← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وفي «الصَّحيح» (١): أنَّ عمر بن الخطاب خرج إلى الشَّام حتَّى إذا كان بسَرْغَ (٢) لقيه أبو عبيدة بن الجرَّاح وأصحابه، فأخبروه أنَّ الوباء قد وقع بالشَّام (٣)، فقال لابن عبَّاسٍ: ادعُ لي المهاجرين الأوَّلين. قال: فدعوتهم، فاستشارهم، وأخبرهم أنَّ الوباء قد وقع بالشَّام (٤). فاختلفوا، فقال له بعضهم: خرجتَ لأمرٍ، فلا نرى أن ترجع عنه. وقال آخرون: معك بقيَّة النَّاس وأصحاب رسول الله ﷺ ، فلا نرى أن تُقْدِمَهم على هذا الوباء. فقال عمر: ارتفِعوا عنِّي. ثمَّ قال: ادع لي الأنصار. فدعوتُهم له (٥)، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفِعوا عنِّي. ثمَّ قال: ادع لي مَن هاهنا من مَشْيَخة قريش من مهاجِرة الفتح. فدعوتُهم له (٦)، فلم يختلف عليه منهم رجلان. قالوا: نرى أن ترجع بالنَّاس، ولا تُقْدِمَهم على هذا الوباء. فأذَّن عمر في النَّاس: إنِّي مُصْبِحٌ على ظهرٍ، فأصبِحُوا عليه. فقال أبو عبيدة بن الجرَّاح: يا أمير المؤمنين أفرارًا من قدر الله؟ قال: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة! نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كان لك إبلٌ، فهبطت

стр. 2312

واديًا له عُدْوَتان (١)، إحداهما خصبةٌ، والأخرى جدبةٌ؛ ألستَ إن رعيتَها الخصبة رعيتَها بقدر الله، وإن رعيتها الجَدْبةَ (٢) رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرَّحمن بن عوفٍ، وكان متغيِّبًا في بعض حاجته (٣) فقال: إنَّ عندي في هذا علمًا سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إذا كان بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تقدَموا عليه». فصل في هديه في داء الاستسقاء وعلاجه (٤) في «الصَّحيحين» (٥): من حديث أنس بن مالكٍ قال: قدِمَ رهطٌ من عُرَينة وعُكْلٍ على النَّبيِّ ﷺ ، فاجتوَوا المدينةَ، فشكَوا ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: «لو خرجتم إلى إبل الصَّدقة، فشربتم من ألبانها وأبوالها»، ففعلوا. فلمَّا صحُّوا عمَدوا إلى الرُّعاة، فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربوا الله ورسوله. فبعث رسولُ الله ﷺ في آثارهم، فأُخِذُوا، فقطَع أيديهم وأرجلَهم، وسمَل أعينهم، وألقاهم في الشَّمس حتَّى ماتوا. والدَّليل على أنَّ هذا المرض كان الاستسقاء: ما رواه مسلم في

стр. 2313

«صحيحه» (١) في هذا الحديث أنَّهم قالوا: «إنَّا اجتوينا المدينة، فعظُمَتْ بطونُنا، وارتهَشَتْ أعضاؤنا (٢)». وذكَر تمام الحديث. والجوى: داءٌ من أدواء الجوف (٣). والاستسقاء: مرضٌ مادِّيٌّ، سببه مادَّةٌ غريبةٌ باردةٌ تتخلَّل الأعضاءَ، فتربو لها إمَّا الأعضاء الظَّاهرة كلُّها، وإمَّا المواضع الخالية من النَّواحي الَّتي فيها تدبير الغذاء والأخلاط. وأقسامه ثلاثةٌ: لحميٌّ ــ وهو أصعبها ــ، وزِقِّيٌّ، وطَبْليٌّ. ولمَّا كانت الأدوية المحتاج إليها في علاجه هي الأدوية الجالية (٤) الَّتي فيها إطلاقٌ معتدلٌ وإدرارٌ بحسب

стр. 2314

الحاجة، وهذه الأمور موجودةٌ في أبوال الإبل وألبانها= أمَرهم النَّبيُّ ﷺ بشربها، فإنَّ في لبن اللِّقاح جلاءً وتليينًا وإدرارًا وتلطيفًا وتفتيحًا للسُّدَد، إذ كان أكثر رعيها الشِّيح والقَيصوم والبابونج والأُقْحُوان والإذخِر وغير ذلك من الأدوية النَّافعة للاستسقاء. وهذا المرض لا يكون إلا مع آفةٍ في الكبد خاصَّةً، أو مع مشاركةٍ. وأكثرُها عن السُّدد فيها، ولبنُ اللِّقاح العربيَّة نافعٌ من السُّدد، لما فيه من التَّفتيح والمنافع المذكورة. قال الرازي (١): لبنُ اللِّقاح يشفي أوجاع الكبد وفساد المزاج. وقال الإسرائيلي (٢): لبنُ اللِّقاح أرقُّ الألبان، وأكثرها مائيَّةً وحدَّةً، وأقلُّها غذاءً. فلذلك صار أقواها على تلطيف الفضول، وإطلاق البطن، وتفتيح السُّدد. ويدلُّ على ذلك ملوحته اليسيرة الَّتي فيه لإفراط حرارةٍ حيوانيَّةٍ بالطَّبع. ولذلك صار أخصَّ الألبان بتطرية الكبد، وتفتيح سُددها، وتحليل صلابة الطِّحال إذا كان حديثًا، والنَّفعِ من الاستسقاء خاصَّةً إذا استعُمل بحرارته الَّتي يخرج بها من الضَّرع مع بول الفصيل، وهو حارٌّ كما يخرج من الحيوان، فإنَّ ذلك ممَّا يزيد في ملوحته وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن. فإن تعذَّر انحداره وإطلاقه البطنَ وجب أن يطلَق بدواءٍ مسهِلٍ.

стр. 2315

قال صاحب «القانون»: ولا يلتفت إلى ما يقال من أنَّ طبيعة اللَّبن مضادَّةٌ لعلاج الاستسقاء. قال: واعلم أنَّ لبن النُّوق دواءٌ نافعٌ لما فيه من الجلاء برفقٍ وما فيه من خاصِّيَّةٍ، وأنَّ هذا اللَّبن شديد المنفعة، فلو أنَّ إنسانًا أقام عليه بدل الماء والطَّعام شُفِي به. وقد جُرِّب ذلك في قومٍ دفعوا إلى بلاد العرب فقادتهم الضَّرورة إلى ذلك، فعُوفُوا (١). وأنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابيِّ وهو النَّجيب (٢). انتهى. وفي القصَّة دليلٌ: - على التَّداوي والتَّطبُّب. - وعلى طهارة بول مأكول اللَّحم فإنَّ التَّداوي بالمحرَّمات غير جائزٍ، ولم يؤمروا مع قرب عهدهم بالإسلام بغسل أفواههم وما أصابته ثيابهم من أبوالها للصَّلاة، وتأخيرُ البيان لا يجوز عن وقت الحاجة. - وعلى مقابلة الجاني بمثل ما فعَل، فإنَّ هؤلاء قتلوا الرَّاعي وسمَلوا عينه (٣). ثبت ذلك في «صحيح مسلم» (٤). - وعلى قتل الجماعة وأخذ أطرافهم بالواحد.

стр. 2316

- وعلى أنَّه إذا اجتمع في حقِّ الجاني حدٌّ وقصاصٌ استُوفِيا معًا، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قطَع أيديهم وأرجلهم حدًّا لله على حِرابهم، وقتَلَهم لقتلهم الرَّاعي. - وعلى أنَّ المحارب إذا أخذ المالَ وقتَلَ قُطِعت يدُه ورجلُه في مقامٍ واحدٍ، وقُتِل. - وعلى أنَّ الجنايات إذا تعدَّدت تغلَّظت عقوباتها، فإنَّ هؤلاء ارتدُّوا وكفروا بعد إسلامهم، وقتلوا النَّفس، ومثَّلوا بالمقتول، وأخذوا المال، وجاهروا (١) بالمحاربة. - وعلى أنَّ حكمَ رِدْءِ المحاربين حكمُ مباشِرهم (٢)، فإنَّه من المعلوم أنَّ كلَّ واحدٍ منهم لم يباشر القتلَ بنفسه، ولا سأل النَّبيُّ ﷺ عن ذلك. - وعلى أنَّ قتلَ الغِيلة يُوجِب قتلَ القاتل حدًّا، فلا يُسقطه العفوُ، ولا يعتبر (٣) فيه المكافأة. وهذا مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد اختاره شيخنا وأفتى به (٤).

стр. 2317

فصل في هديه في علاج الجُرْح (١) في «الصَّحيحين» (٢) عن أبي حازم أنَّه سمع سهلَ بن سعدٍ يُسأل عمَّا دُووِيَ به جُرحُ رسول الله ﷺ يوم أحدٍ، فقال: جُرِح وجهُه، وكُسِرت رَبَاعِيَتُه، وهُشِمت البيضةُ على رأسه. وكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدَّم، وكان عليُّ بن أبي طالبٍ يسكُب عليها بالمِجَنِّ. فلمَّا رأت فاطمةُ الدَّم لا يزيد إلا كثرةً أخذَتْ قطعةَ حصيرٍ، فأحرَقَتْها، حتَّى إذا صارت رمادًا ألصقَتْه بالجرح، فاستمسك الدَّم. لرماد (٣) الحصيرِ المعمولِ من البرديِّ فعلٌ قويٌّ في حبس الدَّم، لأنَّ فيه تجفيفًا قويًّا وقلَّةَ لذعٍ، فإنَّ الأدوية القويَّة التَّجفيف إذا كان فيها لذعٌ هيَّجت (٤) الدَّمَ وجلَبته. وهذا الرَّماد إذا نُفِخ وحده أو مع الخلِّ في أنف الرَّاعف قطَع رُعافَه. وقال صاحب «القانون» (٥): البرديُّ ينفع (٦) من النَّزْفِ ويمنعه، ويُذَرُّ على الجراحات الطَّريَّة فيدمُلها. والقرطاس المصريُّ كان قديمًا يُعمَل منه.

стр. 2318

ومزاجه باردٌ يابسٌ، ورماده نافعٌ من أكلة الفم، ويحبِس نفثَ الدَّم، ويمنع القروح الخبيثة أن تسعى. فصل في هديه في العلاج بشرب العسل والحجامة والكيِّ (١) في «صحيح البخاريِّ» (٢) عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الشِّفاء في ثلاثٍ: شَرْبة عسلٍ، وشَرْطة مِحْجَمٍ، وكيَّة نارٍ. وأنا أنهى أمَّتي عن الكيِّ». قال أبو عبد الله المازريُّ (٣): الأمراض الامتلائيَّة: إمَّا أن تكون دمويَّةً أو صفراويَّةً أو بلغميَّةً أو سوداويَّةً. فإن كانت دمويَّةً فشفاؤها إخراج الدَّم. وإن كانت من الأقسام الثَّلاثة الباقية فشفاؤها بالإسهال الذي يليق بكلِّ خِلْطٍ منها. وكأنَّه ﷺ نبَّه بالعسل على المسْهِلات، وبالحجامة على الفصد. وقد قال بعض النَّاس: إنَّ الفصد يدخل في قوله: «شَرْطة مِحْجَمٍ». فإذا أعيا الدَّواء فآخرُ الطِّبِّ الكيُّ؛ فذكره ﷺ في الأدوية لأنَّه يستعمل عند غلبة الطِّباع لقوى الأدوية، وحيث لا ينفع الدَّواء المشروب. وقوله: «وأنا أنهى أمَّتي عن الكيِّ» وفي الحديث الآخر (٤): «وما أحبُّ أن أكتوي» إشارةٌ إلى أن يؤخَّر العلاج به حتَّى تدفع الضَّرورة إليه (٥)، ولا يعجَّل التَّداوي به، لما فيه من استعجال

стр. 2319

الألم الشَّديد في دفع ألمٍ قد يكون أضعف من ألم الكيِّ. انتهى كلامه. وقال بعض الأطبَّاء (١): الأمراض المزاجيَّة إمَّا أن تكون بمادَّةٍ أو بغير مادَّةٍ. والمادِّيَّة منها: إمَّا حارَّةٌ أو باردةٌ أو رطبةٌ أو يابسةٌ، أو ما تركَّب منها. وهذه الكيفيَّات الأربع، منها كيفيَّتان فاعلتان، وهما الحرارة والبرودة؛ وكيفيَّتان منفعلتان، وهما الرُّطوبة واليبوسة. ويلزم من غلبة إحدى الكيفيَّتين الفاعلتين استصحابُ كيفيَّةٍ منفعلةٍ معها. وكذلك كان لكلِّ واحدٍ من الأخلاط الموجودة في البدن وسائر المركَّبات كيفيَّتان: فاعلةٌ ومنفعلةٌ. فحصل من ذلك أنَّ أصل الأمراض المزاجيَّة هي التَّابعةُ لأقوى كيفيَّات الأخلاط الَّتي هي الحرارة والبرودة. فجاء كلام النُّبوَّة في أصل معالجة الأمراض الَّتي هي الحارَّة والباردة على طريق التَّمثيل. فإن كان المرض حارًّا عالجناه بإخراج الدَّم، بالفصد كان أو بالحجامة، لأنَّ في ذلك استفراغًا للمادَّة وتبريدًا للمزاج. وإن كان باردًا عالجناه بالتَّسخين، وذلك موجودٌ في العسل. فإن كان يحتاج مع ذلك إلى استفراغ المادَّة الباردة، فالعسل أيضًا يفعل ذلك بما فيه من الإنضاج والتَّقطيع والتَّلطيف والجلاء والتَّليين، فيحصل بذلك استفراغُ تلك المادَّة برفقٍ وأمنٍ من نكاية المُسْهِلات القويَّة. وأمَّا الكيُّ، فلأنَّ كلَّ واحدٍ من الأمراض المادِّيَّة إمَّا أن يكون حادًّا فيكون سريع الانقضاء (٢) لأحد الطَّرفين، فلا يحتاج إليه فيه. وإمَّا أن يكون مزمنًا وأفضلُ علاجه بعد الاستفراغ: الكيُّ في الأعضاء الَّتي يجوز فيها الكيُّ،

стр. 2320

لأنَّه لا يكون مزمنًا إلا عن مادَّةٍ باردةٍ غليظةٍ، قد رسخت في العضو، وأفسدت مزاجه، وأحالت جميعَ ما يصل إليه إلى مشابهة جوهرها، فيشتعل (١) في ذلك العضو، فتُستخرَج بالكيِّ تلك المادَّةُ من ذلك المكان الذي هي فيه، بإفناء الجزء النَّاريِّ الموجود بالكيِّ لتلك المادَّة. فتعلَّمنا بهذا الحديث الشَّريف أخذَ معالجةِ الأمراض المادِّيَّة جميعها كما استنبطنا معالجةَ الأمراض السَّاذجة من قوله ﷺ : «إنَّ شدَّة الحمَّى من فَيح جهنَّم، فأبرِدوها بالماء» (٢). فصل وأمَّا الحِجامة، ففي «سنن ابن ماجه» (٣) من حديث جُبَارة بن المغلِّس ــ وهو ضعيف ــ عن كَثير بن سُلَيم قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ يقول: قال رسول الله ﷺ : «ما مررتُ ليلةَ أُسْريَ بي بملإٍ إلا قالوا: يا محمَّد، مُرْ أمَّتك بالحجامة». وروى الترمذي في «جامعه» (٤) من حديث ابن عبَّاسٍ هذا الحديث،

стр. 2321

وقال فيه: «عليك بالحجامة يا محمَّد». وفي «الصَّحيحين» (١) من حديث طاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجَم، وأعطى الحجَّام أجره. وفي «الصَّحيحين» (٢) أيضًا عن حميدٍ الطَّويل عن أنس أنَّ رسول الله ﷺ حجَمَه أبو طَيبة، فأمر له بصاعين من طعامٍ، وكلَّم مواليه، فخفَّفوا عنه من ضريبته، وقال: «خيرُ ما تداويتم به الحجامة». وفي «جامع الترمذي» (٣) عن عبَّاد بن منصورٍ قال: سمعت عكرمة يقول: كان لابن عبَّاسٍ غِلْمةٌ ثلاثةٌ حجَّامون، فكان اثنان منهم يُغِلَّان عليه

стр. 2322

وعلى أهله، وواحدٌ يحجُمه ويحجُم أهلَه. قال: وقال ابن عبَّاسٍ: قال نبيُّ الله ﷺ : «نعم العبد الحجَّام! يُذهِبُ الدَّمَ، ويخفِّف (١) الصُّلبَ، ويجلو عن البصر». وقال: إنَّ رسول الله ﷺ حين (٢) عُرِج به ما مرَّ على ملإٍ من الملائكة إلا قالوا: عليك بالحجامة. وقال: «إنَّ خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة ويوم تسع عشرة ويوم إحدى وعشرين». وقال: «إنَّ خير ما تداويتم به السَّعوط، واللَّدود، والحجامة، والمشي». وإنَّ رسول الله ﷺ لُدَّ، فقال: «من لدَّني؟»، فكلُّهم أمسكوا، فقال: «لا يبقى أحدٌ في البيت إلا لُدَّ إلا العبَّاس». قال: هذا حديثٌ غريبٌ. ورواه ابن ماجه. فصل (٣) فأما منافع الحجامة، فإنَّها تنقِّي سطح البدن أكثر من الفصد. والفصدُ لأعماق البدن أفضل. والحجامة تستخرج الدَّم من نواحي الجلد (٤). قلت: والتَّحقيق (٥) في أمرها وأمر الفصد أنَّهما يختلفان باختلاف الزَّمان والمكان والأسنان (٦) والأمزجة. فالبلاد الحارَّة والأزمنة الحارَّة والأمزجة الحارَّة الَّتي دمُ أصحابها في غاية النُّضج، الحجامةُ فيها أنفَعُ من الفصد بكثيرٍ

стр. 2323

فإنَّ الدَّم ينضج ويرِقُّ (١) ويخرج إلى سطح الجسد الدَّاخل، فتُخْرِجه الحجامةُ ما لا يُخرجه الفصد. ولذلك كانت أنفع للصِّبيان من الفصد، ولمن لا يقوى على الفصد. وقد نصَّ الأطبَّاء (٢) على أنَّ البلاد الحارَّة الحجامةُ فيها أنفَعُ وأفضلُ من الفصد، وتستحبُّ في وسط الشَّهر وبعد وسطه؛ وبالجملة في الرُّبع الثَّالث من أرباع الشَّهر، لأنَّ الدَّم في أوَّل الشَّهر لم يكن بعد قد هاجَ وتبيَّغ، وفي آخره يكون قد سكن. وأمَّا في وسطه وبُعَيدَه، فيكون في نهاية التَّزيُّد. قال صاحب «القانون» (٣): ويؤمر باستعمال الحجامة، لا في أوَّل الشَّهر لأنَّ الأخلاط لا تكون قد تحرَّكت وهاجت، ولا في آخره لأنَّها تكون قد نقصت، بل في وسط الشَّهر حين تكون الأخلاط هائجةً بائغةً (٤) في تزيُّدها لتزيُّد النُّور في جِرْم القمر. وقد روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «خيرُ ما تداويتم به الحجامة والفصد» (٥).

стр. 2324

وفي حديثٍ: «خيرُ الدَّواء الحِجامة والفِصاد (١)» (٢). انتهى (٣). وقوله ﷺ : «خير ما تداويتم به الحجامة» إشارةٌ إلى أهل الحجاز والبلاد الحارَّة، لأنَّ دماءهم رقيقةٌ، وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم، لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد واجتماعها في نواحي الجلد، ولأنَّ مسامَّ أبدانهم واسعةٌ وقواهم متخلخلةٌ، ففي الفصد لهم خطرٌ. والحجامة تفرُّقٌ اتِّصاليٌّ إراديٌّ، يتبعه استفراغٌ كلِّيٌّ من العروق، وخاصَّةً العروق الَّتي تُفصَد (٤) كثيرًا (٥). ولفصد كلِّ واحدٍ منها نفعٌ خاصٌّ: ففصدُ الباسِليق (٦) ينفع من حرارة الكبد والطِّحال والأورام الكائنة فيهما من الدَّم، وينفع من أورام الرِّئة، وينفع الشَّوصةَ (٧) وذاتَ الجنب

стр. 2325

وجميع الأمراض الدَّمويَّة العارضة من أسفل الرُّكبة إلى الورِك. وفصدُ الأكحَل ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويًّا وكذلك إذا كان الدَّم قد فسد في جميع البدن. وفصدُ القِيفال (١) ينفع من العلل العارضة في الرَّأس والرَّقبة من كثرة الدَّم أو فساده. وفصدُ الودَجين ينفع من وجع الطِّحال والرَّبو والبَهْر ووجع الجبين. والحجامة على الكاهل تنفع من وجع المنكب والحلق. والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرَّأس وأجزائه، كالوجه والأسنان والأذنين والعينين والأنف والحلق، إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدَّم أو فساده أو عنهما جميعًا. قال أنس: كان رسول الله ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل (٢).

стр. 2326

وفي «الصَّحيحين» (١): كان (٢) رسول الله ﷺ يحتجم ثلاثًا: واحدةً على كاهله، واثنتين على الأخدعين. وفي الصَّحيح (٣) عنه أنَّه احتجم ــ وهو محرِمٌ ــ في رأسه، لصداعٍ كان (٤) به. وفي (٥) «سنن ابن ماجه» (٦) عن علي: نزل جبريل على النَّبيِّ ﷺ بحجامة الأخدعين والكاهل. وفي «سنن أبي داود» (٧) من حديث جابر أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم في ورِكه

стр. 2327

من وَثْيٍ (١) كان به. فصل (٢) واختلف الأطبَّاء في الحجامة على نُقْرة القفا، وهي القَمَحْدُوَة. وذكر أبو نعيم في كتاب «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٣) حديثًا مرفوعًا: «عليكم بالحجامة في جَوزة القَمَحْدُوَة، فإنَّها تشفي من خمسة أدواءٍ»، ذكر منها الجُذام.

стр. 2328

وفي حديثٍ آخر: «عليكم بالحِجامة في جَوزة القَمَحْدُوَة، فإنَّها شفاءٌ من اثنين وسبعين داءً» (١). فطائفةٌ منهم استحبَّتْه (٢) وقالت: إنَّها تنفع من جحَظ العين والنُّتوء العارض فيها وكثيرٍ من أمراضها، ومن ثقل الحاجبين والجفن، وتنفع من جَرَبه (٣). وروي أنَّ أحمد بن حنبلٍ احتاج إليها، فاحتجم في جانبي قفاه، ولم يحتجم في النُّقْرة (٤). وممَّن كرهها: صاحب «القانون»، وقال: إنَّها تُورث النِّسيان حقًّا، كما قال سيِّدنا ومولانا وصاحب شريعتنا محمَّدٌ ﷺ (٥)، فإنَّ مؤخَّر الدِّماغ

стр. 2329

موضع الحفظ، والحجامةُ تُذْهِبُه (١). انتهى كلامه. وردَّ عليه آخرون، وقالوا (٢): الحديث لا يثبت. وإن ثبَت فالحجامة إنَّما تُضْعِف مؤخَّر الدِّماغ إذا استُعملت لغير ضرورةٍ. فأمَّا إذا استُعملت لغلبة الدَّم عليه، فإنَّها نافعةٌ له طبًّا وشرعًا. فقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه احتجم في عدَّة أماكن من قفاه بحسب ما اقتضاه الحال في ذلك، واحتجم في غير القفا بحسب ما دعت إليه حاجته. فصل (٣) والحجامة تحت الذَّقَن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم إذا استُعملت في وقتها، وتنقِّي الرَّأس والفكَّين. والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فَصْد الصَّافِن ــ وهو عرقٌ عظيمٌ عند الكعب ــ وتنفع من قروح الفخذين والسَّاقين، وانقطاع الطَّمث، والحِكَّة العارضة في الأنثيين. والحجامة على أسفل الصَّدر (٤) نافعةٌ من دماميل الفخذ وجرَبه وبثوره،

стр. 2330

ومن النِّقْرِس (١) والبواسير والفيل (٢) وحِكَّة الظَّهر. فصل في هديه في أوقات الحجامة روى الترمذي في «جامعه» (٣) من حديث ابن عبَّاسٍ يرفعه: «إنَّ خير ما تحتجمون فيه يومُ سابعَ عشرةَ، أو تاسعَ عشرةَ، ويوم إحدى وعشرين». وفيه (٤) عن أنس: كان رسول الله ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل وكان يحتجم لسبعة عشر وتسعة عشر وفي واحد وعشرين (٥). وفي «سنن ابن ماجه» (٦) عن أنس مرفوعًا: «من أراد الحجامة فليتحرَّ

стр. 2331

سبعة عشر أو تسعة عشر أو إحدى وعشرين لا يتبيَّغْ (١) بأحدكم الدَّمُ فيقتلَه». وفي «سنن أبي داود» (٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من احتجم لسبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين كانت شفاءً من كلِّ داءٍ». وهذا معناه: من كلِّ داءٍ سببُه غلبةُ الدَّم (٣). وهذه الأحاديث موافقةٌ لما اجتمع عليه الأطبَّاء أنَّ الحجامة في النِّصف الثَّاني وما يليه من الرُّبع الثَّالث من أرباعه أنفع من أوَّله وآخره. وإذا استُعملت عند الحاجة إليها نفعَت، أيَّ وقتٍ كان من أوَّل الشَّهر وآخره. قال الخلال: أخبرني عِصمة بن عِصام قال: ثنا حنبل قال: كان أبو عبد الله أحمد بن حنبلٍ يحتجم أيَّ وقتٍ هاج به الدَّم، وأيَّ ساعةٍ كانت (٤). وقال صاحب «القانون» (٥): أوقاتها في النَّهار السَّاعة الثَّانية أو الثَّالثة. ويجب توقِّيها بعد الحمَّام، إلا فيمن دمه غليظٌ فيجب أن يستحمَّ، ثمَّ يُجِمَّ ساعةً، ثمَّ يحتجم. انتهى.

стр. 2332

وتُكرَه عندهم الحجامة على الشِّبَع، فإنِّها ربَّما أورثت سُدَدًا وأمراضًا رديَّةً، لا سيَّما إذا كان الغذاء رديًّا غليظًا. وفي أثرٍ: «الحجامة على الرِّيق دواءٌ وعلى الشِّبع داءٌ، وفي سبعة عشر من الشَّهر شفاءٌ» (١). واختيار هذه الأوقات للحجامة فيما إذا كانت على سبيل الاحتياط والتَّحرُّز من الأذى وحفظًا للصِّحَّة. وأمَّا في مداواة الأمراض فحيثما وُجِد الاحتياجُ إليها وجَب استعمالُها. وفي قوله: «لا يتبيَّغ (٢) بأحدكم الدَّم فيقتله» دلالةٌ على ذلك يعني: لئلَّا يتبيَّغَ، فحُذِف حرف الجرِّ مع (أن)، ثمَّ حُذفت (أن) (٣). والتَّبيُّغ: الهَيْج. وهو مقلوب البغي، وهو بمعناه فإنَّه بغي الدَّم وهيجانه. وقد تقدَّم أنَّ الإمام أحمد كان يحتجم أيَّ وقتٍ احتاج من الشَّهر. فصل (٤) وأمَّا اختيار أيَّام الأسبوع للحجامة، فقال الخلال في «جامعه»: أخبرنا حرب بن إسماعيل قال: قلت لأحمد: تُكرَه الحِجامةُ في شيءٍ من الأيَّام؟ قال: قد جاء في الأربعاء والسَّبت.

стр. 2333

وفيه عن الحسين بن حسان أنَّه سأل أبا عبد الله عن الحجامة: أيَّ يومٍ تُكرَه؟ فقال: يوم السَّبت ويوم الأربعاء، ويقولون: يوم الجمعة. وروى الخلَّال عن أبي سلمة وسعيد المَقْبُري عن أبي هريرة مرفوعًا: «من احتجم يوم الأربعاء ويوم السَّبت، فأصابه بياضٌ أو برصٌ، فلا يلومنَّ إلا نفسَه» (١). وقال الخلال: أخبرني محمد بن علي بن جعفر أنَّ يعقوب بن بَخْتان حدَّثهم قال: سئل أحمد عن النُّورة والحِجامة يوم السَّبت ويوم الأربعاء، فكرهها، وقال: بلغني عن رجلٍ أنَّه تنوَّر واحتجَم ــ يعني: في يوم الأربعاء ــ فأصابه البرص. قلت له: كأنَّه تهاوَن بالحديث؟ قال: نعم. وفي كتاب «الأفراد» للدَّارقطنيِّ (٢) من حديث نافع قال: قال لي

стр. 2334

عبد الله بن عمر: تبيَّغَ بي الدَّم، فابغِني حجَّامًا، ولا يكن صبيًّا ولا شيخًا كبيرًا فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحجامة تزيد الحافظَ حفظًا، والعاقلَ عقلًا، فاحتجِمُوا على اسم الله. ولا تحتجموا الخميس والجمعة والسَّبت والأحد، واحتجموا الاثنين. وما كان من جذامٍ ولا برصٍ إلا نزل يوم الأربعاء». قال الدَّارقطنيُّ: تفرَّد به زياد بن يحيى. وقد رواه أيوب عن نافع وقال فيه: «واحتجِموا يوم الاثنين والثُّلاثاء، ولا تحتجموا يوم الأربعاء» (١). وقد روى أبو داود في «سننه» (٢) من حديث أبي بكرة أنَّه كان يكره

стр. 2335

الحجامة يوم الثُّلاثاء، وقال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «يوم الثُّلاثاء يوم الدَّم وفيه ساعةٌ لا يرقأ». فصل وفي ضمن هذه الأحاديث المتقدِّمة: - استحبابُ التَّداوي. - واستحبابُ الحِجامة، وأنَّها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال. - وجوازُ احتجام المحرِم وإن آل إلى قطع شيءٍ من الشَّعر فإنَّ ذلك جائزٌ. وفي وجوب الفدية عليه نظرٌ، ولا يقوى الوجوب. - وجوازُ احتجام الصَّائم فإنَّ في «صحيح البخاريِّ» (١) أنَّ رسول الله ﷺ احتجَم وهو صائمٌ. ولكن هل يفطر بذلك أم لا؟ مسألةٌ أخرى، الصَّواب: الفطر بالحجامة لصحَّته عن رسول الله ﷺ من غير معارضٍ. وأصحُّ ما يعارَضُ به: حديثُ حجامته وهو صائمٌ، ولكن لا يدلُّ على عدم الفطر إلا بعد أربعة أمورٍ. أحدها: أنَّ الصَّوم كان فرضًا. الثَّاني: أنَّه كان مقيمًا. الثَّالث: أنَّه لم يكن به مرضٌ احتاج معه إلى الحجامة. الرَّابع: أنَّ هذا الحديث متأخِّرٌ عن قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٢).

стр. 2336

فإذا ثبتت (١) هذه المقدِّمات الأربع أمكن الاستدلال بفعله على بقاء الصَّوم مع الحجامة، وإلَّا فما المانع أن يكون الصَّوم نفلًا يجوز الخروج منه بالحجامة وغيرها، أو من رمضان لكنَّه في السَّفر، أو من رمضان في الحضر لكن دعت الحاجة إليها كما تدعو حاجةُ مَن به مرضٌ إلى الفطر، أو يكون فرضًا من رمضان في الحضر من غير حاجةٍ إليها، لكنَّه مُبْقٍ على الأصل، وقولُه: «أفطر الحاجم والمحجوم» ناقلٌ ومتأخِّرٌ، فيتعيَّن المصير إليه. ولا سبيل إلى إثبات واحدةٍ من هذه المقدِّمات (٢) الأربع، فكيف بإثباتها كلِّها! - وفيها دليلٌ على استئجار الطَّبيب وغيره من غير عقد إجارةٍ، بل يعطيه أجرة المثل أو ما يرضيه. - وفيها دليلٌ على جواز التَّكسُّب بصناعة الحجامة وإن كان لا يطيب للحُرِّ أكلُ أجرته، من غير تحريمٍ عليه؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطاه أجره ولم يمنعه من أكله. وتسميته إيَّاه خبيثًا كتسميته للثَّوم والبصل خبيثين، ولم يلزم من ذلك تحريمهما. - وفيها دليلٌ على جواز ضرب الرَّجل الخراجَ على عبده كلَّ يومٍ شيئًا معلومًا بقدر طاقته وأنَّ للعبد أن يتصرَّف فيما زاد على خراجه. ولو مُنِع من التَّصرُّف فيه لكان كسبُه كلُّه خراجًا، ولم يكن لتقديره فائدةٌ؛ بل ما زاد على

стр. 2337

خراجه فهو تمليكٌ من سيِّده له يتصرَّف فيه كما أراد. والله أعلم. فصل في هديه في قطع العروق والكيِّ (١) ثبت في «الصَّحيح» (٢) من حديث جابر بن عبد الله أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعث إلى أبيِّ بن كعبٍ طبيبًا، فقطع له عِرقًا، وكواه عليه. ولمَّا رُميَ سعد بن معاذٍ في أكحَله حسَمه النَّبيُّ ﷺ ، ثمَّ ورِمَتْ، فحسمه ثانيةً (٣). والحسم هو الكيُّ. وفي طريقٍ أخرى أنَّ النَّبيَّ ﷺ كوى سعد بن معاذٍ في أكحله بمِشْقَصٍ (٤)، ثمَّ حَسَمه، سعدَ بن معاذٍ أو غيرَه من أصحابه (٥). وفي لفظٍ آخر: أنَّ رجلًا من الأنصار رُمِي في أكحله بمشقَصٍ، فأمر النَّبيُّ ﷺ ، فكُوِي (٦).

стр. 2338

وقال أبو عبيد (١): وُفِد إلى النَّبيِّ (٢) ﷺ برجلٍ نُعِتَ له الكيُّ، فقال: «اكوُوه وارضِفُوه (٣)» (٤). قال أبو عبيد: الرَّضْف: الحجارة تسخَّن ثمَّ يُكمَد بها. وقال الفضل بن دُكَينٍ: حدَّثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر أنَّ رسول الله ﷺ كواه في أكحَله (٥). وفي «صحيح البخاريِّ» (٦) من حديث أنس أنَّه كُوِيَ من ذات الجنب والنَّبيُّ ﷺ حيٌّ. وفي الترمذي (٧) عن أنس أنَّ النَّبيَّ ﷺ كوى أسعدَ بن زرارة من الشَّوكة.

стр. 2339

وقد تقدَّم الحديث المتَّفق عليه، وفيه: «وما أحبُّ أن أكتوي». وفي لفظٍ آخر: «وأنا أنهى أمَّتي عن الكيِّ». وفي «جامع الترمذي» (١) وغيره عن عمران بن حُصَينٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن الكيِّ. قال: فابتُلِينا، فاكتوينا، فما أفلحنا ولا أنجحنا. وفي لفظٍ: «نُهينا عن الكيِّ»، وقال: «فما أفلحن ولا أنجحن» (٢). قال الخطابي (٣): إنَّما كوى سعدا ليرقأ الدَّم من جُرحه، وخاف عليه أن يُنزَف، فيهلك. والكيُّ مستعملٌ (٤) في هذا الباب كما يكوى من تُقطَع يدُه أو رجلُه. وأمَّا النَّهي عن الكيِّ فهو أن يكتوي طلبًا للشِّفاء. وكانوا يعتقدون أنَّه

стр. 2340

متى لم يكتوِ هلَكَ، فنهاهم عنه لأجل هذه النِّيَّة. وقيل: إنَّما نهى عنه (١) عمرانَ بن حُصَينٍ خاصَّةً، لأنَّه كان به ناصورٌ (٢)، وكان موضعه خطرًا، فنهاه عن كيِّه. فيشبه أن يكون النَّهي منصرفًا إلى الموضع المخوف منه. والله (٣) أعلم. وقال ابن قتيبة (٤): الكيُّ جنسان: كيُّ الصَّحيح لئلَّا يعتلَّ. فهذا الذي قيل فيه: «لم يتوكَّل مَن اكتوى»، لأنَّه يريد أن يدفع القدر عن نفسه. والثَّاني: كيُّ الجُرح إذا نَغِل، والعضوِ إذا قُطِع؛ ففي هذا الشِّفاءُ. وأمَّا إذا كان الكيُّ للتَّداوي الذي يجوز أن ينجح، ويجوز أن لا ينجح؛ فإنَّه إلى الكراهة أقرب. انتهى (٥). وثبت في الصَّحيح من حديث السَّبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ: أنَّهم «الَّذين لا يسترقُون، ولا يكتوون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم

стр. 2341

يتوكَّلون» (١). فقد تضمَّنت أحاديث الكيِّ أربعة أنواعٍ. أحدها: فعله. والثَّاني: عدم محبَّته له. والثَّالث: الثَّناء على من تركه. والرَّابع: النَّهي عنه. ولا تعارض بينها بحمد الله، فإنَّ فعله يدلُّ على جوازه، وعدم محبَّته له لا يدلُّ على المنع منه. وأمَّا الثَّناء على تاركيه (٢) فيدلُّ على أنَّ تركه أولى وأفضل. وأمَّا النَّهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النَّوع الذي لا يَحتاج إليه بل يفعله خوفًا من حدوث الدَّاء. والله أعلم. فصل في هديه ﷺ في علاج الصَّرع أخرجا في «الصَّحيحين» (٣) من حديث عطاء بن أبي رباحٍ قال: قال ابن عبَّاسٍ: ألا أُريك امرأةً من أهل الجنَّة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السَّوداء، أتت النَّبيَّ ﷺ فقالت: إنِّي أُصْرَع، وإنِّي أنكشِفُ (٤)، فادعُ الله لي. فقال: «إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنَّة، وإن شئتِ دعوتُ الله لكِ أن يعافيكِ». فقالت: أصبِرُ. قالت: فإنِّي أنكشِفُ، فادعُ الله أن لا أنكشِفَ. فدعا لها.

стр. 2342

قلت: الصَّرع صرعان: صرعٌ من الأرواح الخبيثة الأرضيَّة، وصرعٌ من الأخلاط الرَّديَّة. والثَّاني: هو الذي يتكلَّم فيه الأطبَّاء وفي سببه وعلاجه. وأمَّا صرع الأرواح، فأئمَّتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأنَّ علاجه بمقابلة الأرواح الخيِّرة الشَّريفة (١) العلويَّة لتلك الأرواح الشِّرِّيرة الخبيثة، فتدفع آثارَها، وتعارض أفعالَها وتُبطِلها. وقد نصَّ على ذلك بُقْراط (٢) في بعض كتبه، فذكر بعض علاج الصَّرع وقال: هذا إنَّما ينفع في (٣) الصَّرع الذي سببه الأخلاط والمادَّة. وأمَّا الصَّرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج (٤). وأمَّا جهلة الأطبَّاء وسَقَطهم وسَفِلتهم ومن يعتدُّ (٥) بالزَّندقة فضيلةً، فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرُّون بأنَّها تؤثِّر في بدن المصروع. وليس معهم إلا الجهل، وإلَّا فليس في الصِّناعة الطِّبِّيَّة ما يدفع ذلك. والحسُّ والوجود شاهدٌ به. وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو (٦) صادقٌ في بعض أقسامه لا في كلِّها (٧).

стр. 2343

وقِدْمًا (١) الأطبَّاءُ كانوا يسمُّون هذا الصَّرع: «المرض الإلهيَّ»، وقالوا: إنَّه من الأرواح. وأمَّا جالينوس وغيره فتأوَّلوا عليهم هذه التَّسمية، وقالوا: إنَّما سمَّوها (٢) بالمرض الإلهيِّ لكون هذه العلَّة تحدُث في الرَّأس، فتضرُّ بالجزء الإلهيِّ الطَّاهر (٣) الذي مسكنه الدِّماغ (٤). وهذا التَّأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها. وجاءت زنادقة الأطبَّاء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده. ومن له عقلٌ ومعرفةٌ بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم. وعلاج هذا النَّوع يكون بأمرين: أمرٍ من جهة المصروع، وأمرٍ من جهة المعالج. فالَّذي من جهة المصروع يكون بقوَّةِ نفسه، وصدق توجُّهِه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتَّعوُّذِ الصَّحيحِ الذي قد تواطأ عليه القلب واللِّسان. فإنَّ (٥) هذا نوعُ (٦) محاربةٍ، والمحارِبُ لا يتمُّ له الانتصاف من

стр. 2344

عدوِّه بالسِّلاح إلا بأمرين: أن يكون السِّلاح صحيحًا في نفسه جيِّدًا، وأن يكون السَّاعد قويًّا. فمتى تخلَّف أحدهما لم يُغْنِ السِّلاحُ كبيرَ (١) طائلٍ، فكيف إذا عُدِم الأمران جميعًا: يكون القلب خرابًا من التَّوحيد والتَّوكُّل والتَّقوى والتَّوجُّه، ولا سلاح له؟ والثَّاني: من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضًا، حتَّى إنَّ من المعالجين من يكتفي بقوله: اخرُجْ منه، أو يقول: بسم الله، أو يقول: لا حول ولا قوَّة إلا باللَّه. والنَّبيُّ ﷺ كان يقول: «اخرج عدوَّ الله، أنا رسول اللَّه» (٢). وشاهدت شيخنا يُرسِل إلى المصروع مَن يخاطب الرُّوحَ الَّتي فيه ويقول: قال لكِ الشَّيخ: اخرجي، فإنَّ هذا لا يحلُّ (٣). فيفيق المصروع،

стр. 2345

وربَّما خاطبه بنفسه. وربَّما كانت الرُّوح ماردةً فيُخْرِجها بالضَّرب، فيفيق المصروع ولا يحسُّ بألمٍ. وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارًا. وكان كثيرًا ما يقرأ في أذن المصروع: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وحدَّثني أنَّه قرأها مرَّةً في أذن مصروعٍ (١)، فقالت الرُّوح: نعم، ومدَّ بها صوته. قال: فأخذتُ له عصًا، وضربتُه بها في عروق عنقه حتَّى مَجِلَتْ (٢) يداي من الضَّرب، ولم يشكَّ الحاضرون أنَّه يموت بذلك. ففي أثناء الضَّرب قالت: أنا أحبُّه، فقلت لها: هو لا يحبُّك. قالت: أنا أريد أن أحجَّ به، فقلت لها: هو لا يريد أن يحجَّ معك. فقالت (٣): أنا أدعه كرامةً لك. قال (٤): لا، ولكن طاعةً لله ولرسوله. قالت: فأنا أخرج منه. قال: فقعد المصروع يلتفت يمينًا وشمالًا، وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشَّيخ؟ قالوا له: وهذا الضَّرب كلُّه (٥)؟ فقال: وعلى أيِّ شيءٍ يضربني الشَّيخ ولم أُذنِبْ؟ ولم يشعر بأنَّه وقع به ضربٌ البتَّة. وكان يعالج بآية الكرسيِّ، ويأمر بكثرة قراءة المصروع ومَن يعالجه

стр. 2346

لها (١)، وبقراءة المعوِّذتين. وبالجملة، فهذا النَّوع من الصَّرع وعلاجه لا ينكره إلا قليلُ الحظِّ (٢) من العلم والعقل والمعرفة. وأكثر تسلُّط الأرواح الخبيثة على أهله يكون من جهة قلَّة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذِّكر والتَّعاويذ والتَّحصُّنات النَّبويَّة والإيمانيَّة، فتلقى الرُّوحُ الخبيثةُ الرَّجلَ أعزلَ لا سلاح معه، وربَّما كان عريانًا، فتؤثِّر فيه. هذا (٣)، ولو كُشِف الغطاء لرأيت أكثر النُّفوس البشريَّة صرعى مع هذه الأرواح الخبيثة. وهي في أسرها وقبضتها (٤)، تسوقها حيث شاءت، ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها. وبها الصَّرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة (٥)، فهناك يتحقَّق أنَّه كان هو المصروع حقيقةً. وباللَّه المستعان (٦). وعلاج هذا الصَّرع باقتران العقل الصَّحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرُّسل، وأن تكون الجنَّة والنَّار نُصْبَ عينيه وقبلةَ قلبِه، ويستحضر أهلَ الدُّنيا

стр. 2347

وحلولَ المَثُلات (١) والآفات بهم ووقوعَها خلال ديارهم كمواقع القَطْر، وهم صرعى لا يفيقون. وما أشدَّ إعداءَ (٢) هذا الصَّرع! ولكن لمَّا عمَّت (٣) البليَّة به بحيث لا يرى إلا مصروعًا لم يصر مستغربًا ولا مستنكرًا، بل صار لكثرة المصروعين المستنكَر المستغرَب خلافه. فإذا أراد الله بعبد خيرًا أفاق من هذه الصَّرعة، ونظَر إلى أبناء الدُّنيا مطرَّحين (٤) حوله يمينًا وشمالًا، على اختلاف طبقاتهم. فمنهم من قد أطبق به الجنونُ، ومنهم من يفيق أحيانًا قليلةً ويعود إلى جنونه، ومنهم من يُجَنُّ مرَّةً ويُفيق أخرى؛ فإذا أفاق عمِلَ عملَ أهل الإفاقة والعقل، ثمَّ يعاوده الصَّرع، فيقع التخبيط (٥). فصل (٦) وأمَّا صَرْع الأخلاط، فهو علَّةٌ تمنع الأعضاء النفيسة (٧) عن الأفعال

стр. 2348

والحركة والانتصاب منعًا غير تامٍّ. وسببه خِلْطٌ غليظٌ لَزِجٌ يسُدُّ منافذَ بطون الدِّماغ سدَّةً غير تامَّةٍ، فيمنع نفوذَ الحسِّ والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذًا مَّا (١) من غير انقطاعٍ بالكلِّيَّة. وقد يكون لأسبابٍ أُخَر كريحٍ غليظٍ يحتبس في منافذ الرُّوح، أو بخارٍ رديٍّ يرتفع إليه من بعض الأعضاء، أو كيفيَّةٍ لاذعةٍ، فينقبض الدِّماغ لدفع المؤذي، فيتبعه تشنُّجٌ في جميع الأعضاء، ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصبًا، بل يسقط، ويظهر في فيه الزَّبد غالبًا. وهذه العلَّة تُعَدُّ من جملة الأمراض الحادَّة باعتبار وقت وجود المؤلم (٢) خاصَّةً. وقد تعدُّ من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها وعسر برئها لا سيَّما إن جاوز في السِّنِّ خمسًا وعشرين سنةً، وهذه العلَّةُ (٣) في دماغه وخاصَّةً في جوهره، فإنَّ صرع هؤلاء يكون لازمًا. قال أبقراط: إنَّ الصَّرع يبقى فيهم إلى أن يموتوا. إذا عُرِف هذا، فهذه المرأة الَّتي جاء الحديث أنَّها كانت تُصْرَع وتنكشف يجوز أن يكون صرعها من هذا النَّوع، فوعدها النَّبيُّ ﷺ الجنَّة بصبرها على هذا المرض، ودعا لها أن لا تنكشف وخيَّرها بين الصَّبر والجنَّة وبين الدُّعاء لها بالشِّفاء من غير ضمانٍ، فاختارت الصَّبر والجنَّة. وفي ذلك دليلٌ على جواز ترك المعالجة والتَّداوي، وأنَّ علاج الأرواح

стр. 2349

والدَّعوات والتَّوجُّه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الأطبَّاء، وأنَّ تأثيرَه وفعلَه وتأثُّرَ الطَّبيعة عنه وانفعالَها أعظمُ من تأثير الأدوية البدنيَّة وانفعال الطَّبيعة عنها. وقد جرَّبنا هذا مرارًا نحن وغيرنا، وعقلاءُ الأطبَّاء معترفون بأنَّ في فعلِ القوى النَّفسيَّة وانفعالاتها في شفاء الأمراض عجائب. وما على الصِّناعة الطِّبِّيَّة أضرُّ من زنادقة القوم وسَفِلتهم وجهَّالهم. والظَّاهر: أنَّ صرع هذه المرأة كان من هذا النَّوع. ويجوز أن يكون من جهة الأرواح، ويكون رسول الله ﷺ قد خيَّرها بين الصَّبر على ذلك مع الجنَّة، وبين الدُّعاء لها بالشِّفاء، فاختارت الصَّبر والسَّتر. والله أعلم. فصل في هديه ﷺ في علاج عِرق النَّسا (١) روى ابن ماجه في «سننه» (٢) من حديث محمَّد بن سيرين (٣) عن

стр. 2350

أنس بن مالكٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «دواءُ عِرق النَّسا أَلْيةُ شاةٍ أعرابيَّةٍ تذاب، ثمُّ تجزَّأ ثلاثة أجزاءٍ، ثمَّ يُشْرَب على الرِّيق في كلِّ يومٍ جزءٌ». عِرْق النَّساء: وجعٌ يبتدئ من مفصل الورك، وينزل من خلفٍ على الفخذ وربَّما امتدَّ على الكعب (١). وكلَّما طالت مدَّته زاد نزوله, وتهزل معه الرِّجل والفخذ (٢). وهذا الحديث فيه معنًى لغويٌّ, ومعنًى طبِّيٌّ. فأمَّا اللُّغويُّ, فدليلٌ على جواز تسمية هذا المرض بعرق النَّسا خلافًا لمن منع هذه التَّسمية وقال: النَّسا هو العرق نفسه, فيكون من باب إضافة الشَّيء إلى نفسه, وهو ممتنعٌ. وجواب هذا القائل من وجهين: أحدهما: أنَّ العرق أعمُّ من النَّسا, فهو من باب إضافة العامِّ إلى الخاصِّ نحو: كلُّ الدَّراهم أو بعضها (٣). الثَّاني: أنَّ النَّسا هو المرض الحالُّ بالعِرْق, والإضافة فيه من باب إضافة
следующие страницы →