← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

بعدك، أو أغزوك بغطفان بألفٍ أشقرَ وألفٍ شقراء (١)؛ فطُعِن (٢) في بيت امرأةٍ فقال: أغُدَّة كغُدَّة البكر في بيت امرأة من بني فلان؟! ايتوني بفرسٍ (٣)، فركب فمات على ظهر فرسه. فصل في قدوم وفد عبد القيس في «الصحيحين» (٤) من حديث ابن عباس: أن وفد عبد القيس قدموا على النبي ﷺ فقال: «ممن القوم؟» قالوا: من ربيعة. قال: «مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى»، فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَر، وإنا لا نَصِل إليك إلا في شهر حرام، فمُرْنا بأمرٍ فصلٍ نأخذ به ونأمر به من وراءنا وندخل به الجنة فقال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان؛ وأن تعطوا من المغنم الخمسَ؛ وأنهاكم عن أربع: عن الدُّبَّاء، والحَنْتَم، والنَّقِير، والمُزفَّتِ؛ فاحفظوهن وادعوا إليهن (٥) من وراءكم».

стр. 2137

زاد مسلم (١): قالوا: يا رسول الله، ما عِلْمك بالنقير؟ قال: «بلى، جِذع تَنقرونه، ثم تُلقون فيه من التمر، ثم تصبُّون عليه الماء حتى يغلي، فإذا سكن شربتموه، فعسى أحدُكم أن يضرب ابنَ عمِّه بالسيف»، وفي القوم رجل به ضربة كذلك، قال: وكنت أخبؤها حياءً مِن رسول الله ﷺ . قالوا: ففيم نشرب يا رسول الله؟ قال: «اشربوا في أسقية الأَدَم التي يُلاث على أفواهها». قالوا: يا رسول الله! إن أرضنا كثيرة الجرذان لا تبقى بها أسقية الأدم، قال: «وإن أكلها الجرذان» مرتين أو ثلاثًا. ثم قال رسول الله ﷺ لأشجِّ عبد القيس: «إنَّ فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة». قال ابن إسحاق (٢): قدم على رسول الله ﷺ الجارودُ بن المُعلَّى (٣) وكان نصرانيًّا، فجاء رسول الله ﷺ في وفد عبد القيس فقال: يا رسول الله، إني على دين، وإني تارك ديني لدينك فتضمن لي ما (٤) فيه؟ قال: «نعم أنا ضامن لذلك، إن الذي أدعوك إليه خير من الذي كنت عليه»، فأسلم وأسلم أصحابُه، ثم قال: يا رسول الله، احملنا، قال: «والله ما عندي ما أحملكم عليه»، فقال: يا رسول الله, فإن بيننا وبين بلادنا ضوالَّ مِن ضوالِّ الناس، فنتبلَّغ عليها؟ قال: «لا، تلك حَرَق النار» (٥).

стр. 2138

فصل ففي هذه القصة: أن الإيمان بالله هو مجموع هذه الخصال من القول والعمل، كما على ذلك أصحابُ رسول الله ﷺ والتابعون وتابعوهم كلُّهم، ذكره الشافعي في «المبسوط» (١)، وعلى ذلك ما يقارب مائةُ دليلٍ من الكتاب والسنة. وفيها: أنه لم يَعُدَّ الحج من هذه الخصال، وكان قدومهم في سنة تسع؛ وهذا أحد ما يُحتج به على أن الحج لم يكن فُرِض بعد، وأنه إنما فرض في العاشرة، ولو كان قد (٢) فرض لعَدَّه من الإيمان كما عد الصوم والزكاة والصلاة (٣). وفيها: أنه لا يُكَره أن يقال: «رمضان» للشهر خلافًا لمن كره ذلك وقال: لا يقال إلا «شهر رمضان». وفي «الصحيحين» (٤): «من صام رمضان إيمانًا

стр. 2139

واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وفيها: وجوب أداء الخمس من الغنيمة، وأنه من الإيمان. وفيها: النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية. وهل تحريمه باقٍ أو منسوخ؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد (١). والأكثرون على نسخه بحديث بريدة الذي رواه مسلم (٢) وقال فيه: «وكنت نهيتكم عن الأوعية، فانتبذوا فيما بدا لكم ولا تشربوا مُسكرًا». ومن قال بإحكام أحاديث النهي وأنها غير منسوخة قال: هي أحاديث تكاد تبلغ التواتر في تعدُّدها وكثرة طرقها (٣)، وحديث الإباحة فرد فلا يبلغ مقاومتها. وسرُّ المسألة أن النهي عن الأوعية المذكورة من باب سدِّ الذرائع، إذ الشرابُ يسرع إليه الإسكارُ فيها. وقيل: بل النهي عنها لصَلابتها وأن الشراب يُسكر فيها ولا يُعلم به، بخلاف الظروف غير المزفَّتة، فإن الشراب متى غلا فيها وأسكر انشقت فيُعلم بأنه مسكر. فعلى هذه العلة يكون الانتباذ في الحجارة والصُّفر أولى بالتحريم، وعلى الأولى لا يَحرُم إذ لا يسرع الإسكار إليه فيها كإسراعه في الأربعة المذكورة. وعلى كلا العلتين فهو من باب سد الذريعة، كالنهي أولًا عن زيارة القبور سدًّا لذريعة الشرك، فلما استقرَّ التوحيد في نفوسهم وقوي عندهم أذن

стр. 2140

لهم (١) في زيارتها غير أن لا يقولوا هُجرًا (٢). وهكذا قد يقال في الانتباذ في هذه الأوعية إنه فطمهم عن المسكر وأوعيته، وسدَّ الذريعة إليه إذ كانوا حديثي عهدٍ بشربه، فلما استقر تحريمه عندهم واطمأنت إليه نفوسهم أباح لهم الأوعية كلَّها غير أن لا يشربوا مسكرًا؛ فهذا فقه المسألة وسرُّها. وفيها: مدح صفتي الحلم والأناة، وأن الله يحبهما. وضدُّهما الطيش والعجلة، وهما خُلُقان مذمومان يفسدان الأخلاق والأعمال. وفيه دليل على أن الله يحب مِن عبده ما جبله عليه من خصال الخير كالذكاء والشجاعة والحلم. وفيه دليل على أن الخُلُق قد يحصل بالتخلُّق والتكلُّف، لقوله في هذا الحديث: أخُلُقَين تخلَّقتُ بهما أو جبلني الله عليهما؟ فقال: «بل جُبِلتَ عليهما» (٣).

стр. 2141

وفيه دليل على أنه سبحانه خالق أفعال العباد وأخلاقهم كما هو خالق ذواتهم وصفاتهم، فالعبد كلُّه مخلوقٌ ذاتُه وصفاته وأفعاله، ومن أخرج أفعاله عن خلق الله فقد جعل فيه خالقًا مع الله، ولهذا شبَّه السلف القدرية النفاة بالمجوس، وقالوا: هم مجوس هذه الأمة، صحَّ ذلك عن ابن عباس (١). وفيه إثبات الجَبْل لا الجبر لله تعالى، وأنه يجبُل عبدَه على ما يريد كما جبل الأشج على الحلم والأناة، وهما فعلان ناشئان عن خلقين في النفس. فهو سبحانه الذي جبل العبد على أخلاقه وأفعاله، ولهذا قال الأوزاعي وغيره من أئمة السلف: «نقول إن الله جبل العباد على أعمالهم، ولا نقول جبرهم عليها» (٢). وهذا من كمال علم الأئمة ودقيق نظرهم، فإن الجبر أن يَحمل العبدَ على خلاف مراده، كجبر البكر الصغيرة على النكاح وجبر الحاكم مَن عليه الحقُّ على أدائه، واللهُ سبحانه أقدر من أن يُجبر عبدَه (٣)، ولكنه يَجبُله على أن يفعل ما يشاء الربُّ بإرادة عبدِه واختياره ومشيئته؛ فهذا لون والجبر لون.

стр. 2142

وفيها: أن الرجل لا يجوز له أن ينتفع بالضالَّة التي لا يجوز التقاطُها كالإبل، فإن النبي ﷺ لم يُجوِّز للجارود ركوبَ الإبل الضالة وقال: «ضالة المسلم حَرَق النار»، وذلك لأنه إنما أُمِر بتركها وأن لا يلتقطها حفظًا على ربِّها حتى يجدها إذا طلبها، فلو جوز له ركوبها والانتفاع بها لأفضى إلى أن لا يقدر عليها ربها، وأيضًا تطمع فيها النفوس وتتملَّكها فمنع الشارع من ذلك. فصل في قدوم وفد بني حنيفة قال ابن إسحاق (١): قدم على رسول الله ﷺ وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة الكذاب، فكان منزلهم في دار امرأةٍ من الأنصار من بني النجار، فأتوا بمسيلمة إلى رسول الله ﷺ يستتر (٢) بالثياب ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه في يده عسيب من سَعَف النخل، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وهم يسترونه بالثياب كلَّمه وسأله، فقال له رسول الله ﷺ : «لو سألتَني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك!» (٣). قال ابن إسحاق: فقال لي شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة: إن حديثه كان على غير هذا؛ زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله ﷺ وخلَّفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلَّفنا صاحبًا لنا في رحالنا وركابنا يحفظها لنا، فأمر له رسول الله ﷺ بما أمر

стр. 2143

به للقوم وقال: «أما إنه ليس بشركم مكانًا» يعني: حِفْظَه ضيعةَ أصحابه، وذلك الذي يريد رسول الله ﷺ ، ثم انصرفوا وجاؤوه بالذي أعطاه. فلما قدموا اليمامة ارتدَّ عدوُّ الله وتَنَبَّى، وقال: إني أُشركت في الأمر معه، ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: «أما إنه ليس بشركم مكانًا»؟ وما ذاك إلا لِما كان يعلم أني قد أُشرِكت في الأمر معه. ثم جعل يسجع السَّجَعات فيقول لهم فيما يقول مضاهاةً للقرآن: «لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمةً تسعى، من بين سِفاقٍ (١) وحشا». ووضع عنهم الصلاة وأحلَّ لهم الخمر والزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ أنه نبي، فأصفقت معه حنيفة (٢) على ذلك. قال ابن إسحاق: وقد كان كتب لرسول الله ﷺ : «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك وإن لنا نصفَ الأمر ولقريش نصفَ الأمر، وليس قريش قوم يعدلون (٣)»، فقدم عليه رسوله بهذا الكتاب، فكتب إليه رسول الله ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد

стр. 2144

رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. سلامٌ على من اتبع الهدى. أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين»، فكان ذلك في آخر سنة عشر. قال ابن إسحاق (١): فحدثني سعد بن طارق، عن سلمة بن نُعَيم بن مسعود، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ حين جاءه رسولا مسيلمةَ الكذابِ بكتابه يقول لهما: «وأنتما تقولان بمثل ما يقول؟» قالا: نعم، فقال: «أما والله لولا أن الرسل لا تُقتَل لضربت أعناقكما». وروينا في «مسند أبي داود الطيالسي» (٢) عن أبي وائل عن عبد الله (٣) قال: جاء ابن النَّوَّاحة وابن أُثال رسولَين لمسيلمة (٤) إلى رسول الله ﷺ فقال

стр. 2145

لهما رسول الله ﷺ : «تشهدان أني رسول الله؟» فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «آمنت بالله ورسوله، ولو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما». قال عبد الله: فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل. وفي «صحيح البخاري» (١) عن أبي رجاءٍ العُطاردي قال: «لما بُعث النبي ﷺ فسمعنا به لَحِقْنا بمسيلمة الكذاب فلحقنا بالنار. وكنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا هو أحسن منه ألقينا ذاك فأخذناه، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حَثيةً من تراب ثم جئنا بغنمٍ فحلبناها عليه ثم طفنا به. وكنا إذا دخل رجب قلنا: جاء مُنْصِل الأسِنَّة، فلا ندع حديدةً فيها سهم ولا حديدةً في رُمح إلا انتزعناه وألقيناه». قلت: وفي «الصحيحين» (٢) من حديث نافع بن جُبَير عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ المدينة فجعل يقول: إن جعل لي محمدٌ الأمرَ مِن بعده اتَّبعتُه، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل النبيُّ ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شمَّاس، وفي يد النبي ﷺ قطعة جريدٍ، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: «إن سألتَني هذه القطعة ما أعطيتُكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليَعقِرنَّك الله، وإني أراك الذي أُريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني» ثم انصرف. قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي ﷺ : «إنك الذي أريت فيه ما رأيت»، فأخبرني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيتُ في يديَّ سِوارين من ذهب،

стр. 2146

فأهمَّني شأنهما، فأوحي إليَّ في المنام أن: انفُخْهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذَّابيَن يخرجان من بعدي، فهذان هما: أحدهما العَنْسي صاحب صنعاء، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة». وهذا أصح من حديث ابن إسحاق المتقدم. وفي «الصحيحين» (١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم إذ أتيتُ بخزائن الأرض، فوُضِع في يديَّ سِواران من ذهب، فكَبُرا عليَّ وأهماني، فأوحِيَ إليَّ أن: انفخهما، فنفختُهما فذهبا، فأوَّلتُهما الكذابين اللَّذَين أنا بينهما: صاحب صنعاء وصاحب اليمامة». فصل في فقه هذه القصة فيها: جواز مكاتبة الإمام لأهل الردة إذا كان لهم شوكة، ويَكتب لهم ولإخوانهم من الكفار: سلام على من اتبع الهدى. ومنها: أن الرسول لا يُقتَل ولو كان مرتدًّا، هذه السنة. ومنها: أن للإمام أن يأتي بنفسه إلى من قدم يريد لقاءه من الكفار. ومنها: أن الإمام ينبغي له أن يستعين برجلٍ من أهل العلم يجيب عنه أهلَ الاعتراض والعناد. ومنها: توكيل العالم لبعض أصحابه أن يتكلَّم عنه ويجيب عنه. ومنها: أن هذا الحديث من أكبر فضائل الصديق، فإن النبي ﷺ نفخ السوارين برُوحه (٢) فطارا، وكان الصديق هو ذلك الرُّوح الذي نفخ مسيلمة

стр. 2147

وأطاره (١). قال الشاعر: فقلتُ لها انفُخها برُوحك ... البيت (٢). فصل ومن هاهنا دلَّ لباس الحُليِّ للرجل على نكدٍ يلحقه وهمٍّ يناله. وأنبأني أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن (٣) بن عبد المنعم بن نعمة (٤) بن سرور المقدسي المعروف بالشهاب العابر (٥)، قال (٦): قال لي رجل: رأيت في

стр. 2148

رجلي خلخال (١) فقلت له: تتخلخل رجلك بألم، وكان كذلك. وقال لي آخر: رأيت كأنَّ في أنفي حلقةَ ذهبٍ وفيها حبٌّ مليح أحمر، فقلت له: يقع بك رُعاف شديد، فجرى ذلك. وقال آخر: رأيت كُلابَنْدًا (٢) معلَّقًا (٣) في شفتي، قلت له: يقع بك أَلَم يحتاج إلى الفصد في شفتك؛ فجرى ذلك. وقال لي آخر: رأيت في يدي سوارًا والناس يبصرونه، فقلت له: سوء يبصره الناس في يدك؛ فعن قليل طلع في يده طَلُوع (٤). ورأى ذلك آخر لم يكن يبصره الناس، فقلت له: تتزوج امرأةً حسنةً وتكون رقيقةً. قلت: عبَّر له السوار بالمرأة لما أخفاه وستره عن الناس، ووصفها بالحسن لحسن منظر الذهب وبهجته، وبالرقة لشكل السِّوار. والحلية للرجل تتصرَّف على وجوه، فربما دلت على تزويج العُزَّاب لكونها من آلات التزويج، وربما دلت على الإماء والسراري، وعلى الغَناء،

стр. 2149

وعلى البنات، وعلى الخَدَم، وعلى الجهاز (١)، وذلك بحسب حال الرائي وما يليق به. قال أبو العباس العابر: وقال لي رجل: رأيت كأن في يدي سوارًا منفوخًا لا يراه الناس، فقلت له: عندك امرأة بها مرض الاستسقاء. فتأمل كيف عبَّر له السوار بالمرأة ثم حكم عليها بالمرض لصُفرة السوار، وأنه مرض الاستسقاء الذي ينتفخ معه البطن. قال: وقال لي آخر: رأيت في يدي خلخالًا وقد أمسكه آخر وأنا ممسك له وأصيح عليه وأقول: اترك خلخالي، فتركه، فقلت له: فكان الخلخال في يدك أملس؟ فقال: بل كان خشنًا تألَّمتُ منه مرةً بعد مرة وفيه شراريف، فقلت له: أمك وخالك شريفان، ولست أنت بشريف واسمك عبد القاهر، وخالك لسانه لسان نجس (٢) رديء يتكلم في عِرضك ويأخذ مما في يدك، قال: نعم، قلت: ثم إنه يقع في يد ظالمٍ متعدٍّ ويحتمي بك، فتشدُّ منه وتقول: خلِّ خالي؛ فجرى ذلك عن قليل. قلت: تأمل أخذه الخال من لفظ الخلخال، ثم أغار على (٣) اللفظ بتمامه حتى أخذ منه: «خلِّ خالي»، وأخذ شَرَفه من شراريف الخلخال ودلَّ على شرف أمه إذ هي شقيقة خاله، وحكم عليه بأنه ليس بشريفٍ إذ شُرُفات الخال (٤) الدالَّةُ على الشَّرَف اشتقاقًا هي في أمر خارج عن ذاته. واستدل على

стр. 2150

أن لسان خاله لسان رديء يتكلم في عرضه بالألم الذي حصل له بخشونة الخلخال مرةً بعد مرة، فهي خشونة لسان خاله في حقه. واستدل على أخذ خاله ما في يديه بتأذِّيه به وبأخذه من يديه في النوم بخشونته. واستدل بإمساك الأجنبي للخلخال ومجاذبة الرائي عليه (١) على وقوع الخال في يد ظالمٍ متعدٍّ يطلب ما ليس له. واستدل بصياحه على المجاذب له وقوله: (خَلْ خالِي) (٢) على أنه يعين خالَه على ظالمه ويشدّ منه. واستدل على قهره لذلك المجاذب له وأن القاهر يَدُه عليه على أن اسمه عبد القاهر. وهذه كانت حالَ شيخنا هذا ورسوخَه في علم التعبير، وسمعتُ عليه عدة أجزاء، ولم يتَّفق لي قراءة هذا العلم عليه لصغر السن واخترام المنية له ﵀. فصل في قدوم وفد طيِّئٍ على النبي ﷺ - قال ابن إسحاق (٣): وقدم على رسول الله ﷺ وفد طيئ وفيهم زيدُ الخيلِ وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلَّمهم وعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحَسُن إسلامهم، وقال ﷺ : «ما ذُكِر لي رجلٌ من العرب بفضلٍ ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه»، ثم سماه:

стр. 2151

«زيد الخير» (١)، وقطع له فَيْدَ (٢) وأرضين معه وكتب له بذلك، فخرج من عند رسول الله ﷺ راجعًا إلى قومه فقال رسول الله ﷺ : «إن يَنجُ زيدٌ من حُمَّى المدينة فإنه»، فلما (٣) انتهى إلى ماء من مياه نجد يقال له فَرْدَة (٤) أصابته الحمى بها فمات. فلما أحس بالموت أنشد: أمرتحل قومي المشارقَ غُدوةً ... وأُترَك في بيتٍ بفَرْدةَ مُنْجِدِ ألا رُبَّ يومٍ لو مرضتُ لعادني ... عوائدُ من لم يُبرَ منهن يَجهَدِ (٥)

стр. 2152

قال ابن عبد البر (١): وقيل: بل مات في آخر خلافة عمر. وله ابنان: مُكْنِف وحُريث، أسلما وصحبا رسول الله ﷺ وشهدا قتال أهل الردة مع خالد. فصل في قدوم وفد كِندة على رسول الله ﷺ - قال ابن إسحاق (٢): حدثني الزهري قال: قدم الأشعث بن قيس على رسول الله ﷺ في ثمانين أو ستين راكبًا من كندة، فدخلوا عليه مسجدَه، قد رجَّلوا جُمَمهم وتسلَّحوا (٣) ولبسوا جُباب الحِبَرات مكفَّفةً بالحرير، فلما دخلوا قال رسول الله ﷺ : «أولم تسلموا؟» قالوا: بلى، قال: «فما هذا الحرير في أعناقكم؟» فشقُّوه ونزعوه وألقَوه. ثم قال الأشعث: يا رسول الله، نحن بنو آكِل المُرار وأنت ابن آكل المرار، فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: «ناسِبْ (٤) بهذا النسب ربيعةَ بن الحارث والعباس بن عبد المطلب». قال الزهري أو (٥) ابن إسحاق: كانا تاجرين، وكانا إذا سارا في أرض

стр. 2153

العرب فسئلا من أنتما؟ قالا: نحن بنو آكل المرار، يتعزَّزون بذلك في العرب ويدفعون به عن أنفسهم، لأن بني آكل المرار من كندة كانوا ملوكًا. قال رسول الله ﷺ : «نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا». وفي «المسند» (١) من حديث حماد بن سلمة عن عقيل بن طلحة عن مسلم بن هيصم (٢) عن الأشعث بن قيس قال: قدمنا على رسول الله ﷺ وفد كندة، ولا يرون إلا أني أفضلهم، قلت: يا رسول الله، ألستم منا؟ قال: «لا، نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا»، فكان الأشعث يقول: لا أوتى برجل نفى رجلًا من قريش من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد. وفي هذا من الفقه: أن من كان من ولد النضر بن كنانة فهو من قريش. وفيه: جواز إتلاف المال المحرَّم استعمالُه كثياب الحرير على الرجال، وأن ذلك ليس بإضاعة. والمُرار: هو شجر من شجر البوادي، وآكل المرار هو: الحارث بن عمرو بن حُجر بن عمرو بن معاوية بن كندة (٣)، وللنبي ﷺ جدة من كندة

стр. 2154

مذكورة وهي أم كِلاب بن مُرَّة، وإياها أراد الأشعث. وفيه: أن من انتسب إلى غير أبيه فقد انتفى من أبيه وقفى أمه أي: رماها بالفجور. وفيها: أن كندة ليسوا من ولد النضر بن كنانة. وفيه: أن من أخرج رجلًا عن (١) نسبه المعروف جُلد حدَّ القذف. فصل في قدوم الأشعريين وأهل اليمن روى يزيد بن هارون (٢) عن حميد عن أنس أن النبي ﷺ قال: «يقدَم قومٌ هم أرق منكم قلوبًا» فقدم الأشعريون فجعلوا يرتجزون: غدًا نلقى الأحبهْ ... محمدًا وحزبَهْ وفي «صحيح مسلم» (٣) عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ

стр. 2155

يقول: «جاء أهل اليمن هم أرقُّ أفئدةً وأضعف قلوبًا؛ الإيمان يمان والحكمة يمانية؛ السكينة في أهل الغنم، والفخرُ والخيلاء في الفدَّادين أهلِ الوبر قِبَل مَطلِعِ الشمس». ورُوينا عن يزيد بن هارون (١)، أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقال: «أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب، هم خيار من في الأرض»، فقال رجل من الأنصار: إلا نحن يا رسول الله؟ فسكت، ثم قال: إلا نحن يا رسول الله؟ فسكت ثم قال: إلا نحن يا رسول الله؟ قال (٢): «إلا أنتم» كلمةً ضعيفةً. وفي «صحيح البخاري» (٣): أن نفرًا من بني تميم جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقال: «أبشروا يا بني تميم»، فقالوا: بشَّرتنا فأَعْطِنا فتغيَّر وجهُ رسول الله ﷺ ، وجاء نفر من أهل اليمن فقال: «اقبَلُوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم»، قالوا: قد قبلنا، ثم قالوا: يا رسول الله، جئنا لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر، فقال: «كان الله ولم يكن شيءٌ غيرُه وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كلَّ شيء».

стр. 2156

فصل في قدوم وفد الأزد على رسول الله ﷺ - قال ابن إسحاق (١): وقدم على رسول الله ﷺ صُرَد بن عبد الله الأزدي فأسلم وحسن إسلامه في وفدٍ من الأزد، فأمَّره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن، فخرج صُرَد يسير بأمر رسول الله ﷺ حتى نزل بجُرَشٍ (٢)، وهي يومئذ مدينة مغلقة، وبها قبائل من قبائل اليمن، وقد ضوت إليهم خثعم فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم، فحاصروهم فيها قريبًا من شهر وامتنعوا فيها، فرجع عنهم قافلًا حتى إذا كان في جبلٍ لهم يقال له «شَكْر» ظنَّ أهل جرش أنه إنما ولَّى عنهم منهزمًا، فخرجوا في طلبه حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم (٣) قتلًا شديدًا. وقد كان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله ﷺ رجلين منهم يرتادان وينظران، فبينا (٤) هما عند رسول الله ﷺ عشيةً بعد العصر إذ قال رسول الله ﷺ : «بأي بلاد الله شَكَر؟» فقام الجُرَشيان فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جبل يقال له: «كَشر» ــ وكذلك تسميه أهل جرش ــ، فقال: «إنه ليس بكَشَرٍ ولكنه

стр. 2157

شَكْر»، قالا: فما شأنه يا رسول الله؟ فقال: «إن بُدن الله لتُنحَر عنده الآن». قال: فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان فقال (١) لهما: ويحكما! إن رسول الله ﷺ لينعى لكما قومَكما، فقوما فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما، فقاما إليه فسألاه ذلك، فقال: «اللهم ارفع عنهم»، فخرجا من عند رسول الله ﷺ راجعَين إلى قومهما، فوجدا قومهما أصيبوا في اليوم الذي قال فيه رسول الله ﷺ ما قال وفي الساعة التي ذَكَر فيها ما ذَكَر؛ فخرج وفدُ جُرَش حتى قدموا على رسول الله ﷺ فأسلموا وحمى لهم حمًى حول قريتهم. فصل في قدوم وفد بني الحارث بن كعب على رسول الله ﷺ - قال ابن إسحاق (٢): ثم بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر وجُمادى الأولى (٣) سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب (٤) بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا، فإن استجابوا فاقبَلْ منهم وإن لم يفعلوا فقاتِلْهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان

стр. 2158

يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام ويقولون: أيها الناس أسلِموا تَسْلَموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دُعُوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام، وكتب إلى رسول الله ﷺ بذلك، فكتب له رسول الله ﷺ أن يُقبِل ويُقبِل معه وفدُهم، فأقبل وأقبل معه وفدهم، منهم: قيس بن الحُصَين ذي الغُصَّة، ويزيد بن عبد المَدان، ويزيد بن المُحَجَّل (١)، وعبد الله بن قُراد، وشدَّاد بن عبد الله. وقال لهم رسول الله ﷺ : «بِمَ كنتم تغلبون مَن قاتلكم في الجاهلية؟» قالوا: لم نكن نغلب أحدًا، قال: «بلى»، قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرَّق، ولا نبدأ أحدًا بظلم، قال: «صدقتم»، وأمَّر عليهم قيس بن الحصين؛ فرجعوا إلى قومهم في بقيةٍ من شوال أو من ذي القعدة، فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله ﷺ . فصل في قدوم وفد هَمْدان عليه ﷺ - وقدم عليه وفد همدان، منهم: مالك بن النَّمَط، ومالك بن أَيفَع، وضِمام بن مالك، وعمرو بن مالك؛ فلَقُوا رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك، وعليهم مُقطَّعات الحِبَرات والعمائم العَدَنية على الرواحل المَهْرية والأَرْحَبية (٢)، ومالك بن النمط يرتجز بين يدي رسول الله ﷺ ويقول:

стр. 2159

إليك جاوَزْنَ سوادَ الريفِ ... في هَبَوات الصيف والخريف مخطَّماتٍ بحبال الليفِ وذكروا له كلامًا كثيرًا (١) حسنًا فصيحًا (٢)، فكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمَّر عليهم مالك بن النَّمَط واستعمله (٣) على من أسلم من قومه، وأمره بقتال ثقيفٍ، وكان لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه (٤). وقد روى البيهقي (٥) بإسناد صحيح من حديث أبي إسحاق عن البراء

стр. 2160

أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب فأمره أن يَقفِل خالدًا إلا رجلًا ممن كان مع خالد أحبَّ أن يُعَقِّب مع عليٍّ فليعقب معه. قال البراء: فكنت فيمن عقَّب مع علي، فلما دَنَونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي، ثم صفَّنا صفًّا واحدًا، ثم تقدَّم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، فأسلمت همدان جميعًا، فكتب عليٌّ إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرَّ ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: «السلام على هَمْدان، السلام على هَمْدان». وأصل الحديث في «صحيح البخاري». وهذا أصحُّ مما تقدم، ولم تكن همدان تقاتل ثقيفًا ولا تُغِير على سرحهم، فإن همدان باليمن وثقيفٌ بالطائف. فصل في قدوم وفد مُزَينة على رسول الله ﷺ - روينا من طريق البيهقي (١) عن النعمان بن مُقَرِّن قال: قدمنا على رسول الله ﷺ أربعمائة رجل من مزينة، فلما أردنا أن ننصرف قال: «يا عُمَر، زَوِّد القوم»، فقال: ما عندي إلا شيءٌ من تمرٍ ما أظنه يقع من القوم موقعًا، قال:

стр. 2161

«انطلق فزَوِّدهم»، قال: فانطلق بهم عمر فأدخلهم منزله ثم أصعدهم إلى عِلِّيَّةٍ، فلما دخلنا إذا فيها من التمر مثلُ الجَمَل الأَورق، فأخذ القومُ منه حاجتهم قال النعمان: وكنتُ في آخر من خرج، فنظرت وما أفقِدُ موضعَ تمرةٍ مِن مكانها. فصل في قدوم وفد دَوسٍ على رسول الله ﷺ قبل ذلك بخيبر قال ابن إسحاق (١): كان الطفيل بن عمرٍو الدَّوسي يحدِّث أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجالُ قريشٍ، وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل ــ وهو الذي بين أظهرنا ــ فرَّق جماعتنا وشتَّت أمرَنا، وإنما قوله كالسِّحر يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين الرجل (٢) وزوجته، وإنَّا (٣) نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه، قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعتُ أن لا أسمع منه شيئًا ولا أكلِّمه حتى حَشَوتُ في أُذُنيَّ حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفًا فَرَقًا من أن يبلغني شيء من قوله. قال: فغدوتُ إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة فقمت قريبًا منه، فأبى الله إلا أن يُسمعني بعضَ قوله، فسمعت كلامًا حسنًا فقلت في نفسي: واثُكْلَ أُمِّياه! والله إني لَرجل لبيب شاعر ما يخفى عليَّ الحسنُ من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان ما يقول حسنًا قبلت وإن كان قبيحًا تركت.

стр. 2162

قال: فمكثت حتى انصرف رسولُ الله ﷺ إلى بيته فتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فواللهِ ما برحوا يخوِّفُوني أمرك حتى سددتُ أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يُسمعنيه، فسمعت قولًا حسنًا، فاعرِضْ عليَّ أمرك، فعرض عليَّ رسولُ الله ﷺ الإسلام وتلا عليَّ القرآن، فلا واللهِ ما سمعت قولًا قطُّ أحسنَ منه ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبيَّ الله, إني امرؤ مُطاعٌ في قومي، وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادعُ الله أن يجعل لي آيةً تكون عونًا لي عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: «اللهم اجعل له آيةً». قال: فخرجتُ إلى قومي حتى إذا كنت بثنيَّةٍ تُطلعني على الحاضر وقع نور بين عينيَّ مثلُ المصباح، قال: قلت: اللهم في غير وجهي؛ إني أخشى أن يظنوا أنها مَثُلَةٌ (١) وقعت في وجهي لفراقي دينَهم، قال: فتحوَّل فوقع في رأس سوطي كالقنديل المعلَّق، وأنا أنهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم وأصبحت فيهم، فلما نزلت أتاني أبي ــ وكان شيخًا كبيرًا ــ فقلت: إليك عني يا أَبَهْ (٢) فلستَ مني ولستُ منك! قال: لم يا بُنيَّ؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بني فديني دينك، قال: فقلت: فاذهب فاغتسل وطهِّر ثيابَك ثم تعال حتى أعلمك ما علمت، قال: فذهب فاغتسل وطهَّر ثيابه ثم جاء،

стр. 2163

فعرضتُ عليه الإسلام فأسلم. ثم أتتني صاحبتي فقلتُ لها: إليكِ عني فلستُ منكِ ولستِ مني، قالت: لِمَ بأبي أنت وأمي؟ قلت: فرق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت دين محمد ﷺ ، قالت: فديني دينك، قال: قلت: فاذهبي فاغتسلي، ففعلت ثم جاءت، فعرضت عليها الإسلام فأسلمت. ثم دعوتُ دوسًا إلى الإسلام فأبطؤوا عليَّ، فجئت رسول الله ﷺ فقلت: يا نبيَّ الله، إنه قد غلبني على دوسٍ الزنا، فادعُ الله عليهم، فقال: «اللهم اهدِ دوسًا» (١)، ثم قال: «ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفُقْ بهم»، فرجعتُ إليهم فلم أزل بأرض دوسٍ أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله ﷺ بخيبر (٢)، فنزلتُ المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دوس، ثم لحِقْنا برسول الله ﷺ بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين (٣). قال ابن إسحاق (٤): فلما قُبِض رسول الله ﷺ وارتدَّت العرب خرج

стр. 2164

الطفيل مع المسلمين حتى فرغوا مِن طُلَيحة، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا فاعبُرُوها لي؛ رأيت أن رأسي قد حُلق، وأنه قد خرج من فمي طائر، وأن امرأةً لقيتني فأدخلتني في فرجها، ورأيت أن ابني يطلبني طلبًا حثيثًا ثم رأيته حُبِس عني. قالوا: خيرًا رأيت. قال: أما والله إني قد أوَّلتُها. قالوا: وما أولتَها؟ قال: أما حلق رأسي فوضعه، وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي، وأما المرأة التي أدخلَتْني في فرجها فالأرض تُحفَر فأغيَّب فيها، وأما طلب ابني إياي وحبسه عني فإني أراه سيجهد لأن يصيبه من الشهادة ما أصابني؛ فقُتِل الطفيل شهيدًا باليمامة وجرح ابنه عمرو جراحًا شديدًا، ثم قتل عام اليرموك شهيدًا في زمن عمر. فصل في فقه هذه القصة فيها: أن عادة المسلمين كانت غسلَ الإسلام قبل دخولهم فيه، وقد صحَّ أمر النبي ﷺ به (١). وأصحُّ الأقوال وجوبه على من أجنب في حال كفره ومن لم يُجنب. وفيها: أنه لا ينبغي للعاقل أن يقلد الناس في المدح والذم، ولا سيما تقليد من يَمدح بهوًى ويَذمُّ بهوًى، فكم حالَ هذا التقليد بين القلوب وبين

стр. 2165

الهدى، ولم ينج منه إلا من سبقت له من الله الحسنى. ومنها: أن المدد إذا لحق بالجيش قبل انقضاء الحرب أُسهِم لهم. ومنها: وقوع كرامات الأولياء، وأنها إنما تكون لحاجة في الدين أو لمنفعة للإسلام (١) والمسلمين، فهذه هي الأحوال الرحمانية، سببها متابعة الرسول ونتيجتها إظهار الحق وكسر الباطل، والأحوال الشيطانية ضدُّها سببًا ونتيجةً. ومنها: التأني والصبر في الدعوة إلى الله، وأن لا يَعْجَل بالعقوبة والدعاء على العصاة. وأما تعبيره حلق رأسه بوضعه، فهذا لأن حلق الرأسِ وضعُ شعره على الأرض، وهو لا يدل بمجرَّده على وضع رأسه، فإنه دالٌّ على خلاصٍ من همٍّ أو مرض أو شدة لمن يليق به ذلك، وعلى فقر ونكد (٢) وزوال رياسةٍ وجاه لمن لا يليق به ذلك، ولكن في منام الطفيل قرائن اقتضت أنه وَضْعُ رأسِه، منها: أنه كان في الجهاد ومقاتلة العدو أولي الشوكة والبأس، ومنها: أنه دخل في بطن المرأة التي رآها، وهي الأرض التي هي بمنزلة أُمِّه، ورأى أنه قد دخل في الموضع الذي خرج منه، وهذا هو إعادته إلى الأرض كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، فأوَّل المرأة بالأرض إذ كلاهما محل الوطء، وأوَّل دخوله في فرجها عَودَه إليها كما خُلِق منها.

стр. 2166

وأوَّل الطائر الذي خرج من فمه بروحه، فإنها كالطائر المحبوس في البدن، فإذا خرجت منه كانت كالطائر الذي فارق حبسه فذهب حيث شاء، ولهذا أخبر النبي ﷺ أن نسمة المؤمن طائر يَعْلُق في شجر الجنة (١). وهذا هو الطائر الذي رُئي داخلًا في قبر ابن عباس لما دُفِن وسمع قارئ يقرأ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] (٢). وعلى حسب بياض هذا الطائر وسواده وحُسنه وقبحه تكون الروح. ولهذا كانت أرواح آل فرعون في صُوَر طيرٍ سُودٍ ترد النار بكرةً وعشيةً (٣). وأوَّل طلب ابنه له باجتهاده في أن يلحق به في الشهادة وحَبْسِه عنه هو مدةَ حياته بين وقعة اليمامة واليرموك. والله أعلم. فصل في قدوم وفد نجران عليه ﷺ - قال ابن إسحاق (٤): ووفد على رسول الله ﷺ وفدُ نصارى نجران

стр. 2167

بالمدينة، فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير (١) قال: لمَّا قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ دخلوا عليه مسجدَه بعد العصر، فحانت صلاتُهم فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم فقال رسول الله ﷺ : «دعُوهم»، فاستقبَلوا المشرق فصلَّوا صلاتهم. قال: وحدثني بريدة (٢) بن سفيان عن ابن البَيلماني عن كُرْز بن علقمة (٣) قال: قدم على رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران ستون راكبًا، منهم: أربعة وعشرون رجلًا من أشرافهم، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: - العاقب: أمير القوم وذو رأيهم وصاحبُ مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره، واسمه: عبد المسيح. - والسيد: ثِمالُهم (٤) وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه: الأَيهم. - وأبو حارثة بن علقمة أخو بني بكر بن وائل: أُسْقُفُّهم وحَبرهم وإمامهم وصاحب مِدْراسهم. وكان أبو حارثة قد شَرُف فيهم ودرس كتبهم،

стр. 2168

وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرَّفوه وموَّلوه وأخدموه، وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات لِما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فلما وجَّهوا إلى رسول الله ﷺ من نجران جلس أبو حارثة على بغلةٍ له موجهًا إلى رسول الله ﷺ ، وإلى جنبه أخ له يقال له: كُرْز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة فقال له كرز: تَعِس الأبعد! يريد رسول الله ﷺ ، فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست! فقال: ولم يا أخي؟ فقال: والله إنه النبي الأمي الذي كنا ننتظره، فقال له كرز: فما يمنعك (١) وأنت تعلم هذا؟ فقال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرَّفونا وموَّلونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافَه، ولو فعلت نزعوا منا كلَّ ما ترى؛ فأضمر عليها منه أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك. قال ابن إسحاق (٢): وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيًّا، فأنزل الله فيهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ

стр. 2169

بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٥ - ٦٨]، فقال رجل من الأحبار: أتريد منا يا محمَّد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ وقال رجل من نصارى نجران: وذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا؟ فقال رسول الله ﷺ : «معاذ الله أن أَعبد غيرَ الله أو آمُرَ بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا أمرني»، فأنزل الله في ذلك مِن قولهما (١): ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠]، ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه وإقرارهم به على أنفسهم فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. وحدثني محمد بن سهلٍ ابنُ أبي أمامة (٢) قال: لما قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ يسألونه عن عيسى ابن مريم نزل فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين منها.

стр. 2170

ورُوينا عن أبي عبد الله الحاكم (١)، عن الأصمِّ، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يَشُوع (٢)، عن أبيه، عن جدّه ــ قال يونس: وكان نصرانيًّا فأسلم ــ: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نجران: «باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أما بعد، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العِباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب. والسلام». فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه فظع به وذَعَره ذعرًا شديدًا، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شُرَحبيل بن وَداعة، وكان مِن هَمْدان، ولم يكن أحدٌ يدعى إذا نزل مُعضِلة (٣) قبلَه لا الأَيهمُ ولا السيِّدُ (٤) ولا العاقب، فدفع الأُسقُف كتاب رسول الله ﷺ إليه فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمتُ ما وعد الله إبراهيم في ذريَّة إسماعيل من النبوة، فما يُؤمَن أن يكون هذا هو ذلك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، لو كان من أمر الدنيا أشرتُ عليك فيه برأي وجهدت لك فيه، فقال الأُسقُفُّ: تنحَّ فاجلِسْ، فتنحَّى شرحبيل فجلس ناحيةً، فبعث الأسقف إلى رجلٍ (٥) من أهل نجران

стр. 2171

يقال له عبدُ الله بن شُرَحبيل، وهو من ذي أَصْبَحَ من حِمْيَر فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال مثلَ قول شرحبيل، فقال له الأسقف: تنحَّ فاجلس، فتنحَّى فجلس ناحيةً، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبَّار بن فَيضٍ من بني الحارث بن كعب، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف فتنحَّى. فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعًا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به ورُفِعت المُسُوح (١) في الصَّوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلًا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمع حين ضُرِب بالناقوس ورُفِعت المسوح أهلُ الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاثة (٢) وسبعون قريةً، وعشرون ومائةُ ألفِ مقاتلٍ، فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ وسألهم عن الرأي فيه فاجتمع رأي أهل الوادي منهم على أن يبعثوا شُرَحبيل بن وداعة الهَمْداني، وعبدَ الله بن شرحبيل، وجبَّار بن فيضٍ الحارثي، فيأتونهم بخبر رسول الله ﷺ . فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حُللًا لهم يجرُّونها من الحِبَرة وخواتيمَ الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله ﷺ فسلَّموا عليه، فلم يردَّ ﵈، وتصدَّوا لكلامه نهارًا طويلًا فلم يكلِّمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ــ وكانا معرفةً لهم؛ كانا يُخرجان

стр. 2172

العِير في الجاهلية إلى نجران فيُشترى لهما من بُرِّها وثمرها وذُرَتها ــ فوجدوهما في ناسٍ من المهاجرين والأنصار (١) في مجلس، فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن، إن نبيكم كتب إلينا بكتابٍ فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلَّمنا عليه فلم يَرُدَّ (٢) سلامنا، وتصدَّينا لكلامه نهارًا طويلًا فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما أنعود؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثيابَ سفرهم ثم يأتوا إليه، ففعل الوفد ذلك ووضعوا حللهم وخواتيمهم، ثم عادوا إلى رسول الله ﷺ فسلَّموا عليه فردَّ سلامهم، ثم سألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى فيسرُّنا إن كنت نبيًّا أن نعلم ما تقول فيه؟ فقال رسول الله ﷺ : «ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى»، فأصبح الغد وقد أنزل الله : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦١] فأَبَوا أن يُقِرُّوا بذلك. فلما أصبح رسول الله ﷺ الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملًا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشي عند ظهره للمباهلة، وله يومئذٍ

стр. 2173

عدَّة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: يا عبد الله بن شرحبيل ويا جبار بن فيض، قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يَرِدوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرًا مقبلًا، والله إن كان هذا الرجل مَلِكًا مبعوثًا فكنا أول العرب طعنًا في عينه وردَّ عليه أمرَه، لا يذهب لنا من صدره ولا من صُدور قومه حتى يصيبونا بجائحة وإنَّا لأدنى العرب (١) منهم جوارًا، وإن كان هذا الرجل نبيًّا مرسلًا فلاعنَّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شَعرةٌ ولا ظفر إلا هلك! فقال له صاحباه: فما الرأي؟ فقد وضعتك الأمورُ على ذراعٍ فهاتِ رأيك، فقال: رأيي أن أحكِّمه فإني أرى رجلًا لا يحكم شَطَطًا أبدًا، فقالا له: أنت وذاك. فلقي شرحبيل رسول الله ﷺ فقال: إني قد رأيت خيرًا من ملاعنتك، فقال: «وما هو؟» قال شرحبيل: حكمك اليوم إلى الليل وليلتَك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فقال رسول الله ﷺ : «لعل وراءك أحدًا يُثرِّب عليك»، فقال شرحبيل له: سل صاحبيَّ، فسألهما فقالا: ما يَرِد الوادي ولا يصدُر إلا عن رأي شرحبيل، فقال رسول الله ﷺ : «كافر ــ أو قال: جاحد ــ موفق». فرجع رسول الله ﷺ ولم يلاعنهم، حتى إذا كان من الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما كتب محمد النبي رسول الله لنجران: إذ كان عليهم حكمُه في كل ثمرة وفي كل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق، فأفضل عليهم وترك ذلك كلَّه على ألفَي حُلَّةٍ حُلَلِ الأواقي (٢)، في كل رجبٍ ألفُ حلة وفي كل صفرٍ ألفُ حلة وكلُّ حلةٍ أوقية،

стр. 2174

ما زادت على الخَرْج (١) أو نقصت عن الأواقي فبحسابٍ، وما قضوا من دروعٍ أو خيلٍ أو ركابٍ أو عَرَضٍ أُخِذ منهم بحساب. وعلى نجران مثواةُ رسلي ومُتْعَتُهم ما (٢) عشرين فدونه، ولا يُحبَس رسول فوقَ شهر. وعليهم عاريةُ ثلاثين دِرعًا وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا إذا كان كَيدٌ باليمن ذو مغدرةٍ (٣)، وما هلك مما أعاروا رسولي من دروع أو خيل أو ركاب فهو ضمان على رسولي حتى يؤديه إليهم. ولنجران وحاشيتها (٤) جوار الله وذمَّةُ محمدٍ النبي على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبِيَعهم (٥)، وأن لا يُغيَّروا مما كانوا عليه ولا يُغيَّر حقٌّ مِن حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغيَّر أُسقُفٌ من أسقفيَّته ولا راهب من رهبانيته ولا

стр. 2175

واقِهٌ (١) عن وقاهيته، وكلُّ ما تحت أيديهم من قليل أو كثير. وليس عليهم ريبة ولا دم جاهلية، ولا يُحشَرون ولا يُعشَرون، ولا يطأ أرضَهم جيشٌ. ومن سأل فيهم حقًّا فبينهم النَّصَف غير ظالمين ولا مظلومين. ومن أكل ربًا مِن ذي قَبَلٍ (٢) فذمتي منه بريئة. ولا يؤخذ منهم رجل بظلمِ آخرَ. وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد النبي رسولِ الله حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين (٣) بظلم. شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرٍو، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة وكتب» (٤). حتى إذا قبضوا كتابهم وانصرفوا (٥) إلى نجران فتلقَّاهم الأسقف ووجوه نجران على مسيرة ليلةٍ، ومع الأسقف أخ له من أمِّه وهو ابن عمه من النسب يقال له: بِشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة، فدفع الوفد كتاب
следующие страницы →