← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فقيل: لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، هذا قول الأكثرين (١). وقيل: بل كان ذلك في رمضان، واحتجَّ هؤلاء بقوله تعالى: ﴿(١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٨٥] قالوا: وأول ما أكرمه الله بنبوته أنزل عليه القرآن. وإلى هذا ذهب جماعة منهم يحيى الصَّرْصَري حيث يقول في نونيته: وأتت عليه أربعون فأشرقت ... شمسُ النبوة منه في رمضان (٢) والأولون قالوا: إنما كان إنزال القرآن في رمضان، أنزله (٣) جملةً واحدةً في ليلة القدر إلى بيت العزَّة، ثم أنزله (٤) منجَّمًا بحسب الوقائع في ثلاث (٥) وعشرين سنةً (٦). وقالت طائفة: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ﴾، أي: في شأنه وتعظيمه وفرض صومه (٧).

стр. 212

وقيل: كان ابتداء المبعث في شهر رجب. وكمَّل الله له من الوحي مراتب عديدةً: أحدها (١): الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه ﷺ ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (٢). المرتبة الثانية: ما كان يلقيه الملك في رُوعه وقلبه (٣) من غير أن يراه، كما قال النبي ﷺ : «إنَّ روحَ القدس نفَث في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلب. ولا يحملنَّكم استبطاءُ الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإنَّ ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته» (٤). الثالثة: أنه كان يتمثَّل له الملَكُ رجلًا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له. وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا.

стр. 213

الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشدَّه عليه، فيلتبس به الملَكُ حتَّى إنَّ جبينه ليتفصَّد عرقًا في اليوم الشديد البرد (١). وحتَّى إنَّ راحلته لَتبرُك به إلى الأرض إذا كان راكبَها (٢). ولقد جاءه الوحي مرةً كذلك، وفخذُه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت تَرُضُّها (٣). الخامسة: أن يرى الملكَ في صورته التي خُلِق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه. وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة النجم (٤). السادسة: ما أوحاه الله إليه وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها. السابعة: كلام الله سبحانه له منه إليه بلا واسطة ملَك، كما كلَّم موسى بنَ عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن، وثبوتها

стр. 214

لنبينا ﷺ هو في حديث الإسراء (١). وقد زاد بعضهم مرتبةً ثامنةً، وهي تكليم الله له (٢) كفاحًا بغير حجاب (٣). وهذا على مذهب من يقول: إنه ﷺ رأى ربَّه ﵎. وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف، وإن كان جمهور الصحابة بل كلُّهم مع عائشة كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمي (٤) إجماعًا للصحابة. فصل في ختانه ﷺ - وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال (٥):

стр. 215

أحدها: أنه ولد مختونًا مسرورًا (١). وروي في ذلك حديث لا يصح، ذكره أبو الفرج (٢) في «الموضوعات» (٣). وليس فيه حديث ثابت، وليس هذا من خواصِّه، فإن كثيرًا من الناس يولد مختونًا. وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: مسألة سئلتُ عنها: ختَّان ختَن صبيًّا فلم يستقصِ؟ قال: إذا كان الختان جاوز نصف الحشفة إلى فوق فلا يعيد، لأن الحشفة تغلظ؛ وكلَّما غلظت ارتفع الختان. فأما إذا كان الختان دون النصف فكنت أرى أن يعيد. قلت: فإن الإعادة شديدة جدًّا، وقد يخاف عليه من الإعادة؟ فقال: لا أدري. ثم قال لي: فإنَّ هاهنا رجلًا وُلِد له ابن مختون، فاغتمَّ لذلك غمًّا شديدًا، فقلت له: إذا كان الله قد كفاك المؤنةَ فما غمُّك بهذا؟ انتهى (٤). وحدَّثنا صاحبنا أبو عبد الله محمد بن عثمان الخليلي المحدِّث ببيت المقدس أنه ولد كذلك، وأن أهله لم يختنوه (٥). والناس يقولون لمن ولد كذلك: ختنه القمر، وهذا من خرافاتهم (٦).

стр. 216

القول الثاني: أنه خُتِن ﷺ يوم شقَّ قلبه الملائكة (١) عند ظئره حليمة. القول الثالث: أن جدَّه عبد المطلب ختنه يوم سابعه، وصنع له مأدبةً، وسماه محمدًا. قال أبو عمر بن عبد البر (٢): وفي هذا الباب حديث مسند غريب، حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا محمد بن أبي السَّري العسقلاني، حدثنا الوليد بن مسلم، عن شعيب، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عبد المطلب ختن النبي ﷺ يوم سابعه، وجعل له مأدبةً، وسماه محمدًا. قال يحيى بن أيوب: طلبتُ هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السَّري (٣).

стр. 217

وقد وقع في هذه المسألة بين رجلين فاضلين صنَّف أحدهما مصنَّفًا في أنه ولد مختونًا، وأجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام، وهو كمال الدين بن طلحة (١). فنقضه عليه كمال الدين بن العديم (٢)، وبيَّن فيه أنه ﷺ خُتِن على عادة العرب، وكان عموم هذه السنة للعرب قاطبةً مغنيًا عن نقل معيَّن فيها، والله أعلم. فصل في أمهاته ﷺ اللاتي أرضعنه فمنهن: ثُوَيبة مولاة أبي لهب، أرضعته أيامًا وأرضعت معه أبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي بلبن ابنها مسروح، وأرضعت معهما عمه حمزة بن عبد المطلب. واختلف في إسلامها، فالله أعلم. ثم أرضعته حليمة السعدية بلبن ابنها عبد الله أخي أنيسة وجُدامة (٣) ــ وهي الشَّيماء ــ أولاد الحارث بن عبد العزَّى بن رفاعة السعدي. واختلف في إسلام أبويه من الرضاعة، فالله أعلم.

стр. 218

وأرضعت معه ابن عمه أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان شديد العداوة لرسول الله ﷺ ، ثم أسلم عام الفتح وحسن إسلامه. وكان عمُّه حمزة مسترضَعًا في بني سعد بن بكر، فأرضعت أمُّه رسولَ الله ﷺ يومًا وهو عند أمِّه حليمة، فكان حمزة رضيع النبي ﷺ من وجهين: من جهة ثويبة، ومن جهة السعدية. فصل في حواضنه ﷺ - فمنهن: أمُّه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. ومنهن: ثويبة، وحليمة، والشيماء ابنتها، وهي أخته من الرضاعة كانت تحضنه مع أمها. وهي التي قدمت عليه في وفد هوازن، فبسط (١) لها رداءه، وأجلسها عليه رعايةً لحقها. ومنهن: الفاضلة الجليلة أمُّ أيمن برَكة الحبشية. وكان ورثها من أبيه، وكانت دايته. وزوَّجها من حِبِّه زيد بن حارثة، فولدت له أسامة. وهي التي دخل عليها أبو بكر وعمر بعد موت النبي ﷺ وهي تبكي، فقالا: يا أم أيمن، ما يبكيك؟ فما عند الله خيرٌ لرسوله. قالت: إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله، وإني إنما أبكي لانقطاع خبر السماء. فهيَّجتهما على البكاء، فبَكَيا (٢).

стр. 219

فصل في مبعثه وأول ما أُنزِل عليه بعثه الله على رأس أربعين، وهي سنُّ الكمال. قيل: ولها تبعث الرسل. وأما ما يُذكر عن المسيح أنه رُفِع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنةً، فهذا لا يُعرَف به أثرٌ متصلٌ يجب المصير إليه (١). وأول ما بدئ به رسول الله ﷺ من أمر النبوة: الرؤيا، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح. قيل: وكان ذلك ستة أشهر، ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنةً، فهذه الرؤيا منها (٢) جزء من ستة وأربعين جزءًا. والله أعلم. ثم أكرمه الله سبحانه بالنبوة، فجاءه الملك وهو بغار حراء، وكان يُحِبُّ الخلوة فيه، فأول ما أنزل عليه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] هذا قول عائشة (٣) والجمهور. وقال جابر: أول ما أنزل عليه ﴿رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [المدثر: ١] (٤). والصحيح قول عائشة لوجوه:

стр. 220

أحدها: أنّ قوله: «ما أنا بقارئ»، صريح في أنه لم يقرأ قبل ذلك شيئًا. الثاني: أنّ الأمر بالقراءة في الترتيب قبل الأمر بالإنذار، فإنه إذا قرأ في نفسه أنذر ما قرأه؛ فأمره بالقراءة أولًا، ثم بإنذار ما (١) قرأه ثانيًا. الثالث: أن حديث جابر وقوله: «أول ما أنزل الله عليه من القرآن ﴿رَحِيمٌ (٢٠)﴾» قول جابر، وعائشة أخبرت عن خبره ﷺ عن نفسه بذلك. الرابع: أن حديث جابر الذي احتجَّ به صريح في أنه قد تقدَّم نزولُ الملك عليه أولًا قبل نزول ﴿رَحِيمٌ (٢٠)﴾ فإنه قال: «فرفعتُ رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء. فرجعت إلى أهلي، فقلت: زمِّلوني، دثِّروني؛ فأنزل الله ﴿رَحِيمٌ (٢٠)﴾». وقد أخبر أن الملك الذي جاءه بحراء أنزل عليه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. فدلَّ حديث جابر على تأخُّرِ نزول «المدثر» (٢)، والحجة في روايته، لا في رأيه. والله أعلم. فصل في ترتيب الدعوة ولها مراتب: المرتبة الأولى: النبوة. الثانية: إنذار عشيرته الأقربين. الثالثة: إنذار قومه.

стр. 221

الرابعة: إنذار قومٍ ما أتاهم نذيرٌ (١) من قبله، وهم العرب قاطبةً. الخامسة: إنذار جميع من بلغته دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر. فصل فأقام ﷺ بعد ذلكَ ثلاث سنين يدعو إلى الله مستخفيًا. ثم نزل (٢) عليه ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]، فأعلن ﷺ بالدعوة، وجاهر قومَه بالعداوة. واشتدَّ الأمرُ عليه وعلى المسلمين حتى أُذِن لهم في الهجرتين. فصل في أسمائه ﷺ - وكلها أسماءُ نعوتٍ (٣) ليست أعلامًا محضةً لمجرَّد التعريف، بل أسماء مشتقَّة من صفات قامت به توجب له المدح والكمال. فمنها: محمد، وهو أشهرها. وبه سُمِّي في التوراة صريحًا كما بينَّاه بالبرهان الواضح في كتاب «جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام» (٤). وهو كتابٌ فَرْدٌ في معناه لم نُسبَق (٥) إلى مثله في كثرة فوائده

стр. 222

وغزارتها، بيَّنَّا فيه الأحاديث الواردة في الصلاة والسلام عليه، وصحيحَها من حسَنها ومعلولها، وبيَّنَّا ما في معلولها من العلل بيانًا شافيًا، ثم أسرارَ هذا الدعاء وشرفَه وما اشتمل عليه من الحكم والفوائد، ثم مواطنَ الصلاة عليه ومحالَّها، ثم الكلامَ في مقدار (١) الواجب منها، واختلافَ أهل العلم فيه وترجيحَ الراجح وتزييفَ المزيَّف (٢). ومَخْبَرُ الكتاب فوق وصفه (٣). والمقصود أن اسمه في التوراة محمد صريحًا (٤) بما يوافق عليه كلُّ عالم من مؤمني أهل الكتاب. ومنها: أحمد، وهو الاسم الذي سمَّاه به المسيح لسرٍّ ذكرناه في ذلك الكتاب (٥). ومنها: المتوكِّل. ومنها: الماحي، والحاشر، والعاقب، والمقفِّي، ونبيُّ التوبة، ونبيُّ الرحمة، ونبيُّ الملحمة، والفاتح، والأمين. ويلتحق بهذه الأسماء: الشاهد، والمبشِّر، والنذير، والقُثَم (٦)،

стр. 223

والضحوك القتّال (١)، وعبد الله، والسراج المنير، وسيد ولد آدم، وصاحب لواء الحمد، وصاحب المقام المحمود؛ وغير ذلك من الأسماء، لأن أسماءه إذا كانت أوصاف مدح فله من كلِّ وصفٍ اسم؛ لكن ينبغي أن يفرَّق بين الوصف المختصِّ به أو الغالب عليه فيُشتقّ له منه اسم، وبين الوصف المشترك فلا يكون له منه اسمٌ يخصُّه. وقال جبير بن مطعم: سمَّى لنا رسول الله ﷺ نفسه أسماءً، فقال: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشَر الناسُ على قدمي، والعاقب الذي ليس بعده نبي» (٢). وأسماؤه ﷺ نوعان: أحدهما: خاصٌّ به لا يشرَكه فيه غيرُه من الرسل (٣)، كمحمد، وأحمد، والحاشر، والعاقب (٤)، والمقفِّي، ونبي الملحمة. والثاني: ما شرِكه (٥) في معناه غيره من الرسل ولكن له منه كماله، فهو مختصٌّ بكماله دون أصله كرسول الله، ونبيِّه، وعبده، والشاهد، والمبشِّر،

стр. 224

والنذير، ونبي التوبة، ونبي الرحمة. وأمَّا إن جُعل له من كلِّ وصفٍ من أوصافه اسمٌ تجاوزت أسماؤه المئين (١)، كالصادق، المصدوق، الرؤوف، الرحيم، إلى أمثال ذلك. وفي هذا قال من قال من الناس (٢): إنَّ لله ألفَ اسم، وللنبيِّ ﷺ ألف اسم. قاله أبو الخطاب بن دِحْية (٣)، ومقصوده الأوصاف (٤). فصل في شرح معاني أسمائه ﷺ - أما محمَّد، فهو اسم مفعول من حُمِّد فهو محمَّد، إذا كان كثير الخصال التي يحمد عليها. ولذلك كان أبلغ من «محمود»، فإنَّ محمودًا من الثلاثي المجرَّد، ومحمَّدٌ من المضاعف للمبالغة، فهو الذي يُحمَد أكثر مما يُحمَد غيرُه من البشر. ولهذا ــ والله أعلم ــ سمِّي به في التوراة، لكثرة الخصال المحمودة التي وُصِف بها هو ودينه (٥) وأمته في التوراة، حتى تمنَّى موسى أن يكون منهم. وقد أتينا على هذا المعنى بشواهده (٦) هناك (٧)، وبيَّنَّا غلط أبي القاسم السهيلي

стр. 225

حيث جعل الأمرَ بالعكس، وأن اسمه في التوراة أحمد (١). وأما أحمد، فهو اسم على زنة أفعل التفضيل مشتقٌّ أيضًا من الحمد. وقد اختلف الناس فيه هل هو بمعنى فاعل أو مفعول؟ فقالت طائفة: هو بمعنى الفاعل، أي حمدُه لله أكثرُ من حمدِ غيره له، فمعناه: أحمد الحامدين لربِّه. ورجَّحوا هذا القول بأن قياس أفعل التفضيل أن يصاغ من فعل الفاعل، لا من الفعل الواقع على المفعول. قالوا: ولهذا لا يقال: ما أضرَب زيدًا، ولا زيد أضرَبُ من عمرٍو، باعتبار الضرب الواقع عليه؛ ولا: ما أشرَبَ الماءَ، وآكَلَ الخبزَ (٢)، ونحوه. قالوا: لأن أفعل التفضيل وفعل التعجب إنما يصاغان من الفعل اللازم، ولهذا يقدَّر نقلُه من فعَل وفعِل المفتوح العين والمكسورها (٣) إلى فعُل المضموم العين. قالوا: ولهذا يعدَّى بالهمزة إلى المفعول، فهمزته للتعدية، كقولك: ما أظرف زيدًا، وأكرم عمرًا، وأصلهما من ظرُف وكرُم. قالوا: لأن المتعجَّب منه فاعل في الأصل، فوجب أن يكون فعلُه غير متعدٍّ. قالوا: وأما نحو: ما أضرب زيدًا لعمرو، فهو منقول من فعَل المفتوح [العين] (٤) إلى فعُل المضموم العين، ثم عُدِّي والحالة هذه بالهمزة. قالوا:

стр. 226

والدليل على ذلك مجيئهم باللام، فيقولون: ما أضرب زيدًا لعمرو. ولو كان باقيًا على تعدِّيه لقيل: ما أضرب زيدًا عمرًا، لأنه متعدٍّ إلى واحد بنفسه، وإلى الآخر بهمزة التعدية؛ فلما أن عدَّوه إلى المفعول بهمزة التعدية عدَّوه إلى الآخر باللام. فهذا هو الذي أوجب لهم أن قالوا: إنهما لا يصاغان إلا من فعل الفاعل، لا من الواقع على المفعول. ونازعهم في ذلك آخرون، وقالوا: يجوز صوغهما من فعل الفاعل، ومن الواقع على المفعول وكثرةُ السماع به من أبين الأدلة على جوازه. تقول العرب: ما أشغله بالشيء، وهذا من شُغِل فهو مشغول. وكذلك يقولون: ما أولعه بكذا، وهذا من أُولِعَ بالشيء فهو مُولَعٌ، مبنيٌّ للمفعول ليس إلا. وكذلك قولهم: ما أعجبه بكذا، هو من أُعجِبَ به. ويقولون: ما أحبَّه إليَّ، هو تعجُّب من فعل المفعول، وكونه محبوبًا لك. وكذا: ما أبغَضَه إليَّ، وأمقَتَه إليَّ. وهنا مسألة مشهورة ذكرها سيبويه (١)، وهي أنك تقول: ما أبغضني له، وما أحبَّني له، وما أمقتني له: إذا كنت أنت المبغِض الكاره، والمحِبَّ والماقت (٢)، فتكون متعجِّبًا من فعل الفاعل. وتقول: ما أبغضني إليه، وما أمقتني إليه، وما أحبَّني إليه: إذا كنت أنت البغيض الممقوت أو المحبوب، فيكون تعجُّبًا من الفعل الواقع على المفعول. فما كان باللام فهو للفاعل، وما كان بـ «إلى» فهو للمفعول.

стр. 227

وأكثر النحاة لا يعلِّلون هذا، والذي يقال في علته ــ والله أعلم ــ: أنَّ اللام تكون للفاعل في المعنى، نحو قولك: لمن هذا؟ فيقال: لزيد، فيأتي (١) باللام. وأما «إلى» فتكون للمفعول في المعنى، تقول: إلى من يصل هذا الكتاب؟ فيقول: إلى عبد الله. وسرُّ ذلك أن اللام في الأصل للملك أو الاختصاص والاستحقاق، والملكُ والاستحقاقُ (٢) إنما يكون للفاعل الذي يملك ويستحقُّ؛ و «إلى» لانتهاء الغاية، والغاية منتهى ما يقتضيه الفعل، فهي (٣) بالمفعول أليق، لأنها تمام مقتضى الفعل. ومن التعجب من فعل المفعول: قول كعب بن زهير في النبي ﷺ : فلَهْوَ أخوَفُ عندي إذ أكلِّمه ... وقيل إنك محبوسٌ ومقتولُ من ضيغَمٍ بثَراءِ الأرضِ مُخْدَرُه ... ببطنِ عَثَّرَ غِيلٌ دونَه غِيلُ (٤)

стр. 228

فـ «أخوف» هاهنا، من خِيفَ فهو مخوف، لا من خاف. وكذلك قولهم: ما أجَنَّ زيدًا، من جُنَّ فهو مجنون. هذا مذهب الكوفيين ومن وافقهم. قال البصريون: كلُّ هذا شاذٌّ لا يعوَّل عليه، فلا تشوَّش به القواعد، ويجب الاقتصار منه على المسموع. قال الكوفيون: كثرة هذا في كلامهم نظمًا ونثرًا يمنع حمله على الشذوذ، لأنَّ الشاذَّ ما خالف استعمالَهم ومطَّرِدَ كلامهم، وهذا غير مخالف لذلك. قالوا: وأما تقديركم لزومَ الفعل ونقلَه إلى فَعُلَ، فتحكُّم لا دليل عليه. وما تمسَّكتم به من التعدية بالهمزة إلى آخره، فليس الأمر فيها كما ذهبتم إليه. والهمزة في هذا البناء ليست للتعدية، وإنما هي للدلالة على معنى التعجب والتفضيل فقط، كألف فاعل وميم مفعول وواوه، وتاء الافتعال والمطاوعة، ونحوها من الزوائد التي تلحق الفعل الثلاثي، لبيان ما لحقه من الزيادة على مجرَّده. وهذا هو السبب الجالب لهذه الهمزة، لا تعدية الفعل. قالوا: والذي يدل على هذا أن الفعل الذي تعدَّى بالهمزة يجوز أن يعدَّى بحرف الجر والتضعيف، نحو: جلست به وأجلسته وقمت به وأقمته، ونظائره. وهنا لا يقوم مقامَ الهمزة غيرُها، فعُلِم أنها ليست للتعدية المجرَّدة. وأيضًا، فإنها تجامع باءَ التعدية نحو: أكرِمْ به وأحسِنْ به، ولا يُجمَع على الفعل بين مُعَدِّيين. وأيضًا فإنهم يقولون: ما أعطاه للدراهم، وأكساه للثياب، وهذا من

стр. 229

«أعطى» و «كسا» المتعدِّي، ولا يصح تقدير نقله إلى عطُو: إذا تناوَلَ، ثم أدخلتَ عليه همزة التعدية، لفساد المعنى، فإن التعجب إنما وقع من إعطائه، لا من عَطْوِه وهو تناوله، والهمزة التي فيه همزة التعجب والتفضيل، وحذفت همزته التي في فعله، فلا يصح أن يقال: هي للتعدية. قالوا: وأما قولكم: إنه عُدِّي باللام في نحو: ما أضربه لزيد، إلى آخره؛ فالإتيانُ باللام هاهنا ليس لما ذكرتم من لزوم الفعل، وإنما أُتي بها تقويةً له لما ضعف بمنعه من التصرف، وألزم طريقةً واحدةً خرج بها عن سَنَن الأفعال، فضعف عن اقتضائه وعمله، فقُوِّي باللام كما يقوَّى بها عند تقدُّم معموله عليه، وعند فرعيته. وهذا المذهب هو الراجح كما تراه (١). فلنرجع إلى المقصود، فنقول: تقدير «أحمد» على قول الأولين: أحمدُ النَّاس لربِّه، وعلى قول هؤلاء: أحقُّ الناس وأولاهم بأن يُحمَد، فيكون كـ «محمَّد» في المعنى، إلا أن الفرق بينهما أن محمَّدًا هو كثير الخصال التي يُحمَد عليها، و أحمد هو الذي يُحمَد أفضلَ ما يُحمَد غيرُه، فمحمَّد في الكثرة والكمية، وأحمد في الصفة والكيفية؛ فيستحِقُّ من الحمد أكثرَ ما يستحِقُّ غيرُه، وأفضلَ مما يستحِقُّ غيرُه، فيُحمَد أكثرَ حمدٍ وأفضلَ حمدٍ حُمِدَه البشرُ. فالاسمان واقعان على المفعول، وهذا أبلغ في مدحه وأكمل معنًى.

стр. 230

ولو أريد معنى الفاعل لسُمِّي «الحمَّاد»، أي: كثير الحمد، فإنه ﷺ كان أكثر الخلق حمدًا لربِّه. فلو كان اسمه «أحمد» باعتبار حمده لربِّه لكان الأولى به «الحمَّاد» كما سُمِّيت بذلك أمته. وأيضًا: فإن هذين الاسمين إنما اشتُقَّا من أخلاقه وخصائله المحمودة التي لأجلها استحَقَّ أن يسمَّى «محمَّدًا» و «أحمد». فهو الذي يحمده أهلُ السماء وأهلُ الأرض وأهلُ الدنيا والآخرة، لكثرة خصائله المحمودة التي تفوت (١) عدَّ العادِّين وإحصاءَ المُحْصِين. وقد أشبعنا هذا المعنى في كتاب الصلاة والسلام عليه ﷺ (٢)، وإنما ذكرنا هاهنا كلمات يسيرةً اقتضتها حالة المسافر، وتشتتُ قلبه، وتفرُّقُ همته. وبالله المستعان، وعليه التكلان. وأما اسم المتوكل، ففي «صحيح البخاري» (٣) عن عبد الله بن عمرو قال: قرأت في التوراة صفة النبي ﷺ : «محمد رسول الله، عبدي ورسولي، سمَّيتُك «المتوكِّل»، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا سخَّابٍ (٤) بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العَوجاءَ، بأن يقولوا: لا إله إلا الله». وهو ﷺ أحقُّ الناس بهذا الاسم؛ لأنه توكَّلَ على الله في إقامة الدين توكُّلًا لم يشرَكْه فيه غيرُه.

стр. 231

وأما الماحي، والحاشر، والمقفي، والعاقب؛ فقد فُسِّرت في حديث جبير بن مطعم. فالماحي: الذي محا الله به الكفر. ولم يُمحَ الكفر بأحد من الخلق ما مُحِي بالنبي ﷺ ، فإنه بُعِث وأهلُ الأرض كلُّهم كفار إلا بقايا من أهل الأرض (١)، وهم ما بين عُبَّاد أوثان، ويهود مغضوب عليهم، ونصارى ضالين، وصابئة دهرية لا يعرفون ربًّا ولا معادًا، وبين عُبَّاد الكواكب، وعُبَّاد النار، وفلاسفة لا يعرفون شرائع الأنبياء، ولا يُقرُّون بها؛ فمحا الله سبحانه برسوله ذلك حتى ظهر دينُ الله على كلِّ دين، وبلغ دينُه ما بلغ الليل والنهار، وسارت دعوته مسيرَ الشمس في الأقطار. وأما الحاشر، فالحشر هو الضَّمُّ والجمع، فهو الذي يُحشَر الناسُ على قدمه، فكأنه بُعِث ليحشُر الناس. والعاقب: الذي جاء عقيب الأنبياء، فليس بعده نبي. فإن العاقب هو الآخر، فهو بمنزلة الخاتم، ولهذا سُمِّي «العاقب» على الإطلاق، أي عقَب الأنبياءَ: جاء بعقبهم. وأما المقفِّي فكذلك، وهو الذي قفَّى على آثار من تقدَّمه من الرسل (٢)، فقفَّى الله به على آثار من سبقه من الرسل. وهذه اللفظة مشتقة من القفو، يقال: قفاه يقفوه: إذا تأخَّر عنه. ومنه: قافية الرأس، وقافية البيت، فالمقفِّي: الذي قفا مَن قبله من الرسل، فكان خاتمهم وآخرهم.

стр. 232

وأما نبيُّ التوبة، فهو الذي فتح الله به بابَ التوبة على أهل الأرض، فتاب الله به عليهم توبةً لم يحصل مثلها لأهل الأرض قبله. وكان ﷺ أكثر الخلق استغفارًا وتوبةً، حتى كانوا يعُدُّون (١) له في المجلس الواحد مائة مرة: «ربِّ اغفر لي، وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الغفور» (٢). وكان يقول: «يا أيها الناس توبوا إلى ربِّكم، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة» (٣). وكذلك توبة أمته أكمل من توبة سائر الأمم، وأسرع قبولًا، وأسهل تناولًا. وكانت توبة من قبلهم من أصعب الأشياء، حتى كان من توبة بني إسرائيل من عبادة العجل قتلُ نفوسهم. وأما هذه الأمة فلكرامتها على الله جعل توبتها الندم والإقلاع. وأما نبيُّ الملحمة، فهو الذي بُعِث بجهاد أعداء الله، فلم يجاهد نبيٌّ وأمتُه قطُّ ما جاهد رسولُ الله ﷺ وأمته (٤). والملاحم الكبار التي وقعت وتقع بين أمته وبين الكفار لم يُعهَد مثلُها قبله، فإن أمته يقتلون الكفار في أقطار الأرض على تعاقب الأعصار، وأوقعوا بهم من الملاحم ما لم تفعله أمة سواهم. وأما نبيُّ الرحمة، فهو الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، فرحم به أهلَ

стр. 233

الأرض كلَّهم مؤمنهم وكافرهم. أما المؤمنون (١) فنالوا النصيب الأوفر من الرحمة. وأما الكفار، فأهل الكتاب منهم عاشوا في ظلِّه وتحت حبله وعهده، وأما من قتله منهم هو وأمته فإنه (٢) عجَّلوا به إلى النار، وأراحوه من الحياة الطويلة التي لا يزداد بها إلا شدَّةَ العذاب في الآخرة. وأما الفاتح، فهو الذي فتح الله به بابَ الهدى بعد أن كان مُرْتَجًا، وفتحَ به الأعينَ العُمْيَ والآذانَ الصُّمَّ والقلوبَ الغُلْفَ، وفتح به أمصارَ الكفر، وفتح به أبوابَ الجنة، وفتح به طرقَ العلم النافع والعمل الصالح= ففتح به الدنيا والآخرة، والقلوب والأسماع والأبصار، والأمصار. وأما الأمين، فهو أحقُّ العالمين بهذا الاسم، فهو أمين الله على وحيه ودينه، وهو أمين من في السماء، وأمين من في الأرض. ولهذا كانوا يسمُّونه قبل النبوة «الأمين». وأما الضحوك القتَّال، فاسمان مزدوجان لا ينفرد أحدُهما عن الآخر، فإنه ضحوك في وجوه المؤمنين غير عابس ولا مقطِّب ولا غضوب ولا فظٍّ، قتَّال لأعداء الله لا تأخذه فيهم لومة لائم. وأما البشير، فهو المبشِّر لمن أطاعه بالثواب، والنذير المنذر لمن عصاه بالعقاب. وقد سمَّاه الله «عبده» في كتابه في مواضع، منها قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]،

стр. 234

﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]. وثبت عنه في «الصحيح» (١) أنه قال: «أنا سيد ولد آدم» ﷺ . وسمَّاه الله ﴿سِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، وسمَّى الشمس ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣]، والمنير: هو الذي يُنِير من غير إحراق، بخلاف «الوهَّاج» فإنَّ فيه نوع إحراق وتوهُّج. فصل في ذكر الهجرة (٢) الأولى والثانية لما كثر المسلمون وخاف منهم الكفار اشتدَّ أذاهم لهم وفتنتهم إياهم، فأذِن لهم رسولُ الله ﷺ في الهجرة إلى الحبشة، وقال: «إنَّ بها مَلِكًا لا يُظلَم الناسُ عنده» (٣). فهاجر من المسلمين اثنا عشر رجلًا وأربع نسوة، منهم عثمان بن عفان، وهو أول من خرج، ومعه زوجته رقية؛ فأقاموا بالحبشة في

стр. 235

أحسن جوار، فبلغهم أن قريشًا أسلمت، وكان هذا الخبر كذبًا، فرجعوا إلى مكة. فلما بلغهم أن الأمر أشدُّ مما كان رجع منهم من رجع. ودخل جماعة، فلقوا من قريش أذًى شديدًا، وكان ممن دخل عبد الله بن مسعود. ثم أذن لهم في الهجرة ثانيًا إلى الحبشة. فهاجر من الرجال ثلاثة وثمانون (١) رجلًا، إن كان فيهم عمار، فإنه يُشَكُّ فيه، ومن النساء ثمان عشرة امرأةً، وأقاموا عند النجاشي على أحسن حال. وبلغ ذلك قريشًا، فأرسلوا عمرو بن العاص (٢) في جماعة، ليكيدوهم عند النجاشي، فردَّ الله كيدهم في نحورهم. فاشتدَّ أذاهم لرسول الله ﷺ ، فحصروه وأهلَ بيته في الشِّعب شِعب أبي طالب ثلاث سنين، وقيل: سنتين. وخرج من الحصر وله تسع وأربعون سنةً، وقيل ثمان وأربعون سنةً. وبعد ذلك بأشهر مات عمُّه أبو طالب، وله سبع وثمانون سنةً. وفي الشِّعب وُلِد عبد الله بن عباس (٣).

стр. 236

فنالت منه الكفارُ (١) أذًى شديدًا. ثم ماتت خديجة بعد ذلك بيسير، فاشتدَّ أذى الكفار له. فخرج إلى الطائف هو وزيد بن حارثة يدعو إلى الله، وأقام به أيامًا، فلم يجيبوه، وآذوه، وأخرجوه، وقاموا له سِماطَين، فرجموه بالحجارة حتى أدْمَوا كعبيه؛ فانصرف عنهم رسول الله ﷺ راجعًا إلى مكة. وفي طريقه لقي عدَّاسًا النصراني، فآمن به، وصدَّقه. وفي طريقه أيضًا بنخلةَ صُرِف إليه نفرٌ من الجن سبعةٌ من أهل نَصيبِين، فاستمعوا القرآن وأسلموا. وفي طريقه تلك أرسل الله إليه ملَكَ الجبال يأمره بطاعته وأن يُطبِقَ على قومه أخشَبَي مكة ــ وهما جبلاها ــ إن أراد، فقال: «بل أستأني بهم، لعل الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا» (٢). وفي طريقه دعا بذلك الدعاء المشهور: «اللهم إليك أشكو ضعفَ قوتي (٣) ... » (٤) الحديث. ثم دخل مكة في جوار المطعِم بن عدي.

стр. 237

ثم أُسْرِي بجسده وروحه إلى المسجد الأقصى، ثم عُرِج به إلى فوق السماوات (١) إلى الله ، فخاطبه، وفرض عليه الصلوات. وكان ذلك مرةً واحدةً. هذا أصحُّ الأقوال. وقيل: كان ذلك منامًا. وقيل: بل يقال: أُسْري به، ولا يقال: يقظةً ولا منامًا. وقيل: كان الإسراء إلى بيت المقدس يقظةً، وإلى السماء منامًا. وقيل: كان الإسراء مرتين مرةً يقظةً ومرةً منامًا. وقيل: بل أسري به ثلاث مرات. وكان ذلك بعد المبعث بالاتفاق. وأما ما وقع في حديث شريك (٢) أنَّ ذلك كان قبل أن يوحى إليه، فهذا مما عُدَّ من أغلاط شريك الثمانية وسوء (٣) حفظه لحديث الإسراء. وقيل: إن هذا كان إسراء المنام قبل الوحي. وأما

стр. 238

إسراء اليقظة فبعد النبوة. وقيل: بل الوحي هاهنا مقيَّد، وليس بالوحي المطلق الذي هو (١) مبدأ النبوة، والمراد: قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء، فأسري به فجأةً من غير تقدُّم إعلام. والله أعلم. فأقام ﷺ بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله تعالى، ويعرض نفسه عليهم في كلِّ موسم أن يُؤْوُوه حتى يبلِّغ رسالة ربِّه ولهم الجنة. فلم يستجب له قبيلة، وذَخَر الله ذلك كرامةً للأنصار. فلما أراد الله إظهار دينه، ونصرَ نبيِّه، وإنجاز وعده، وإعلاء كلمته، والانتقام من أعدائه= ساقه إلى الأنصار لِما أراد بهم من الكرامة، فانتهى إلى نفر منهم ستة، وقيل: ثمانية، وهم يحلقون رؤوسهم عند عقبة منًى في الموسم، فجلس إليهم، ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ورسوله، ورجعوا إلى المدينة، فدعوا قومهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من رسول الله ﷺ ؛ فأول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة مسجد بني زُرَيق. ثم قدم مكة في العام القابل اثنا عشر رجلًا من الأنصار، خمسة منهم من الستة الأولين، فبايعوا رسول الله ﷺ على بيعة النساء عند العقبة، ثم انصرفوا إلى المدينة. فقدِم عليه في العام القابل منهم ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، وهم أهل العقبة الأخيرة، فبايعوا رسول الله ﷺ على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأنفسهم، ويرحل هو وأصحابه إليهم. واختار رسول الله ﷺ منهم اثني عشر نقيبًا. وأذن رسول الله ﷺ لأصحابه في الهجرة إلى المدينة

стр. 239

فخرجوا أرسالًا متسلِّلين، أولهم فيما قيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقيل مصعب بن عمير. فقدِموا على الأنصار في دورهم، فآووهم، ونصروهم، وفشا الإسلام بالمدينة. ثم أذن الله لرسوله ﷺ في الهجرة، فخرج من مكة يوم الاثنين في شهر ربيع الأول ــ وقيل في صفر ــ وله إذ ذاك ثلاث وخمسون سنةً، ومعه أبو بكر الصديق، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن الأُريقط الليثي. فدخل غار ثور هو وأبو بكر، وأقاما (١) فيه ثلاثًا. ثم أخذا على طريق الساحل. فلما انتهوا إلى المدينة وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الأول ــ وقيل غير ذلك ــ نزل (٢) بقباء في أعلى المدينة على بني عمرو بن عوف، ونزل على كلثوم بن الهِدْم. وقيل: على سعد بن خيثمة، والأول أشهر. فأقام عندهم أربعة عشر يومًا، وأسَّس مسجد قباء. ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم، فجمَّع بهم فيمن كان معه من المسلمين وهم مائة. ثم ركب ناقته، وسار. وجعل الناس يكلِّمونه في النزول عليهم، ويأخذون بخطام (٣) الناقة، فيقول: «خلُّوا سبيلها فإنها مأمورة» (٤).

стр. 240

فبركت عند مسجده اليوم، وكان مربدًا لسهل وسهيل غلامين من بني النجار، فنزل عنها على أبي أيوب الأنصاري. ثم بنى مسجده موضع المربد بيده هو وأصحابه بالجريد واللَّبِن، ثم بنى مساكنَه (١) ومساكن أزواجه إلى جنبه، وأقربُها إليه مسكن عائشة. ثم تحوَّل بعد سبعة أشهر من دار أبي أيوب إليها. وبلغ أصحابَه بالحبشة هجرتُه إلى المدينة، فرجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلًا، فحُبِس منهم بمكة سبعة، وانتهى بقيتهم إلى رسول الله ﷺ بالمدينة. ثم هاجر بقيتهم في السفينة عام خيبر سنة سبع. فصل في أولاده ﷺ - أولهم القاسم، وبه كان يكنى، مات طفلًا. وقيل: عاش إلى أن ركب الدابة، وسار على النجيبة. ثم زينب، وقيل: هي أسَنُّ من القاسم. ثم رقية، وأم كلثوم، وفاطمة. وقد قيل في كلِّ واحدة منهن: إنها أسَنُّ من أختيها. وقد ذكر عن ابن عباس أن رقية أسَنُّ الثلاث، وأم كلثوم أصغرهن (٢).

стр. 241

ثم وُلِد له عبد الله، وهل ولد بعد النبوة أو قبلها؟ فيه اختلاف (١)، وصحَّح بعضهم (٢) أنه ولد بعد النبوة. وهل هو الطيب والطاهر، أو هما غيره؟ على قولين. والصحيح أنهما لقبان له. والله أعلم. وهؤلاء كلُّهم من خديجة، ولم يولد له من زوجة غيرها. ثم وُلِد له إبراهيم بالمدينة من سُرِّيَّته مارية القبطية سنة ثمان من الهجرة. وبشَّره به أبو رافع مولاه، فوهب له عبدًا. ومات طفلًا قبل الفطام، واختُلِف هل صلَّى عليه أم لا؟ على قولين. وكلُّ أولاده توفِّي قبله إلا فاطمة، فإنها تأخَّرت بعده بستة أشهر، فرفع الله لها بصبرها واحتسابها من الدرجات ما فضَلت (٣) به نساءَ العالمين. وفاطمة أفضل بناته على الإطلاق، وقد قيل: إنها أفضل نساء العالمين. وقيل: بل أمها خديجة. وقيل: بل عائشة. وقيل بالوقف في ذلك. فصل في أعمامه وعماته (٤) ﷺ فمنهم أسد الله وأسد رسوله سيِّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، والعباس، وأبو طالب واسمه عبد مناف، وأبو لهب واسمه عبد العزَّى، والزبير، وعبد الكعبة، والمقوِّم، وضِرار، وقُثَم، والمغيرة ولقبه حَجْل،

стр. 242

والغَيداق واسمه مصعب، وقيل: نوفل. وزاد بعضهم: العوَّام. ولم يُسلم منهم إلا حمزة والعباس. وأما عمَّاته، فصفية أم الزبير بن العوَّام، وعاتكة، وبَرَّة، وأروى، وأميمة، وأم حكيم البيضاء. أسلم منهن صفية. واختلف في إسلام عاتكة وأروى، وصحَّح بعضهم إسلام أروى (١). وأسنُّ أعمامه الحارث. وأصغرهم سنًّا: العباس، والعقب منه له (٢) حتى ملأ ولده الأرض. وقيل: أُحْصُوا في زمن المأمون، فبلغوا ستمائة ألف. وفي ذلك نظرٌ لا يخفى. وكذلك أعقَب (٣) أبو طالب وأكثَر، والحارث، وأبو لهب. وجعل بعضهم عبد الكعبة (٤) والمقوّم واحدًا، وبعضهم الغَيداق وحَجْلًا واحدًا. فصل في أزواجه ﷺ أولاهن خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية. تزوَّج بها قبل النبوة، ولها أربعون سنةً. ولم يتزوَّج عليها حتى ماتت، وأولاده كلُّهم منها إلا إبراهيم.

стр. 243

وهي التي وازرته على النبوة، وجاهدت معه، وواسته بنفسها ومالها. وأرسل الله إليها السلام مع جبريل (١)، وهذه خاصِّيَّة (٢) لا تعرف لامرأة سواها، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين. ثم تزوَّج بعد موتها بأيام سَودة بنت زَمْعة القرشية، وهي التي وهبت يومها لعائشة. ثم تزوَّج بعدها أمَّ عبد الله عائشة الصدِّيقة بنت الصدِّيق المبرَّأةَ من فوق سبع سماوات، حبيبة رسول ربِّ العالمين، عائشة بنت أبي بكر الصديق. وعرضها عليه الملَكُ قبل نكاحها في سَرَقةٍ (٣) من حرير وقال: «هذه زوجتك» (٤). تزوَّج بها في شوال وعمرُها ستُّ سنين، وبنى بها في شوال في السنة الأولى من الهجرة وعمرُها تسع سنين. ولم يتزوَّج بكرًا غيرها، وما نزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها، وكانت أحبَّ الخلق إليه. ونزل عذرها من السماء، واتفقت الأمة على كفر قاذفها. وهي أفقه نسائه وأعلمهن (٥)، بل أفقه نساء الأمة وأعلمهن على الإطلاق. وكان الأكابر من أصحاب النبي ﷺ يرجعون إلى قولها ويستفتونها. وقيل: إنها أسقطت من النبي ﷺ سِقْطًا، ولم يثبُت.

стр. 244

ثم تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂. وذكر أبو داود (١) أنه طلَّقها ثم راجعها. ثم تزوج زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية من بني هلال بن عامر، وتوفيت عنده بعد ضمه لها بشهرين. ثم تزوج أمَّ سلمة هندَ بنت أبي أمية القرشية المخزومية (٢)، واسمُ أبي أمية حذيفة بن المغيرة، وهي آخر نسائه (٣) موتًا. وقيل: آخرهن موتًا صفية (٤). واختُلِف (٥) فيمن ولي تزويجها منه. فقال ابن سعد في «الطبقات» (٦): ولي تزويجها منه سلَمة بن أبي سلَمة دون غيره من أهل بيتها. ولما زوَّج النبيُّ ﷺ سلَمةَ بن أبي سلمة أمامةَ بنت حمزة التي اختصم فيها علي وجعفر وزيد قال: «هل جزيتُ سلمةَ» (٧)، يقول ذلك، لأن سلمة هو الذي ولي

стр. 245

تزويجه دون غيره من أهله. ذكر هذا في ترجمة سلمة، ثم ذكر في ترجمة أم سلمة، عن الواقدي (١): حدثني مجمِّع بن يعقوب، عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ خطب أمَّ سلمة إلى ابنها عمر بن أبي سلمة، فزوَّجها رسولَ الله ﷺ وهو يومئذ غلام صغير. وقال الإمام أحمد في «المسند» (٢): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت، قال حدثني ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة أنها لما انقضت عدَّتها من أبي سلمة بعث إليها رسول الله ﷺ ، فقالت: «مرحبًا برسول الله ﷺ ، إني امرأة غَيرى، وإني مُصْبِية (٣)، وليس أحد من أوليائي حاضرًا» الحديث. وفيه: فقالت لابنها عمر: «قمْ، فزوِّج رسولَ الله ﷺ ». فزوَّجه. وفي هذا نظر، فإن عمر هذا كان سنُّه لما توفي رسول الله ﷺ تسع سنين، ذكره ابن سعد (٤). وتزوَّجها رسول الله ﷺ في شوال سنة أربع، فيكون له من العمر حينئذ ثلاث سنين، ومثل هذا لا يزوِّج، قال ذلك ابن سعد وغيره. ولما قيل ذلك للإمام أحمد، قال: من يقول إن عمر كان صغيرًا؟ قال أبو الفرج ابن الجوزي (٥): «ولعل

стр. 246

أحمد قال هذا قبل أن يقف (١) على مقدار سنِّه. فقد ذكر مقدار سنِّه جماعة من المؤرخين ابن سعد وغيره». وقد قيل: إن الذي زوَّجها من رسول الله ﷺ ابنُ عمِّها عمر بن الخطاب، والحديث: «قم يا عمر، فزوِّج رسولَ الله ﷺ » (٢). ونسبُ عمر ونسبُ أم سلمة يلتقيان في كعب، فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزَّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رَزَاح بن عدي بن كعب، وأمُّ سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقَظَة بن مرَّة بن كعب، ووافق اسمُ ابنها عمر اسمَه، فقالت (٣): «قم يا عمر، فزوِّج رسول الله»، فظنَّ بعض الرواة أنه ابنها، فرواه بالمعنى، وقال: فقالت لابنها! وذهَل عن تعذُّر ذلك (٤) عليه لصغر سنِّه. ونظيرُ هذا: وهمُ بعض الفقهاء في هذا الحديث وروايتهم له، فقال رسول الله ﷺ : «قم يا غلام، فزوِّج أمَّك». قال أبو الفرج ابن الجوزي (٥): «وما عرفنا هذا في هذا الحديث». قال: «وإن ثبت فيحتمل أن يكون قاله على وجه المداعبة للصغير إذ كان له من العمر يومئذ ثلاث سنين، لأن (٦)

стр. 247

رسول الله ﷺ تزوَّجها في سنة أربعٍ، ومات ولعمر تسع سنين، ورسول الله ﷺ لا يفتقر نكاحه إلى ولي. قال ابن عقيل: ظاهر (١) كلام أحمد أن النبي ﷺ لا يشترط في نكاحه الولي، وأن ذلك من خصائصه (٢). ثم تزوَّج زينبَ بنت جحش من بني أسد بن خزيمة، وهي ابنة عمته أميمة (٣). وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وبذلك كانت تفتخر على نساء النبي ﷺ وتقول: «زوَّجكنَّ أهاليكن وزوَّجني الله من فوق سبع سماوات» (٤). ومن خواصِّها أن الله كان هو وليَّها الذي زوَّجها لرسوله من فوق سماواته. وتوفِّيت في أول خلافة عمر بن الخطاب. وكانت أولًا عند زيد بن حارثة، وكان رسول الله ﷺ تبنَّاه، فلما طلَّقها زوَّجه الله إياها لتتأسَّى به أمته في نكاح أزواج من تبنَّوه.

стр. 248

وتزوَّج جويرية بنت الحارث بن أبي ضِرار المصطلقية. وكانت من سبي بني المصطلِق، فجاءته تستعين به على كتابتها، فأدَّى عنها كتابتها وتزوَّجَها. وتزوَّج أمَّ حبيبة. واسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب القرشية الأموية. وقيل: اسمها هند. تزوَّجها وهي ببلاد الحبشة مهاجرةً، وأصدَقَها عنه النجاشيُّ أربعمائة دينار، وسيقت إليه من هنالك. وماتت في أيام أخيها معاوية. هذا المعروف المتواتر عند أهل السير والتواريخ، وهو عندهم بمنزلة نكاحه لخديجة بمكة، ولحفصة بالمدينة، ولصفية بعد خيبر. وأما حديث عكرمة بن عمَّار، عن أبي زُمَيل، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ : «أسألك ثلاثًا»، فأعطاه إياهن، منها: «وعندي أجمل العرب أمُّ حبيبة أزوِّجك إياها» (١)؛ فهذا الحديث غلط ظاهر لا خفاء به (٢). قال أبو محمد بن حزم (٣): وهو موضوع بلا شك، كذَبه عكرمة بن عمار.

стр. 249

قال ابن الجوزي (١) في هذا الحديث: «هو وهم من بعض الرواة لا شكَّ فيه ولا تردُّد، وقد اتهموا به عكرمةَ بن عمار، لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله (٢) بن جحش، وولدت له، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة. ثم تنصَّر، وثبتت أم حبيبة على إسلامها، فبعث رسول الله ﷺ إلى النجاشي يخطبها عليه، فزوَّجه إياها وأصدَقَها عن رسول الله ﷺ صَداقًا، وذلك في سنة سبع من الهجرة. وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة، فدخل (٣) عليها، فثنت فراشَ رسول الله ﷺ حتى لا يجلس عليه. ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان». وأيضًا في هذا الحديث أنه قال له: «وتؤمِّرني (٤) حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين؟»، فقال: «نعم». ولا يُعرَف أن رسول الله ﷺ أمَّر أبا سفيان البتة. وقد أكثر الناس الكلام في هذا الحديث، وتعدَّدت طرقهم في وجهه. فمنهم من قال: الصحيح أنه تزوَّجها بعد الفتح لهذا الحديث، قال: ولا يُرَدُّ هذا بنقل المؤرِّخين. وهذه طريقة باطلة عند من له أدنى علم بالسِّيَر والتواريخ وما قد كان.

стр. 250

وقالت طائفة: بل سأله أن يجدِّد له (١) العقدَ تطييبًا لقلبه، فإنه كان تزوَّجها بغير اختياره. وهذا أيضًا باطل لا يُظَنُّ بالنبيِّ ﷺ ، ولا يليق بعقل أبي سفيان، ولم يكن من ذلك شيء! وقالت طائفة منهم البيهقي (٢) والمنذري: يحتمل أن تكون هذه المسألة من أبي سفيان وقعت في بعض خَرَجاته إلى المدينة وهو كافر حين (٣) سمع نعيَ زوجِ أمِّ حبيبة بالحبشة. فلما ورد على هؤلاء ما لا حيلة لهم في دفعه من سؤاله أن يؤمِّره حتى يقاتل الكفار، وأن يتخذ ابنه كاتبًا، قالوا: لعل هاتين المسألتين وقعتا (٤) منه بعد الفتح، فجمع الراوي ذلك كلَّه في حديث واحد (٥). والتعسُّف والتكلُّف الشديد الذي (٦) في هذا الكلام يغني عن ردِّه! وقالت طائفة: للحديث محمِل صحيح (٧)، وهو أن يكون المعنى: أرضى أن تكون زوجتَك الآن، فإني قبلُ لم أكن راضيًا بذلك، والآن فإني قد رضيتُ، فأسألك أن تكون زوجتك. وهذا وأمثاله لولا أنَّه قد سُوِّدت به الأوراق، وصُنِّفت فيه الكتب،
следующие страницы →