← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أحمد قال هذا قبل أن يقف (١) على مقدار سنِّه. فقد ذكر مقدار سنِّه جماعة من المؤرخين ابن سعد وغيره». وقد قيل: إن الذي زوَّجها من رسول الله ﷺ ابنُ عمِّها عمر بن الخطاب، والحديث: «قم يا عمر، فزوِّج رسولَ الله ﷺ » (٢). ونسبُ عمر ونسبُ أم سلمة يلتقيان في كعب، فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزَّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رَزَاح بن عدي بن كعب، وأمُّ سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقَظَة بن مرَّة بن كعب، ووافق اسمُ ابنها عمر اسمَه، فقالت (٣): «قم يا عمر، فزوِّج رسول الله»، فظنَّ بعض الرواة أنه ابنها، فرواه بالمعنى، وقال: فقالت لابنها! وذهَل عن تعذُّر ذلك (٤) عليه لصغر سنِّه. ونظيرُ هذا: وهمُ بعض الفقهاء في هذا الحديث وروايتهم له، فقال رسول الله ﷺ : «قم يا غلام، فزوِّج أمَّك». قال أبو الفرج ابن الجوزي (٥): «وما عرفنا هذا في هذا الحديث». قال: «وإن ثبت فيحتمل أن يكون قاله على وجه المداعبة للصغير إذ كان له من العمر يومئذ ثلاث سنين، لأن (٦)

стр. 247

رسول الله ﷺ تزوَّجها في سنة أربعٍ، ومات ولعمر تسع سنين، ورسول الله ﷺ لا يفتقر نكاحه إلى ولي. قال ابن عقيل: ظاهر (١) كلام أحمد أن النبي ﷺ لا يشترط في نكاحه الولي، وأن ذلك من خصائصه (٢). ثم تزوَّج زينبَ بنت جحش من بني أسد بن خزيمة، وهي ابنة عمته أميمة (٣). وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وبذلك كانت تفتخر على نساء النبي ﷺ وتقول: «زوَّجكنَّ أهاليكن وزوَّجني الله من فوق سبع سماوات» (٤). ومن خواصِّها أن الله كان هو وليَّها الذي زوَّجها لرسوله من فوق سماواته. وتوفِّيت في أول خلافة عمر بن الخطاب. وكانت أولًا عند زيد بن حارثة، وكان رسول الله ﷺ تبنَّاه، فلما طلَّقها زوَّجه الله إياها لتتأسَّى به أمته في نكاح أزواج من تبنَّوه.

стр. 248

وتزوَّج جويرية بنت الحارث بن أبي ضِرار المصطلقية. وكانت من سبي بني المصطلِق، فجاءته تستعين به على كتابتها، فأدَّى عنها كتابتها وتزوَّجَها. وتزوَّج أمَّ حبيبة. واسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب القرشية الأموية. وقيل: اسمها هند. تزوَّجها وهي ببلاد الحبشة مهاجرةً، وأصدَقَها عنه النجاشيُّ أربعمائة دينار، وسيقت إليه من هنالك. وماتت في أيام أخيها معاوية. هذا المعروف المتواتر عند أهل السير والتواريخ، وهو عندهم بمنزلة نكاحه لخديجة بمكة، ولحفصة بالمدينة، ولصفية بعد خيبر. وأما حديث عكرمة بن عمَّار، عن أبي زُمَيل، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ : «أسألك ثلاثًا»، فأعطاه إياهن، منها: «وعندي أجمل العرب أمُّ حبيبة أزوِّجك إياها» (١)؛ فهذا الحديث غلط ظاهر لا خفاء به (٢). قال أبو محمد بن حزم (٣): وهو موضوع بلا شك، كذَبه عكرمة بن عمار.

стр. 249

قال ابن الجوزي (١) في هذا الحديث: «هو وهم من بعض الرواة لا شكَّ فيه ولا تردُّد، وقد اتهموا به عكرمةَ بن عمار، لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله (٢) بن جحش، وولدت له، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة. ثم تنصَّر، وثبتت أم حبيبة على إسلامها، فبعث رسول الله ﷺ إلى النجاشي يخطبها عليه، فزوَّجه إياها وأصدَقَها عن رسول الله ﷺ صَداقًا، وذلك في سنة سبع من الهجرة. وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة، فدخل (٣) عليها، فثنت فراشَ رسول الله ﷺ حتى لا يجلس عليه. ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان». وأيضًا في هذا الحديث أنه قال له: «وتؤمِّرني (٤) حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين؟»، فقال: «نعم». ولا يُعرَف أن رسول الله ﷺ أمَّر أبا سفيان البتة. وقد أكثر الناس الكلام في هذا الحديث، وتعدَّدت طرقهم في وجهه. فمنهم من قال: الصحيح أنه تزوَّجها بعد الفتح لهذا الحديث، قال: ولا يُرَدُّ هذا بنقل المؤرِّخين. وهذه طريقة باطلة عند من له أدنى علم بالسِّيَر والتواريخ وما قد كان.

стр. 250

وقالت طائفة: بل سأله أن يجدِّد له (١) العقدَ تطييبًا لقلبه، فإنه كان تزوَّجها بغير اختياره. وهذا أيضًا باطل لا يُظَنُّ بالنبيِّ ﷺ ، ولا يليق بعقل أبي سفيان، ولم يكن من ذلك شيء! وقالت طائفة منهم البيهقي (٢) والمنذري: يحتمل أن تكون هذه المسألة من أبي سفيان وقعت في بعض خَرَجاته إلى المدينة وهو كافر حين (٣) سمع نعيَ زوجِ أمِّ حبيبة بالحبشة. فلما ورد على هؤلاء ما لا حيلة لهم في دفعه من سؤاله أن يؤمِّره حتى يقاتل الكفار، وأن يتخذ ابنه كاتبًا، قالوا: لعل هاتين المسألتين وقعتا (٤) منه بعد الفتح، فجمع الراوي ذلك كلَّه في حديث واحد (٥). والتعسُّف والتكلُّف الشديد الذي (٦) في هذا الكلام يغني عن ردِّه! وقالت طائفة: للحديث محمِل صحيح (٧)، وهو أن يكون المعنى: أرضى أن تكون زوجتَك الآن، فإني قبلُ لم أكن راضيًا بذلك، والآن فإني قد رضيتُ، فأسألك أن تكون زوجتك. وهذا وأمثاله لولا أنَّه قد سُوِّدت به الأوراق، وصُنِّفت فيه الكتب،

стр. 251

وحمله الناس= لكان الأولى بنا الرغبة عنه، لضيق الزمان عن كتابته وسماعه والاشتغال به، فإنه من زَبَد الصدور، لا من زُبَدها! وقالت طائفة: لما سمع أبو سفيان أن رسول الله ﷺ طلَّق نساءه، لما آلى منهن، أقبل إلى المدينة، وقال للنبي ﷺ ما قال ظنًّا منه أنه قد طلَّقها فيمن طلَّق. وهذا من جنس ما قبله. وقالت طائفة: بل الحديث صحيح، ولكن وقع الغلط والوهم من أحد الرواة في تسمية أم حبيبة، وإنما سأله أن يزوِّجه (١) أختَها رملة. ولا يبعد خفاء التحريم (٢) للجمع عليه، فقد خفي ذلك على ابنته، وهي أفقه منه وأعلم حين قالت: يا رسول الله، هل لك في أختي ابنة أبي سفيان؟ فقال: «أفعل ماذا؟». قالت: تنكحها. قال: «أو تحبِّين ذلك؟». قالت: لستُ لك بمُخْلِية، وأحَبُّ من شَرِكني في الخير أختي. قال: «فإنها لا تحِلُّ لي» (٣). فهذه هي التي عرضها أبو سفيان على النبي ﷺ ، فسمَّاها الراوي من عنده أم حبيبة (٤)، وقيل: بل كانت كنيتها أيضًا أم حبيبة. وهذا الجواب حسنٌ لولا قوله في الحديث: «فأعطاه رسولُ الله ﷺ ما سأل». فيقال حينئذ: هذه اللفظة وهم من الراوي، فإنه أعطاه بعض ما سأل، فقال الراوي: أعطاه ما سأل؛ أو أطلقها اتكالًا على فهم المخاطب أنه أعطاه

стр. 252

ما يجوز إعطاؤه مما سأل. والله أعلم. وتزوَّج ﷺ صفية بنت حُيَيِّ بن أخطَب سيِّد بني النضير، من ولد هارون بن عمران أخي موسى، فهي ابنة نبي، وزوجة نبي. وكانت من أجمل نساء العالمين، وكانت قد صارت له من الصَّفيِّ أمةً، فأعتقها، وجعل عتقها صَداقها، فصار ذلك سنَّةً للأمَّة إلى يوم القيامة: أن يُعتِق الرجل أمَتَه، ويجعل عتقَها صَداقَها، فتصير زوجته بذلك. فإذا قال: أعتقتُ أمتي، وجعلتُ عتقها صَداقها؛ أو قال: جعلتُ عتق أمتي صَداقها (١) = صحَّ العتق والنكاح، وصارت زوجته من غير احتياج إلى تجديد عقد ولا ولي. وهذا ظاهر مذهب أحمد، وكثير من أهل الحديث. وقالت طائفة: هذا خاصٌّ بالنبي ﷺ ، وهو مما (٢) خصَّه الله به في النكاح دون الأمَّة. وهذا قول الأئمة الثلاثة ومن وافقهم. والصحيح: القول الأول لأن الأصل عدم الاختصاص حتى يقوم عليه دليل. والله سبحانه لما خصَّه بنكاح الموهوبة قال فيها: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ولم يقل هذا في المعتَقة، ولا قاله رسولُ الله ﷺ ليقطع تأسِّيَ الأمَّة به في ذلك. والله سبحانه أباح له نكاح امرأةِ مَن تبنَّاه لئلا يكون على الأمَّة حرج في نكاح أزواج من تبنَّوه، فدلَّ على أنه إذا نكح نكاحًا فلأمَّته التأسِّي به فيه، ما لم يأتِ عن الله ورسوله نصٌّ بالاختصاص وقطعِ التَّأسِّي. وهذا ظاهر.

стр. 253

ولتقرير هذه المسألة، وبسط الاحتجاج فيها، وتقرير أن جواز مثل هذا هو مقتضى الأصول والقياس= موضع آخر، وإنما نبَّهنا عليها تنبيهًا (١). ثم تزوَّج ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي آخر من تزوَّج بها. تزوَّجها بمكة في عمرة القضاء بعد أن حلَّ منها على الصحيح. وقيل: قبل إحلاله. هذا قول ابن عباس، ووهم ﵁، فإن السفير بينهما في النكاح أعلَمُ الخلق بالقصة، وهو أبو رافع، وقد أخبر أنه تزوَّجها حلالًا، وقال: «أنا كنت السفير بينهما» (٢). وابن عباس إذ ذاك له نحو العشر سنين أو فوقها، وكان غائبًا عن القصة لم يحضرها. وأبو رافع رجل بالغ، وعلى يده دارت القصة وهو أعلَم بها. ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح موجِب للتقديم (٣). وماتت أيامَ معاوية، وقبرها بسَرِف. قيل: ومن أزواجه ريحانة بنت زيد النَّضَريَّة، وقيل: القُرَظيَّة، سُبيت يوم بني قريظة، فكانت صفيَّ رسول الله ﷺ ، فأعتقها وتزوَّجها، ثم طلَّقها

стр. 254

تطليقةً، ثم راجعها. وقالت طائفة: بل كانت أمته، فكان يطؤها بملك اليمين حتى توفِّي عنها، فهي معدودة في السَّراريِّ لا في الزوجات. والقول الأول اختيار الواقدي (١) ووافقه عليه شرف الدين الدمياطي وقال: هو الأثبت عند أهل العلم (٢). وفيما قاله نظر، فإن المعروف أنها من سراريِّه وإمائه، والله أعلم. فهؤلاء نساؤه المعروفات اللاتي دخل بهن. وأما من خطبها ولم يتزوَّجها، ومن وهبت نفسَها له فلم يتزوَّجها؛ فنحو أربع أو خمس. وقال بعضهم (٣): هن ثلاثون امرأةً، وأهل العلم بالسيرة وأحواله ﷺ لا يعرفون هذا، بل ينكرونه. والمعروف عندهم أنه بعَث في الجَونية (٤) ليتزوَّجها، فدخل عليها ليخطبها، فاستعاذت منه، فأعاذها ولم يتزوَّجها. وكذلك الكلبية. وكذلك

стр. 255

التي رأى بكَشْحها بياضًا، فلم يدخل بها. والتي وهبت نفسها له، فزوَّجها (١) غيرَه على سور من القرآن. هذا هو المحفوظ، والله أعلم. ولا خلاف أنه ﷺ توفِّي عن تسع، كان يقسم منهن لثمان: عائشة، وحفصة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وسودة، وجويرية. وأول نسائه لحوقًا به بعد وفاته: زينب بنت جحش سنة عشرين. وآخرهن موتًا: أمُّ سلمة سنة اثنتين وستين في خلافة يزيد. والله أعلم. فصل في سراريِّه ﷺ قال أبو عبيدة (٢): كان له أربع: مارية وهي أم ولده إبراهيم، وريحانة، وجارية أخرى جميلة أصابها في بعض السَّبْي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. فصل في مواليه ﷺ فمنهم زيد بن حارثة بن شَراحيل، حِبُّ رسول الله ﷺ ، أعتقه وزوَّجه مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة.

стр. 256

ومنهم أسلم، وأبو رافع، وثوبان، وأبو كبشة سُلَيم، وشُقْران واسمه صالح، ورَباح نوبي، ويسار نوبي أيضًا، وهو قتيل العُرَنيين، ومِدْعَم. وكِرْكِرة (١) نوبي أيضًا، وكان على ثَقَله ﷺ ، وكان يمسك راحلته عند القتال يوم خيبر. وفي «صحيح البخاري» (٢) أنه الذي غلَّ الشملة ذلك اليوم فقُتِل، فقال النبي ﷺ : «إنها لتلتهب عليه نارًا». وفي «الموطأ» (٣) أن الذي غلَّها مِدْعَم، وكلاهما قُتِل بخيبر. والله أعلم. ومنهم أنجَشة الحادي. وسفينة بن فَرُّوخ واسمه مِهْران، وسمَّاه رسول الله ﷺ «سفينة» لأنهم كانوا يحمِّلونه في السفر متاعَهم، فقال: «أنت سفينة» (٤). قال أبو حاتم (٥): أعتقه النبي (٦) ﷺ ، وقال غيره: أعتقته أمُّ سلَمة.

стр. 257

ومنهم: أَنَسة ويكنى أبا مسروح (١)، وأفلح، وعبيد، وطَهمان ــ قيل: وهو كيسان ــ وذكوان، ومهران، ومروان. وقيل: هذا اختلاف في اسم طهمان، والله أعلم. ومنهم حُنَين، وسَنْدَر، وفَضالة يماني، ومأبور خصي، وواقد، وأبو واقد، وهشام (٢)، وأبو عَسيب، وأبو مويهبة. ومن النساء: سلمى أم رافع، وميمونة بنت سعد (٣)، وخَضِرة، ورضوى، ورُبَيحة (٤)، وأم ضُمَيرة، وميمونة بنت (٥) أبي عسيب، ومارية، وريحانة. فصل في خُدَّامه ﷺ فمنهم أنس بن مالك، وكان على حوائجه. وعبد الله بن مسعود صاحب نعله وسواكه. وعقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته، يقود به في الأسفار. وأسلع بن شريك، وكان صاحب راحلته. وبلال بن رباح المؤذن، وسعد، موليا (٦) أبي بكر. وأبو ذر الغفاري. وأيمن بن عبيد، وأمُّه أم أيمن موليا النبي ﷺ ، وكان أيمن على مِطْهَرته وحاجته.

стр. 258

فصل في كُتّابه ﷺ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وعامر بن فُهَيرة، وأُبَيُّ بن كعب، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن الأرقم، وثابت بن قيس بن شمَّاس، وحنظلة بن الربيع الأُسَيِّدي (١)، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وخالد بن سعيد بن العاص وقيل: إنه أول من كتب له. ومعاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت، وكانا ألزمهم لهذا الشأن وأخصَّهم به. فصل في كتبه التي كتبها إلى أهل الإسلام في الشرائع فمنها: كتابه في الصدقات الذي كان عند أبي بكر. وكتبه أبو بكر لأنس بن مالك لما وجَّهه إلى البحرين (٢)، وعليه عمل الجمهور. ومنها: كتابه إلى أهل اليمن، وهو الكتاب الذي رواه أبو بكر [بن محمد] (٣) بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدِّه. كذلك رواه أبو حاتم في «صحيحه» (٤) والنسائي وغيرهما مسندًا متصلًا (٥)، ورواه أبو داود وغيره

стр. 259

مرسلًا (١). وهو كتاب عظيم جليل (٢)، فيه أنواع كثيرة من الفقه في الزكاة، والديات، والأحكام، وذكر الكبائر، والطلاق، والعتاق، وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والاحتباء فيه، ومسّ المصحف، وغير ذلك. قال الإمام أحمد: لا شك أن رسول الله ﷺ كتبه (٣). واحتجَّ الفقهاء كلُّهم بجُمَل ما (٤) فيه من مقادير الديات. ومنها: كتابه إلى بني زهير (٥).

стр. 260

ومنها: كتابه الذي كان عند عمر بن الخطاب في نُصُب الزكوات وغيرها (١). فصل في رسله ﷺ وكتبه إلى الملوك لما رجع ﷺ من الحديبية كتب إلى ملوك الأرض، وأرسل إليهم رسله. فكتب إلى ملك الروم، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا أن يكون مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، ونقش عليه ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر؛ وختم به الكتب إلى الملوك (٢). وبعث ستة نفر في يوم واحد في المحرَّم سنة سبع. فأولهم عمرو بن أمية الضَّمْري، بعثه إلى النجاشي، واسمه أصحَمة بن أبجَر، وتفسير «أصحمة» بالعربية: عطية. فعظَّم كتابَ النبي ﷺ ، ثم أسلم (٣) وشهِد شهادة الحق، وكان من أعلم الناس بالإنجيل. وصلَّى عليه النبيُّ ﷺ يوم مات بالمدينة وهو بالحبشة. هكذا قال جماعة، منهم الواقدي وغيره، وليس كما قال هؤلاء، فإن أصحمة النجاشي الذي صلَّى عليه رسولُ الله ﷺ ليس هو بالذي كتَب إليه. وهذا الثاني لا يُعرَف إسلامه، بخلاف الأول فإنه مات مسلمًا (٤).

стр. 261

وقد روى مسلم في «صحيحه» (١) من حديث قتادة، عن أنس قال: «كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي»، وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه رسول الله ﷺ . وقال أبو محمد بن حزم (٢): إن هذا النجاشي الذي بعث إليه رسول الله ﷺ عمرو بن أمية لم يُسلِم. والأول اختيار ابن سعد وغيره (٣)، والظاهر قول ابن حزم. وبعث دِحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم، واسمه هِرَقل، فهمَّ بالإسلام وكاد، ولم يفعل. وقيل: بل أسلم، وليس بشيء. وقد روى (٤) أبو حاتم بن حِبَّان في «صحيحه» (٥) عن أنس بن مالك قال: [قال رسول الله ﷺ ] (٦): «من ينطلق بصحيفتي هذه إلى قيصر [وله الجنة] (٧)؟»، فقال رجل من القوم: وإن لم أُقْتَل (٨)؟ قال (٩): «وإن لم تُقْتَلْ». فوافق قيصرَ وهو

стр. 262

يأتي بيتَ المقدس فرمَى بالكتاب البساطَ، وتنحَّى. فنادى قيصرُ: مَن صاحبُ الكتاب؟ فهو آمن. قال: أنا. قال: فإذا قَدِمتُ فأتِني، فلما قدِم أتاه، فأمَر قيصرُ بأبواب قصره، فغُلِّقَتْ، ثم أمر مناديَه، فنادى: ألا، إن قيصر اتَّبعَ محمدًا، وترك النصرانية. فأقبل جندُه، وقد تسلَّحوا. فقال لرسول رسول الله ﷺ : قد ترى أني خائفٌ على مملكتي. ثم أمرَ مناديه فنادى: ألا، إن قيصر قد رضي عنكم. وكتب إلى رسول الله ﷺ : إني مسلم؛ وبعَث إليه بدنانير. فقال رسول الله ﷺ : «كذب عدوُّ الله، ليس بمسلم، وهو على النصرانية»، وقسَم الدنانيرَ. وبعث عبدَ الله بن حُذافة السَّهمي إلى كِسْرى، واسمه أَبْرَوِيز بن هُرْمُز بن أنُوشَروان، فمزَّق كتاب النبي ﷺ . فقال النبيُّ ﷺ : «اللهم مزِّق ملكَه». فمزَّق الله ملكَه (١) وملكَ قومه (٢). وبعث حاطبَ بن أبي بَلْتَعة إلى المُقَوقِس (٣)، واسمه جُرَيج بن مِيناء ملك إسكندرية (٤) عظيم القبط. فقال خيرًا، وقاربَ الأمرَ، ولم يُسلِم. وأهدى للنبي ﷺ مارية وأختيها سِيرين وقيسَر (٥)، فتسرَّى بمارية، ووهب سِيرين لحسان بن ثابت (٦). وأهدى له جاريةً أخرى، وألف مثقال ذهبًا،

стр. 263

وعشرين ثوبًا من قَباطيِّ مصر، وبغلةً شهباء وهي دُلدُل، وحمارًا أشهب، وهو عُفَير، وغلامًا خصيًّا يقال له مأبور، قيل: هو ابن عمِّ مارية، وفرسًا وهو اللِّزَاز، وقدَحًا من زجاج، وعسلًا (١). فقال النبيُّ ﷺ : «ضنَّ الخبيثُ بمُلكه، ولا بقاء لمُلكه» (٢). وبعث شجاعَ بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شِمْر الغسَّاني ملِك البلقاء، قاله ابن إسحاق (٣) والواقدي (٤). وقيل (٥): إنما توجَّه لجَبَلة بن الأيهم. وقيل (٦): توجَّه لهما معًا. وقيل (٧): توجَّه لهرقل مع دِحْية بن خليفة. فالله أعلم. وبعث سَليط بن عمرو إلى هَوذة بن علي الحنفي باليمامة، فأكرمه. وقيل (٨): بعثه إلى هَوذة، وإلى ثُمامة بن أُثال الحنفي، فلم يُسلِم هَوذة، وأسلم ثُمامة بعد ذلك. فهؤلاء الستة قيل: هم الذين بعثهم رسول الله ﷺ في يوم واحد.

стр. 264

وبعث عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جَيفَر وعبدٍ ابني الجُلَنْدَى (١) الأزديَّين بعُمَان، فأسلَما وصدَّقا، وخلَّيَا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بينهم. فلم يزل بينهم حتى بلغته (٢) وفاة النبي ﷺ . وبعث العلاءَ بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوَى (٣) العبدي ملكِ البحرين قبل منصرَفه من الجِعْرانة، وقيل: قبل الفتح، فأسلم وصدَّق. وبعث المهاجرَ بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كُلال الحِمْيري باليمن، فقال: سأنظر في أمري. وبعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك، وقيل: بل سنة عشر في ربيع الأول (٤)، داعيين إلى الإسلام، فأسلم عامَّةُ أهلها طَوعًا من غير قتال. ثم بعث بعد ذلك عليَّ بنَ أبي طالب إليهم، ووافاه بمكة في حَجَّة الوداع. وبعث (٥) جريرَ بن عبد الله البجلي إلى ذي الكُلاع وذي عمرو، يدعوهما إلى الإسلام، فأسلما. وتوفِّي رسول الله ﷺ وجريرٌ عندهم.

стр. 265

وبعث عمرَو بنَ أمية الضَّمْري إلى مسيلمة الكذّاب بكتاب، وكتب إليه بكتاب آخر مع السائب بن العوَّام أخي الزبير، فلم يُسلِم. وبعث إلى فَروة بن عمرو الجُذامي يدعوه إلى الإسلام. وقيل: لم يبعث إليه. وكان فروة عاملًا لقيصر بمُعَان (١)، فأسلم، وكتب إلى النبي ﷺ بإسلامه. وبعث إليه هديةً مع مسعود بن سعد، وهي بغلة شهباء يقال لها: فِضَّة، وفرس يقال لها: الظَّرِب (٢)، وحمار يقال له: يعفور. كذا قال جماعة، والظاهر ــ والله أعلم ــ أن عُفَيرًا ويعفورًا واحد (٣)، وعُفَير (٤) تصغير يعفور تصغير الترخيم (٥). وبعث إليه أثوابًا وقَباءَ سندسٍ مخوَّصٍ (٦) بالذهب. فقبِل هديته، ووهب لمسعود بن سعد اثنتي عشرة أوقيةً ونشًّا (٧). وبعث عيَّاشَ بن أبي ربيعة المخزومي بكتاب إلى الحارث ومسروح ونُعَيم بني (٨) عَبدِ كُلال من حمير.

стр. 266

فصل في مؤذِّنيه ﷺ - وكانوا أربعةً: اثنان بالمدينة: بلال بن رباح، وهو أول من أذَّن لرسول الله ﷺ ، وعمرو بن أمِّ مكتوم القرشي العامري الأعمى. وبقباء: سعدُ القَرَظ مولى عمَّار بن ياسر. وبمكة: أبو محذورة، واسمه أوس بن مِعْيَر (١) الجُمَحي. وكان أبو محذورة منهم يرجِّع الأذان ويثنِّي الإقامة، وبلال لا يرجِّع، ويُفرد الإقامة؛ فأخذ الشافعيُّ وأهل مكة بأذان أبي محذورة وإقامة بلال، وأخذ أبو حنيفة وأهل العراق بأذان بلال وإقامة أبي محذورة، وأخذ الإمام أحمد في أهل الحديث وأهل المدينة بأذان بلال وإقامته. وخالفهم مالك في موضعين: إعادة التكبير وتثنية لفظة الإقامة، فإنه لا يكررها. فصل في أمرائه ﷺ - منهم باذان بن (٢) ساسان، من ولد بَهْرام جُور، أمَّره رسول الله ﷺ على أهل اليمن كلِّها بعد موت كسرى، فهو أول أمير في الإسلام على اليمن، وأول من أسلم من ملوك العجم. ثم أمَّرَ رسول الله ﷺ بعد موت باذان ابنَه شَهْر بن باذان على صنعاء وأعمالها. ثم قُتِل شَهْر، فأمَّر رسولُ الله ﷺ على صنعاء خالد بن سعيد بن العاص.

стр. 267

وولَّى رسولُ الله ﷺ المهاجر بن أبي أمية المخزومي كندةَ والصَّدِفَ فتوفِّي رسول الله ﷺ ولم يسِرْ إليها، فبعثه أبو بكر إلى قتال أناس من المرتدِّين. وولَّى زيادَ بن لبيد (١) الأنصاري حَضْرَمَوتَ. وولَّى أبا موسى الأشعري زَبيدَ وعدنَ ورِمَعَ (٢) والساحل. وولَّى معاذ بن جبل الجَنَد. وولَّى أبا سفيان صخر بن حرب نجران. وولَّى ابنَه يزيد تيماءَ. وولَّى عتَّاب بن أَسِيد مكةَ وإقامةَ الموسم والحجِّ بالمسلمين سنة ثمان وله دون العشرين سنةً. وولَّى عليَّ بن أبي طالب الأخماسَ باليمن والقضاءَ بها. وولَّى عمرو بن العاص عُمَان وأعمالها. وولَّى الصدقاتِ جماعةً كثيرةً، لأنه كان على كلِّ قبيلة والٍ يقبض صدقاتها، فمن هنا كثر عُمّال الصدقات. وولَّى أبا بكر إقامة الحج سنة تسع، وبعث في إثره عليًّا يقرأ على الناس سورة (براءة)؛ فقيل: لأن أولها نزل بعد أن خرج أبو بكر إلى الحج. وقيل: بل لأن (٣) عادة العرب كانت أنه لا يحُلُّ العقودَ ويعقِدُها إلا المطاع، أو

стр. 268

رجلٌ من أهل بيته. وقيل: أردفه به عونًا له ومساعدًا. ولهذا قال له الصدِّيق: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور (١). وأما أعداء الله الرافضة، فيقولون: بل عزَلَه بعليٍّ، وليس هذا ببدعٍ من بَهْتِهم وافترائهم. واختلف الناس هل كانت هذه الحجة قد وقعت في شهر ذي الحجة، أو كانت في ذي القعدة، من أجل النسيء؟ على قولين، والله أعلم. فصل في حَرَسه ﷺ - فمنهم: سعد بن معاذ، حرَسه يوم بدر حين نام في العريش. ومنهم محمد بن مَسْلَمة حرَسه يوم أحد، والزبير بن العوام حرَسه (٢) يوم الخندق. ومنهم: عبَّاد بن بشر، وهو الذي كان على (٣) حَرَسه.

стр. 269

وحرَسه جماعة آخرون غير هؤلاء. فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١) [المائدة: ٦٧] خرج على الناس، فأخبرهم بها، وصرَف الحرَس (٢). فصل فيمن كان يضرب الأعناق بين يديه علي بن أبي طالب، والزبير بن العوَّام، والمِقداد بن عمرو، ومحمد بن مَسْلمة، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والضحاك بن سفيان الكلابي. وكان قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري منه ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير (٣). ووقف المغيرة بن شعبة على رأسه بالسيف يوم الحديبية. فصل فيمن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن كان يأذن عليه كان بلال على نفقاته، ومُعَيقيب بن أبي فاطمة الدَّوسي على خاتمه، وابن مسعود على سواكه ونعله. وأذِن عليه رَباح الأسود وأنَسَة مولياه، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري.

стр. 270

فصل في شعرائه وخطبائه كان شعراؤه (١) الذين يذُبُّون عن الإسلام: كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسَّان بن ثابت. وكان أشدّهم على الكفار حسَّان. وكعب بن مالك يعيِّرهم بالكفر والشرك. وكان خطيبه ثابت بن قيس بن شمَّاس. فصل في حُداته الذين كانوا يَحْدُون بين يديه ﷺ في السفر منهم: عبد الله بن رواحة، وأنجَشَة، وعامر بن الأكوع عمُّ (٢) سَلَمة بن الأكوع. وفي «صحيح مسلم» (٣): كان لرسول الله ﷺ حادٍ حسنُ الصوت، فقال له رسول الله ﷺ : «رويدًا يا أنجَشَة، لا تكسِر القوارير» يعني ضَعَفةَ النساء. فصل في غزواته وبعوثه وسراياه غزواته كلُّها وبعوثه وسراياه كانت بعد الهجرة في مدة عشر سنين. فالغزوات سبع وعشرون، وقيل: خمس وعشرون، وقيل: تسع عشرة (٤)،

стр. 271

وقيل غير ذلك. قاتل منها في تسع: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. وقيل: قاتل في بني النضير، والغابة، ووادي القرى من أعمال خيبر. وأما سراياه وبعوثه، فقريب (١) من ستِّين (٢). والغزوات الكبار الأمهات سبع: بدر، وأحد، والخندق، وخيبر، والفتح، وحنين، وتبوك. وفي شأن هذه الغزوات نزل القرآن. فسورة الأنفال سورة بدر. وفي أحد آخر آل عمران من قوله ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آية: ١٢١] إلى قُبيل آخرها بيسير. وفي قصَّة الخندق وقريظة (٣) صدر سورة الأحزاب. وسورة الحشر في بني النضير. وفي قصة الحديبية وخيبر سورة الفتح، وأشير فيها إلى الفتح، وذُكِر الفتح صريحًا في سورة النصر. وجُرِح منها (٤) ﷺ في غزوة واحدة وهي أحد. وقاتلت معه الملائكة منها في بدر وحنين. ونزلت الملائكة يوم الخندق، فزلزلت المشركين وهزمتهم (٥). ورمى منها (٦) بالحصى في وجوه المشركين، فهربوا. وكان الفتح في غزوتين:

стр. 272

بدر، وحنين. وقاتَل بالمَنْجَنيق منها في غزوة واحدة، وهي الطائف. وتحصَّن بالخندق في واحدة، وهي الأحزاب، أشار عليه به سلمان الفارسي. فصل في ذكر سلاحه ﷺ وأثاثه (١) كان له تسعة أسياف: مأثور، وهو أولُ سيفٍ مَلَكه، وَرِثه من أبيه. والعَضْب، وذو الفِقار بكسر الفاء وفتحها، وكان لا يكاد يفارقه. وكانت قائمته وقَبيعته (٢) وحلقته وذؤابته وبَكَراته ونعله من فضَّة. والقَلَعي، والبتَّار، والحَتْف، والرَّسوب، والمِخْذَم، والقضيب (٣). وكانت نعل سيفه فضةً، وقبيعة سيفه فضةً (٤)، وما بين ذلك حِلَقُ فضة (٥). وكان سيفه ذو الفقار تنفَّله يوم بدر، وهو الذي أُرِي فيها الرؤيا (٦). ودخل يوم الفتح مكةَ، وعلى سيفه ذهب (٧) وفضة.

стр. 273

وكانت له سبع أدراع: ذات الفُضول وهي التي رهَنها عند أبي الشَّحم اليهودي على شعير لعياله، وكان ثلاثين صاعًا، وكان الدَّين إلى سنة، وكانت الدرع من حديد. وذات الوشاح، وذات الحواشي، والسُّغْدية، وفِضّة، والبتراء، والخِرنق. وكانت له ستُّ قِسِيٍّ: الزوراء، والروحاء، والصفراء، والبيضاء، والكَتوم كُسرت يوم أحد، فأخذها قتادة بن النعمان، والسَّداد. وكانت له جَعْبة تدعى: الكافور، ومنطقة من أديم مبشور (١) فيها ثلاث حِلَق من فضة، والإبزيم (٢) من فضة، والطرف من فضة. كذا قال بعضهم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يبلغنا أن النبيَّ ﷺ شدَّ على وسطه منطقةً (٣). وكان له تُرْس يقال له: الزَّلوق (٤)، وتُرس يقال له: الفُتَق (٥). قيل: وترس

стр. 274

أهدي إليه، فيه صورة تمثال، فوضَع يده عليه، فأذهب الله ذلك التمثال (١). وكان له خمسة أرماح، يقال لأحدهم (٢): المُثْوي (٣)، والآخر: المتثنِّي (٤)، وحَربة يقال لها: النَّبْعة، وأخرى كبيرة تُدعى (٥): البيضاء، وأخرى صغيرة شبه العُكّاز يقال لها: العَنَزة يُمشَى بها بين يديه في الأعياد حتى (٦) تُركَز أمامه، فيتخذها سترةً يصلِّي إليها، وكان يمشي بها أحيانًا. وكان له مِغْفَر من حديد يقال له: الموشَّح، وُشِّح بشَبَه (٧)، ومغفر آخر يقال له: السَّبوغ، أو ذو السُّبوغ (٨).

стр. 275

وكانت له ثلاث جِبَاب يلبسها في الحرب، قيل فيها: جُبَّة سُنْدُس أخضر. والمعروف أن عروة بن الزبير كان له يَلْمَقٌ (١) من ديباج بطانته سندس أخضر، يلبسه في الحرب (٢)، وأحمد في إحدى روايتيه يجوِّز لبسَ الحرير في الحرب (٣). وكانت له راية سوداء يقال لها: العُقاب. وفي «سنن أبي داود» (٤) عن رجل من الصحابة قال: رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء، وكانت ألويته بِيضًا، وربما جعل فيها الأسود. وكان له فسطاط يسمَّى: الكِنَّ، ومِحْجَن قدر ذراع أو أطول يمشي به ويركب به، ويعلِّقه بين يديه على بعيره؛ ومِخْصَرة تسمَّى: العُرجون، وقضيب من الشَّوحَط (٥) يسمَّى: الممشوق. قيل: وهو الذي كان يتداوله الخلفاء. وكان له قَدَح يسمَّى: الرَّيَّان، ويسمَّى مُغيثًا (٦)، وقدح آخر مضبَّب بسلسلة من فضة. وكان له قدَح من قوارير، وقدَح من عَيدان يوضع تحت سريره يبول فيه

стр. 276

بالليل، ورَكْوة تسمَّى: الصادرة. قيل: وتَور من حجارة يتوضأ فيه (١)، ومِخْضَب من شَبَه، وقَعْب يسمَّى: السَّعة، ومِغْسَل من صُفْر، ومُدْهُن، ورَبْعة (٢) يجعل فيها المرآة والمُشْط. قيل: وكان المُشْط من عاج، وهو الذَّبْل؛ ومُكْحُلة يكتحل منها (٣) عند النوم ثلاثًا في كلِّ عين بالإثمد. وكان في الرَّبْعة المقراضان (٤) والسِّواك. وكانت (٥) له قَصْعة تسمَّى: الغرَّاء، لها أربع (٦) حِلَق يحملها أربعة رجال بينهم؛ وصاعٌ، ومُدٌّ، وقطيفة، وسريرٌ قوائمه من ساجٍ أهداه له أسعد بن زُرارة، وفراشٌ من أَدَمٍ حشوُه لِيف (٧). وهذه الجملة قد رويت مفرَّقةً في أحاديث. وقد روى الطبراني في «معجمه» (٨) حديثًا جامعًا في آلاته (٩) من حديث

стр. 277

ابن عباس، قال: كان لرسول الله ﷺ سيفٌ قائمته من (١) فضة، وقبيعته من فضة، وكان يسمَّى: ذا الفَقار. وكانت له قوس تسمَّى: السَّدَاد. وكانت له كنانة تسمَّى: الجُمْع. وكانت له درع موشَّحة بالنحاس تسمَّى: ذات الفضول. وكانت له حَرْبة تسمَّى: النبعاء (٢). وكان له مِجَنٌّ يسمَّى: الدَّفن (٣). وكان له ترس أبيض يسمى: الموجز. وكان له فرس أدهم يسمَّى: السَّكْب. وكان له سرج يسمَّى: الرَّاج (٤). وكانت له بغلة شهباء يقال لها: دلدل. وكانت له ناقة تسمَّى: القَصْواء. وكان له حمار يسمَّى: يعفور. وكان له بساط يسمى: الكَرْد (٥)، وكانت له عنزة تسمى: النَّمِر (٦)، وكانت له ركوة تسمى: الصادر.

стр. 278

وكان له مقراض اسمه الجامع، ومرآة [تسمَّى: المدلّة] (١)، وقضيب شَوْحَط يسمى: الموت». فصل في دوابه ﷺ فمن الخيل: السَّكْب. قيل: وهو أول فرس ملَكَه. وكان اسمه عند الأعرابي الذي اشتراه منه بعَشْر أواق: «الضَّرِس». وكان أغرَّ محجَّلًا طَلْقَ اليمين كُمَيتًا. وقيل كان أدهم. والمرتجِز. وكان أشهب، وهو الذي شهد فيه خزيمة بن ثابت (٢). واللُّحَيف (٣)، واللِّزَاز، والظَّرِب (٤)، وسَبْحة، والوَرْد. فهذه سبعة متفق عليها (٥)، جمعها الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي إسحاق بن جماعة

стр. 279

الشافعي في بيت، فقال: والخيلُ سَكْبٌ لُحَيفٌ سَبْحةٌ ظَرِبٌ ... لِزَازُ مرتجِزٌ وَرْدٌ لها اسرارُ أخبرني بذلك عنه ولده الإمام عزُّ الدين عبد العزيز أبو عمر أعزَّه الله بطاعته (١). وقيل: كانت له أفراس أُخَر خمسة عشر، ولكن مختلف فيها (٢). وكان دفَّتا سَرْجه من ليف. وكان له من البغال دُلدُل، وكانت شهباء أهداها له المُقَوقِس. وبغلة أخرى يقال لها: فِضَّة، أهداها له فَروة الجُذامي. وبغلة شهباء أهداها له صاحب أيلة. وأخرى أهداها له صاحب دُومة الجندل، وقد قيل: إن النجاشي أهدى للنبي ﷺ بغلةً، فكان يركبها (٣). ومن الحمير عُفَير وكان أشهب، أهداه له المُقَوقِس ملكُ القبط، وحمار آخر أهداه له فَروة الجُذامي. وذُكِر أن سعد بن عبادة أعطى النبيَّ ﷺ حمارًا فركبه (٤).

стр. 280

ومن الإبل: القَصْواء (١)، قيل: وهي التي هاجر عليها. والعَضْباء والجَدْعاء، ولم يكن بها عضَب ولا جدَع (٢)، وإنما سُمِّيت (٣) بذلك. وقيل: كان بأذنها عضَبٌ فسمِّيت به. وهل العضباء والجدعاء واحدة، أو اثنتان؟ فيه خلاف. والعضباء هي التي كانت لا تُسْبَق، ثم جاء أعرابي على قَعود له، فسبقها، فشقَّ ذلك على المسلمين، فقال ﷺ : «إنَّ حقًّا على الله أن لا يرفع من الدنيا شيئًا إلا وضَعه» (٤). وغنِم ﷺ يوم بدر جملًا مَهْريًّا لأبي جهل في أنفه بُرَةٌ من فضَّة، فأهداه يومَ الحديبية ليغيظ بذلك المشركين. وكانت له خمس وأربعون لِقْحةً (٥). وكانت له مَهْريَّةٌ (٦) أرسل بها إليه سعد بن عبادة من نَعَم بني عُقَيل.

стр. 281

وكانت له مائة شاة. لا يريد (١) أن تزيد، كلَّما ولَّد الراعي بَهْمةً ذبح (٢) مكانها شاةً. وكانت له سبعُ أعنُز منائح ترعاهن أمُّ أيمن. فصل في ملابسه ﷺ كانت له عِمامة تسمى: السَّحاب، كساها عليًّا. وكان يلبسها تحت القلنسوة (٣). وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة، ويلبس العمامة بغير قلنسوة. وكان إذا اعتمَّ أرخى عمامته بين كتفيه، كما روى مسلم في «صحيحه» (٤)

стр. 282

عن عمرو بن حُريث قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه. وفي مسلم (١) أيضًا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء. ولم يذكر في حديث جابر: ذؤابةً، فدلَّ على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائمًا بين كتفيه. وقد يقال: إنّ النبي ﷺ دخل مكة وعليه أُهبة القتال، والمِغفَرُ على رأسه (٢)، فلبِس في كلِّ موطن ما يناسبه (٣). وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدَّس الله روحه يذكر في سبب الذؤابة شيئًا بديعًا، وهو أن النبي ﷺ إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه بالمدينة لما رأى ربَّ العزة ﵎، «فقال: يا محمد، فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري. فوضع يده بين كتفيَّ، فعلمتُ ما بين السماء

стр. 283

والأرض ... » الحديث، وهو في الترمذي (١)، وسأل (٢) عنه البخاريَّ فقال: صحيح. قال: فمن تلك الغداة أرخى الذؤابة بين كتفيه ﷺ . وهذا من العلم الذي تنكره ألسنةُ الجهَّال وقلوبُهم. ولم أر هذه الفائدة في شأن الذؤابة لغيره. ولبس القميص, وكان أحبَّ الثياب إليه، وكان كمُّه إلى الرُّسْغ. ولبِس الجُبَّةَ, والفَرُّوجَ وهو شبه القَباء (٣)، والفَرَجيَّةَ [*] (٤)، ولبِس القَباء أيضًا. ولبِس في السفر جبّةً ضيقة الكمَّين. ولبِس الإزار والرداء. قال الواقدي (٥): كان رداؤه بُرْدةً طول ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج عُمَان طول أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر. ولبِس حُلَّةً حمراء. والحُلَّة: إزار ورداء، ولا تكون الحُلَّة إلا اسمًا للثوبين معًا. وغلِط من ظنَّ أنها كانت حمراء بحتًا لا يخالطها غيرها، وإنما الحُلَّة الحمراء: بردان يمانيان منسوجان بخطوط حُمْر مع الأسود، كسائر

стр. 284

البرود اليمنية. وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحُمْر، وإلا فالأحمر البحت منهيٌّ عنه أشدَّ النهي، ففي «صحيح البخاري» (١) أن النبي ﷺ نهى عن المَيَاثر (٢) الحُمْر. وفي «سنن أبي داود» (٣) عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ رأى عليه رَيطةً (٤) مضرَّجةً بالعُصْفُر فقال: «ما هذه الريطة عليك؟». قال: فعرفتُ ما كره، فأتيتُ أهلي وهم يسجُرون تنُّورًا لهم، فقذفتُها فيها (٥). ثم أتيته من الغد فقال: «يا عبد الله ما فعلتِ الرَّيطة؟»، فأخبرته، فقال: «هلَّا كسوتَها بعضَ أهلك، فإنه لا بأس بها للنساء». وفي «صحيح مسلم» (٦) عنه أيضًا، قال: رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين مُعَصْفَرين، فقال: «إنَّ هذه من لباس الكفار، فلا تلبسها». وفي «صحيحه» (٧) أيضًا عن علي ﵁ قال: نهاني النبيُّ ﷺ عن لباس

стр. 285

المُعَصْفَر. ومعلوم أن ذلك إنما يُصبَغ صِباغًا أحمر. وفي بعض «السنن» أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر، فرأى على رواحلهم أكسيةً فيها خيوطُ عِهنٍ حُمْرٌ (١)، فقال رسول الله ﷺ : «ألا أرى هذه الحمرةَ قد عَلَتْكم». فقمنا سراعًا لقول رسول الله ﷺ حتى نفَر بعضُ إبلنا، فأخذنا الأكسيةَ، فنزعناها عنها. رواه أبو داود (٢). وفي جواز لُبْس الأحمر من الثياب والجُوخ (٣) وغيرها نظرٌ. وأما كراهته، فشديدة جدًّا، فكيف يُظَنُّ بالنبي ﷺ أنه لبس الأحمر القانئ؟ كلَّا، لقد أعاذه الله منه. وإنما وقعت الشبهة من لفظ «الحُلَّة الحمراء» (٤)، والله أعلم. ولبِس الخَميصة (٥) المُعْلَمة والساذجة. ولبِس ثوبًا (٦) أسود. ولبِس الفروة المكفوفة بالسُّندُس. فروى (٧) الإمام أحمد وأبو داود (٨)
следующие страницы →