيده من ماء فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها، ففارت عينُها حتى امتلأت، فهي كذلك حتى الساعة. قلت: في «صحيح مسلم» (٣) أنه قال قبل وصوله إليها: «إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عينَ تبوكَ وإنكم لن تأتوها حتَّى يُضْحِيَ النهار، فمن جاءها فلا يَمَسَّ من مائها شيئًا حتى آتي»، قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعينُ مثلُ الشِّراك تبضُّ بشيءٍ من مائها (٤)، فسألهما رسول الله ﷺ : «هل مَسِسْتما من مائها شيئًا؟» قالا: نعم، فسبَّهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غَرَفوا من العين قليلًا قليلًا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله ﷺ فيه وجهَه ويديه ثم أعاده فيها فجَرَت العينُ بماء كثير (٥) فاستقى الناس، ثم

стр. 2052

قال رسول الله ﷺ : «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد مُلئ جِنانًا». فصل ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوكَ أتاه صاحب أيلةَ فصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهلُ جَربا وأَذْرُحَ (١) فأعطوه الجزية وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا فهو عندهم، وكتب لصاحب أيلة: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا أمنة من الله ومحمدٍ النبيِّ رسولِ الله ليُحَنَّة بن رؤبة وأهلِ أيلةَ سُفُنِهم وسيارتِهم في البر والبحر، لهم ذمةُ الله ومحمدٍ النبيِّ ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يَحُول مالُه دونَ نفسه وإنه لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماءً يردونه ولا طريقًا يردونه من بَرٍّ أو بحر» (٢). فصل في بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أُكَيدِرِ دُومةَ قال ابن إسحاق (٣): ثم إن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى

стр. 2053

أُكَيدرِ دُومَةَ (١)، وهو أكيدر بن عبد الملك رجلٌ من كِندة كان نصرانيًّا وكان مَلِكًا عليها، فقال رسول الله ﷺ لخالد: «إنك ستجده يصيد البقر»، فخرج خالد حتى إذا كان من حِصنه بمنظر العين وفي ليلة مُقمِرةٍ صائفةٍ، وهو على سطح له ومعه امرأته، فباتت البقر تحُكُّ بقرونها بابَ القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه فأُسرِج له، وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسَّان، فركب وخرجوا معه بمَطارِدهم (٢)، فلما خرجوا تلقَّتْهم خيلُ رسول الله ﷺ فأخذَتْه وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قَباءٌ من ديباجٍ مخوَّص بالذهب فاستلبه خالدٌ فبعث به إلى رسول الله ﷺ قبلَ قدومه عليه، ثم إن خالدًا قدم بأكيدرَ على رسول الله ﷺ فحقن له دمَه وصالحه على الجزية، ثم خلَّى سبيله فرجع إلى قريته. وقال ابن سعد (٣): بعث رسول الله ﷺ خالدا في أربعمائة وعشرين فارسًا، فذكر نحو ما تقدم. قال: وأجار خالدٌ أكيدرَ من القتل حتى يأتي به رسول الله ﷺ على أن يفتح له دومة الجندل ففعل، وصالحه على ألفَي بعيرٍ وثمانمائة رأسٍ وأربعمائة درعٍ وأربعمائة رمحٍ فعزل للنبي ﷺ صَفيَّه خالصًا، ثم قسم الغنيمة فأخرج الخُمس فكان للنبي ﷺ ثم قسم ما بقي في أصحابه،

стр. 2054

فصار لكل واحد منهم خمسُ فرائض. وذكر ابن عائذ (١) في هذا الخبر أن أكيدرَ قال عن البقر: والله ما رأيتها قط جاءتنا إلا البارحة، ولقد كنت أُضَمِّر لها اليومين والثلاثة ولكن قَدَرُ الله. قال موسى بن عقبة (٢): واجتمع أكيدر ويُحَنَّة عند رسول الله ﷺ فدعاهما إلى الإسلام فأبيا وأقرَّا بالجزية، فقاضاهما رسول الله ﷺ على قضية دومة، وعلى تبوك، وعلى أيلة، وعلى تيماء، وكتب لهما كتابًا. رجعنا إلى قصة تبوك: قال ابن إسحاق (٣): فأقام رسول الله ﷺ بتبوكَ بضع عشرة ليلةً لم يجاوزها، ثم انصرف قافلًا إلى المدينة وكان بالطريق ماء يخرج من وَشَلٍ ما يروي الراكبَ والراكبين والثلاثة بوادٍ يقال له: وادي المُشَقَّق، فقال رسول الله ﷺ : «من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقيَنَّ منه شيئًا حتى نأتيه»، قال: فسبقه إليه نفرٌ من المنافقين فاستقوا، فلم يَرَ فيه شيئًا (٤)، فقال: «من سبقَنا إلى هذا الماء؟» فقيل له: يا رسول الله فلان وفلان، فقال: «أوَلم أَنههم أن يستقوا منه شيئًا حتى آتيه؟!» ثم لعنهم رسول الله ﷺ ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوَشَل فجعل يصبُّ في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا رسول الله ﷺ بما شاء الله أن يدعو به، فانخرق من الماء ــ كما يقول من سمعه ــ ما إن له حسًّا كحِسِّ الصواعق،

стр. 2055

فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله ﷺ : «لئن بقيتم ــ أو: من بقي منكم ــ لتسمَعُنَّ بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه». قلت: ثبت في «صحيح مسلم» أن رسول الله ﷺ قال لهم: «إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عينَ تبوكَ، وإنكم لن تأتوها حتى يُضْحِيَ النهارُ، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا ... » الحديث، وقد تقدم (١)؛ فإن كانت القصة واحدةً فالمحفوظ حديث مسلم، وإن كانت قصَّتَين فهو ممكن. قال (٢): وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال: قمتُ من جوف الليل وأنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فرأيت شُعلةً من نارٍ في ناحية العسكر فاتَّبعتُها أنظر إليها، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البِجادين المُزَني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله ﷺ في حفرته وأبو بكر وعمر يُدليانه إليه وهو يقول: «أَدْنِيا إليَّ أخاكما» فدلَّياه إليه، فلما هيَّأه لشقِّه قال: «اللهم إني قد أمسيتُ راضيًا عنه فارْضَ عنه»، قال: يقول عبد الله بن مسعود: «يا ليتني كنت صاحب الحفرة». وقال رسول الله ﷺ مرجعَه من غزوة تبوك: «إن بالمدينة لأقوامًا ما سِرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم»، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «نعم، حبسهم العذر» (٣).

стр. 2056

فصل في خطبته ﷺ بتبوك وصلاته ذكر البيهقي في «الدلائل» والحاكم (١) من حديث عقبة بن عامر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فاسترقد رسول الله ﷺ لما كان منها على ليلة، فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قِيْدَ رمحٍ، قال: «ألم أقُل لك يا بلال: اكلأ لنا الفجر؟» فقال: يا رسول الله، ذهب بي في النوم الذي ذهب بك، فانتقل رسولُ الله ﷺ من ذلك المنزل غيرَ بعيدٍ ثم صلى، ثم ذهب (٢) بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير المِلَل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن

стр. 2057

القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالةُ بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتُّبِع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى، وشرُّ المعذرة حين يحضر الموت، وشرُّ الندامة يومَ القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دَبْرًا (١)، ومنهم من لا يذكر الله إلا هَجْرًا، ومن أعظم الخطايا اللسانُ الكذاب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحِكَم مخافة الله ، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من [جُثا] (٢) جهنم، والسُّكْر كيٌّ من النار، والشِّعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، وشرُّ المآكل مال اليتيم، والسعيد من وُعِظ بغيره، والشقيُّ مَن شقي في بطن أُمِّه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الرَّوايا روايا الكذب، وكل ما هو آتٍ قريبٌ، وسباب المؤمن فسوق وقِتاله كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألَّى (٣) على

стр. 2058

الله يكذِّبه، ومن يَغفرْ يُغفرْ له، ومن يَعفُ يَعفُ الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجُرْه الله، ومن يصبر على الرزيَّة يُعوِّضْه الله، ومن يبتغِ السُّمعة يُسمِّعِ الله به، ومن يتصبَّرْ يُضَعِّفِ الله له، ومن يعص الله يُعذِّبْه» ثم استغفر ثلاثًا. وذكر أبو داود في «سننه» (١) من حديث ابن وهب: أخبرني معاوية عن سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاجٌّ فإذا رجل مُقعَد فسألته عن أمره، قال: سأحدِّثك حديثًا فلا تُحدِّث به ما سمعتَ أني حيٌّ: إن رسول الله ﷺ نزل بتبوك إلى نخلةٍ فقال: «هذه قبلتنا» ثم صلى إليها، قال: فأقبلت وأنا غلامٌ أسعى حتى مررتُ بينه وبينها، فقال: «قطع صلاتنا قطع الله أثره»، قال: فما قمتُ عليهما إلى يومي هذا. ثم ساقه أبو داود (٢) من طريق وكيع عن سعيد بن عبد العزيز عن مولًى ليزيد بن نِمْران عن يزيد بن نمران قال: رأيت رجلًا بتبوك مقعدًا، فقال: مررت بين يدي النبي ﷺ على حمار وهو يصلي فقال: «اللهم اقطع أثره» فما مشيت عليه (٣) بعد. وفي هذا الإسناد والذي قبله ضعف.

стр. 2059

فصل في جمعه بين الصلاتين في غزوة تبوك قال أبو داود (١): حدثنا قُتَيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطُّفَيل عامر بن واثلة عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمسُ أخَّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصلِّيهما جميعًا، وإذا ارتحل قبل المغرب أخَّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجَّل العشاء فصلاها مع المغرب. وقال الترمذي (٢): «وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجَّل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعًا»، وقال: حديث حسن غريب (٣). وقال أبو داود (٤): هذا حديث منكر وليس في تقديم الوقت حديث قائم. وقال أبو محمد بن حزم (٥): لا يَعلم أحدٌ من أصحاب الحديث ليزيد بن أبي حبيب سماعًا من أبي الطفيل. وقال الحاكم (٦) في حديث أبي الطفيل هذا: هو حديث رواته أئمة

стр. 2060

ثقات، وهو شاذُّ الإسناد والمتن، لا نعرف له علةً نُعِلُّه بها، فنظرنا فإذا الحديث موضوع. وذكر (١) عن البخاري: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ قال: كتبتُه مع خالد المدائني، وكان خالد المدائني يدخل الحديث على الشيوخ (٢). ورواه أبو داود (٣) أيضًا: حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن مَوهَب الرَّملي، حدثنا المفضَّل بن فَضالة، عن الليث (٤) عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وفي

стр. 2061

المغرب مثل ذلك: إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس (١) أخّر المغرب حتى ينزل العشاءَ ثم يجمع بينهما. وهشام بن سعد ضعيف عندهم ضعّفه الإمام أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، ويحيى بن سعيد وكان لا يحدث عنه، وضعَّفه النسائي أيضًا (٢). وقال أبو بكر البزار (٣): لم أر أحدًا توقَّف عن حديث هشام بن سعد ولا اعتلَّ عليه بعلةٍ توجب التوقف عنه. وقال أبو داود (٤): حديث المفضل عن الليث (٥) حديث منكر.

стр. 2062

فصل في رجوع النبي ﷺ من تبوك وما همَّ المنافقون به من الكيد به وعصمة الله إياه ذكر أبو الأسود في مغازيه (١) عن عروة قال: ورجع رسول الله ﷺ قافلًا من تبوك إلى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله ﷺ ناسٌ من المنافقين فتأمَّرُوا (٢) أن يطرحوه من عقبة في الطريق، فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه، فلما غشيهم رسولُ الله ﷺ أُخبِر خبرَهم فقال: «من شاء منكم أن يأخذ ببطن الوادي فإنه أوسع لكم»، وأخذ رسول الله ﷺ العقبة وأخذ الناس ببطن الوادي، إلا النفر الذين هموا بالمكر برسول الله ﷺ لمّا سمعوا بذلك استعدُّوا وتلثَّمُوا وقد هموا بأمر عظيم، وأمر رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه، وأمر عمارًا أن يأخذ بزِمام الناقة وأمر حذيفة بِسَوقها، فبينا هم يسيرون إذ سمعوا وَكزة القَوم مِن ورائهم قد غشوه، فغضب رسول الله ﷺ وأمر حذيفة أن يردَّهم، وأبصر حذيفة غضب رسول الله ﷺ فرجع ومعه مِحجن فاستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضربًا بالمحجن، وأبصر القومَ وهم مُتلثِّمون ولا يشعر إلا أن ذلك فِعلُ

стр. 2063

المسافر، فأرعبهم الله سبحانه حين أبصروا حذيفةَ وظنُّوا أن مكرهم قد ظهر عليه فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله ﷺ ، فلما أدركه قال: «اضرب الراحلة يا حذيفة، وامشِ أنت يا عمار»، فأسرعوا حتى استووا بأعلاها، فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس، فقال النبي ﷺ لحذيفة: «هل عرفت من هؤلاء الرهط ــ أو: الركب ــ أحدًا؟» قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان، وقال: كانت ظلمةُ الليل وغشيتُهم وهم متلثمون، فقال ﷺ (١): «هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا؟» قالوا: لا والله يا رسول الله، قال: «فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا أظلمْتُ (٢) في العقبة طرحوني منها»، قالوا: أَوَلا تأمر بهم يا رسول الله إذا جاءك الناسُ (٣) فتُضرَب أعناقُهم؟ قال: «أكره أن يتحدث الناس ويقولون (٤): إن محمدًا قد وضع يده في أصحابه»، فسمّاهم لهما وقال: «اكتماهم». وقال ابن إسحاق (٥) في هذه القصة: «إن الله قد أخبرني بأسمائهم وأسماء آبائهم، وسأخبرك بهم إن شاء الله عند وجه الصبح، فانطلِقْ، إذا أصبحتَ فاجْمعهم»، فلما أصبح قال: «ادعُ عبدَ الله بن أبي، وسعد بن أبي سرح، وأبا

стр. 2064

حاضر (١) الأعرابي، وعامرًا، وأبا عامر، والجُلاس بن سُوَيد بن الصامت»، وهو الذي قال: لا ننتهي حتى نرمي محمدًا من العقبة الليلة، وإن كان محمد وأصحابه خيرًا منا إنَّا إذًا لغنمٌ وهو الراعي ولا عقلَ لنا وهو العاقل! وأمره أن يدعو مُجَمِّع بن جارية (٢) ومليح (٣) التيمي، وهو الذي سرق طيب الكعبة وارتد عن الإسلام فانطلق هاربًا في الأرض فلا يُدرى أين ذهب. وأمره أن يدعو حُصَين (٤) بن نمير الذي أغار على تمر الصدقة فسرقه فقال له رسول الله ﷺ : «ويحك ما حملك على هذا؟» فقال: حملني عليه أني ظننت أن الله لم يُطلعك عليه، فأما إذا أطلعك اللهُ عليه وعلمتَه فإني أشهد اليوم أنك رسول الله، وإني لم أومن بك قط قبل الساعة، فأقاله رسول الله ﷺ عثرتَه وعفا عنه. وأمره أن يدعو طُعَيمة بن أُبَيرق وعبد الله بن عيينة، وهو الذي قال لأصحابه: اسهَروا هذه الليلة تَسْلموا الدهرَ كلَّه، فوالله ما لكم أمر دون أن تقتلوا هذا الرجل، فدعاه فقال: «ويحك ما كان ينفعك من قتلي لو أني قُتِلت؟» فقال عبد الله: يا نبيَّ الله، واللهِ لا تزال (٥) بخير ما أعطاك الله النصر على عدوك، إنما نحن بالله وبك، فتركه رسول الله ﷺ .

стр. 2065

وقال: «ادعوا مُرّة بن الربيع»، وهو الذي قال: نقتل الواحد الفرد فيكون الناس عامةً بقتله مطمئنين، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: «ويحك ما حملك على أن تقول الذي قلت؟» فقال: يا رسول الله، إن كنتُ قلت شيئًا من ذلك إنك لعالم به، وما قلتُ شيئًا من ذلك. فجمعهم رسول الله ﷺ وهم اثنا عشر رجلًا الذين حاربوا الله ورسوله وأرادوا قتله، فأخبرهم رسول الله ﷺ بقولهم ومنطقهم وسرهم وعلانيتهم، وأطلع الله سبحانه نبيَّه على ذلك بعلمه، ومات الاثنا عشر منافقين محاربين لله ولرسوله، وذلك قوله : ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤]. وكان أبو عامر رأسَهم وله بَنَوا مسجد الضرار، وهو الذي كان يقال له: الراهب، فسمَّاه رسول الله ﷺ «الفاسق»، وهو أبو حنظلة غسيلِ الملائكة، فأرسلوا إليه فقدم عليهم، فلما قدم عليهم أخزاه الله وإياهم فانهارت تلك البقعة في نار جهنم. قلت: وفي سياق ما ذكره ابن إسحاق وهم من وجوه: أحدها: أن النبي ﷺ أسرَّ إلى حذيفة أسماء أولئك المنافقين ولم يطلع عليهم أحدًا غيرَه، وبذلك كان يقال لحذيفة: إنه صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، ولم يكن عمر ولا غيره يعلم أسماءهم، وكان إذا مات الرجل وشكُّوا فيه يقول عمر: «انظروا فإن صلى عليه حذيفة وإلا فهو منافق منهم» (١).

стр. 2066

الثاني: ما ذكرناه من قوله: «فيهم عبد الله بن أُبيّ»، وهو وهم ظاهر، وقد ذكر ابن إسحاق نفسه (١) أن عبد الله بن أبي تخلَّف في غزوة تبوك. الثالث: أن قوله: «وسعد بن أبي سرح» وهمٌ أيضًا وخطأ ظاهر، فإن سعد بن أبي سرح لم يُعرَف له إسلام البتة، وإنما ابنه عبد الله كان قد أسلم وهاجر ثم ارتد ولحق بمكة حتى استأمن له عثمان النبي ﷺ عام الفتح فأمَّنه فأسلم وحَسُن إسلامه، ولم يظهر منه بعد ذلك شرٌّ ينكر عليه ولم يكن مع هؤلاء الاثني عشر البتة، فما أدري ما هذا الخطأ الفاحش! الرابع: قوله: وكان أبو عامر رأسهم، وهذا وهمٌ ظاهر لا يخفى على من دون ابن إسحاق، بل هو نفسه قد ذكر (٢) قصة أبي عامر هذا في قصة الهجرة عن عاصم بن عمر بن قتادة أن أبا عامر لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة خرج إلى مكة ببضعة عشر رجلًا، فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الشام فمات بها طريدًا غريبًا وحيدًا؛ فأين كان الفاسق وغزوة تبوك ذهابًا وإيابًا؟! (٣).

стр. 2067

فصل في أمر مسجد الضِّرار الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه فهدمه ﷺ (١) وأقبل رسول الله ﷺ من تبوكَ حتى نزل بذي أَوَان ــ وبينها وبين المدينة ساعة ــ، وكان أصحاب مسجد الضرار أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة الشاتية، وإنَّا نحبُّ أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال: «إني على جناح سفرٍ وحال شُغلٍ، ولو قَدِمنا إن شاء الله لأتيناكم فصلَّينا لكم فيه»، فلما نزل بذي أوان جاءه خبر المسجد من السماء، فدعا مالك بن الدُّخْشُم أخا بني سلمة بن عوف ومَعْن بن عدي العَجْلاني فقال: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه فاهْدِماه وحرِّقاه»، فخرجا سريعَين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعنٍ: أَنظِرْني حتى أخرجَ إليك بنارٍ من أهلي، فدخل إلى أهله فأخذ سَعَفًا من النخل فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه ــ وفيه أهله ــ فحرَّقاه وهدماه فتفرقوا عنه، وأنزل الله سبحانه فيه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧] إلى آخر القصة (٢).

стр. 2068

وذكر ابن إسحاق الذين بنوه: وهم اثنا عشر رجلًا منهم ثعلبة بن حاطب. وذكر عثمان بن سعيد الدارمي (١): حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدًا فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستمدُّوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجندٍ من الروم فأخرج محمدًا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا: إنا قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحبُّ أن تصلي فيه وتدعو بالبركة، فأنزل الله : ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يعني: مسجد قباء ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ يعني: قواعده ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: الشك ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٨ - ١١٠] يعني: بالموت.

стр. 2069

فصل فلما دنا رسول الله ﷺ من المدينة خرج الناس لتلقيه، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدرُ علينا ... من ثنيَّات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع (١) وبعض الرواة يهم في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه المدينةَ من مكة، وهو وهمٌ ظاهر لأن ثنيَّات الوَداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام (٢). فلما أشرف على المدينة قال: «هذه طابة، وهذا أُحُدٌ جبل يحبنا ونحبه» (٣). ولما دخل قال العباس: يا رسول الله، ايذَنْ لي أمتدحك، فقال رسول الله

стр. 2070

- ﷺ : «قل، لا يفضض الله فاك»، فقال: مِن قبلها طِبتَ في الظِّلال وفي ... مستودَع حيث يُخصَف الوَرَقُ (١) ثم هبطتَ البلاد لا بَشَرٌ ... أنت ولا مضغةٌ ولا علقُ بل نطفةٌ تركب السفينَ وقد ... أَلجَمَ نسرًا وأهلَه الغرقُ تُنقَلُ من صالب إلى رحمٍ ... إذا مضى عالَم بدا طَبَقُ حتى احتوى بيتُك المهيمنُ مِن ... خِنْدِفَ عَلْياءَ تحتها النُّطُقُ (٢) وأنت لما وُلدتَّ أشرقتِ الْـ ... ـأرضُ وضاءت بنورك الأفقُ فنحن من ذلك النور في الضـ ... ـياء وسبلِ الرشاد نَخترِقُ (٣)
следующие страницы →