← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

حمرة الوجه لسرعة فَوَران (١) الدم فيه فينشأ عن ذلك السرور، والغضبُ تعجُّبٌ يتبعه ضحك وتبسُّم، فلا يغتَّر المغترُّ بضحك القادر عليه في وجهه، ولا سيما عند المَعْتَبة؛ كما قيل (٢): إذا رأيت نيوب الليث بارزةً ... فلا تظنَّنَّ أن الليث مبتسمُ ومنها: معاتبة الإمام والمطاع أصحابَه ومن يَعِزُّ عليه ويَكرُم عليه، فإنه عاتب الثلاثة دون سائر من تخلَّف عنه. وقد أكثر الناس من مدح عتاب الأحبة واستلذاذه والسرور به، فكيف بعتاب أحبِّ الخلق على الإطلاق إلى المعتوب عليه؟! وللهِ ما كان أحلى ذلك العَتْبَ، وما أعظَمَ ثمرتَه وأجلَّ فائدتَه! وللهِ ما نال به الثلاثة من أنواع المسرات وحلاوة الرضا وخِلَع القبول! ومنها: توفيق الله لكعبٍ وصاحبيه فيما جاؤوا به من الصدق، ولم يخذلهم حتى كذبوا واعتذروا بغير الحق فصلحت عاجلتُهم وفسدت عاقبتُهم كلَّ الفساد، والصادقون تعبوا في العاجلة بعضَ التعب فأعقبهم صلاح العاقبة والفلاحَ كلَّ الفلاح. وعلى هذا قامت الدنيا والآخرة، فمرارات المبادي حلاوات في العواقب، وحلاوات المبادي مرارات في العواقب. وقول النبي ﷺ لكعب: «أما هذا فقد صدق» دليل ظاهر في التمسُّك بمفهوم اللقب عند قيام قرينةٍ تقتضي تخصيصَ المذكور بالحكم، كقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا

стр. 2102

لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]، وقولِه ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدًا وتربتُها طهورًا» (١) وقولِه في هذا الحديث: «أما هذا فقد صدق»، وهذا مما لا يشك السامع أن المتكلم قصد تخصيصه بالحكم. وقول كعب: «هل لقي هذا معي أحد؟ فقالوا: نعم، مُرارة بن الربيع وهلال ابن أمية» فيه أن الرجل ينبغي له أن يردَّ (٢) حرَّ المصيبة برَوح التأسِّي بمن لقي مثل ما لقي، وقد أرشد سبحانه عبادَه إلى ذلك بقوله: ﴿تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ﴾ [النساء: ١٠٤]. وهذا هو الروح الذي منعه الله سبحانه أهل النار فيها بقوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]. وقوله: «فذكروا لي (٣) رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، لي فيهما أسوة»، هذا الموضع مما عُدَّ من أوهام الزهري، فإنه لا يُحفَظ عن أحد من أهل المغازي والسير البتة ذكر هذين الرجلين في أهل بدر؛ لا ابن إسحاق، ولا موسى بن عقبة، ولا الأموي، ولا الواقدي، ولا أحد ممن عَدَّ أهل بدر. وكذلك ينبغي أن لا يكونا من أهل بدر، فإن النبي ﷺ لم يهجر حاطبًا ولا عاقبه وقد جسَّ عليه، وقال لعمر لما همَّ بقتله: «وما يدريك أن الله اطَّلع على

стр. 2103

أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، وأين ذنب التخلُّف من ذنب الجس؟ (١). قال أبو الفرج بن الجوزي (٢): ولم أزل حريصًا على كشف ذلك وتحقيقه حتى رأيت أبا بكر الأثرم (٣) قد ذكر الزهري وذكر فضله وحفظه وإتقانه، وأنه لا يكاد يُحفَظ عليه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه قال: إن مُرارة بن الربيع وهلال بن أمية شهدا بدرًا، وهذا لم يقله أحد غيره والغلط لا يُعصَم منه إنسان. فصل وفي نهي النبي ﷺ عن كلام هؤلاء الثلاثة من بين سائر من تخلَّف عنه دليلٌ على صدقهم وكذب الباقين، فأراد هجر الصادقين وتأديبهم على هذا الذنب. وأما المنافقون فجُرمهم أعظم من أن يقابَل بالهجر، فدواء هذا المرض لا يعمل في مرض النفاق ولا فائدة فيه. وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبُّه وهو كريم عنده بأدنى زلة وهفوة، فلا يزال مستيقظًا حذرًا، وأما من سقط من عينه وهان عليه فإنه يُخلِّي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبًا أحدث له نعمةً، والمغرورُ يظن أن ذلك من كرامته عليه، ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة وأنه يريد به العذاب الشديد والعقوبة التي لا

стр. 2104

عافية (١) معها، كما في الحديث المشهور: «إذا أراد الله بعبد خيرًا عجَّل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد بعبد شرًّا أمسك عنه عقوبته في الدنيا فيَرِد القيامة بذنوبه» (٢). وفيه دليل أيضًا على هِجران الإمام والعالم والمطاع لمن فعل ما يستوجب العَتْب، ويكون هجرانه دواءً له بحيث لا يضعُف عن حصول الشفاء به ولا يزيد في الكيفية والكمية عليه فيهلكه، إذ المرادُ تأديبه لا إتلافه. وقوله: «حتى تنكَّرت لي الأرض فما هي بالتي أعرف»، هذا التنكُّر يجده الخائف والحزين والمهموم في الأرض وفي الشجر والنبات، حتى يجده فيمن لا يعلم حالَه من الناس، ويجده أيضًا المذنب العاصي بحسب جُرمه حتى في خُلُق زوجته وولده وخادمه ودابَّته، ويجده في نفسه أيضًا فتتنكَّر له نفسُه حتى ما كأنه هو، ولا كأن أهلَه وأصحابَه ومن يُشفق عليه بالذين يعرفهم، وهذا سرٌّ من الله لا يخفى إلا على ميت القلب (٣)، وعلى حسب حياة القلب يكون إدراك هذا التنكر والوحشة. وما لجرح بميتٍ إيلامُ (٤)

стр. 2105

ومن المعلوم أن هذا التنكر والوحشة كانا لأهل النفاق أعظم، ولكن لموت قلوبهم لم يكونوا يشعرون به، وهكذا القلب إذا استحكم مرضه واشتدَّ (١) بالذنوب والإجرام لم يجد هذه الوحشة والتنكر ولم يحسَّ بها، وهذا (٢) علامة الشقاء وأنه قد أيس من عافية هذا المرض، وأعيا على الأطباء شفاؤه. والخوف والهم مع الرِّيبة والأمن، والسرور مع البراءة من الريب (٣). فما في الأرض أشجع من بريءٍ ... ولا في الأرض أخوف من مريب (٤) وهذا القدر قد ينتفع به المؤمن البصير إذا ابتُلي به ثم راجع نفعًا عظيمًا من وجوه عديدة تفوت الحصر، ولو لم يكن منها إلا استثمارُه مِن ذلك أعلامَ النبوة وذوقُه نفسَ ما أخبر به الرسول، فيصير تصديقه ضروريًّا عنده، ويصير ما ناله من الشر بمعاصيه ومن الخير بطاعاته من أدلة صدق النبوة الذَّوقية التي لا يتطرق إليها الاحتمالات. وهذا كمن أخبرك أن في هذه الطريق من المعاطب والمخاوف كيت وكيت على التفصيل، فخالفتَه وسلكتها فرأيت عين ما أخبرك به، فإنك تشهد صدقه في نفس خلافك له. وأما إذا سلك طريقَ الأمن وحدها ولم يجد من تلك المخاوف شيئًا، فإنه وإن شهد صدق المخبِر بما ناله من الخير والظفر فيها مفصَّلًا، فإن علمه بتلك يكون مجملًا.

стр. 2106

فصل ومنها: أن هلالًا ومُرارة (١) قعدا في بيوتهما وكانا يُصلِّيان في بيوتهما ولا يحضران الجماعة، وهذا يدل على أن هِجران المسلمين للرجل عذرٌ يبيح له التخلُّف عن الجماعة. أو يقال: من تمام هجرانه أن لا يحضر جماعة المسلمين، لكن يقال: فكعب كان يحضر الجماعة ولم يمنعه النبي ﷺ ولا عتب عليهما على التخلُّف، وعلى هذا فيقال: لما أُمِر المسلمون بهجرهم تُرِكوا: لم يؤمروا ولم يُنهَوا ولم يُكلَّموا، فكان من حضر منهم الجماعة لم يُمنَع، ومن تركها لم يُكلَّم. أو يقال: لعلهما ضعُفا وعجَزا عن الخروج، ولهذا قال كعب: وكنت أنا أجلَدَ القوم وأشبَّهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين. وقوله: «وآتي رسولَ الله ﷺ فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام عليَّ أم لا؟» فيه دليل على أن الردَّ على من يستحقُّ الهجر غير واجب، إذ لو وجب الرد لم يكن بدٌّ مِن إسماعه. وقوله: «حتى إذا طال ذلك عليَّ تسوَّرتُ جدار حائطِ أبي قتادة» فيه دليل على دخول الإنسان دار صاحبه وجاره إذا علم رضاه بذلك وإن لم يستأذنه.

стр. 2107

وفي قول أبي قتادة له: «الله ورسوله أعلم» دليل على أن هذا ليس بخطاب ولا كلام له، فلو حلف لا يكلمه فقال مثل هذا الكلام جوابًا له لم يحنَث، ولا سيما إذا لم ينوِ به مكالمتَه، وهو الظاهر من حال أبي قتادة. وفي إشارة الناس إلى النَّبَطي الذي كان يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ دون نطقهم له= تحقيق لمقصود الهجر، وإلا فلو قالوا له صريحًا: «ذاك كعب بن مالك» لم يكن ذلك كلامًا له، فلا يكونون به مخالفين للنهي، ولكن لفرط تحرِّيهم وتمسُّكهم بالأمر لم يذكروه له بصريح اسمه. وقد يقال: إن في الحديث عنه بحضرته وهو يسمع نوعَ مكالمةٍ له، ولا سيما إذا جعل ذلك ذريعةً إلى المقصود بكلامه، وهي ذريعة قريبة، فالمنع من ذلك من باب منع الحيل وسد الذرائع؛ وهذا أفقه وأحسن. وفي مكاتبة ملك غسان له بالمصير إليه ابتلاء من الله تعالى وامتحان لإيمانه ومحبته لله ورسوله، وإظهار للصحابة أنه ليس ممن ضعُف إيمانُه بهجر النبي ﷺ والمسلمين له، ولا هو ممن تحمَّله الرغبةُ في الجاه والملك مع هجران الرسول والمؤمنين له على مفارقة دينه. وهذا فيه من تبرئة الله له من النفاق، وإظهارِ قوة إيمانه وصدقه لرسوله وللمسلمين= ما هو من تمام نعمة الله عليه ولطفه به وجبره لكسرته (١). وهذا البلاء يُظهر لُبَّ الرجل وسرَّه وما ينطوي عليه، فهو كالكِير الذي يُخرج الخبيث من الطيب. وقوله: «فتيمَّمتُ بالصحيفة التنور» فيه المبادرة إلى إتلاف ما يخشى منه الفساد والمضرَّة في الدين، وأن الحازم لا يَنتظر به ولا يؤخِّره، وهذا كالعصير

стр. 2108

إذا تخمَّر وكالكتاب الذي يُخشى منه الضرر والشر، فالحزم المبادرة إلى إتلافه وإعدامه. وكانت غَسَّان إذ ذاك ــ وهم ملوك عرب الشام ــ حربًا لرسول الله ﷺ ، وكانوا يَنعَلون خيولَهم لمحاربته، وكان هذا لما بعث شُجاع بن وهب الأسدي إلى ملكهم الحارث بن أبي شِمر الغساني يدعوه إلى الإسلام (١)، وكتب معه إليه قال شجاع: فانتهيت إليه وهو بغوطة دمشق وهو مشغول بتَهيِئة الأنزال والألطاف لقيصر وهو جاءٍ من حِمصَ إلى إيلياء، قال: فأقمت على بابه يومين أو ثلاثةً فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله ﷺ إليه، فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه (٢) ــ وكان روميًّا اسمه مُرَيّ (٣) ــ يسألني عن رسول الله ﷺ ، وكنت أحدثه عن رسول الله ﷺ وما يدعو إليه، فيرقُّ حتى يغلبه البكاء ويقول: إني قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي بعينه، فأنا أؤمن به وأصدقه فأخاف من الحارث أن يقتلني وكان يكرمني ويحسن ضيافتي.

стр. 2109

وخرج الحارث يومًا فجلس ووضع التاج على رأسه، فأذن لي عليه، فدفعت إليه كتابَ رسول الله ﷺ ، فقرأه ثم رمى به وقال: من ينتزع مني ملكي؟! وقال: أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته! عليَّ بالناس! فلم يزل يَفرِض (١) حتى قام، وأمر بالخيول تُنعَل ثم قال: أخبر صاحبك بما ترى، وكتب إلى قيصر يخبره خبري وما عزم عليه، فكتب قيصر إليه أن: لا تَسِر ولا تعبُر إليه، والْهُ عنه ووافِني بإيلياء؛ فلما جاءه جوابُ كتابه دعاني فقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ فقلت: غدًا فأمر لي بمائة مثقال ذهبٍ، ووصلني حاجبُه بنفقةٍ وكسوةٍ وقال: اقرأ على رسول الله ﷺ مني السلام، فقدمت على رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: «باد ملكُه»، وأقرأتُه مِن حاجبه السلام وأخبرتُه بما قال، فقال رسول الله ﷺ : «صدق». ومات الحارث بن أبي شمر عام الفتح. ففي هذه المدة (٢) أرسل ملكُ غسَّانَ يدعو كعبًا إلى اللَّحاق به، فأبت له سابقةُ الحسنى أن يرغب عن رسول الله ﷺ ودينه. فصل وفي أمر رسول الله ﷺ لهؤلاء الثلاثة أن يعتزلوا نساءهم لما مضى لهم أربعون ليلةً كالبشارة بمقدمات الفرج والفتح من وجهين:

стр. 2110

أحدهما: كلامه لهم وإرساله إليهم بعد أن كان لا يكلمهم بنفسه ولا برسوله. الثاني: من خصوصية أمرهم باعتزال النساء، وفيه تنبيه وإرشاد لهم إلى الجد والاجتهاد في العبادة، وشدِّ المئزر واعتزال محل اللهو واللذة، والتعوُّض عنه بالإقبال على العبادة، وفي هذا إيذان بقرب الفَرَج وأنه قد بقي من العتب أمر يسير. وفقه هذه القضية (١) أن زمن العبادات ينبغي فيه تجنُّبُ النساء، كزمن الإحرام وزمن الاعتكاف وزمن الصيام، فأراد النبي ﷺ أن يكون آخر هذه المدة في حق هؤلاء بمنزلة أيام الإحرام والصيام في ترفُّهها (٢) على العبادة، ولم يأمرهم بذلك من أول المدة رحمةً بهم وشفقةً عليهم، إذ لعلهم يضعُف صبرهم عن نسائهم في جميعها، فكان من اللطف بهم والرحمة أن أُمِروا بذلك في آخر المدة، كما يؤمر به الحاج من حين يُحرِم لا من حين يعزم على الحج. وقول كعب لامرأته: «الحَقي بأهلك» دليل على أنه لا يقع بهذه اللفظة وأمثالها طلاقٌ ما لم ينوِه.

стр. 2111

والصحيح أن لفظ الطلاق والعتاق والحرية كذلك؛ إذا أراد به غير تسييب الزوجة وإخراجِ الرقيق عن ملكه لا يقع به طلاق ولا عتق، هذا هو الصواب الذي ندين الله به ولا نرتاب فيه البتة. فإذا قيل له: إن غلامك فاجر أو جاريتك تزني، فقال: «ليس كذلك، بل هو غلام عفيف حرٌّ وجارية عفيفة حرَّة»، ولم يرد بذلك حرية العتق، وإنما أراد به (١) حرية العفة= فإن جاريته وعبده لا يَعتِقان بهذا أبدًا. وكذا إذا قيل له: كم لغلامك عندك سنةً؟ فقال: هو عتيق عندي، وأراد قدم ملكه له لم يَعتِق بذلك. وكذلك إذا ضرب امرأته الطلق، فسئل عنها فقال: هي طالق، ولم يخطر بقلبه إيقاع الطلاق وإنما أراد أنها في طلق الولادة لم تَطْلُق بهذا. وليست هذه الألفاظ مع هذه القرائن صريحة إلا فيما أريد بها ودلَّ السياق عليها، فدعوى أنها صريحة في الطلاق والعتاق مع هذه القرائن مكابرة ودعوى باطلة قطعًا. فصل وفي سجود كعب حين سمع صوت المبشر دليل ظاهر أن تلك كانت عادة الصحابة، وهي سجود الشكر عند النعم المتجددة والنقم المندفعة، وقد سجد أبو بكر الصديق لما جاءه قتل مسيلمة الكذاب (٢)، وسجد علي بن أبي طالب حين وَجَد ذا الثُّدَيَّة مقتولًا في الخوارج (٣).

стр. 2112

وسجد رسول الله ﷺ حين بشره جبريل أنه مَن صلَّى عليه مرةً صلى الله عليه بها عشرًا (١)، وسجد حين شفع لأمته فشفَّعه الله فيهم ثلاث مرات (٢)، وأتاه بشير فبشَّره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حِجر عائشة فقام فخرَّ ساجدًا، وقال أبو بكرة: كان رسول الله إذا أتاه أمر يسرُّه خرَّ لله ساجدًا (٣). وهي آثار صحيحة لا مطعن فيها. وفي استباق صاحب الفرس والراقي على سَلْعٍ ليبشِّرا كعبًا دليل على حرص القوم على الخير واستباقِهم إليه، وتنافسهم في مسرَّة بعضهم بعضًا. وفي نزع كعب ثوبيه وإعطائهما للبشير دليل على أن إعطاء المبشِّرين من مكارم الأخلاق والشيم وعادة الأشراف. وقد أعتق العباس غلامه لما بشره أن عند الحجاج بن عِلاط من الخبر عن رسول الله ﷺ ما يسرُّه (٤). وفيه دليل على جواز إعطاء البشير جميع ثيابه. وفيه دليل على استحباب تهنئة من تجددت له نعمة دينية، والقيامِ إليه إذا أقبل ومصافحته؛ فهذا سنة مستحبة. وهو جائز لمن تجدَّدت له نعمة دنيوية، وأن الأولى أن يقال له: ليَهْنِك ما أعطاك الله وما منَّ الله به عليك، ونحوُ هذا

стр. 2113

الكلام؛ فإن فيه توليةَ النعمة ربَّها والدعاءَ لمن نالها بالتهنِّي بها. وفيه دليل على أن خير أيام العبد على الإطلاق وأفضلَها يومُ توبته إلى الله وقبول الله توبته، لقوله ﷺ : «أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك». فإن قيل: فكيف يكون هذا اليوم خيرًا من يوم إسلامه؟ قيل: هو مكمِّل ليوم إسلامه ومِن تمامه، فيومُ إسلامه بداية سعادته ويومُ توبته كمالها وتمامها، فالله المستعان. وفي سرور رسول الله ﷺ بذلك وفرحه به واستنارة وجهه دليل على ما جعل الله فيه من كمال الشفقة على الأمة والرحمة بهم والرأفة، حتى لعل فرحه كان أعظم من فرح كعبٍ وصاحبيه. وقول كعب: «يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي» دليل على استحباب الصدقة عند التوبة بما قدر عليه من المال. وقول رسول الله ﷺ : «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» دليل على أن من نذر الصدقة بكل ماله لم يلزمه إخراجُ جميعه، بل يجوز له أن يُبقي له منه بقيةً. وقد اختلفت الرواية في ذلك، ففي «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال له: «أمسك عليك بعض مالك»، ولم يعين له قدرًا بل أطلق البعض ووكله إلى اجتهاده في قدر الكفاية، وهذا هو الصحيح، فإن ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له التصدُّق به، فنذره لا يكون طاعةً فلا يجب الوفاء به، وما زاد على قدر كفايته وحاجته فإخراجه والصدقة به أفضل، فيجب إخراجه إذا نذره؛ هذا قياس المذهب ومقتضى قواعد الشريعة، ولهذا تُقدَّم كفايةُ الرجل وكفايةُ أهله على أداء الواجبات المالية، سواءٌ كانت حقًّا لله كالكفارات والحج أو حقًّا للآدميين كأداء الديون، فإنا نترك للمفلس ما لا

стр. 2114

بد له (١) منه من مسكن وخادم وكسوة وآلةِ حرفةٍ أو ما يتَّجر به لمؤنته إن فُقدت الحرفة، ويكون حق الغرماء فيما بقي. وقد نص الإمام أحمد (٢) على أن من نذر الصدقة بماله كله أجزأه ثلثه، واحتج له أصحابُه بما روي في قصة كعب هذه أنه قال: يا رسول الله! إن من توبتي إلى الله ورسوله أن أخرج من مالي كلِّه إلى الله ورسوله صدقةً قال: «لا»، قلت: فنصفه؟ قال: «لا»، قلت: فثلثه؟ قال: «نعم»، قلت: فإني أمسك سهمي (٣) من خيبر، رواه أبو داود (٤). وفي ثبوت هذا ما فيه، فإن الصحيح في قصة كعب هذه ما رواه أصحاب «الصحيح» من حديث الزهري عن ولد كعب بن مالك عنه أنه قال: «أمسك عليك بعض مالك» من غير تعيين لقدره، وهم أعلم بالقصة من غيرهم فإنهم ولده وعنه نقلوها (٥). فإن قيل: فما تقولون فيما رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٦) أن

стр. 2115

أبا لُبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجُر دار قومي وأساكنك، وأن أنخلع من مالي صدقةً لله ولرسوله، فقال رسول الله ﷺ : «يجزئ عنك الثلث»؟ قيل: هذا هو الذي احتج به أحمد (١) لا بحديث كعب، فإنه قال في رواية ابنه عبد الله (٢): «إذا نذر أن يتصدق بماله كلِّه أو ببعضه، وعليه دين أكثر مما يملكه، فالذي أذهب إليه أنه يجزئه من ذلك الثلث لأن النبي ﷺ أمر أبا لبابة بالثلث». وأحمد أعلم بالحديث أن يحتج بحديث كعب هذا الذي فيه ذكر الثلث، إذ المحفوظ في هذا الحديث: «أمسك عليك بعض مالك»، فكأنَّ أحمد رأى تقييد إطلاق حديث كعب هذا بحديث أبي لبابة. وقوله فيمن نذر أن يتصدق بماله كله أو ببعضه وعليه دين يستغرقه: «إنه يجزئه من ذلك الثلث» دليلٌ على انعقاد نذره وعليه دين يستغرق ماله، ثم إذا قضى الدين أخرج مقدارَ ثلثِ ماله يومَ النذر. وهكذا قال في رواية ابنه عبد الله (٣): «إذا ذهب (٤) ماله وقضى دينه واستفاد غيره، فإنما يجب عليه إخراج ثلث ماله يومَ حنثه» يريد بيوم حنثه يوم نذره، فينظر قدر الثلث ذلك اليوم فيخرجه بعد قضاء دينه.

стр. 2116

وقوله: «أو ببعضه» يريد به إذا نذر الصدقة بمعيَّنٍ من ماله أو بمقدار كألف ونحوها فيجزئه ثلثه كنذر الصدقة بجميع ماله، والصحيح من مذهبه لزوم الصدقة بجميع المعين. وفيه رواية أخرى: أن المعين إن كان ثلث ماله فما دون لزمه الصدقةُ بجميعهُ، وإن زاد على الثلث لزمه منه بقدر الثلث، وهي أصح عند أبي البركات (١). وبعدُ، فإن الحديث ليس فيه دليل على أن كعبًا أو أبا لبابة نذرا نذرًا مُنْجَزًا، وإنما قالا: إن من توبتنا أن ننخلع من أموالنا، وهذا ليس بصريح في النذر، وإنما فيه العزم على الصدقة بأموالهما شكرًا لله على قبول توبتهما، فأخبر النبي ﷺ أن بعض المال يجزئ من ذلك، ولا يحتاجان إلى إخراجه كله، وهذا كما قال لسعد وقد استأذنه أن يوصي بماله كله فأذن له في قدر الثلث (٢). فإن قيل: هذا يدفعه أمران، أحدهما: قوله: «يجزئك» والإجزاء إنما يستعمل في الواجب، والثاني: أن منعه من الصدقة بما زاد على الثلث دليل على أنه ليس بقربة إذ الشارع لا يمنع من القُرَب ونذر ما ليس بقربة لا يلزم الوفاء به. قيل: أما قوله: «يجزئك» فهو (٣) بمعنى يكفيك، فهو من الرُّباعي وليس من (جزى عنه) إذا قضى عنه، يقال: (أجزأني) إذا كفاني و (جزى عني) إذا قضى عني (٤)، وهذا هو الذي يستعمل في الواجب، ومنه قوله ﷺ لأبي بردة في الأضحية: «تَجزي عنك ولن تَجزي عن أحد بعدك» (٥)، والكفاية تستعمل في الواجب والمستحب. وأما منعه من الصدقة بما زاد على الثلث، فهو إشارة منه عليه بالأرفق به وما يحصل له به منفعةُ دينه ودنياه، فإنه لو مكَّنه من إخراج ماله كله لم يصبر على الفقر والعدم، كما فعل بالذي جاءه بالصرة ليتصدَّق بها فضربه بها ولم يقبلها منه خوفًا عليه من الفقر وعدم الصبر (٦). وقد يقال ــ وهو أرجح إن شاء الله ــ: إن النبي ﷺ عامل كلَّ واحدٍ ممن أراد الصدقة بماله بما يَعلم من حاله، فمكن أبا بكر الصديق من إخراج ماله كلِّه وقال: «ما أبقيت لأهلك؟» فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، فلم ينكر عليه، وأقر عمر على الصدقة بشطر ماله (٧)، ومنع صاحب الصرَّة من التصدق بها، وقال لكعب: «أمسك عليك بعض مالك»، وهذا ليس فيه تعيين المُخرَج بأنه الثلث، ويَبعُد جدًّا بأن يكون الممسَك ضعفَي المخرَج في هذا اللفظ، وقال لأبي لبابة: «يجزئك الثلث»؛ ولا تناقض بين هذه الأخبار. وعلى هذا، فمن نذر الصدقة بماله كله أمسك منه ما يحتاج إليه هو وأهله، ولا يحتاجون معه إلى سؤال الناس مدَّةَ حياتهم من رأس مال أو عقار أو أرض يقوم مُغَلُّها بكفايتهم، وتصدَّق بالباقي. والله أعلم. وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: يتصدَّق منه بقدر الزكاة ويمسك الباقي. وقال جابر بن زيد: إن كان ألفين فأكثر أخرج عُشرَه، وإن كان ألفًا فما دون فسُبْعَه، وإن كان خمسمائة فما دون فخمسه. وقال أبو حنيفة: يتصدق بكُلِّ ماله الذي تجب فيه الزكاة، وما لا تجب فيه الزكاة ففيه روايتان، إحداهما: يخرجه، والثانية: لا يلزمه منه شيء. وقال الشافعي: يلزمه الصدقةُ بماله كله. وقال مالك والزهري وأحمد: يتصدق بثلثه. وقالت طائفة: يلزمه كفارة يمينٍ فقط (٨). فصل ومنها: عظم مقدار الصدق، وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به، فما أنجى الله من أنجاه إلا بالصدق، ولا أهلك من أهلكه إلا بالكذب، وقد أمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. وقد قسم سبحانه الخلق إلى قسمين: سُعداء وأشقياء، فجعل السعداء هم أهل الصدق والتصديق، والأشقياءَ هم أهل الكذب والتكذيب، وهو

стр. 2117

تقسيم حاصر مُطَّرد منعكس؛ فالسعادة دائرة مع الصدق والتصديق، والشقاوة دائرة مع الكذب والتكذيب. وأخبر أنه لا ينفع العباد يوم القيامة إلا صِدقهم (١)؛ وجعل عَلَم المنافقين الذي تميَّزوا به هو الكذب في أقوالهم وأفعالهم، فجميع ما نعاه عليهم أصلُه الكذب في القول والفعل؛ فالصدق بريد الإيمان ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحِليته ولباسه، بل هو لُبُّه وروحه، والكذب بريد الكفر والنفاق ودليل ذلك ومركبه وسائقه وقائده وحِليته ولباسه ولُبُّه، فمضادة الكذب للإيمان كمضادة الشرك للتوحيد، فلا يجتمع الكذب والإيمان إلا ويطرد أحدُهما صاحبَه ويستقرُّ موضعَه. والله سبحانه نجَّى الثلاثة بصدقهم وأهلك غيرهم من المتخلِّفين (٢) بكذبهم، فما أنعم الله على عبدٍ بعد الإسلام بنعمة أفضلَ من الصدق الذي هو غذاء الإسلام وحياته، ولا ابتلاه ببليَّة أعظم من الكذب الذي هو مرض الإسلام وفساده، والله المستعان. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ (٣) قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ

стр. 2118

بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]، هذا من أعظم ما يعرِّف العبد قدر التوبة وفضلَها عند الله وأنها غاية كمال المؤمن، فإنه سبحانه أعطاهم هذا الكمال بعد آخر الغزوات بعد أن قضوا نحبهم وبذلوا نفوسهم وأموالهم وديارهم لله، وكان غاية أمرهم أن تاب عليهم، ولهذا جعل النبي ﷺ يوم توبة كعبٍ خيرَ يوم مرَّ عليه منذ ولدته أمُّه إلى ذلك اليوم. ولا يعرف هذا حقَّ معرفته إلا من عرف الله، وعرف حقوقه عليه، وعرف ما ينبغي له من عبوديته، وعرف نفسه وصفاتِها وأفعالَها، وأن الذي قام به من العبودية بالنسبة إلى حق ربه عليه كقطرة في بحرٍ، هذا إذا سلم من الآفات الظاهرة والباطنة، فسبحان من لا يسع عبادَه غيرُ عفوه ومغفرته وتغمُّده لهم برحمته، وليس إلا ذلك أو الهلاك، فإن وضع عليهم عدله فعذَّب أهل سماواته وأرضه عذَّبهم وهو غير ظالم لهم، وإن رحمهم فرحمته خير لهم من أعمالهم، ولا ينجي أحدًا منهم عملُه. فصل وتأمل تكريره سبحانه توبته عليهم مرتين في أول الآية وآخرها، فإنه تاب عليهم أولًا بتوفيقهم للتوبة، فلما تابوا تاب عليهم ثانيًا بقبولها منهم، وهو الذي وفَّقهم لفعلها وتفضَّل عليهم بقبولها، فالخير كلُّه منه وبه وله وفي يديه، يعطيه من شاء (١) إحسانًا وفضلًا، ويحرمه من شاء حكمةً وعدلًا. فصل وقوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] قد فسرها كعب

стр. 2119

بالصواب، وهو أنهم خُلِّفوا من بين من حلف لرسول الله ﷺ واعتذر من المخلَّفين (١)، فخُلِّف هؤلاء الثلاثة عنهم وأُرجي أمرُهم دونهم (٢)، وليس ذلك تخليفَهم (٣) عن الغزو، لأنه لو أراد ذلك لقال: تخلَّفُوا، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وذلك لأنهم تخلَّفوا بأنفسهم، بخلاف تخليفهم عن أمر المخلَّفين سواهم، فإن الله سبحانه هو الذي خلفهم عنهم ولم يتخلفوا فيه بأنفسهم. والله أعلم (٤). فصل في حجة أبي بكر الصديق ﵁ سنة تسع بعد مقدمه من تبوك قال ابن إسحاق (٥): ثم أقام رسول الله ﷺ مُنصرَفَه من تبوكَ بقية رمضان وشوالَ (٦) وذا القَعدة، ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج سنة تسع ليقيم للمؤمنين حجَّهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم فخرج أبو بكر والمؤمنون.

стр. 2120

قال ابن سعد (١): فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة، وبعث معه رسول الله ﷺ بعشرين بدنةً قلَّدها وأشعرها بيده (٢)، عليها ناجيةُ بن جُندَب الأسلمي (٣)، وساق أبو بكر خمس بدنات. قال ابن إسحاق: فنزلت (بَرَاءَةٌ) في نقض ما بين رسول الله ﷺ وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه، فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله ﷺ العَضباء. قال ابن سعد: فلما كان بالعَرْج ــ وابنُ عائذٍ (٤) يقول: بضَجْنان (٥) ــ لحقه علي بن أبي طالب على العضباء، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ قال: لا بل مأمور، ثم مضيا. وقال ابن سعد: فقال له أبو بكر: أستعملك رسول الله ﷺ على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ (بَرَاءَةٌ) على الناس وأنبذ إلى كل ذي عهدٍ عهدَه. فأقام أبو بكر للناس حجَّهم، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذَّن في الناس عند الجمرة بالذي أمره رسولُ الله ﷺ ، ونبذ إلى كل

стр. 2121

ذي عهد عهده، وقال: أيها الناس! لا يدخل الجنة كافر، ولا يحجُّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو إلى مدته (١). وقال الحميدي (٢): حدثنا سفيان قال: حدثني أبو إسحاق الهَمْداني عن زيد بن يُثَيع قال: سألنا عليًّا بأي شيء بُعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يجتمع مؤمن (٣) وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهدٌ فعهده إلى مدَّته، ومن لم يكن له عهد فأَجَلُه إلى أربعة أشهر». وفي «الصحيحين» (٤) عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذِّنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنًى أن «لا يحجَّ بعد هذا العام مشرك

стр. 2122

ولا يطوفَ بالبيت عريانٌ»، ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن بـ (براءةَ) (١)، قال: فأذَّن معنا عليٌّ في أهل منًى يوم النحر بـ (براءةَ)، وأن «لا يحجَّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عُريان». وفي هذه القصة دليل على أن يومَ الحج الأكبر يومُ النحر. واختُلف في حجَّة الصديق هذه: هل هي التي أسقطت الفرض أو المُسقطة هي حجة الوداع مع النبي ﷺ ؟ على قولين، أصحهما الثاني، والقولان مبنيان على أصلين: أحدهما: هل كان الحج فُرِض قبلَ عام حجة الوداع أو لا؟ والثاني: هل كانت حجة الصديق في ذي الحجة أو وقعت في ذي القعدة من أجل النسيء الذي كان الجاهلية يؤخرون له الأشهر ويقدمونها؟ على قولين، والثاني قول مجاهد (٢) وغيره. وعلى هذا فلم يؤخر النبي ﷺ الحج بعد فرضه عامًا واحدًا، بل بادر إلى الامتثال في العام الذي فرض فيه، وهذا هو اللائق بهديه وحاله ﷺ ، وليس بيد من ادعى تقدُّم فرض الحج سنة ستٍّ أو سبعٍ أو ثمانٍ أو تسعٍ دليلٌ واحد. وغاية ما احتجَّ به من قال: فرض سنة ست قولُه تعالى: ﴿(١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ

стр. 2123

لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهي نزلت بالحديبية سنة ستٍّ. وهذا ليس فيه ابتداء فرض الحج، وإنما فيه الأمر بإتمامه إذا شرع فيه، فأين هذا من وجوب ابتدائه؟! وآية فرض الحج هي قولُه تعالى: ﴿عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهي نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع. * * *

стр. 2124

فصل في قدوم وفود العرب وغيرهم على النبي ﷺ - فقدم عليه وفدُ ثقيفٍ، وقد تقدم مع سياق غزوة الطائف (١). قال موسى بن عقبة (٢): وأقام أبو بكر للناس حجهم، وقدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله ﷺ فاستأذن رسول الله ﷺ ليرجع إلى قومه ــ فذكر نحو ما تقدم ــ وقال: فقدم وفدهم وفيهم كِنانة بن عبد يالِيل وهو رأسهم يومئذ، وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد، فقال المغيرة بن شعبة: يا رسول الله، أنزِلْ قومي عليَّ فأُكرمَهم فإني حديث الجرح فيهم، فقال رسول الله ﷺ : «لا أمنعك أن تكرم قومك، ولكن ننزلهم (٣) حيث يسمعون القرآن»، وكان من جرح المغيرة في قومه أنه كان أجيرًا لثقيفٍ وأنهم أقبلوا من مصر (٤) حتى إذا كانوا ببعض الطريق عدا عليهم وهم نيام فقتلهم، ثم أقبل بأموالهم حتى أتى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «إنا (٥) لا نغدر» وأبى

стр. 2125

أن يُخمِّس ما معه (١)، وأنزل رسول الله ﷺ وفد ثقيفٍ في المسجد وبنى لهم خيامًا لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلَّوا. وكان رسول الله ﷺ إذا خطب لا يذكر نفسه فلما سمعه وفدُ ثقيفٍ قالوا: يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله ولا يشهد به في خطبته، فلما بلغه قولُهم قال: «فإني أول من شهد أني رسول الله». وكانوا يغدون على رسول الله ﷺ كلَّ يوم، ويخلِّفُون عثمان بن أبي العاص على رحالهم لأنه أصغرهم، فكان عثمان كلما رجع الوفد إليه وقالوا بالهاجرة عمد إلى رسول الله ﷺ فسأله عن الدين واستقرأه القرآن، فاختلف إليه عثمان مرارًا حتى فقه في الدين وعلم، وكان إذا وجد رسول الله ﷺ نائمًا عمد لأبي بكر، وكان يكتم ذلك من أصحابه فأعجب ذلك رسولَ الله ﷺ وأحبَّه. فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله ﷺ وهو يدعوهم إلى الإسلام فأسلموا، فقال كنانة بن عبد ياليل: هل أنت مُقاضينا حتى نرجع إلى قومنا؟ قال: «نعم، إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم»، قالوا: أفرأيت الزنا، فإنا قوم نغترب، لا بد لنا منه؟ قال: «هو عليكم حرام، فإن الله يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً (٢) وَسَاءَ

стр. 2126

سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]»، قالوا: أفرأيت الربا فإنه أموالنا كلها؟ قال: «لكم رؤوس أموالكم؛ إن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]»، قالوا: أفرأيت الخمر، فإنها عصير أرضنا لا بد لنا منها؟ قال: «إن الله قد حرمها»، وقرأ: ﴿(٨٩) الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. فارتفع القوم فخلا بعضهم ببعض فقالوا: ويحكم! إنا نخاف إن خالفناه يومًا كيوم مكة، انطلقوا نكاتِبْه على ما سألنَا، فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: نعم لك ما سألت، أرأيت الربَّة ماذا نصنع فيها؟ قال: «اهدِموها»، قالوا: هيهات، لو تعلم الربة أنك تريد هدمها قتلَتْ أهلَها، فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابنَ عبد يالِيل! ما أجهلَك، إنما الربة حجر! فقال: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، وقالوا: يا رسول الله، تولَّ أنت هدمها، فأما نحن فإنا لن نهدمها أبدًا، قال: «فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها»، فكاتَبوه فقال كنانة بن عبد ياليل: ائذن لنا قبلَ رسولك، ثم ابعث في آثارنا، فإنا أعلم بقومنا، فأذن لهم رسول الله ﷺ وأكرمهم وحباهم. وقالوا: يا رسول الله! أَمِّرْ علينا رجلًا يؤمُّنا (١)، فأمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص لِما رأى من حرصه على الإسلام، وكان قد تعلم سورًا من القرآن قبل أن يخرج. فقال كنانة بن عبد ياليل: أنا أعلم الناس بثقيف، فاكتموهم القضيةَ وخوِّفوهم بالحرب والقتال، وأخبِروهم أن محمدًا سألَنا أمورًا أبيناها عليه،

стр. 2127

سألَنا أن نهدم اللات والعزى، وأن نحرِّم الخمر والزنا، وأن نُبطل أموالَنا في الربا. فخرجت ثقيف حين دنا منهم الوفد يتلقونهم، فلما رأوهم قد ساروا العَنَق وقَطَروا الإبلَ وتغشَّوا ثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا ولم يرجعوا بخير، فقال بعضهم لبعض: ما جاء وفدكم بخير ولا رجعوا به. ودخل (١) الوفد فقصدوا اللات ونزلوا عندها ــ واللات وثن كان بين ظَهرَي (٢) الطائف يُسْتر ويُهدى له الهدي كما يهدى لبيت الله الحرام ــ فقال ناسٌ مِن ثقيف حين نزل الوفد إليها: إنهم لا عهد لهم برؤيتها، ثم رجع كل رجل منهم إلى أهله، وجاء كلًّا منهم خاصَّتُه من ثقيفٍ فسألوهم: ماذا جئتم به وماذا رجعتم به؟ قالوا: أتينا رجلًا فظًّا غليظًا يأخذ من أمره ما يشاء، قد ظهر بالسيف وداخ له العرب ودان له الناس، فعرض علينا أمورًا شدادًا: هَدْمَ اللات والعزى، وتركَ الأموال في الربا إلا رؤوس أموالكم، وحرَّم الخمر والزنا، فقالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبدًا، فقال الوفد: أصلِحوا السلاح وتهيؤوا للقتال وتَعبَّوا له ورُمُّوا حِصنكم، فمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثةً يريدون ــ زعموا (٣) ــ القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب فقالوا: والله ما لنا به طاقة وقد أداخ العربَ (٤) كلَّها، فارجِعوا إليه فأعطوه ما سأل وصالحوه عليه. فلما رأى الوفدُ أنهم قد رغبوا واختاروا الأمان على الخوف والحرب

стр. 2128

قال الوفد: فإنا قد قاضيناه وأعطيناه ما أحببنا وشرطنا ما أردنا، ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمَهم وأصدقَهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه، فاقبلوا عافيةَ الله، فقالت ثقيف: فلِمَ كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا أشد الغم؟ فقالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلَموا مكانهم ومكثوا أيامًا. ثم قدم عليهم رسلُ رسول الله ﷺ قد أمَّر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة، فلما قدموا عمدوا إلى اللات ليهدموها، واستكفت ثقيف كلها الرجال والنساء والصبيان حتى خرج العواتق من الحِجال، لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكِرْزِين (١) وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين ثم سقط يركض فارتجَّ أهل الطائف بضجةٍ واحدة وقالوا: أبعد الله المغيرةَ قتلَتْه الربَّة، وفرحوا حين رأوه ساقطًا وقالوا: من شاء منكم فليقترب (٢) وليجتهد على هدمها فوالله لا تستطاع، فوثب المغيرة بن شعبة فقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف! إنما هي لَكاعِ حجارةٌ ومَدَر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها وعلا الرجالُ معه، فما زالوا يهدمونها حجرًا حجرًا حتى سووها بالأرض، وجعل صاحب المفتاح يقول: ليغضبَنَّ الأساسُ (٣) فليخسفنَّ بهم، فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: دعني أحفر

стр. 2129

أساسها، فحفره (١) حتى أخرجوا ترابها وانتزعوا حليَّها وثيابها (٢)، فبهتت ثقيف فقالت عجوز منهم: أسلمها الرُّضَّاع وتركوا المِصاع (٣). وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله ﷺ بحِليتها وكسوتها، فقسمه رسول الله ﷺ من يومه، وحمد الله على نصرة نبيه وإعزاز دينه ــ وقد تقدم (٤) أنه أعطاه لأبي سفيان بن حرب ــ؛ لفظ موسى بن عقبة. وزعم ابن إسحاق (٥) أن النبي ﷺ قدم من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف. ورُوينا في «سنن أبي داود» (٦) عن جابر قال: اشترطت ثقيف على النبي ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد، فقال النبي ﷺ بعد ذلك: «سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا». وروينا في «مسند (٧) أبي داود الطيالسي» (٨) عن عثمان بن أبي العاص

стр. 2130

أن النبي ﷺ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم. وفي مغازي المعتمر (١) بن سليمان قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي يحدث [عن عثمان بن عبد الله] (٢) عن عمِّه عمرو بن أوس عن عثمان بن أبي العاص قال: استعملني رسول الله ﷺ وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة فقلت: يا رسول الله، إن القرآن يتفلَّت مني، فوضع يده على صدري وقال: «يا شيطان، اخرج من صدر عثمان»، فما نسيتُ شيئًا بعده أريد حفظه. وفي «صحيح مسلم» (٣) عن عثمان بن أبي العاص قلت: يا رسول الله!

стр. 2131

إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، فقال: «ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته فتعوَّذْ بالله منه واتْفِل عن يسارك ثلاثًا»، قال: ففعلت فأذهبه الله عني. فصل وفي قصة هذا الوفد من الفقه أن الرجل من أهل الحرب إذا غدر بقومه وأخذ أموالهم ثم قدم مسلمًا لم يتعرَّض له الإمام، ولا لما أخذه من المال، ولا يضمن ما أتلفه قبل مجيئه من نفس ولا مال، كما لم يتعرَّض النبي ﷺ لما أخذه المغيرة من أموال الثقفيِّين، ولا ضمن ما أتلفه عليهم، وقال: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء». ومنها: جواز إنزال المشرك في المسجد، ولا سيما إذا كان يرجو إسلامه وتمكينه من سماع القرآن ومشاهدة أهل الإسلام وعباداتهم (١). ومنها: حسن سياسة الوفد وتلطُّفهم حتى تمكَّنوا من تبليغ (٢) ثقيفٍ ما قدموا به، فتصوَّروا لهم بصورة المُنكِر لما يكرهونه المُوافِقِ لهم فيما يَهْوَونه، حتى ركنوا إليهم واطمأنُّوا، فلما علموا أنهم ليس لهم بد من الدخول في دعوة الإسلام أذعنوا، فأعلمهم الوفد أنهم بذلك قد جاؤوهم، ولو فاجؤوهم به من أول وهلة لما أقرُّوا به ولا أذعنوا، وهذا من حُسن (٣) الدعوة وتمام التبليغ، ولا يتأتى إلا (٤) مع ألبَّاء الناس وعقلائهم.

стр. 2132

ومنها: أن المستحقَّ لإمرة القوم وإمامتِهم أفضلُهم وأعلمهم بكتاب الله وأفقهُهم في دينه. ومنها: هدم مواضع الشرك التي تُتَّخذ بيوتًا للطواغيت، وهدمُها أحبُّ إلى الله ورسوله وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير (١). وهذا حال المشاهد المبنية على القبور التي تُعبَد من دون الله ويُشرَك بأربابها مع الله، لا يحل إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمُها، ولا يصح وقفها ولا الوقف عليها، وللإمام أن يقطعها وأوقافها لجند الإسلام، ويستعين بها على مصالح المسلمين. وكذلك ما فيها من الآلات والمتاع والنذور التي تُساق إليها يُضاهى بها الهدايا التي تساق إلى البيت الحرام= للإمام أخذُها كلِّها وصرفها في مصالح المسلمين، كما أخذ النبي ﷺ أموال بيوت هذه الطواغيت وصرفها في مصالح الإسلام، وكان يُفعَل عندها ما يفعل عند هذه المشاهد سواء، من النذور لها والتبرُّك بها والتمسُّح بها وتقبيلها واستلامها؛ هذا كان شرك القوم بها ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السماوات والأرض، بل كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه. ومنها: استحباب اتخاذ المساجد مكانَ بيوت الطواغيت، فيُعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في الأمكنة التي كان يُشرَك به فيها، وهكذا الواجب في مثل هذه المشاهد أن تُهدَم وتجعل مساجد إن احتاج إليها المسلمون، وإلا أقطعها الإمام هي وأوقافها للمقاتلة وغيرهم. ومنها: أن العبد إذا تعوَّذ بالله من الشيطان (٢) وتفل عن يساره لم يضرَّه

стр. 2133

ذلك ولا يقطع صلاته، بل هذا من تمامها وكمالها. والله أعلم. فصل قال ابن إسحاق (١): ولمَّا افتتح رسول الله ﷺ مكة وفرغ من تبوكَ وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفودُ العرب من كل وجهٍ، فدخلوا في دين الله أفواجًا، يضربون إليه من كل وجه. فصل وقد تقدم (٢) ذكر وفد بني تميم ووفد طيئ. ذكر وفد بني عامر ودعاء النبي ﷺ على عامر بن الطفيل وكفاية الله له (٣) شرَّه وشرَّ أَرْبَدَ بن قيسٍ بعد أن عصم منهما نبيه رُوينا في كتاب «الدلائل» (٤) للبيهقي عن يزيد بن عبد الله أبي (٥) العَلاء قال: وَفَد أبي في وفد بني عامر إلى النبي ﷺ فقالوا: أنت سيدنا وذو الطَّول علينا، فقال: «مه مه، قولوا بقولكم ولا يَستجرينَّكم الشيطان؛ السيِّدُ الله».

стр. 2134

ورُوينا عن ابن إسحاق (١) قال: لما قدم على رسول الله ﷺ وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل، وأَرْبَد بن قيس، وخالد بن جعفر (٢)، وحيان بن مسلم (٣) بن مالك، وكان هذا النفر رؤساء القوم وشياطينهم= فقدم (٤) عدوُّ الله عامر بن الطفيل على رسول الله ﷺ وهو يريد أن يغدر به، فقال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا (٥)، فقال: والله لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتَّبعَ العربُ عقبي، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش؟! ثم قال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فإني شاغل عنك وجهُه، فإذا فعلتُ ذلك فاعْلُه بالسيف. فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال عامر: يا محمد! خالَّني (٦)، قال: «لا والله

стр. 2135

حتى تؤمن بالله وحده»، فقال: يا محمد! خالَّني، فقال: «لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له»، فلما أبى عليه رسول الله ﷺ قال: أما والله لأملأنَّها عليك خيلًا ورجالًا! فلما ولَّى قال رسول الله ﷺ : «اللهم اكفني عامر بن الطفيل». فلما خرجوا من عند رسول الله ﷺ قال عامر لأَربد: ويحك يا أربد! أين ما كنت أمرتك به؟ والله ما كان على وجه الأرض رجل أخوفَ عندي على نفسي منك، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدًا! قال: لا أبا لك لا تعجل عليَّ، فوالله ما هممت بالذي أمرتَني به إلا دخلتَ بيني وبين الرجل، أفأضربك بالسيف؟ ثم خرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بني سَلُول، ثم خرج أصحابه حين رأوه، حتى قدموا أرض بني عامر أتاهم قومُهم فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ فقال: لقد دعاني إلى عبادة شيءٍ لوددتُ أنه عندي فأرميه بنبلي هذه حتى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جملٌ يتبعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقةً فأحرقتهما، وكان أَربَدُ أخا لَبِيد بن ربيعة لأمِّه فبكاه ورثاه. وفي «صحيح البخاري» (١) أن عامرًا أتى النبي ﷺ فقال: أخيِّرك بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من

стр. 2136

بعدك، أو أغزوك بغطفان بألفٍ أشقرَ وألفٍ شقراء (١)؛ فطُعِن (٢) في بيت امرأةٍ فقال: أغُدَّة كغُدَّة البكر في بيت امرأة من بني فلان؟! ايتوني بفرسٍ (٣)، فركب فمات على ظهر فرسه. فصل في قدوم وفد عبد القيس في «الصحيحين» (٤) من حديث ابن عباس: أن وفد عبد القيس قدموا على النبي ﷺ فقال: «ممن القوم؟» قالوا: من ربيعة. قال: «مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى»، فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَر، وإنا لا نَصِل إليك إلا في شهر حرام، فمُرْنا بأمرٍ فصلٍ نأخذ به ونأمر به من وراءنا وندخل به الجنة فقال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان؛ وأن تعطوا من المغنم الخمسَ؛ وأنهاكم عن أربع: عن الدُّبَّاء، والحَنْتَم، والنَّقِير، والمُزفَّتِ؛ فاحفظوهن وادعوا إليهن (٥) من وراءكم».

стр. 2137

زاد مسلم (١): قالوا: يا رسول الله، ما عِلْمك بالنقير؟ قال: «بلى، جِذع تَنقرونه، ثم تُلقون فيه من التمر، ثم تصبُّون عليه الماء حتى يغلي، فإذا سكن شربتموه، فعسى أحدُكم أن يضرب ابنَ عمِّه بالسيف»، وفي القوم رجل به ضربة كذلك، قال: وكنت أخبؤها حياءً مِن رسول الله ﷺ . قالوا: ففيم نشرب يا رسول الله؟ قال: «اشربوا في أسقية الأَدَم التي يُلاث على أفواهها». قالوا: يا رسول الله! إن أرضنا كثيرة الجرذان لا تبقى بها أسقية الأدم، قال: «وإن أكلها الجرذان» مرتين أو ثلاثًا. ثم قال رسول الله ﷺ لأشجِّ عبد القيس: «إنَّ فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة». قال ابن إسحاق (٢): قدم على رسول الله ﷺ الجارودُ بن المُعلَّى (٣) وكان نصرانيًّا، فجاء رسول الله ﷺ في وفد عبد القيس فقال: يا رسول الله، إني على دين، وإني تارك ديني لدينك فتضمن لي ما (٤) فيه؟ قال: «نعم أنا ضامن لذلك، إن الذي أدعوك إليه خير من الذي كنت عليه»، فأسلم وأسلم أصحابُه، ثم قال: يا رسول الله، احملنا، قال: «والله ما عندي ما أحملكم عليه»، فقال: يا رسول الله, فإن بيننا وبين بلادنا ضوالَّ مِن ضوالِّ الناس، فنتبلَّغ عليها؟ قال: «لا، تلك حَرَق النار» (٥).

стр. 2138

فصل ففي هذه القصة: أن الإيمان بالله هو مجموع هذه الخصال من القول والعمل، كما على ذلك أصحابُ رسول الله ﷺ والتابعون وتابعوهم كلُّهم، ذكره الشافعي في «المبسوط» (١)، وعلى ذلك ما يقارب مائةُ دليلٍ من الكتاب والسنة. وفيها: أنه لم يَعُدَّ الحج من هذه الخصال، وكان قدومهم في سنة تسع؛ وهذا أحد ما يُحتج به على أن الحج لم يكن فُرِض بعد، وأنه إنما فرض في العاشرة، ولو كان قد (٢) فرض لعَدَّه من الإيمان كما عد الصوم والزكاة والصلاة (٣). وفيها: أنه لا يُكَره أن يقال: «رمضان» للشهر خلافًا لمن كره ذلك وقال: لا يقال إلا «شهر رمضان». وفي «الصحيحين» (٤): «من صام رمضان إيمانًا

стр. 2139

واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وفيها: وجوب أداء الخمس من الغنيمة، وأنه من الإيمان. وفيها: النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية. وهل تحريمه باقٍ أو منسوخ؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد (١). والأكثرون على نسخه بحديث بريدة الذي رواه مسلم (٢) وقال فيه: «وكنت نهيتكم عن الأوعية، فانتبذوا فيما بدا لكم ولا تشربوا مُسكرًا». ومن قال بإحكام أحاديث النهي وأنها غير منسوخة قال: هي أحاديث تكاد تبلغ التواتر في تعدُّدها وكثرة طرقها (٣)، وحديث الإباحة فرد فلا يبلغ مقاومتها. وسرُّ المسألة أن النهي عن الأوعية المذكورة من باب سدِّ الذرائع، إذ الشرابُ يسرع إليه الإسكارُ فيها. وقيل: بل النهي عنها لصَلابتها وأن الشراب يُسكر فيها ولا يُعلم به، بخلاف الظروف غير المزفَّتة، فإن الشراب متى غلا فيها وأسكر انشقت فيُعلم بأنه مسكر. فعلى هذه العلة يكون الانتباذ في الحجارة والصُّفر أولى بالتحريم، وعلى الأولى لا يَحرُم إذ لا يسرع الإسكار إليه فيها كإسراعه في الأربعة المذكورة. وعلى كلا العلتين فهو من باب سد الذريعة، كالنهي أولًا عن زيارة القبور سدًّا لذريعة الشرك، فلما استقرَّ التوحيد في نفوسهم وقوي عندهم أذن

стр. 2140

لهم (١) في زيارتها غير أن لا يقولوا هُجرًا (٢). وهكذا قد يقال في الانتباذ في هذه الأوعية إنه فطمهم عن المسكر وأوعيته، وسدَّ الذريعة إليه إذ كانوا حديثي عهدٍ بشربه، فلما استقر تحريمه عندهم واطمأنت إليه نفوسهم أباح لهم الأوعية كلَّها غير أن لا يشربوا مسكرًا؛ فهذا فقه المسألة وسرُّها. وفيها: مدح صفتي الحلم والأناة، وأن الله يحبهما. وضدُّهما الطيش والعجلة، وهما خُلُقان مذمومان يفسدان الأخلاق والأعمال. وفيه دليل على أن الله يحب مِن عبده ما جبله عليه من خصال الخير كالذكاء والشجاعة والحلم. وفيه دليل على أن الخُلُق قد يحصل بالتخلُّق والتكلُّف، لقوله في هذا الحديث: أخُلُقَين تخلَّقتُ بهما أو جبلني الله عليهما؟ فقال: «بل جُبِلتَ عليهما» (٣).
следующие страницы →