← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

الأوصاف فليقل ما شاء! فصل في هديه ﷺ في علاج الوجع بالرُّقية روى مسلم في «صحيحه» (١) عن عثمان بن أبي العاص أنَّه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم فقال النَّبيُّ ﷺ : «ضع يدك على الذي تألَّم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرَّاتٍ: أعوذ بعزَّة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر». ففي (٢) هذا العلاج من ذكرِ اسم اللَّه والتَّفويضِ إليه، والاستعاذةِ بعزَّته وقدرته من شرِّ الألم= ما يذهب به. وتكرارُه ليكون أنجع وأبلغ كتكرار الدَّواء لإخراج المادَّة. وفي السَّبع خاصِّيَّةٌ لا توجد في غيرها. وفي «الصَّحيحين» (٣): أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعوِّذ بعضَ أهله، يمسح عليه يده اليمين (٤) ويقول: «اللَّهمَّ ربَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الباسَ، واشفِ أنت الشَّافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سَقَمًا». ففي هذه الرُّقية توسُّلٌ إلى الله بكمال ربوبيَّته وكمال رحمته بالشِّفاء، وأنَّه وحده الشَّافي، وأنَّه لا شفاء إلا شفاؤه. فتضمَّنت التَّوسُّلَ إليه بتوحيده وإحسانه وربوبيَّته.

стр. 2522

فصل في هديه ﷺ في علاج حرِّ المصيبة وحزنها قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وفي «المسند» (١) عنه ﷺ أنَّه قال: «ما من أحدٍ تصيبه مصيبةٌ، فيقول: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللَّهمَّ أْجُرْني في مصيبتي، وأَخْلِفْ لي خيرًا منها= إلا أَجَرَه (٢) الله في مصيبته، وأخلَفَ له خيرًا منها». وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته وآجلته، فإنَّها تتضمَّن أصلين عظيمين، إذا تحقَّق العبد بمعرفتهما تسلَّى عن مصيبته: أحدهما: أنَّ العبد وأهله وماله ملكٌ لله حقيقةً. وقد جعله عند العبد عاريةً، فإذا أخذه منه فهو كالمُعِير يأخذ متاعَه من المستعير. وأيضًا فإنَّه محفوفٌ بعدمين: عدمٍ قبله، وعدمٍ بعده. وملكُ العبد له منفعة (٣) معارةٌ في زمنٍ يسيرٍ. وأيضًا فإنَّه ليس هو الذي أوجده عن عدمه حتَّى يكون ملكه حقيقةً، ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده، ولا يُبقي عليه وجودَه؛ فليس له فيه تأثيرٌ ولا ملكٌ حقيقيٌّ. وأيضًا فإنَّه متصرِّفٌ فيه بالأمر تصرُّفَ العبد المأمور المنهيِّ، لا تصرُّفَ المُلَّاك. ولهذا لا يباح له من التَّصرُّفات فيه

стр. 2523

إلا ما وافق أمرَ مالكه الحقيقيِّ. والثَّاني: أنَّ مصيرَ العبد ومرجعَه إلى الله مولاه الحقِّ، ولا بدَّ أن يخلِّف الدُّنيا وراء ظهره، ويجيء ربَّه فردًا كما خلقه أوَّل مرَّةٍ، بلا أهلٍ ولا مالٍ ولا عشيرةٍ، ولكن بالحسنات والسَّيِّئات. فإذا كانت هذه بداية العبد وما خُوِّلَه ونهايتَه، فكيف يفرح بموجودٍ، أو يأسى على مفقودٍ! ففكرُه في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الدَّاء. ومن علاجه: أن يعلم علمَ اليقين أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. ومن علاجه: أن ينظر إلى ما أصيب به، فيجد ربَّه قد أبقى عليه مثلَه أو أفضلَ منه، وادَّخر (١) له ــ إن صبَر ورضِيَ ــ ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعافٍ مضاعفةٍ، وأنَّه لو شاء لجعلها أعظم ممَّا هي. ومن علاجه: أن يطفئ نار مصيبته ببرد التَّأسِّي بأهل المصائب، وَلْيعلَمْ أنَّه «في كلِّ وادٍ بنو سعدٍ» (٢). ولينظر يَمْنةً، فهل يرى إلا محنةً؟ ثمَّ ليعطِفْ

стр. 2524

يَسْرةً، فهل يرى إلا حسرةً (١)؟ وأنَّه لو فتَّش العالم لم ير فيهم إلا مبتلًى إمَّا بفوات محبوبٍ أو حصول مكروهٍ. وإنَّ سرور (٢) الدُّنيا «أحلام نومٍ أو كظلٍّ زائلٍ» (٣). إن أضحكَتْ قليلًا أبكَتْ كثيرًا. وإن سرَّت يومًا ساءت دهرًا. وإن متَّعت قليلًا منعت طويلًا. وما ملأت دارًا حَبْرَة (٤) إلا ملأتها عَبْرةً، ولا سرَّته بيوم سرورٍ إلا خبَّأت له يومَ شرورٍ! قال ابن مسعودٍ: لكلِّ فَرحةٍ تَرحةٌ، وما ملئ بيتٌ فرَحًا إلا ملئ ترَحًا (٥).

стр. 2525

وقال ابن سيرين: ما كان ضَحِكٌ قطُّ إلا كان من بعده بكاءٌ (١). وقالت هند بنت النعمان: لقد رأيتُنا ونحن من أعزِّ النَّاس وأشدِّهم مُلكًا ثمَّ لم تغب الشَّمس حتَّى رأيتُنا ونحن أقلُّ النَّاس. وإنَّه حقٌّ على الله أن لا يملأ دارًا حَبْرة (٢) إلا ملأها عَبْرةً (٣). وسألها رجلٌ أن تحدِّثه عن أمرها، فقالت: أصبحنا ذا صباحٍ وما في العرب أحدٌ إلا يرجونا، ثمَّ أمسينا وما في العرب أحدٌ إلا يرحمنا (٤). وبكت أختها حُرَقة بنت النعمان يومًا وهي في عزِّها، فقيل لها: ما يبكيكِ؟ لعلَّ أحدًا آذاكِ. قالت: لا، ولكن رأيتُ غَضَارةً في أهلي، وقلَّما امتلأت دارٌ سرورًا إلا امتلأت حزنًا (٥). قال إسحاق بن طلحة: دخلتُ عليها يومًا، فقلت لها: كيف رأيتِ عبرات (٦) الملوك؟ فقالت: ما نحن فيه اليوم خيرٌ ممَّا كنَّا فيه الأمس. إنَّا نجد

стр. 2526

في الكتب أنَّه ليس من أهل بيتٍ يعيشون في حَبْرة إلا سيُعْقَبون بعدها عَبْرةً، وأنَّ الدَّهر لم يظهر لقومٍ بيومٍ يحبُّونه، إلا بطَن لهم بيومٍ يكرهونه. ثمَّ قالت: فبينا نسوسُ النَّاسَ والأمرُ أمرُنا ... إذا نحن فيهم سُوقةٌ نتنصَّف (١) فأفٍّ لدنيا لا يدوم نعيمُها ... تقلَّبُ تاراتٍ بنا وتصرَّفُ (٢) ومن علاجها: أن يعلم أنَّ الجزَع لا يردُّها، بل يضاعفها. وهو في الحقيقة من تزايد المرض. ومن علاجها: أن يعلم أنَّ فوتَ ثواب (٣) الصَّبر والتَّسليم ــ وهو الصَّلاة والرَّحمة والهداية الَّتي ضمنها الله على الصَّبر والاسترجاع ــ أعظمُ من المصيبة في الحقيقة. ومن علاجها: أن يعلم أنَّ الجزع يُشْمِتُ عدوَّه، ويسوء صديقَه، ويُغضِب ربَّه، ويسرُّ شيطانه، ويُحْبِط أجرَه، ويُضْعِف نفسَه. وإذا صبر واحتسب أنضى شيطانه وردَّه خاسئًا، وأرضى ربَّه، وسرَّ صديقه، وساء عدوَّه، وحمل عن إخوانه وعزَّاهم هو قبل أن يُعزُّوه. فهذا هو الثَّبات

стр. 2527

والكمال الأعظم، لا لطمُ الخدود وشقُّ الجيوب، والدُّعاء بالويل والثُّبور، والسُّخط على المقدور. ومن علاجها: أن يعلم أنَّ ما يُعقِبه الصَّبر والاحتساب من اللَّذَّة والمسرَّة أضعافُ ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه. ويكفيه من ذلك بيتُ الحمد الذي يبنى له في الجنَّة على حمده لربِّه واسترجاعه. فلينظر: أيُّ المصيبتين أعظم: مصيبة العاجلة، أو مصيبة فوات بيت الحمد في جنَّة الخلد؟ وفي الترمذي (١) مرفوعًا: «يودُّ ناسٌ يوم القيامة أنَّ جلودهم كانت تُقْرَض بالمقاريض في الدُّنيا لما يرَون من ثواب أهل البلاء». وقال بعض السَّلف: لولا مصائب الدُّنيا لوردنا القيامة مفاليسَ (٢).

стр. 2528

ومن علاجها: أن يروِّح قلبه برَوْحِ رجاء الخَلَف من اللَّه، فإنَّه من كلِّ شيءٍ عوضٌ إلا اللَّه، فما منه عوضٌ كما قيل: من كلِّ شيءٍ إذا ضيَّعتَه عوضٌ ... وما من الله إن ضيَّعته عوضُ (١) ومن علاجها: أن يعلم أنَّ حظَّه من المصيبة ما تُحْدِثه له، فمن رضي فله الرِّضى، ومن سَخِط فله السُّخط. فحظُّك منها ما أحدَثَتْه لك، فاختَرْ خيرَ الحظوظ أو شرَّها. فإن أحدثَتْ له سخطًا وكفرًا كُتِبَ في ديوان الهالكين. وإن أحدثت له جزعًا وتفريطًا في ترك واجبٍ أو فعل محرَّمٍ كُتِبَ في ديوان المفرِّطين. وإن أحدثَتْ له شكايةً وعدم صبرٍ كُتِب في ديوان المغبونين. وإن أحدثَتْ له اعتراضًا على الله وقدحًا في حكمته، فقد قرَع بابَ الزَّندقة أو وَلَجه. وإن أحدثَتْ له صبرًا وثباتًا للَّه كُتِبَ في ديوان الصَّابرين. وإن أحدثت له الرِّضى عن اللَّه كُتِب في ديوان الرَّاضين. وإن أحدثَتْ له الحمد والشُّكر كُتِبَ في ديوان الشَّاكرين، وكان تحت لواء الحمد مع الحمَّادين (٢). وإن أحدثَتْ له محبَّةً واشتياقًا إلى لقاء ربِّه كُتِبَ في ديوان المحبِّين المخلصين. وفي «مسند الإمام أحمد» والتِّرمذيِّ (٣) من حديث محمود بن لبيدٍ

стр. 2529

يرفعه «إنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم. فمن رضي فله الرِّضى، ومن سَخِط فله السُّخط». زاد أحمد: «ومَن جَزِع فله الجزَع». ومن علاجها: أن يعلم أنَّه وإن بلغ في الجزع غايتَه فآخرُ أمره إلى صبر الاضطرار، وهو غير محمودٍ ولا مثابٍ. قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أوَّل يومٍ من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيَّامٍ (١). ومن لم يصبر صبرَ الكرام سلا سلوَّ البهائم (٢). وفي الصَّحيح (٣) مرفوعًا: «الصَّبر عند الصَّدمة الأولى». وقال الأشعث بن قيسٍ: إنَّك إن صبرتَ إيمانًا واحتسابًا وإلَّا سلوتَ سلوَّ البهائم (٤).

стр. 2530

ومن علاجها: أن يعلم أنَّ أنفعَ الأدوية له موافقةُ ربِّه وإلهه فيما أحبَّه ورضيه له، وأنَّ خاصِّيَّة المحبَّة وسرَّها موافقةُ المحبوب. فمن ادَّعى محبَّة محبوبٍ ثمَّ سخِط ما يحبُّه وأحبَّ ما يُسْخِطه، فقد شهد على نفسه بكذبه، وتمقَّتَ إلى محبوبه. قال أبو الدَّرداء: إنَّ الله إذا قضى قضاءً أحبَّ أن يُرضى به (١). وكان عمران بن حُصينٍ يقول في علَّته: أحبُّه إليَّ أحبُّه إليه (٢). وكذلك قال أبو العالية (٣).

стр. 2531

وهذا دواءٌ وعلاجٌ لا يعمل إلا مع المحبِّين، ولا يمكن كلَّ أحدٍ أن يتعالج به. ومن علاجها: أن يوازن بين أعظم اللَّذَّتين والتمتُّعَين (١) وأدوَنِهما (٢): لذَّة تمتُّعه بما أصيب به، ولذَّة تمتُّعه بثواب الله له. فإن ظهر له الرُّجحانُ، فآثر الرَّاجحَ، فليحمد الله على توفيقه. وإن آثر المرجوحَ من كلِّ وجهٍ، فليعلم أنَّ مصيبته في عقله وقلبه ودينه أعظَمُ من مصيبته الَّتي أصيب بها في دنياه. ومن علاجها: أن يعلم أنَّ الذي ابتلاه بها (٣): أحكم الحاكمين، وأرحم الرَّاحمين؛ وأنَّه سبحانه لم يرسل إليه البلاء لِيُهلكه به، ولا ليعذِّبه (٤)، ولا ليجتاحَه. وإنَّما افتقده به ليمتحن صبرَه ورضاه عنه وإيمانه، وليسمعَ تضرُّعه وابتهالَه، وليراه طريحًا ببابه، لائذًا بجنابه، مكسورَ القلب بين يديه، رافعًا قصصَ الشَّكوى إليه. قال الشيخ عبد القادر: يا بُنيَّ، إنَّ المصيبة ما جاءت لِتُهلكك، وإنَّما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك. يا بُنيَّ، القدرُ سَبُعٌ، والسَّبُع لا يأكل الميتة (٥). والمقصود: أنَّ المصيبة كِيرُ العبد الذي يُسبَك به حاصله، فإمَّا أن يخرج

стр. 2532

ذهبًا أحمر، وإمَّا أن يخرج خَبَثًا كلُّه كما قيل: سبكناه ونحسبه لُجَينًا ... فأبدى الكِيرُ عن خَبَث الحديدِ (١) فإن لم ينفعه هذا الكِيرُ في الدُّنيا، فبين يديه الكِيرُ الأعظم. فإذا علم العبد أنَّ إدخاله كِيرَ الدُّنيا ومَسْبِكَها خيرٌ له من ذلك الكِيرُ والمَسْبِك، وأنَّه لا بدَّ من أحد الكِيرَين، فليعلم قدرَ نعمة الله عليه في الكِير العاجل. ومن علاجها: أن يعلم أنَّه لولا محن الدُّنيا ومصائبها لأصاب العبدَ من أدواء الكِبْر والعُجْب والفَرعنة وقسوة القلب، ما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا. فمن رحمة أرحم الرَّاحمين أن يتفقَّده في الأحيان بأنواعٍ من أدوية المصائب تكون حِمْيةً له من هذه الأدواء، وحفظًا لصحَّة عبوديَّته، واستفراغًا للموادِّ الفاسدة الرَّديَّة المهلكة منه. فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه كما قيل: قد يُنعِم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعضَ القوم بالنِّعم (٢) فلولا أنَّه سبحانه يداوي عبادَه بأدوية المحن والابتلاء لطغَوا وبغَوا وعتَوا. والله سبحانه إذا أراد بعبده (٣) خيرًا سقاه دواءً من الابتلاء والامتحان على قدر حاله يستفرغ به منه (٤) الأدواءَ المهلكةَ، حتَّى إذا هذَّبه ونقَّاه وصفَّاه أهَّله لأشرف مراتب الدُّنيا وهي عبوديَّته، وأرفعِ ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربه.

стр. 2533

ومن علاجها: أن يعلم أنَّ مرارة الدُّنيا هي بعينها حلاوة الآخرة يقلبها الله سبحانه كذلك، وحلاوة الدُّنيا هي بعينها مرارة الآخرة، ولَأن ينتقل من مرارةٍ منقطعةٍ إلى حلاوةٍ دائمةٍ خيرٌ له من عكس ذلك. فإن خفي عليك هذا (١)، فانظر إلى قول الصَّادق المصدوق: «حُفَّت الجنَّةُ بالمكاره، وحُفَّت النَّارُ بالشَّهوات» (٢). وفي هذا المقام تفاوتت عقول الخلائق, وظهرت حقائق الرِّجال. فأكثرهم آثَرَ الحلاوةَ المنقطعة على الحلاوة الدَّائمة الَّتي لا تزول, ولم يحتمل مرارة ساعةٍ لحلاوة الأبد, ولا ذلَّ ساعةٍ لعزِّ الأبد, ولا محنةَ ساعةٍ لعافية الأبد؛ فإنَّ الحاضرَ عنده شهادةٌ، والمنتظَر غيبٌ، والإيمانَ ضعيفٌ، وسلطانَ الشَّهوة حاكمٌ. فتولَّد من ذلك إيثارُ العاجلة، ورفضُ الآخرة. وهذا حال النَّظر الواقع على ظواهر الأمور وأوائلها ومبادئها. وأمَّا النَّظر الثَّاقب الذي يخرق حُجُبَ العاجلة، ويجاوزه إلى العواقب والغايات، فله شأنٌ آخر. فادعُ نفسَك إلى ما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته من النَّعيم المقيم والسَّعادة الأبديَّة والفوز الأكبر، وما أعدَّ لأهل البطالة والإضاعة من الخزي والعذاب (٣) والحسرات الدَّائمة، ثمَّ اختر أيّ القسمين أليق بك. وكلٌّ يعمل على شاكلته، وكلُّ أحدٍ يصبو إلى ما يناسبه وما هو الأولى به. ولا تستطِلْ هذا العلاجَ، فشدَّةُ الحاجة إليه من الطَّبيب والعليل دعت إلى بسطه. وباللَّه التَّوفيق.

стр. 2534

فصل في هديه في علاج الكرب والهمّ والغمّ والحزن أخرجا في «الصَّحيحين» (١) من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السَّماوات والأرض ربُّ العرش الكريم». وفي «جامع الترمذي» (٢) عن أنسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا حَزَبه (٣) أمرٌ قال: «يا حيُّ يا قيُّوم، برحمتك أستغيث». وفيه (٤) عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أهَّمه الأمرُ رفع طرفه إلى السَّماء، فقال: «سبحان الله العظيم». وإذا اجتهد في الدُّعاء قال: «يا حيُّ، يا قيُّوم».

стр. 2535

وفي «سنن أبي داود» (١) عن أبي بَكْر الصِّدِّيق (٢) أنَّ رسول الله ﷺ قال: «دعوات المكروب: اللَّهمَّ رحمتَك أرجو (٣)، فلا تكِلْني إلى نفسي طرفةَ عينٍ. وأصلِحْ لي شأني كلَّه، لا إله إلا أنت». وفيها (٤) أيضًا عن أسماء بنت عُمَيس قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «ألا أعلِّمكِ كلماتٍ تقوليهنَّ (٥) عند الكَرْب ــ أو في الكَرْب ــ: الله ربِّي لا أُشْرِك به شيئًا». وفي روايةٍ: أنَّها تقال سبع مرَّاتٍ (٦).

стр. 2536

وفي «مسند الإمام أحمد» (١) عن ابن مسعودٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ما أصاب عبدًا همٌّ ولا حزنٌ، فقال: اللَّهمَّ إنِّي عبدُك، ابنُ عبدك، ابنُ أمتك؛ ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك؛ أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيت به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك= أن تجعل القرآن العظيم ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجِلاءَ حزني، وذَهابَ همِّي= إلا أذهبَ الله حزنَه وهمَّه، وأبدله مكانه فرحًا». وفي «الترمذي» (٢) عن سعد بن أبي وقَّاصٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «دعوة ذي النُّون إذ دعا ربَّه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظَّالمين. لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلا استجيب له». وفي روايةٍ: «إنِّي لأعلم كلمةً لا يقولها مكروبٌ إلا فرَّج الله عنه: كلمةَ أخي يونس» (٣).

стр. 2537

وفي «سنن أبي داود» (١) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: دخل رسول الله ﷺ ذات يومٍ المسجدَ، فإذا هو برجلٍ من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: «يا أبا أمامة، مالي أراك في المسجد في غير وقت الصَّلاة؟». فقال: همومٌ لزمتني وديونٌ يا رسول الله. فقال: «ألا أعلِّمك كلامًا إذا أنت قلته أذهَبَ الله همَّك وقضى دينَك؟». قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من الهمِّ والحَزَن، وأعوذ بك من العَجْز والكسَل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلَبة الدَّين وقهر الرِّجال». قال: ففعلتُ ذلك، فأذهب الله همِّي، وقضى عنِّي دَيني. وفي «سنن أبي داود» (٢) عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لزم

стр. 2538

الاستغفارَ جعل الله له من كلِّ همٍّ فَرَجًا، ومن كلِّ ضيقٍ مخرجًا، ورزَقه من حيث لا يحتسب». وفي «المسند» (١) أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا حزَبه (٢) أمرٌ فزع إلى الصَّلاة. وقد قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. وفي «السُّنن» (٣): «عليكم بالجهاد، فإنَّه بابٌ من أبواب الجنَّة يدفع الله به عن النُّفوس الهمَّ والغمَّ». ويذكر عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ ﷺ : «من كثرت همومه وغمومه فليُكْثِرْ من قول (٤) لا حول ولا قوَّة إلا باللَّه» (٥).

стр. 2539

وثبت في «الصَّحيحين» (١) أنَّها كنزٌ من كنوز الجنَّة. وفي «الترمذي» (٢) أنَّها بابٌ من أبواب الجنَّة. هذه الأدوية تتضمَّن خمسة عشر نوعًا من الدَّواء، فإن لم تَقْوَ على إذهاب داء الهمِّ والغمِّ والحزن، فهو داءٌ قد استحكم، وتمكَّنت أسبابه، ويحتاج إلى استفراغٍ كلِّيٍّ: الأوَّل: توحيد الرُّبوبيَّة. الثَّاني: توحيد الإلهيَّة. الثَّالث: التَّوحيد العلميُّ الاعتقاديُّ.

стр. 2540

الرَّابع: تنزيه الرَّبِّ تعالى عن أن يظلم عبدَه أو يأخذَه بلا سببٍ من العبد يوجب ذلك. الخامس: اعتراف العبد بأنَّه هو الظَّالم. السَّادس: التَّوسُّل إلى الرَّبِّ تعالى بأحبِّ الأشياء إليه، وهو أسماؤه وصفاته. ومن أجمعها لمعاني الأسماء والصِّفات: الحيُّ القيُّوم. السَّابع: الاستعانة به وحده. الثَّامن: إقرار العبد له بالرَّجاء. التَّاسع: تحقيق التَّوكُّلِ عليه، والتَّفويضِ إليه، والاعترافِ له بأنَّ ناصيته في يده يصرِّفه كيف يشاء، وأنَّه ماضٍ فيه حكمُه، عدلٌ فيه قضاؤه. العاشر: أن يُرْتِعَ قلبَه في رياض القرآن ويجعلَه لقلبه كالرَّبيع للحيوان، وأن يستضيء به في ظُلَمِ الشُّبهات والشَّهوات، وأن يتسلَّى به عن كلِّ فائتٍ، ويتعزَّى به عن كلِّ مصيبةٍ، ويستشفي به من أدواء صدره، فيكون جِلاءَ حزنه وشفاءَ همِّه وغمِّه. الحادي عشر: الاستغفار. الثَّاني عشر: التَّوبة. الثَّالث عشر: الجهاد. الرَّابع عشر: الصَّلاة. الخامس عشر: البراءةُ من الحول والقوَّة، وتفويضُهما إلى من هما بيده.

стр. 2541

فصل في بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض خلق الله سبحانه ابنَ آدم وأعضاءه، وجعل لكلِّ عضوٍ منها كمالًا إذا فقَده أحسَّ بالألم، وجعل لمَلِكها ــ وهو القلب ــ كمالًا إذا فقَده حضرته أسقامه وآلامه من الهموم والغموم والأحزان. فإذا فقدت العينُ ما خُلِقت له من قوَّة الإبصار، وفقدت الأذنُ ما خُلِقت له من قوَّة السَّمع، واللَّسانُ ما خُلِق له من قوَّة الكلام= فقدت كمالَها. والقلبُ خُلِقَ لمعرفة فاطره ومحبَّته وتوحيده، والسُّرور به، والابتهاج بحبِّه، والرِّضا عنه، والتَّوكُّل عليه، والحبِّ فيه والبغض فيه، والموالاة فيه والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحبَّ إليه من كلِّ ما سواه، وأرجى عنده من كلِّ ما سواه، وأجلَّ في قلبه من كلِّ ما سواه، ولا نعيم له ولا سرور (١) ولا لذَّة بل ولا حياة إلا بذلك. وهذا له بمنزلة الغذاء والصِّحَّة والحياة، فإذا فقدَ غذاءه وصحَّته وحياته فالهموم والغموم والأحزان مسارِعةٌ من كلِّ صَوبٍ إليه، ورَهْنٌ مقيمٌ عليه. ومن أعظم أدوائه: الشِّرك والذُّنوب والغفلة، والاستهانةُ بمحابِّه ومراضيه، وتركُ التَّفويض إليه، وقلَّةُ الاعتماد عليه، والرُّكونُ إلى ما سواه، والسُّخطُ بمقدوره، والشَّكُّ في وعده ووعيده. وإذا تأمَّلت أمراض القلب وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها، لا سبب لها سواها. فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمَّنته هذه العلاجات

стр. 2542

النَّبويَّة من الأمور المضادَّة لهذه الأدواء. فإنَّ المرض يُزَال بالضِّدِّ، والصِّحَّة تُحفَظ بالمثل. فصحَّتُه تُحفَظ بهذه الأمور النَّبويَّة، وأمراضُه بأضدادها. فالتَّوحيد يفتح للعبد بابَ الخير والسُّرور واللَّذَّة والفرح والابتهاج. والتَّوبةُ استفراغٌ للأخلاط (١) والموادِّ الفاسدة الَّتي هي سببُ أسقامه، وحِمْيةٌ له من التَّخليط؛ فهي تغلق عنه باب الشُّرور. فيُفْتَح (٢) بابُ السَّعادة والخير بالتَّوحيد، ويُغْلَق (٣) بابُ الشُّرور بالتَّوبة والاستغفار. قال بعض المتقدِّمين من أئمَّة الطِّبِّ: من أراد عافية الجسم فليقلِّل من الشراب والطَّعام، ومن أراد عافية القلب فليترك الآثام. وقال ثابت بن قُرَّة: راحةُ الجسم في قلَّة الطَّعام، وراحةُ الرُّوح في قلَّة الآثام، وراحةُ اللِّسان في قلَّة الكلام (٤). والذُّنوب للقلب بمنزلة السُّموم إن لم تهلكه أضعفته ولا بدَّ، وإذا ضعفت قوَّته لم يقدر على مقاومة الأمراض. قال طبيب القلوب عبد الله بن المبارك (٥):

стр. 2543

رأيتُ الذُّنوبَ تميت القلوب ... وقد يورث الذُّلَّ إدمانُها وتركُ الذُّنوبِ حياةُ القلوب ... وخيرٌ لنفسك عصيانُها فالهوى أكبر أدوائها، ومخالفتُه أعظم أدويتها. والنَّفس في الأصل خُلِقت جاهلةً ظالمةً، فهي لجهلها تظنُّ شفاءها في اتِّباع هواها، وإنَّما فيه تلفها وعطبها؛ ولظلمها لا تقبل من الطِّبيب النَّاصح، بل تضع الدَّاء موضع الدَّواء فتعتمده، وتضع الدَّواء موضع الدَّاء فتجتنبه. فيتولَّد من بين إيثارها للدَّاء (١) واجتنابها للدَّواء أنواعٌ من الأسقام والعلل الَّتي تُعْيي الأطبَّاءَ ويتعذَّر معها الشِّفاء. والمصيبة العظمى أنَّها تُركِّب ذلك على القدر، فتبرِّئ نفسها، وتلوم ربَّها بلسان الحال دائمًا. ويقوى اللَّوم حتَّى يصرِّح به اللِّسان. وإذا وصل العليل إلى هذه الحال، فلا تطمع (٢) في برئه إلا أن تتداركه (٣) رحمةٌ من ربِّه، فيحييه حياةً جديدةً، ويرزقه طريقةً حميدةً. فلهذا كان حديث ابن عبَّاسٍ في دعاء الكرب مشتملًا على توحيد الإلهيَّة والرُّبوبيَّة، ووصفِ الرَّبِّ سبحانه بالعظمة والحلم. وهاتان الصِّفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرَّحمة والإحسان والتَّجاوز، ووصفِه بكمال ربوبيَّته للعالم العلويِّ والسُّفليِّ والعرشِ الذي هو سقفُ المخلوقات

стр. 2544

وأعظَمُها. والرُّبوبيَّةُ التَّامَّةُ تستلزم توحيدَه وأنَّه الذي لا تنبغي (١) العبادة والحبُّ والخوف (٢) والرَّجاء والإجلال والطَّاعة إلا له. وعظمتُه المطلقةُ تستلزم إثباتَ كلِّ كمالٍ له وسلبَ كلِّ نقصٍ وتمثيلٍ عنه. وحلمُه يستلزم كمالَ رحمته وإحسانه إلى خلقه. فعلمُ القلب ومعرفتُه بذلك يوجب (٣) محبَّته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللَّذَّة والسُّرور ما يدفع عنه ألمَ الكرب والهمِّ والغمِّ. وأنت تجد المريضَ إذا ورد عليه ما يسرُّه ويُفرحه ويقوِّي نفسه، كيف تقوى الطَّبيعة على دفع المرض الحسِّيِّ! فحصول هذا الشِّفاء للقلب أولى وأحرى. ثمَّ إذا قابلتَ بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف الَّتي تضمَّنها دعاء الكرب وجدتَه في غاية المناسبة لتفريج هذا الضِّيق وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسُّرور. وهذه الأمور إنَّما يصدِّق بها من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبُه حقائقَها. وفي تأثير قوله: «يا حيُّ يا قيُّوم، برحمتك أستغيث» في دفع هذا الدَّاء مناسبةٌ بديعةٌ، فإنَّ صفةَ الحياة متضمِّنةٌ لجميع صفات الكمال، مستلزمةٌ لها؛ وصفةَ القيُّوميَّة متضمِّنةٌ لجميع صفات الأفعال. ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى هو اسم «الحيِّ القيُّوم». والحياة

стр. 2545

التَّامَّة تضادُّ جميع الآلام والأسقام (١)، ولهذا لمَّا كملت حياة أهل الجنَّة لم يلحقهم همٌّ ولا غمٌّ ولا حزنٌ ولا شيءٌ من الآفات. ونقصان الحياة يُضرُّ (٢) بالأفعال، وينافي القيُّوميَّة، فكمالُ القيُّوميَّة بكمال (٣) الحياة. فالحيُّ المطلقُ التَّامُّ الحياةِ لا تفوته صفةُ كمالٍ (٤) البتَّة، والقيُّوم لا يتعذَّر عليه فعلٌ ممكنٌ البتَّة. فالتَّوسُّل بصفة الحياة والقيُّوميَّة له تأثيرٌ في إزالة ما يضادُّ الحياة ويضرُّ بالأفعال. ونظير هذا توسُّل النَّبيِّ ﷺ إلى ربِّه بربوبيَّةِ جبريل (٥) وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنه، فإنَّ حياة القلب بالهداية وقد وكَّل الله سبحانه هؤلاء الأملاك الثَّلاثة بالحياة: فجبريل موكَّلٌ بالوحي الذي هو حياة القلوب. وميكائيل بالقَطْر الذي هو حياة الأبدان والحيوان. وإسرافيل بالنَّفخ في الصُّور الذي هو سبب حياة العالم وعَود الأرواح إلى أجسادها. فالتَّوسُّل إليه سبحانه بربوبيَّة (٦) هذه الأرواح العظيمة الموكَّلة بالحياة، له تأثيرٌ في حصول المطلوب.

стр. 2546

والمقصود أنَّ لاسم «الحيِّ القيُّوم» تأثيرًا خاصًّا في إجابة الدَّعوات وكشف الكُرُبات. وفي السُّنن و «صحيح أبي حاتم» (١) مرفوعًا: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا﴾ [البقرة: ١٦٣] وفاتحة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]». قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ. وفي السُّنن و «صحيح ابن حبَّان» (٢) أيضًا: من حديث أنس أنَّ رجلًا دعا فقال: اللَّهمَّ إنِّي أسألك بأنَّ لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنَّانُ، بديعُ السَّماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيُّ يا قيُّوم. فقال النَّبيُّ ﷺ : «لقد دعا اللهَ باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى».

стр. 2547

ولهذا كان النَّبيُّ ﷺ إذا اجتهد في الدُّعاء قال: «يا حيُّ، يا قيُّوم» (١). وفي قوله: «اللَّهمَّ رحمَتك أرجو، فلا تكِلْني إلى نفسي طرفةَ عين. وأصلِحْ لي شأني كلَّه، لا إله إلا أنت» من تحقيق الرَّجاء لمن الخير كلُّه بيديه (٢)، والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه، والتَّضرُّع إليه أن يتولَّى إصلاحَ شأنه، ولا يكِلَه إلى نفسه، والتَّوسُّل إليه بتوحيده= ما (٣) له تأثيرٌ قويٌّ في دفع هذا الدَّاء، وكذلك قوله: «اللَّه ربِّي لا أشرك به شيئًا». وأمَّا حديث ابن مسعودٍ: «اللَّهمَّ إنِّي عبدك، ابن عبدك»، ففيه من المعارف الإلهيَّة وأسرار العبوديَّة ما لا يتَّسع له كتابٌ (٤)، فإنَّه يتضمَّن الاعترافَ بعبوديَّته وعبوديَّة آبائه وأمَّهاته، وأنَّ ناصيته بيده يصرِّفها كيف يشاء، فلا يملك العبد دونه لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؛ لأنَّ مَن ناصيتُه بيد غيره فليس إليه شيءٌ من أمره، بل هو عانٍ في قبضته، ذليلٌ تحت سلطان قهره. وقوله: «ماضٍ فيَّ حكمُك, عدلٌ فيَّ قضاؤك» متضمِّنٌ لأصلين عظيمين عليهما مدار التَّوحيد: أحدهما: إثبات القدر، وأنَّ أحكام الرَّبِّ تعالى نافذةٌ في عبده، ماضيةٌ فيه

стр. 2548

لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها. والثَّاني: أنَّه سبحانه عدلٌ في هذه الأحكام، غيرُ ظالمٍ لعبده، بل لا يخرج فيها عن موجَب العدل والإحسان؛ فإنَّ الظُّلم سببُه حاجة الظَّالم أو جهله أو سفهه، فيستحيل صدوره ممَّن هو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، ومن (١) هو غنيٌّ عن كلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ فقيرٌ إليه، ومَن هو أحكم الحاكمين، فلا تخرج ذرَّةٌ من مقدوراته عن حكمته وحمده، كما لم تخرج عن قدرته ومشيئته. فحكمته نافذةٌ حيث نفذت مشيئته وقدرته. ولهذا قال نبيُّ الله هودٌ ﷺ ، وقد خوَّفه قومه بآلهتهم: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]. أي مع كونه سبحانه آخذًا بنواصي خلقه وتصريفهم كما يشاء، فهو على صراطٍ مستقيمٍ، لا يتصرَّف فيهم إلا بالعدل والحكمة والإحسان والرَّحمة. فقوله: «ماضٍ فيَّ حكمُك» مطابقٌ لقوله ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، وقوله: «عدلٌ فيَّ قضاؤك» مطابقٌ لقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ثمَّ توسَّل إلى ربِّه بأسمائه الَّتي سمَّى بها نفسَه، ما علِمَ العباد منها وما لم يعلَموا. ومنها ما استأثره في علم الغيب عنده، فلم يُطْلِعْ عليه ملكًا مقرَّبًا ولا نبيَّا مرسلًا. وهذه الوسيلة أعظم الوسائل، وأحبُّها إلى الله، وأقربها تحصيلًا للمطلوب.

стр. 2549

ثمَّ سأله أن يجعل القرآن لقلبه كالرَّبيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآنُ ربيعُ القلوب؛ وأن يجعله شفاء همِّه وغمِّه، فيكونَ له بمنزلة الدَّواء الذي يستأصل الدَّاء، ويعيد البدنَ إلى صحَّته واعتداله؛ وأن يجعله لحزنه كالجِلاء الذي يجلو الطُّبوعَ (١) والأصدئةَ وغيرها. فأَحْرِ (٢) بهذا العلاج إذا صدق العليل في استعماله أن يزيل عنه داءَه، ويُعْقِبَه شفاءً تامًّا وصحَّةً وعافيةً. والله الموفِّق. وأمَّا دعوة ذي النُّون، فإنَّ فيها من كمال التَّوحيد والتَّنزيه للرَّبِّ تعالى واعترافِ العبد بظلمه وذنبه ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهمِّ والغمِّ، وأبلغ الوسائل إلى الله سبحانه في قضاء الحوائج. فإنَّ التَّوحيد والتَّنزيه يتضمَّنان إثباتَ كلِّ كمالٍ للَّه وسلبَ كلِّ نقصٍ وعيبٍ وتمثيلٍ عنه. والاعترافُ بالظُّلم يتضمَّن إيمان العبد بالشَّرع والثَّواب والعقاب، ويوجب انكسارَه ورجوعه إلى الله، واستقالتَه عثرتَه، والاعترافَ بعبوديَّته وافتقاره إلى ربِّه. فهاهنا أربعة أمورٍ قد وقع التَّوسُّل بها: التَّوحيد والتَّنزيه والعبوديَّة والاعتراف. وأمَّا حديث أبي أمامة: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من الهمِّ والحزن» (٣)، فقد تضمَّن الاستعاذة من ثمانية أشياء، كلُّ اثنين منها قرينان مزدوجان. فالهمُّ

стр. 2550

والحزن أخوان، والعجز والكسل أخوان، والجبن والبخل أخوان، وضلَع الدَّين وغلبة الرِّجال أخوان. فإنَّ المكروه المؤلم إذا ورد على القلب فإمَّا أن يكون سببه أمرًا ماضيًا، فيُوجِب له الحزن. وإن كان من أمرٍ متوقَّعٍ (١) في المستقبل أوجب الهمَّ. وتخلُّفُ العبد عن مصالحه وتفويتُها عليه إمَّا أن يكون من عدم القدرة وهو العجز، أو من عدم الإرادة وهو الكسل. وحبسُ خيره ونفعه عن نفسه وعن بني جنسه إمَّا أن يكون منعَ نفعِه ببدنه (٢) فهو الجُبن، أو بماله فهو البخل. وقهرُ النَّاس له إمَّا بحقٍّ فهو ضلَع الدَّين، أو بباطلٍ فهو غلبة الرِّجال. فقد تضمَّن الحديث الاستعاذة من كلِّ شرٍّ. وأمَّا تأثير الاستغفار في دفع الهمِّ والغمِّ والضِّيق فلما اشترك في العلم به أهلُ الملل وعقلاءُ كلِّ أمَّةٍ أنَّ المعاصي والفساد توجب الهمَّ والغمَّ، والخوف والحزن، وضيق الصَّدر وأمراض القلب، حتَّى إنَّ أهلها إذا قضوا منها أوطارهم وسئمتها نفوسُهم ارتكبوها دفعًا لما يجدونه في صدورهم من الضِّيق والهمِّ والغمِّ (٣)، كما قال شيخ الفسوق (٤): وكأسٍ شربتُ على لذَّةٍ ... وأخرى تداويتُ منها بها

стр. 2551

وإذا كان هذا تأثير الذُّنوب والآثام في القلوب، فلا دواء لها إلا التَّوبة والاستغفار. وأمَّا الصَّلاة، فشأنُها في تفريح القلب وتقويته وشرحه وابتهاجه ولذَّته أكبرُ شأنٍ. وفيها من اتِّصال القلب والرُّوح باللَّه وقربه، والتَّنعُّمِ بذكره، والابتهاجِ بمناجاته، والوقوفِ بين يديه، واستعمالِ جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديَّته، وإعطاءِ كلِّ عضوٍ حظَّه منها، واشتغالِه عن التَّعلُّق بالخلق وملابستهم ومحاوراتهم، وانجذابِ قوى قلبه وجوارحه إلى ربِّه وفاطره وراحته من عدوِّه حالة الصَّلاة= ما صارت به من أكبر الأدوية والمفرِّحات والأغذية الَّتي لا تلائم إلا القلوب الصَّحيحة. وأمَّا القلوب العليلة فهي كالأبدان العليلة لا تناسبها الأغذية الفاضلة (١). فالصَّلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدُّنيا والآخرة، ودفعِ مفاسد الدُّنيا والآخرة. وهي منهاةٌ عن الإثم، ودافعةٌ لأدواء القلوب، ومَطْرَدةٌ للدَّاء عن الجسد، ومنوِّرةٌ للقلب، ومبيِّضةٌ للوجه، ومنشِّطةٌ للجوارح والنَّفس، وجالبةٌ للرِّزق، ودافعةٌ للظُّلم، وناصرةٌ للمظلوم، وقامعةٌ لأخلاط الشَّهوات، وحافظةٌ للنِّعمة، ودافعةٌ للنِّقمة، ومنزلةٌ للرَّحمة (٢)، وكاشفةٌ للغمَّة، ونافعةٌ من كثيرٍ (٣) من أوجاع البطن.

стр. 2552

وقد روى ابن ماجه في «سننه» (١) من حديث مجاهد عن أبي هريرة قال: رآني رسول الله ﷺ ، وأنا نائمٌ أشكو من وجع بطني، فقال لي: «يا أبا هريرة أَشْكَمْ (٢) دَرْدْ؟». قال: قلت: نعم يا رسول الله. قال: «قُمْ، فصلِّ، فإنَّ في الصَّلاة شفاءً». وقد روي هذا الحديث موقوفًا على أبي هريرة (٣)، وأنَّه هو الذي قال ذلك لمجاهد، وهو أشبه. ومعنى هذه اللَّفظة بالفارسيِّ: أيوجعك بطنك؟ فإن لم ينشرح صدر زنديق الأطبَّاء لهذا العلاج، فيخاطَب بصناعة الطِّبِّ ويقال له: الصَّلاة رياضة النَّفس والبدن جميعًا، إذ كانت تشتمل على

стр. 2553

حركاتٍ وأوضاعٍ مختلفةٍ من الانتصاب والرُّكوع والسُّجود والتَّورُّك (١) والانتقالات وغيرها من الأوضاع الَّتي يتحرَّك معها أكثرُ المفاصل، وينغمز معها أكثرُ الأعضاء الباطنة، كالمعدة والأمعاء وسائر آلات النَّفس والغذاء. فما (٢) ينكر أن يكون في هذه الحركات تقويةً وتحليلًا (٣) للموادِّ، ولا سيَّما بواسطة قوَّة النَّفس وانشراحها في الصَّلاة، فتقوى الطَّبيعة، فتدفَع (٤) الألمَ (٥). ولكن داء الزَّندقة والإعراض عمَّا جاءت به الرُّسل والتَّعوُّض عنه بالإلحاد داءٌ ليس له دواءٌ إلا نارٌ تلظَّى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذَّب وتولَّى! وأمَّا تأثير الجهاد في دفع الهمِّ والغمِّ، فأمرٌ معلومٌ بالوجدان، فإنَّ النَّفس متى تركت صائل الباطل وصولته واستيلاءه اشتدَّ همُّها وغمُّها وكربُها وخوفُها. فإذا جاهدته لله أبدل الله ذلك الهمَّ والحزن فرحًا ونشاطًا وقوَّةً، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]. فلا شيءَ

стр. 2554

أذهَبُ لجوى القلب وغمِّه وهمِّه وحزنه من الجهاد. والله المستعان. وأمَّا تأثير لا حول ولا قوَّة إلا بالله في دفع هذا الدَّاء، فلما فيها من كمال التَّفويض، والتَّبرِّي (١) من الحول والقوَّة إلا به، وتسليم الأمر كلِّه له، وعدم منازعته في شيءٍ منه، وعموم ذلك لكلِّ تحوُّلٍ من حالٍ إلى حالٍ في العالم العلويِّ والسُّفليِّ، والقوَّة على ذلك التَّحوُّل؛ وأنَّ ذلك كلَّه باللَّه وحده= فلا يقوم لهذه الكلمة شيءٌ. وفي بعض الآثار: إنَّه ما ينزل ملكٌ من السَّماء ولا يصعد إليها إلا بـ «لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللَّه» (٢). ولها تأثيرٌ عجيبٌ في طرد الشَّيطان. والله المستعان. فصل في هديه ﷺ في علاج الفزع والأرق المانع من النَّوم روى الترمذي في «جامعه» (٣) عن بريدة قال: شكا خالد إلى النَّبيِّ ﷺ

стр. 2555

فقال: يا رسول اللَّه، ما أنام اللَّيل من الأرق. فقال النَّبيُّ ﷺ : «إذا أويتَ إلى فراشك فقل: اللَّهمَّ ربَّ السَّماوات السَّبع وما أظلَّت، وربَّ الأرَضِين وما أقلَّتْ، وربَّ الشَّياطين وما أضلَّت؛ كن لي جارًا من شرِّ خلقك كلِّهم جميعًا أن يفرُطَ عليَّ أحدٌ منهم، أو يبغي عليَّ. عزَّ جارُك، وجلَّ ثناؤك، ولا إله غيرُك». وفيه (١) أيضًا عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله ﷺ كان يعلِّمهم من الفزع: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّة من غضبه (٢) وشرِّ عباده، ومن همزات الشَّياطين. وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون». قال: وكان عبد الله بن عمرٍو (٣) يعلِّمهنَّ مَن عقَل من بنيه. ومن لم يعقِل كتَبه فأعلَقه عليه. ولا يخفى مناسبة هذه العُوذة لعلاج هذا الدَّاء. فصل في هديه ﷺ في علاج داء الحريق وإطفائه يذكر عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الحريق فكبِّروا، فإنَّ التَّكبير يُطفئه» (٤).

стр. 2556

لمَّا كان الحريق سببه النَّار، وهي مادَّة الشَّيطان الَّتي خُلِق منها، وكان فيه من الفساد العامِّ ما يناسب الشَّيطان بمادِّته وفعله= كان للشَّيطان (١) إعانةٌ عليه وتنفيذٌ (٢) له. وكانت النَّار تطلب بطبعها العلوَّ والفساد. وهذان الأمران ــ وهما العلوُّ في الأرض والفساد ــ هما هديُ الشَّيطان، وإليهما يدعو، وبهما يُهلِك بني آدم. فالنَّار والشَّيطان كلٌّ منهما يريد العلوَّ في الأرض والفساد، وكبرياءُ الرَّبِّ تقمع الشَّيطان وفعله. فلهذا (٣) كان تكبير الله له أثرٌ في إطفاء الحريق، فإنَّ كبرياء الله لا يقوم لها شيءٌ. فإذا كبَّر المسلم ربَّه أثَّر تكبيرُه في خمود النَّار وخمود الشَّيطان الَّتي (٤) هي مادَّته، فطفئ (٥) الحريق. وقد جرَّبنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك. والله أعلم. فصل في هديه ﷺ في حفظ الصّحَّة لمَّا كان اعتدال البدن وصحَّته وبقاؤه إنَّما هو بواسطة الرُّطوبة المقاومة للحرارة، فالرُّطوبة مادَّته، والحرارةُ تُنضجها وتَدفع فضلاتها وتُصلحها وتُلطِّفها، وإلَّا أفسدت البدن، ولم يمكن قيامُه. وكذلك الرُّطوبة هي غذاء

стр. 2557

الحرارة، فلولا الرُّطوبة لأحرقت البدن وأيبسته وأفسدته. فقوامُ كلِّ واحدةٍ (١) منهما بصاحبتها، وقوامُ البدن بهما جميعًا. وكلٌّ منهما مادَّةٌ للأخرى. فالحرارة مادَّةٌ للرُّطوبة تحفظها وتمنعها من الفساد والاستحالة. والرُّطوبة مادَّةٌ للحرارة تغذوها وتحملها. ومتى مالت إحداهما إلى الزِّيادة على الأخرى حصل لمزاج البدن الانحرافُ بحسب ذلك. فالحرارة دائمًا تحلِّل الرُّطوبة، فيحتاج البدن إلى ما (٢) يُخْلِف عليه ما حلَّلته الحرارة ضرورةَ بقائه وهو الطَّعام والشَّراب. ومتى زاد على مقدار التَّحلُّل ضعفت الحرارة عن تحليل فضلاته، فاستحالت موادَّ رديَّةً فعاثت في البدن وأفسدت، فحصلت الأمراض المتنوِّعة بحسب تنوُّع موادِّها وقبول الأعضاء واستعدادها. وهذا كلُّه مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. فأرشد عباده إلى إدخال ما يقيم البدن من الطَّعام والشَّراب عوضَ ما تحلَّل منه، وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمِّيَّة والكيفيَّة، فمتى جاوز ذلك كان إسرافًا. وكلاهما مانعٌ من الصِّحَّة، جالبٌ للمرض، أعني: عدمَ الأكل والشُّرب، أو الإسراف (٣) فيه. فحفظُ الصِّحَّة كلُّه في هاتين الكلمتين الإلهيَّتين. ولا ريب أنَّ البدن دائمًا في التَّحلُّل والاستخلاف، وكلَّما كثر التَّحلُّل

стр. 2558

ضعفت الحرارة لفناء مادَّتها؛ فإنَّ كثرة التَّحلُّل تفني الرُّطوبة، وهي مادَّة الحرارة، وإذا ضعفت الحرارة ضعف الهضم. ولا يزال كذلك حتَّى تفنى الرُّطوبة، وتنطفئ الحرارة جملةً، فيستكمل العبدُ الأجلَ الذي كتب الله له أن يصل إليه (١). فغاية علاج الإنسان لنفسه ولغيره حراسة البدن إلى أن يصل إلى هذه الحالة، لا أنَّه يستلزم بقاء الحرارة والرُّطوبة اللَّتين بقاءُ الشَّباب والصِّحَّة والقوَّة بهما، فإنَّ هذا ممَّا لم يحصل لبشرٍ في هذه الدَّار، وإنَّما غاية الطَّبيب أن يحمي الرُّطوبةَ عن مفسداتها من العفونة وغيرها، ويحمي الحرارةَ عن مُضْعِفاتها، ويعدل بينهما بالعدل في التَّدبير الذي به قام بدن الإنسان، كما أنَّ به قامت السَّماوات والأرض. وسائرُ المخلوقات إنَّما قوامها بالعدل. ومن تأمَّل هدي النَّبيِّ ﷺ وجده أفضلَ هديٍ يمكن حفظُ الصِّحَّة به، فإنَّ حفظها موقوفٌ على حسن تدبير المطعم والمشرب والملبس، والمسكن والهواء والنَّوم واليقظة، والحركة والسُّكون، والمنكح والاستفراغ والاحتباس. فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسِّنِّ والعادة كان أقرب إلى دوام الصِّحَّة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل. ولمَّا كانت الصِّحَّة والعافية من أجلِّ نعمِ الله على عبده، وأجزلِ عطاياه وأوفرِ مِنَحِه، بل العافية المطلقة أجلُّ النِّعم على الإطلاق، فحقيقٌ لمن رُزِق حظًّا من التَّوفيق مراعاتُها وحفظُها وحمايتُها عمَّا يضادُّها.

стр. 2559

وقد روى البخاريُّ في «صحيحه» (١) من حديث ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاس: الصِّحَّة والفراغ». وفي «الترمذي» (٢) وغيره من حديث عبد الله (٣) بن مِحْصَن الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصبح مُعافًى في جسده، آمنًا في سِرْبه، عنده قوتُ يومه؛ فكأنَّما حِيزَت له الدُّنيا». وفي «الترمذي» (٤) أيضًا من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «أوَّل ما يُسْأل عنه العبدُ يوم القيامة من النَّعيم أن يقال له: ألم نُصِحَّ لك جسمَك، ونُرْوِك من الماء البارد؟».

стр. 2560

ومن هاهنا قال من قال من السَّلف في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ (١) يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] قال (٢): عن الصِّحَّة. وفي «مسند الإمام أحمد» (٣) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال للعباس: «يا عباسُ، يا عمَّ رسول اللَّه، سَلِ الله العافية في الدُّنيا والآخرة». وفيه (٤) عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سَلُوا الله اليقين والمعافاة، فما أوتي أحدٌ بعد اليقين خيرًا من العافية». فجمع بين عافيتي الدِّين والدُّنيا. ولا يتمُّ صلاح العبد في الدَّارين إلا باليقين والعافية.
следующие страницы →