← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

يُدخِل يده اليسرى، فيصُبُّ على مرفقه الأيمن. ثم يُدخل يده اليمنى، فيصبُّ على مرفقه الأيسر. ثم يُدخل يده اليسرى، فيصبُّ على قدمه اليمنى. ثم يدخل يده اليمنى, فيصبُّ على قدمه اليسرى. ثم يُدخِل يده اليُسْرى] (١) فيصُبُّ على ركبته اليمنى في القدح. ثمَّ يُدخل يده اليمنى, فيصبُّ على ركبته اليسرى. ثمَّ يغسل داخلةَ إزاره. ولا يوضع القدَحُ في الأرض. ثمَّ يُصَبُّ على رأس الرَّجل الذي تصيبه العين من خلفه صبَّةً واحدةً (٢). والعين عينان: عينٌ إنسيَّةٌ، وعينٌ جنِّيَّةٌ. فقد صحَّ عن أم سلمة أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى في بيتها جاريةً, في وجهها سَفْعةٌ، فقال: «استرقُوا لها، فإنَّ بها النَّظرة» (٣). قال الحسين بن مسعود الفراء (٤): وقوله: «سفعةٌ» أي نظرةٌ، يعني: من الجنِّ. يقول: بها عينٌ أصابتها من نظر الجنِّ. [وقيل: عيون الجنّ] (٥) أنفَذُ من أسنَّة الرِّماح.

стр. 2487

ويذكر عن جابر يرفعه: «إنَّ العينَ لَتُدخِلُ الرَّجلَ القبرَ، والجملَ القِدْرَ» (١). وعن أبي سعيد: كان (٢) النَّبيُّ ﷺ يتعوَّذ من الجانِّ، ومن عين الإنسان (٣). فأبطلت طائفةٌ ممَّن قلَّ نصيبهم من السَّمع والعقل أمرَ العين، وقالوا: إنَّما ذلك أوهامٌ لا حقيقة لها. وهؤلاء من أجهل النَّاس بالسَّمع والعقل، ومن أغلظهم حجابًا، وأكثفهم طباعًا، وأبعدهم معرفةً عن الأرواح والنُّفوس وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها. وعقلاءُ الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره، وإن اختلفوا في سببه وجهة تأثير العين. فقالت طائفةٌ (٤): إنَّ العائن إذا تكيَّفت نفسه بالكيفيَّة الرَّديَّة انبعث من

стр. 2488

عينه قوَّةٌ سمِّيَّةٌ تتَّصل بالمَعِين، فيتضرَّر. قالوا: ولا يستنكر هذا كما لا يستنكر انبعاث قوَّةٍ سمِّيَّةٍ من الأفعى تتَّصل بالإنسان، فيهلك. وهذا أمرٌ قد اشتهر عن نوعٍ من الأفاعي: أنَّها إذا وقع بصرها على الإنسان هلَك، فكذلك العائن. وقالت فرقةٌ أخرى: لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض النَّاس جواهرُ لطيفةٌ غيرُ مرئيَّةٍ، فتتَّصل بالمعين، وتتخلَّل مسامَّ جسمه، فيحصل له الضَّرر. وقالت فرقةٌ أخرى: قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضَّرر عند مقابلة عين العائن لمن يَعينه، من غير أن يكون منه سببٌ ولا قوَّةٌ (١) ولا تأثيرٌ أصلًا (٢). وهذا مذهب منكري الأسباب والقوى والتَّأثيرات في العالم. وهؤلاء قد سدُّوا على أنفسهم باب العلل والتَّأثيرات والأسباب، وخالفوا العقلاء أجمعين. ولا ريب أنَّ الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوًى وطبائع مختلفةً، وجعل في كثيرٍ منها خواصَّ وكيفيَّاتٍ مؤثِّرةً. ولا يمكن العاقلَ (٣) إنكارُ تأثير الأرواح في الأجسام، فإنَّه أمرٌ مشاهدٌ محسوسٌ. وأنت ترى الوجه كيف يحمرُّ حمرةً شديدةً، إذا نظر إليه مَن يحتشمه، فاستحيا منه! ويصفرُّ صفرةً شديدةً عند نظر من يخافه إليه! وقد شاهد النَّاس من يسقَم من النَّظر،

стр. 2489

وتضعف قواه؛ وهذا كلُّه بواسطة تأثير الأرواح. ولشدَّة ارتباطها بالعين يُنسَب الفعلُ إليها، وليست هي الفاعلة، وإنَّما التَّأثير للرُّوح. والأرواح مختلفةٌ في طبائعها وقواها وكيفيَّاتها وخواصِّها. فروحُ الحاسد مؤذيةٌ للمحسود أذًى بيِّنًا، ولهذا أمر الله سبحانه رسولَه أن يستعيذ به من شرِّه. وتأثيرُ الحاسد في أذى المحسود أمرٌ لا ينكره إلا من هو خارجٌ عن حقيقة الإنسانيَّة. وهو أصل الإصابة بالعين، فإنَّ النَّفس الخبيثة الحاسدة تتكيَّف بكيفيَّةٍ خبيثةٍ مقابلَ (١) المحسود، فتؤثِّر فيه بتلك الخاصِّيَّة. وأشبَهُ الأشياء بهذا: الأفعى، فإنَّ السَّمَّ كامنٌ فيها بالقوَّة، فإذا قابلت عدوَّها انبعثت منها قوَّةٌ غضبيَّةٌ، وتكيَّفت نفسُها (٢) بكيفيَّةٍ خبيثةٍ مؤذيةٍ. فمنها: ما تشتدُّ كيفيَّتها وتقوى حتَّى تؤثِّر في إسقاط الجنين. ومنها: ما يؤثِّر في طمس البصر، كما قال النَّبيُّ ﷺ في الأبتر وذي الطُّفْيتين من الحيَّات: «إنَّهما يلتمسان البصر، ويُسْقِطان الحَبَل» (٣). ومنها: ما يؤثِّر في الإنسان كيفيَّتُها بمجرَّد الرُّؤية، من غير اتِّصالٍ به، لشدَّة خبث تلك النَّفس وكيفيَّتها الخبيثة المؤثِّرة. والتَّأثير غير موقوفٍ على الاتِّصالات الجسميَّة، كما يظنُّه مَن قلَّ علمه ومعرفته بالطَّبيعة والشَّريعة. بل التَّأثير يكون تارةً بالاتِّصال، وتارةً

стр. 2490

بالمقابلة (١)، وتارةً بالرُّؤية، وتارةً بتوجُّه الرُّوح نحو من يؤثِّر فيه، وتارةً بالأدعية والرُّقى والتَّعوُّذات، وتارةً بالوهم والتَّخيُّل. ونفس العائن لا يتوقَّف تأثيرها على الرُّؤية، بل قد يكون أعمى، فيوصف له الشَّيءُ (٢)، فتؤثِّر نفسه فيه وإن لم يره. وكثيرٌ من العائنين يؤثِّر في المَعِين بالوصف من غير رؤيةٍ. وقد قال تعالى لنبيِّه: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ (٣) [القلم: ٥١]. وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١ - ٥]. فكلُّ عائنٍ حاسدٌ، وليس كلُّ حاسدٍ عائنًا، فلمَّا كان الحاسد أعمَّ من العائن كانت الاستعاذة منه استعاذةً من العائن. وهي سهامٌ تخرج من نفس الحاسد والعائن نحوَ المحسود والمَعِين تصيبه تارةً، وتخطئه تارةً. فإن صادفته مكشوفًا لا وقاية عليه أثَّرت فيه ولا بدَّ. وإن صادفته حذِرًا شاكيَ السِّلاح لا منفذ فيه للسِّهام لم تؤثِّر فيه، وربَّما ردَّت السِّهام على صاحبها.

стр. 2491

وهذا بمثابة الرَّمي الحسِّيِّ سواءً. فهذا من النُّفوس والأرواح، وهذا من الأجسام والأشباح (١). وأصله من إعجاب العائن بالشَّيء. ثمَّ تتبعه كيفيَّة نفسه الخبيثة، ثمَّ يستعين على تنفيذ سَمِّيَّتها بنظره (٢) إلى المَعِين. وقد يَعين الرَّجل نفسه، وقد يَعين بغير إرادته بل بطبعه، وهذا أردأ (٣) ما يكون من النَّوع الإنسانيِّ. وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء: إنَّ من عُرِف بذلك حبَسه الإمامُ، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت. وهذا هو الصَّواب قطعًا (٤). فصل والمقصود: العلاج النَّبويُّ لهذه العلَّة، وهو أنواعٌ. وقد روى أبو داود في «سننه» (٥) عن سهل بن حُنَيفٍ قال: مررنا بسَيْلٍ، فدخلت، فاغتسلت فيه، فخرجت محمومًا. فنُمِيَ (٦) ذلك إلى رسول الله ﷺ

стр. 2492

فقال: «مروا أبا ثابت يتعوَّذ». قال: فقلت: يا سيِّدي، والرُّقى صالحةٌ؟ فقال: «لا رقية إلا في نفسٍ أو حُمَةٍ أو لَدْغةٍ». والنَّفس: العين. يقال: أصابت فلانًا نفسٌ أي: عينٌ. والنَّافس: العائن. واللَّدغة بدالٍ مهملةٍ وغينٍ معجمةٍ، وهي ضربة العقرب ونحوها. فمن التَّعوُّذات والرُّقى: الإكثارُ من قراءة المعوِّذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسيِّ. ومنها التَّعوُّذات النَّبويَّة نحو: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّة، من كلِّ شيطانٍ وهامَّةٍ، ومن كلِّ عينٍ لامَّةٍ» (١). ونحو: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّات كلِّها من شرِّ ما خلق» (٢). ونحو: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّات الَّتي لا يجاوزهنَّ برٌّ ولا فاجرٌ، من شرِّ ما خلق وذرَأ وبرَأ، ومن شرِّ ما ينزل من السَّماء، ومن شرِّ ما يعرُج فيها؛ ومن شرِّ ما ذرَأ في الأرض، ومن شرِّ ما يخرج منها؛ ومن شرِّ فِتَنِ اللَّيل والنَّهار، ومن شرِّ طوارق اللَّيل إلا طارقًا يطرق بخيرٍ، يا رحمن» (٣). ومنها: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّة من غضبه وعقابه، وشرِّ عباده، ومن

стр. 2493

همزات الشَّياطين وأن يحضُرونِ» (١). ومنها: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التَّامَّات من شرِّ ما أنت آخذ بناصيته. اللَّهمَّ أنت تكشف المأثمَ والمغرَمَ. اللَّهمَّ إنَّه لا يُهزَم جندُك ولا يُخْلَف وعدُك، سبحانك وبحمدك» (٢). ومنها: «أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه، وبكلماته التَّامَّات الَّتي لا يجاوزهنَّ برٌّ ولا فاجرٌ، وأسماءِ الله الحسنى ما علمتُ منها وما لم أعلم من شرِّ ما خلَق وذرَأ وبرَأ، ومن شرِّ كلِّ ذي شرٍّ لا أطيق شرَّه، ومن شرِّ كلِّ ذي شرٍّ ربِّي (٣) آخذٌ بناصيته. إنَّ ربِّي على صراطٍ مستقيمٍ» (٤).

стр. 2494

ومنها: «اللَّهمَّ أنت ربِّي، لا إله إلا أنت، عليك توكَّلت، وأنت ربُّ العرش العظيم. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. لا حول ولا قوَّة إلا باللَّه. أعلم أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ الله قد أحاط بكلِّ شيءٍ علمًا، وأحصى كلَّ شيءٍ عددًا. اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من شرِّ نفسي، وشرِّ الشَّيطان وشركه، ومن شرِّ كلِّ دابَّةٍ أنت آخذٌ بناصيتها. إنَّ ربِّي على صراطٍ مستقيمٍ» (١). وإن شاء قال: تحصَّنت (٢) بالله الذي لا إله إلا هو، إلهي وإلهِ كلِّ شيءٍ. واعتصمتُ بربِّي وربِّ كلِّ شيءٍ. وتوكَّلت على الحيِّ الذي لا يموت. واستدفعتُ الشَّرَّ بلا حول ولا قوَّة إلا باللَّه، حسبي الله ونعم الوكيل. حسبي الرَّبُّ من العباد. حسبي الخالق من المخلوق. حسبي الرَّازق من المرزوق. حسبي الذي هو حسبي. حسبي الذي بيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ، وهو يجير ولا يجار عليه. حسبي الله وكفى. سمِع الله لمن دعا. ليس وراء الله مرمًى. حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكَّلت، وهو ربُّ العرش العظيم (٣).

стр. 2495

ومن جرَّب هذه الدَّعوات والعُوَذ عرَف مقدارَ منفعتها وشدَّة الحاجة إليها. وهي تمنع وصول أثر العائن، وتدفعه بعد وصوله، بحسب قوَّة إيمان قائلها، وقوَّةِ نفسه واستعداده، وقوَّةِ توكُّله وثباتِ قلبه؛ فإنَّها سلاحٌ، والسِّلاحُ بضاربه! فصل وإذا كان العائن يخشى ضرر عينه وإصابتها للمَعِين، فليدفع شرَّها بقوله: اللَّهمَّ بارك عليه، كما قال النَّبيُّ ﷺ لعامر بن ربيعة لمَّا عان سهلَ بن حُنَيفٍ: «ألَّا برَّكتَ» (١) أي: قلتَ: اللَّهمَّ بارك عليه. وممَّا يدفع به إصابة العين قولُ: ما شاء الله لا قوَّة إلا باللَّه. روى هشام بن عروة عن أبيه أنَّه كان إذا رأى شيئًا يُعجبه، أو دخل حائطًا من حيطانه، قال: ما شاء اللَّه، لا قوَّة إلا باللَّه (٢). ومنها: رقية جبريل للنَّبيِّ ﷺ ، الَّتي رواها مسلم في «صحيحه» (٣): «باسم الله أرقيك، من كلِّ شيءٍ يؤذيك، من شرِّ كلِّ نفسٍ أو عينِ حاسدٍ، الله يشفيك، باسم الله أرقيك».

стр. 2496

ورأى جماعةٌ من السَّلف أن تُكتَب له الآيات من القرآن، ثمَّ يشربها. فقال مجاهد: لا بأس أن يكتبَ القرآن ويغسِلَه ويسقيَه المريضَ (١). ومثله عن أبي قِلابة (٢). ويذكر عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه أمر أن يكتب لامرأةٍ تعسَّر عليها وِلادُها آيتين (٣) من القرآن، ثمَّ تُغسَل (٤) وتُسْقى (٥). وقال أيوب: رأيت أبا قلابة كتب كتابًا من القرآن، ثمَّ غسَله بماء، وسقاه رجلًا كان به وجعٌ (٦). فصل ومنها: أن يؤمر العائن بغسل مغابنه، وأطرافه، وداخلة إزاره. وفيه (٧) قولان. أحدهما: أنَّه فرجه. والثَّاني: أنَّه طرف إزاره الدَّاخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن (٨). ثمَّ يُصَبُّ على رأس المَعِين من خلفه بغتةً.

стр. 2497

وهذا ممَّا لا يناله علاج الأطبَّاء، ولا ينتفع به مَن أنكره، أو سَخِر منه، أو شكَّ فيه، أو فعَله مجرِّبًا لا يعتقد أنَّ ذلك ينفعه (١). وإذا (٢) كان في الطَّبيعة خواصُّ لا تعرف الأطبَّاء عللها البتَّة، بل هي عندهم خارجةٌ عن قياس الطَّبيعة، تفعل بالخاصِّيَّة (٣)، فما الذي تنكره زنادقتهم وجهلتهم من الخواصِّ الشَّرعيَّة! هذا مع أنَّ في المعالجة بهذا الاستغسال ما تشهد له العقول الصَّحيحة وتُقِرُّ بمناسبته. فاعلم أنَّ تِرْياقَ سَمِّ الحيَّة في لحمها، وأنَّ علاج تأثير النَّفس الغضبيَّة في تسكين غضبها، وإطفاء ناره بوضع يدك عليه، والمسح عليه، وتسكين غضبه. وذلك بمنزلة رجلٍ معه شعلةٌ من نارٍ، وقد أراد أن يقذفك بها، فصببتَ عليها الماء، وهي في يده حتَّى طفئت. ولذلك أمر العائن أن يقول: «اللَّهمَّ بارك عليه»، ليدفع تلك الكيفيَّة الخبيثة بالدُّعاء الذي هو إحسانٌ إلى المَعِين، فإنَّ دواء الشَّيء بضدِّه. ولمَّا كانت هذه الكيفيَّة الخبيثة تظهر في المواضع الرَّقيقة من الجسد، لأنَّها تطلب النُّفوذ، فلا تجد أرقَّ من المغابن وداخلة الإزار، ولا سيَّما إن كان كنايةً عن الفرج. فإذا غُسِلتْ بالماء بطل تأثيرُها وعملُها. وأيضًا فهذه المواضع للأرواح الشَّيطانيَّة بها اختصاصٌ. والمقصود: أنَّ غسلها بالماء يطفئ تلك النَّاريَّة، ويذهب بتلك السَّمِّيَّة.

стр. 2498

وفيه أمرٌ آخر. وهو وصول أثر الغسل إلى القلب من أرقِّ المواضع وأسرعها تنفيذًا، فيطفئ تلك النَّاريَّة والسَّمِّيَّة بالماء، فيشفى المَعِين. وهذا كما أنَّ ذوات السُّموم إذا قُتِلت بعد لَسْعها خفَّ أثرُ اللَّسعة عن الملسوع ووجَد راحةً، فإنَّ أنفُسَها تُمِدُّ أذاها بعد لسعها، وتُوصِله إلى الملسوع، فإذا قُتِلت خفَّ الألم. وهذا مشاهَد. وإن كان من أسبابه: فرحُ الملسوع، واشتفاءُ نفسه بقتل عدوِّه؛ فتقوى الطَّبيعة على الألم، فتدفعه. وبالجملة، غسلُ العائنُ (١) يُذْهِب تلك الكيفيَّة الَّتي ظهرت منه. وإنَّما ينفع غسلُه عند تكيُّف نفسه بتلك الكيفيَّة. فإن قيل: فقد ظهرت مناسبة الغسل، فما مناسبة صبِّ ذلك الماء على المَعِين؟ قيل: هو في غاية المناسبة. فإنَّ ذلك الماء ماءٌ طفَّى (٢) به تلك النَّاريَّةَ وأبطل تلك الكيفيَّة الرَّديَّة من الفاعل، فكما طُفِّيت به النَّاريَّة القائمة بالفاعل طُفيِّت به وأُبطِلت عن المحلِّ المتأثِّر بعد ملابسته للمؤثِّر العائن. والماء الذي يطفَّى فيه (٣) الحديد يدخل في أدويةٍ عدَّةٍ طبيعيَّةٍ ذكرها الأطبَّاء، فهذا الذي طُفِّي به ناريَّة العائن لا يستنكر أن يدخل في دواءٍ يناسب هذا الدَّاء. وبالجملة: فطبُّ الطَّبائعيَّة وعلاجهم بالنِّسبة إلى العلاج النَّبويِّ كطبِّ الطُّرقيَّة بالنِّسبة إلى طبِّهم بل أقلُّ، فإنَّ التَّفاوت الذي بينهم وبين الأنبياء أعظم

стр. 2499

وأعظم من التَّفاوت الذي بينهم وبين الطُّرقيَّة بما لا يدرك الإنسانُ مقدارَه. فقد ظهر لك عقدُ الإخاء الذي بين الحكمة والشَّرع، وعدمُ مناقضة أحدهما للآخر. والله يهدي من يشاء إلى الصَّواب، ويفتح لمن أدام قرعَ بابِ التَّوفيق منه كلَّ بابٍ. وله النِّعمة السَّابغة، والحجَّة البالغة. فصل ومن علاج ذلك أيضًا والاحتراز منه: سترُ محاسن من يخاف عليه العين بما يردُّها عنه، كما ذكر البغوي في كتاب «شرح السُّنَّة» (١): أنَّ عثمان ﵁ رأى صبيًّا مليحًا فقال: دسِّموا نُونتَه؛ لئلَّا تصيبه العين. ثمَّ قال في تفسيره: ومعنى «دسِّموا نونته» أي: سوِّدوا نونته. والنُّونة: النُّقْبة (٢) الَّتي تكون في ذقَن الصَّبيِّ الصَّغير. وقال الخطابي في «غريب الحديث» له (٣) عن عثمان: إنَّه رأى صبيًّا تأخذه العين، فقال: دسِّموا نُونتَه. فقال أبو عمر: وسألت أحمد بن يحيى عنه فقال: أراد بالنُّونة الثُّغرة (٤) الَّتي في ذقَنه. والتَّدسيم: التَّسويد. أراد: سوِّدوا

стр. 2500

ذلك الموضع من ذقنه ليردَّ العين. قال: ومن هذا حديث عائشة أنَّ رسول الله ﷺ خطب ذات يومٍ، وعلى رأسه عمامةٌ دَسْماء (١). أي: سوداء. أراد الاستشهاد على اللَّفظة. ومن هذا أخذ الشَّاعر قوله (٢): ما كان أحوجَ ذا الكمالِ إلى ... عيبٍ يوقِّيه من العينِ (٣) ومن الرُّقى الَّتي تردُّ العين ما ذُكِر عن أبي عبد الله النِّباجي (٤) أنَّه كان في بعض أسفاره للحجِّ أو الغزو على ناقةٍ فارهةٍ، وكان في الرُّفقة رجلٌ عائنٌ قلَّما نظر إلى شيءٍ إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله: احفظ ناقتك من العائن، فقال:

стр. 2501

ليس له إلى ناقتي سبيلٌ. فأُخبِر العائنُ بقوله، فتحيَّن غَيبةَ أبي عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى النَّاقة، فاضطربت وسقطت. فجاء أبو عبد الله، فأُخبِرَ أنَّ العائن قد عانها، وهي كما ترى. فقال: دلُّوني عليه. فدُلَّ، فوقف عليه، وقال: بسم الله حبسٌ حابسٌ، وحجرٌ يابسٌ، وشهابٌ قابسٌ. رددتُ عينَ العائن عليه، وعلى أحبِّ النَّاس إليه ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣ - ٤]. فخرجت حدَقتا العائن، وقامت النَّاقة لا بأس بها (١). فصل في هديه ﷺ في العلاج العامِّ لكلِّ شكوى بالرُّقية الإلهيَّة روى أبو داود في «سننه» (٢) من حديث أبي الدَّرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اشتكى منكم شيئًا (٣) فليقل: ربُّنا اللهُ الذي في السَّماء. تقدَّس اسمُك، أمرُك في السَّماء والأرض، كما رَحْمتُك في السَّماء، فاجعل رحمتَك في الأرض، واغفر لنا حُوبنا وخطايانا. أنت ربُّ الطَّيِّبين، أنزِلْ رحمةً

стр. 2502

من رحمتك وشفاءً من شفائك على هذا الوجع. فيبرأ بإذن اللَّه». وفي «صحيح مسلم» (١) عن أبي سعيدٍ (٢) أنَّ جبريل أتى رسولَ الله ﷺ ، فقال: «يا محمَّد اشتكيتَ؟». [قال رسول الله ﷺ : «نعم»] (٣). فقال جبريل ﷺ : «باسم الله أرقيك، من كلِّ داءٍ يؤذيك، ومن كلِّ نفسٍ وعينِ حاسدٍ. اللهُ يشفيك، باسم الله أرقيك» (٤). فإن قيل: فما تقولون في الحديث الذي رواه أبو داود (٥): «لا رقية إلا في (٦) عينٍ أو حُمَةٍ». والحُمَة: ذوات السُّموم كلُّها. فالجواب: أنَّه ﷺ لم يرد به نفي جواز الرُّقية في غيرها، بل المراد به: لا رقية أولى وأنفع منها في العين والحُمَة. ويدلُّ عليه سياق الحديث، فإنَّ سهل بن حُنَيفٍ قال له لمَّا أصابته العين: أوَفي الرُّقى خيرٌ؟ فقال: «لا رقية إلا في نفسٍ أو حُمَةٍ» (٧). ويدلُّ عليه سائر أحاديث الرُّقى العامَّة والخاصَّة. وقد روى أبو داود (٨) من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا رقية إلا من

стр. 2503

عينٍ أو حُمَةٍ أو دمٍ يرقأ». وفي «صحيح مسلم» (١) عنه أيضًا: رخَّص رسول الله ﷺ في الرُّقية من العين والحُمَة والنَّملة. فصل في هديه ﷺ في رقية اللَّديغ بالفاتحة أخرجا في «الصَّحيحين» (٢) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: انطلق نفرٌ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ في سفرةٍ سافروها، حتَّى نزلوا على حيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيِّفوهم. فلُدِغ سيِّدُ ذلك الحيِّ، فسَعوا له بكلِّ شيءٍ، لا ينفعه شيءٌ. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرَّهطَ الذين نزلوا، لعلَّه (٣) أن يكون عند بعضهم شيءٌ. فأتوهم، فقالوا: يا أيُّها الرَّهط إنَّ سيَّدنا لُدِغَ، وسعينا له بكلِّ شيءٍ لا ينفعه، فهل عند أحدٍ منكم من شيءٍ؟ فقال بعضهم: نعم، واللهِ إنِّي لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيِّفونا، فما أنا براقٍ حتَّى تجعلوا لنا جُعْلًا. فصالحوهم على قطيعٍ من الغنم. فانطلق يتفِل عليه،

стр. 2504

ويقرأ: الحمد لله ربِّ العالمين (١). فكأنَّما نُشِطَ من عِقالٍ. فانطلق يمشي وما به قَلَبةٌ. قال: فأوفَوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقتسِمُوا. فقال الذي رقى: لا نفعل (٢) حتَّى نأتي النبيَّ (٣) ﷺ ، فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا. فقدِموا على رسول الله ﷺ فذكروا له (٤)، فقال: «وما يُدريك أنَّها رقيةٌ؟». ثمَّ قال: «قد أصبتم. اقتسِمُوا واضربوا لي معكم سهمًا». وقد روى ابن ماجه في «سننه» (٥) من حديث علي قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الدَّواء القرآن». من المعلوم (٦) أنَّ بعض الكلام له خواصُّ ومنافع مجرَّبةٌ، فما الظَّنُّ بكلام ربِّ العالمين الذي فضلُه على كلِّ كلامٍ كفضل الله على خَلقِه، الذي هو الشِّفاء التَّامُّ والعصمة النَّافعة والنُّور الهادي والرَّحمة العامَّة، الذي لو أُنزل على جبلٍ لتصدَّع من عظمته وجلالته. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. و «من» هاهنا لبيان الجنس لا للتَّبعيض (٧). هذا أصحُّ القولين، كقوله تعالى:

стр. 2505

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] وكلُّهم من الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات. فما الظَّنُّ بفاتحة الكتاب الَّتي لم ينزل في القرآن ولا في التَّوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبور مثلُها، المتضمِّنة لجميع معاني كتُب الله، المشتملة على ذكرِ أصول أسماء الرَّبِّ تعالى ومجامعها ــ وهي اللَّه والرَّبُّ والرَّحمن ــ وإثباتِ المعاد، وذكرِ التَّوحيدين: توحيد الرَّبوبيَّة وتوحيد الإلهيَّة، وذكرِ الافتقار إلى الرَّبِّ سبحانه في طلب الإعانة وطلب الهداية وتخصيصه سبحانه بذلك، وذكرِ أفضل الدُّعاء على الإطلاق وأنفعِه وأفرضِه وما العباد أحوجُ شيءٍ إليه، وهو الهداية إلى صراطه المستقيم المتضمِّن كمالَ معرفته وتوحيده، وعبادته بفعل ما أمَر به، واجتناب ما نهى عنه، والاستقامة عليه إلى الممات. وتتضمَّن ذكرَ أصناف الخلائق وانقسامهم إلى منعَمٍ عليه بمعرفة الحقِّ والعمل به ومحبَّته وإيثاره، ومغضوبٍ عليه بعدوله عن الحقِّ بعد معرفته له، وضالٍّ بعدم معرفته له؛ وهؤلاء أقسام الخليقة. مع تضمُّنها لإثبات القدر والشَّرع، والأسماء والصِّفات، والمعاد، والنُّبوَّات، وتزكية النُّفوس وإصلاح القلوب، وذكر عدل اللَّه وإحسانه، والرَّدِّ على جميع أهل البدع والباطل؛ كما ذكرنا ذلك في كتابنا الكبير (١) في شرحها. وحقيقٌ بسورةٍ هذا بعضُ شأنها أن يستشفى بها من الأدواء، ويرقى بها اللَّديغ. وبالجملة، فما تضمَّنته الفاتحة من إخلاص العبوديَّة، والثَّناء على اللَّه، وتفويض الأمر كلِّه إليه، والاستعانة به، والتَّوكُّل عليه، وسؤاله مجامع النِّعم كلِّها،

стр. 2506

وهي الهداية الَّتي تجلب النِّعَم وتدفع النِّقَم= من أعظم الأدوية الشَّافية الكافية. وقد قيل: إنَّ موضع الرُّقية منها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. ولا ريب أنَّ هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدَّواء، فإنَّ فيهما من عموم التَّفويض والتَّوكُّل، والالتجاء والاستعانة، والافتقار والطَّلب، والجمع بين أعلى الغايات وهي عبادةُ الرَّبِّ وحده وأشرفِ الوسائل وهي الاستعانة به على عبادته= ما ليس في غيرها. ولقد مرَّ بي وقتٌ بمكَّة سقِمتُ فيه، وفقدتُ الطَّبيبَ والدَّواء، فكنت أتعالج بها: آخذ شربةً من ماء زمزم، وأقرؤها عليه مرارًا، ثمَّ أشربه. فوجدتُ بذلك البرء التَّامَّ. ثمَّ صرتُ أعتمد ذلك عند كثيرٍ من الأوجاع، فأنتفع بها غاية الانتفاع (١). فصل وفي تأثير الرُّقى بالفاتحة وغيرها في علاج ذوات السُّموم سرٌّ بديعٌ. فإنَّ ذوات السُّموم أثَّرت بكيفيَّات نفوسها الخبيثة كما تقدَّم. وسلاحُها حُمَاتُها الَّتي تلدغ بها. وهي لا تلدغ حتَّى تغضب، فإذا غضبت ثار فيها السَّمُّ، فتقذفه بآلتها. وقد جعل الله سبحانه لكلِّ داءٍ دواءً، ولكلِّ شيءٍ ضدًّا. ونفسُ الرَّاقي تفعل في نفس المرقيِّ، فيقع بين نفسيهما فعلٌ وانفعالٌ، كما يقع بين الدَّاء والدَّواء. فتقوى نفسُ المَرْقيِّ (٢) وقوَّتُه بالرُّقية على ذلك الدَّاء، فتدفعه (٣)

стр. 2507

بإذن اللَّه. ومدارُ تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال. وهو كما يقع بين الدَّاء والدَّواء الطَّبيعيَّين، يقع بين الدَّاء والدَّواء الرُّوحانيَّين، والرُّوحانيِّ والطَّبيعيِّ. وفي النَّفث والتَّفل استعانةٌ بتلك الرُّطوبة والهواء والنَّفَس المباشر للرُّقية والذِّكر والدُّعاء. فإنَّ الرُّقية تخرج من قلب الرَّاقي وفمه، فإذا صاحبها شيءٌ من أجزاء باطنه من الرِّيق والهواء والنَّفَس كانت أتمَّ تأثيرًا، وأقوى فعلًا ونفوذًا. ويحصل بالازدواج بينها (١) كيفيَّةٌ مؤثِّرةٌ شبيهةٌ بالكيفيَّة الحادثة عند تركيب الأدوية. وبالجملة: فنفسُ الرَّاقي يقابل (٢) تلك النَّفوس الخبيثة، ويزيد (٣) بكيفيَّة نفسه، ويستعين بالرُّقية وبالنَّفث على إزالة ذلك الأثر. وكلَّما كانت كيفيَّة نفس الرَّاقي أقوى كانت الرُّقية أتمَّ. واستعانتُه بنفثه كاستعانة تلك النُّفوس الرَّديَّة بلسعها. وفي النَّفث سرٌّ آخر، فإنَّه ممَّا تستعين به الأرواح الطَّيِّبة والخبيثة. ولهذا تفعله السَّحرة كما يفعله أهل الإيمان. قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]. وذلك لأنَّ النَّفس تتكيَّف بكيفيَّة الغضب والمحاربة، وتُرسل أنفاسها سهامًا لها، وتُمِدُّها بالنَّفث والتَّفل الذي معه شيءٌ من ريقٍ مصاحب (٤) لكيفيَّةٍ مؤثِّرةٍ. والسَّواحر تستعين بالنَّفث استعانةً بيِّنةً، وإن لم

стр. 2508

تتَّصل بجسم المسحور. بل تنفث على العقدة وتعقِدها، وتتكلَّم بالسِّحر، فيعمل ذلك في المسحور بتوسُّط الأرواح السُّفليَّة الخبيثة. فتقابلها (١) الرُّوح الزَّكيَّة الطَّيِّبة بكيفيَّة الدَّفع والتَّكلُّم بالرُّقية وتستعين بالنَّفث؛ فأيُّهما قوي كان الحكم له. ومقابلةُ (٢) الأرواح بعضها لبعضٍ وتحاربُها وآلتُها من جنس مقابلة الأجسام ومحاربتها وآلتها سواءً. بل الأصل في المحاربة والتقابل (٣) للأرواح والأجسام آلتُها وجندُها، ولكن مَن غلب عليه الحسُّ لا يشعر بتأثيرات الأرواح وأفعالها وانفعالاتها، لاستيلاء سلطان الحسِّ عليه، وبُعدِه من عالم الأرواح وأحكامها وأفعالها. والمقصود: أنَّ الرُّوح إذا كانت قويَّةً، وتكيَّفت بمعاني الفاتحة، واستعانت بالنَّفث والتَّفل= قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النُّفوس الخبيثة، فأزالته. والله أعلم. فصل في هديه ﷺ في علاج لدغة العقرب بالرُّقية روى ابن أبي شيبة في «مسنده» (٤) من حديث عبد الله بن مسعودٍ قال:

стр. 2509

بينا رسول الله ﷺ يصلِّي إذ سجد، فلدغته عقربٌ في إصبعه، فانصرف رسول الله ﷺ وقال: «لعن الله العقربَ، ما تدع نبيًّا ولا غيره». قال: ثمَّ دعا بإناءٍ فيه ماءٌ وملحٌ، فجعل يضع موضعَ اللَّدغة في الماء والملح، ويقرأ: (قل هو الله أحدٌ) (١) والمعوِّذتين حتَّى سكنت. ففي هذا الحديث العلاج بالدَّواء المركَّب من الأمرين الطَّبيعيِّ والإلهيِّ. فإنَّ في سورة الإخلاص من كمال التَّوحيد العلميِّ الاعتقاديِّ وإثباتِ الأحديَّة للَّه المستلزمة نفيَ كلِّ شركةٍ عنه، وإثباتِ الصَّمديَّة المستلزمة لإثبات كلِّ كمالٍ له، مع كون الخلائق تصمُد إليه في حوائجها أي: تقصده الخليقةُ وتتوجَّه إليه علويُّها وسفليُّها؛ ونفي الوالد والولد والكفءِ عنه، المتضمَّنِ لنفي الأصل والفرع والنَّظير والمماثل= ما (٢) اختصَّت به،

стр. 2510

وصارت تعدل ثلثَ القرآن. ففي اسمه «الصَّمد» إثباتُ كلِّ كمال (١)، وفي نفي الكفء التَّنزيهُ عن الشَّبيه والمثال، وفي «الأحد» نفيُ كلِّ شريكٍ لذي الجلال. وهذه الأصول الثَّلاثة هي مجامع التَّوحيد. وفي المعوِّذتين: الاستعاذة من كلِّ مكروهٍ جملةً وتفصيلًا. فإنَّ الاستعاذة من شرِّ ما خَلَق تعُمُّ كلَّ شرٍّ يستعاذ منه، سواءٌ كان في الأجسام أو الأرواح. والاستعاذةُ من شرِّ الغاسق ــ وهو اللَّيل وآيتِه ــ وهو القمر إذا غاب ــ تتضمَّن الاستعاذةَ من شرِّ ما ينتشر فيه من الأرواح الخبيثة الَّتي كان نور النَّهار يحول بينها وبين الانتشار، فلمَّا أظلم عليها (٢) اللَّيل وغاب القمر انتشرت وعاثت. والاستعاذةُ من شرِّ النَّفَّاثات في العُقَد يتضمَّن (٣) الاستعاذةَ من شرِّ السَّواحر وسحرهنَّ. والاستعاذةُ من شرِّ الحاسد يتضمَّن الاستعاذةَ من النُّفوس الخبيثة المؤذية بحسدها ونظرها. والسُّورة الثَّانية تتضمَّن الاستعاذةَ من شرِّ شياطين الإنس والجنِّ. فقد جمعت السُّورتان الاستعاذةَ من كلِّ شرٍّ. ولهما شأنٌ عظيمٌ في الاحتراس والتَّحصُّن من الشُّرور قبل وقوعها. ولهذا أوصى النَّبيُّ ﷺ عُقْبة بن عامرٍ بقراءتهما عقيبَ (٤) كلِّ صلاةٍ. ذكره الترمذي في «جامعه» (٥). وفي هذا سرٌّ عظيمٌ في استدفاع الشُّرور من الصَّلاة

стр. 2511

إلى الصَّلاة. وقال: «ما تعوَّذ المتعوِّذون بمثلهما» (١). وقد ذُكِر أنَّه ﷺ سُحِر في إحدى عشرة عقدةً، وأنَّ جبريل نزل عليه بهما. فجعل كلَّما قرأ آيةً منهما انحلَّت عقدةٌ، حتَّى انحلَّت العقد كلُّها، وكأنَّما نُشِط من عقالٍ (٢). وأمَّا العلاج الطَّبيعيُّ فيه، فإنَّ في الملح نفعًا لكثيرٍ من السُّموم، ولا سيَّما لدغة العقرب. قال صاحب «القانون» (٣): يضمَّد به مع بِزْر الكتَّان للسع العقرب. وذكره غيره أيضًا (٤). وفي الملح من القوَّة الجاذبة المحلِّلة ما

стр. 2512

يجذب السُّموم ويحلِّلها (١). ولمَّا كان في لسعها قوَّةٌ ناريَّةٌ تحتاج إلى تبريدٍ وجذبٍ وإخراجٍ جمَعَ بين الماء المبرِّد لنار اللَّسعة، والملح الذي فيه جذبٌ وإخراجٌ. وهذا أتمُّ ما يكون من العلاج وأيسره وأسهله. وفيه تنبيهٌ على أنَّ علاج هذا الدَّاء بالتَّبريد والجذب والإخراج. والله أعلم. وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، ما لقيتُ من عقربٍ لدغتني البارحة! فقال: «أمَا، لو قلتَ حين أمسيتَ: أعوذ بكلمات الله التَّامَّات من شرِّ ما خلَق= لم يضرَّك (٣)». واعلم أنَّ الأدوية الإلهيَّة تنفع من الدَّاء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعًا مُضِرًّا وإن كان مؤذيًا. والأدوية الطَّبيعيَّة إنَّما تنفع بعد حصول الدَّاء. فالتَّعوُّذات والأذكار إمَّا أن تمنع وقوع هذه الأسباب، وإمَّا أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التَّعوُّذ وقوَّته وضعفه. فالرُّقى والعُوَذ تستعمل لحفظ الصِّحَّة، ولإزالة المرض (٤). أمَّا الأوَّل فكما في «الصَّحيحين» (٥) من حديث عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نفَث في كفَّيه بـ (قُل هو الله أحدٌ) والمعوِّذتين، ثمَّ يمسح بهما وجهَه وما بلغت يدُه من جسده.

стр. 2513

وكما في حديث عُوذة أبي الدَّرداء المرفوع: «اللَّهمَّ أنت ربِّي لا إله إلا أنت، عليك توكَّلت، وأنت ربُّ العرش العظيم» وقد تقدَّم. وفيه: «من قالها أوَّلَ نهاره لم تُصِبه مصيبةٌ حتَّى يمسي، ومن قالها آخرَ نهاره لم تُصِبه مصيبةٌ حتَّى يُصْبح» (١). وكما في «الصَّحيحين» (٢): «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفَتاه». وكما في «صحيح مسلم» (٣) عن النِّبيِّ ﷺ : «من نزل منزلًا، فقال: أعوذ بكلمات الله التَّامَّات من شرِّ ما خلق= لم يضرُّه شيءٌ حتَّى يرتحل من منزله ذلك». وكما في «سنن أبي داود» (٤) أنَّ رسول الله ﷺ كان في السَّفر يقول

стр. 2514

باللَّيل: «يا أرضُ ربِّي وربُّكِ اللَّه، أعوذ بالله من شرِّكِ وشرِّ ما فيكِ وشرِّ ما يدبُّ عليكِ. أعوذ بالله من أسدٍ وأسودَ، ومن الحيَّة والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والدٍ وما ولد». فصل (١) وأمَّا الثَّاني، فكما تقدَّم من الرُّقية بالفاتحة والرُّقية للعقرب وغيرها ممَّا يأتي. فصل في هديه ﷺ في رقية النَّملة (٢) قد تقدَّم (٣) حديثُ أنس الذي في «صحيح مسلم» (٤): أنَّه ﷺ رخَّص في الرُّقية من الحُمَة والعين والنَّملة. وفي «سنن أبي داود» (٥) عن الشفاء بنت عبد الله قالت: دخل عليَّ

стр. 2515

رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة، فقال: «ألا تعلِّمين هذه رقية النَّملة، كما علَّمتيها الكتابة؟». النَّملة: قروحٌ تخرج في الجنبين (١)، وهو داءٌ معروفٌ. وسمِّي نملةً لأنَّ صاحبه يحسُّ في مكانه كأنَّ نملةً تدبُّ عليه وتعضُّه. وأصنافها ثلاثةٌ (٢). قال ابن قتيبة (٣) وغيره: كان المجوس يزعمون أنَّ ولد الرَّجل من أخته إذا خَطَّ على النَّملة شُفِي صاحبُها. ومنه قول الشَّاعر (٤): ولا عيبَ فينا غيرَ عِرْقٍ (٥) لمعشرٍ ... كرامٍ وأنَّا لا نخُطُّ على النَّمل وروى الخلال أنَّ الشفاء بنت عبد الله كانت ترقي في الجاهليَّة من النَّملة، فلمَّا هاجرت إلى النَّبيِّ ﷺ وكانت قد بايعته بمكَّة قالت: يا رسول اللَّه، إنِّي كنت أرقي في الجاهليَّة من النَّملة، وإنِّي أريد أن أعرضها عليك.

стр. 2516

فعرَضَتْها (١) فقالت: بسم الله صلّت حتَّى تعود (٢) من أفواهها ولا تضرُّ أحدًا. اللَّهمَّ اكشف البأسَ ربَّ النَّاس. قال: «ترقي بها على عودٍ (٣) سبع مرَّاتٍ، وتقصد مكانًا نظيفًا وتدلكه على حجرٍ بخلِّ خمرٍ حاذقٍ (٤)، وتَطْليه على النَّملة» (٥). وفي الحديث: دليلٌ على جواز تعليم النِّساء الكتابة (٦).

стр. 2517

فصل في هديه في رقية الحيَّة قد تقدَّم قوله: «لا رقية إلا في عينٍ أو حُمَةٍ». الحُمَة (١): بضمِّ الحاء وفتح الميم وتخفيفها. وفي «سنن ابن ماجه» (٢) من حديث عائشة: رخَّص رسول الله ﷺ في الرُّقية من الحيَّة والعقرب. ويذكر عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ قال: لدغ بعض أصحاب رسول الله ﷺ حيَّةٌ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «هل من راقٍ؟». فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّ آل حزمٍ كانوا يرقُون رقية الحيَّة، فلمَّا نهيتَ عن الرُّقى تركوها. فقال: «ادعُوا عُمارةَ بن حزم». فدعَوه، فعرض عليه رُقَاه، فقال: «لا بأس بها». فأذِن له فيها فرَقاه (٣).

стр. 2518

فصل في هديه ﷺ في رقية القُرحة والجُرح (١) أخرجا في «الصَّحيحين» (٢) عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى الإنسانُ أو كانت به قُرحةٌ أو جُرحٌ قال بإصبعه: هكذا ــ ووضع سفيان سبَّابته بالأرض، ثمَّ رفعها ــ وقال: «بسم الله، تربةُ أرضنا، بريقة بعضِنا، لَيُشْفَى سقيمُنا، بإذن ربِّنا». هذا من العلاج السهل (٣) الميسَّر النَّافع المركَّب. وهي معالجةٌ لطيفةٌ تعاَلج بها القروح والجراحات الطَّريَّة، لا سيَّما عند عدم غيرها من الأدوية، إذ كانت موجودةً بكلِّ أرضٍ. وقد عُلِم أنَّ طبيعة التُّراب الخالص باردةٌ يابسةٌ مجفِّفةٌ لرطوبات القروح والجراحات الَّتي تمنع الطَّبيعةَ من جودة فعلها وسرعة اندمالها، لا سيَّما في البلاد الحارَّة، وأصحاب الأمزجة الحارَّة. فإنَّ القروح والجراحات يتبعها في أكثر الأمر سوءُ مزاجٍ حارٍّ فتجتمع حرارةُ البلد والمزاج والجراح. وطبيعة التُّراب الخالص باردةٌ يابسةٌ أشدُّ من برودة جميع الأدوية المفردة الباردة، فتقابل برودةُ التُّراب حرارةَ المرض، لا سيَّما إن كان التُّرابُ قد غُسِل وجُفِّف. ويتبعها أيضًا كثرةُ الرُّطوبات الرَّديَّة والسَّيلان، والتُّراب مجفِّفٌ لها، مزيلٌ بشدَّة (٤) يبسه وتجفيفه للرُّطوبة الرَّديَّة المانعة من برئها (٥). ويحصل

стр. 2519

به مع ذلك تعديلُ مزاج العضو العليل، ومتى اعتدل مزاجُ العضو قويت قواه المدبِّرة، ودفَعت عنه الألم بإذن اللَّه. ومعنى الحديث: أنَّه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السَّبَّابة، ثمَّ يضعُها على التُّراب، فيعلَق بها منه شيءٌ، فيمسح به على الجرح، ويقول هذا الكلام، لما فيه من بركة ذكرِ اسم اللَّه، وتفويض الأمرِ إليه، والتَّوكُّلِ عليه. فينضمُّ أحد العلاجين إلى الآخر، فيقوى التَّأثير. وهل المراد بقوله: «تربة أرضنا» جميع الأرض أو أرض المدينة خاصَّةً؟ فيه قولان. ولا ريب أنَّ من التُّربة ما يكون فيه خاصَّة (١)، ينفع بخاصِّيَّته من أدواءٍ كثيرةٍ، ويشفي به أسقامًا رديَّةً (٢). قال جالينوس: رأيت بالإسكندريَّة مطحولين ومُسْتَسقِين كثيرًا يستعملون طينَ مصر، ويطلُون به على سوقهم وأفخاذهم وسواعدهم وظهورهم وأضلاعهم، فينتفعون به منفعةً بيِّنةً. قال: وعلى هذا النَّحو فقد ينفع هذا الطِّلاء للأورام العَفِنة والمترهِّلة الرَّخوة. قال: وإنِّي لأعرف قومًا ترهَّلت أبدانهم كلُّها من كثرة استفراغ الدَّم من أسفل، انتفعوا بهذا الطِّين نفعًا بيِّنًا؛ وقومًا آخرين شفَوا به أوجاعًا مزمنةً كانت متمكِّنةً في بعض الأعضاء تمكُّنًا شديدًا، فبرئت وذهبت أصلًا (٣).

стр. 2520

وقال صاحب الكتاب المسيحيِّ (١): قوَّةُ الطِّين المجلوب من كيُوس (٢) ــ وهي جزيرة المَصْطَكى ــ قوَّةٌ تجلو، وتغسِل، وتُنبِت اللَّحمَ في القروح (٣)، وتختم القروح. انتهى. وإذا كان هذا في هذه التُّربات، فما الظَّنُّ بأطيب تربةٍ على وجه الأرض وأبركها، وقد خالطت ريقَ رسول الله ﷺ وقارنت رقيته باسم ربِّه وتفويض الأمر إليه! وقد تقدَّم أنَّ قوى الرُّقية وتأثيرها بحسب الرَّاقي وانفعال المرقيِّ عن رقيته. وهذا أمرٌ لا ينكره طبيبٌ فاضلٌ عاقلٌ مسلمٌ. فإن (٤) انتفى أحد

стр. 2521

الأوصاف فليقل ما شاء! فصل في هديه ﷺ في علاج الوجع بالرُّقية روى مسلم في «صحيحه» (١) عن عثمان بن أبي العاص أنَّه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم فقال النَّبيُّ ﷺ : «ضع يدك على الذي تألَّم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرَّاتٍ: أعوذ بعزَّة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر». ففي (٢) هذا العلاج من ذكرِ اسم اللَّه والتَّفويضِ إليه، والاستعاذةِ بعزَّته وقدرته من شرِّ الألم= ما يذهب به. وتكرارُه ليكون أنجع وأبلغ كتكرار الدَّواء لإخراج المادَّة. وفي السَّبع خاصِّيَّةٌ لا توجد في غيرها. وفي «الصَّحيحين» (٣): أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعوِّذ بعضَ أهله، يمسح عليه يده اليمين (٤) ويقول: «اللَّهمَّ ربَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الباسَ، واشفِ أنت الشَّافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سَقَمًا». ففي هذه الرُّقية توسُّلٌ إلى الله بكمال ربوبيَّته وكمال رحمته بالشِّفاء، وأنَّه وحده الشَّافي، وأنَّه لا شفاء إلا شفاؤه. فتضمَّنت التَّوسُّلَ إليه بتوحيده وإحسانه وربوبيَّته.

стр. 2522

فصل في هديه ﷺ في علاج حرِّ المصيبة وحزنها قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وفي «المسند» (١) عنه ﷺ أنَّه قال: «ما من أحدٍ تصيبه مصيبةٌ، فيقول: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللَّهمَّ أْجُرْني في مصيبتي، وأَخْلِفْ لي خيرًا منها= إلا أَجَرَه (٢) الله في مصيبته، وأخلَفَ له خيرًا منها». وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته وآجلته، فإنَّها تتضمَّن أصلين عظيمين، إذا تحقَّق العبد بمعرفتهما تسلَّى عن مصيبته: أحدهما: أنَّ العبد وأهله وماله ملكٌ لله حقيقةً. وقد جعله عند العبد عاريةً، فإذا أخذه منه فهو كالمُعِير يأخذ متاعَه من المستعير. وأيضًا فإنَّه محفوفٌ بعدمين: عدمٍ قبله، وعدمٍ بعده. وملكُ العبد له منفعة (٣) معارةٌ في زمنٍ يسيرٍ. وأيضًا فإنَّه ليس هو الذي أوجده عن عدمه حتَّى يكون ملكه حقيقةً، ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده، ولا يُبقي عليه وجودَه؛ فليس له فيه تأثيرٌ ولا ملكٌ حقيقيٌّ. وأيضًا فإنَّه متصرِّفٌ فيه بالأمر تصرُّفَ العبد المأمور المنهيِّ، لا تصرُّفَ المُلَّاك. ولهذا لا يباح له من التَّصرُّفات فيه

стр. 2523

إلا ما وافق أمرَ مالكه الحقيقيِّ. والثَّاني: أنَّ مصيرَ العبد ومرجعَه إلى الله مولاه الحقِّ، ولا بدَّ أن يخلِّف الدُّنيا وراء ظهره، ويجيء ربَّه فردًا كما خلقه أوَّل مرَّةٍ، بلا أهلٍ ولا مالٍ ولا عشيرةٍ، ولكن بالحسنات والسَّيِّئات. فإذا كانت هذه بداية العبد وما خُوِّلَه ونهايتَه، فكيف يفرح بموجودٍ، أو يأسى على مفقودٍ! ففكرُه في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الدَّاء. ومن علاجه: أن يعلم علمَ اليقين أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. ومن علاجه: أن ينظر إلى ما أصيب به، فيجد ربَّه قد أبقى عليه مثلَه أو أفضلَ منه، وادَّخر (١) له ــ إن صبَر ورضِيَ ــ ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعافٍ مضاعفةٍ، وأنَّه لو شاء لجعلها أعظم ممَّا هي. ومن علاجه: أن يطفئ نار مصيبته ببرد التَّأسِّي بأهل المصائب، وَلْيعلَمْ أنَّه «في كلِّ وادٍ بنو سعدٍ» (٢). ولينظر يَمْنةً، فهل يرى إلا محنةً؟ ثمَّ ليعطِفْ

стр. 2524

يَسْرةً، فهل يرى إلا حسرةً (١)؟ وأنَّه لو فتَّش العالم لم ير فيهم إلا مبتلًى إمَّا بفوات محبوبٍ أو حصول مكروهٍ. وإنَّ سرور (٢) الدُّنيا «أحلام نومٍ أو كظلٍّ زائلٍ» (٣). إن أضحكَتْ قليلًا أبكَتْ كثيرًا. وإن سرَّت يومًا ساءت دهرًا. وإن متَّعت قليلًا منعت طويلًا. وما ملأت دارًا حَبْرَة (٤) إلا ملأتها عَبْرةً، ولا سرَّته بيوم سرورٍ إلا خبَّأت له يومَ شرورٍ! قال ابن مسعودٍ: لكلِّ فَرحةٍ تَرحةٌ، وما ملئ بيتٌ فرَحًا إلا ملئ ترَحًا (٥).

стр. 2525

وقال ابن سيرين: ما كان ضَحِكٌ قطُّ إلا كان من بعده بكاءٌ (١). وقالت هند بنت النعمان: لقد رأيتُنا ونحن من أعزِّ النَّاس وأشدِّهم مُلكًا ثمَّ لم تغب الشَّمس حتَّى رأيتُنا ونحن أقلُّ النَّاس. وإنَّه حقٌّ على الله أن لا يملأ دارًا حَبْرة (٢) إلا ملأها عَبْرةً (٣). وسألها رجلٌ أن تحدِّثه عن أمرها، فقالت: أصبحنا ذا صباحٍ وما في العرب أحدٌ إلا يرجونا، ثمَّ أمسينا وما في العرب أحدٌ إلا يرحمنا (٤). وبكت أختها حُرَقة بنت النعمان يومًا وهي في عزِّها، فقيل لها: ما يبكيكِ؟ لعلَّ أحدًا آذاكِ. قالت: لا، ولكن رأيتُ غَضَارةً في أهلي، وقلَّما امتلأت دارٌ سرورًا إلا امتلأت حزنًا (٥). قال إسحاق بن طلحة: دخلتُ عليها يومًا، فقلت لها: كيف رأيتِ عبرات (٦) الملوك؟ فقالت: ما نحن فيه اليوم خيرٌ ممَّا كنَّا فيه الأمس. إنَّا نجد
следующие страницы →