← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

لمَّا كان الحريق سببه النَّار، وهي مادَّة الشَّيطان الَّتي خُلِق منها، وكان فيه من الفساد العامِّ ما يناسب الشَّيطان بمادِّته وفعله= كان للشَّيطان (١) إعانةٌ عليه وتنفيذٌ (٢) له. وكانت النَّار تطلب بطبعها العلوَّ والفساد. وهذان الأمران ــ وهما العلوُّ في الأرض والفساد ــ هما هديُ الشَّيطان، وإليهما يدعو، وبهما يُهلِك بني آدم. فالنَّار والشَّيطان كلٌّ منهما يريد العلوَّ في الأرض والفساد، وكبرياءُ الرَّبِّ تقمع الشَّيطان وفعله. فلهذا (٣) كان تكبير الله له أثرٌ في إطفاء الحريق، فإنَّ كبرياء الله لا يقوم لها شيءٌ. فإذا كبَّر المسلم ربَّه أثَّر تكبيرُه في خمود النَّار وخمود الشَّيطان الَّتي (٤) هي مادَّته، فطفئ (٥) الحريق. وقد جرَّبنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك. والله أعلم. فصل في هديه ﷺ في حفظ الصّحَّة لمَّا كان اعتدال البدن وصحَّته وبقاؤه إنَّما هو بواسطة الرُّطوبة المقاومة للحرارة، فالرُّطوبة مادَّته، والحرارةُ تُنضجها وتَدفع فضلاتها وتُصلحها وتُلطِّفها، وإلَّا أفسدت البدن، ولم يمكن قيامُه. وكذلك الرُّطوبة هي غذاء

стр. 2557

الحرارة، فلولا الرُّطوبة لأحرقت البدن وأيبسته وأفسدته. فقوامُ كلِّ واحدةٍ (١) منهما بصاحبتها، وقوامُ البدن بهما جميعًا. وكلٌّ منهما مادَّةٌ للأخرى. فالحرارة مادَّةٌ للرُّطوبة تحفظها وتمنعها من الفساد والاستحالة. والرُّطوبة مادَّةٌ للحرارة تغذوها وتحملها. ومتى مالت إحداهما إلى الزِّيادة على الأخرى حصل لمزاج البدن الانحرافُ بحسب ذلك. فالحرارة دائمًا تحلِّل الرُّطوبة، فيحتاج البدن إلى ما (٢) يُخْلِف عليه ما حلَّلته الحرارة ضرورةَ بقائه وهو الطَّعام والشَّراب. ومتى زاد على مقدار التَّحلُّل ضعفت الحرارة عن تحليل فضلاته، فاستحالت موادَّ رديَّةً فعاثت في البدن وأفسدت، فحصلت الأمراض المتنوِّعة بحسب تنوُّع موادِّها وقبول الأعضاء واستعدادها. وهذا كلُّه مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. فأرشد عباده إلى إدخال ما يقيم البدن من الطَّعام والشَّراب عوضَ ما تحلَّل منه، وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمِّيَّة والكيفيَّة، فمتى جاوز ذلك كان إسرافًا. وكلاهما مانعٌ من الصِّحَّة، جالبٌ للمرض، أعني: عدمَ الأكل والشُّرب، أو الإسراف (٣) فيه. فحفظُ الصِّحَّة كلُّه في هاتين الكلمتين الإلهيَّتين. ولا ريب أنَّ البدن دائمًا في التَّحلُّل والاستخلاف، وكلَّما كثر التَّحلُّل

стр. 2558

ضعفت الحرارة لفناء مادَّتها؛ فإنَّ كثرة التَّحلُّل تفني الرُّطوبة، وهي مادَّة الحرارة، وإذا ضعفت الحرارة ضعف الهضم. ولا يزال كذلك حتَّى تفنى الرُّطوبة، وتنطفئ الحرارة جملةً، فيستكمل العبدُ الأجلَ الذي كتب الله له أن يصل إليه (١). فغاية علاج الإنسان لنفسه ولغيره حراسة البدن إلى أن يصل إلى هذه الحالة، لا أنَّه يستلزم بقاء الحرارة والرُّطوبة اللَّتين بقاءُ الشَّباب والصِّحَّة والقوَّة بهما، فإنَّ هذا ممَّا لم يحصل لبشرٍ في هذه الدَّار، وإنَّما غاية الطَّبيب أن يحمي الرُّطوبةَ عن مفسداتها من العفونة وغيرها، ويحمي الحرارةَ عن مُضْعِفاتها، ويعدل بينهما بالعدل في التَّدبير الذي به قام بدن الإنسان، كما أنَّ به قامت السَّماوات والأرض. وسائرُ المخلوقات إنَّما قوامها بالعدل. ومن تأمَّل هدي النَّبيِّ ﷺ وجده أفضلَ هديٍ يمكن حفظُ الصِّحَّة به، فإنَّ حفظها موقوفٌ على حسن تدبير المطعم والمشرب والملبس، والمسكن والهواء والنَّوم واليقظة، والحركة والسُّكون، والمنكح والاستفراغ والاحتباس. فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسِّنِّ والعادة كان أقرب إلى دوام الصِّحَّة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل. ولمَّا كانت الصِّحَّة والعافية من أجلِّ نعمِ الله على عبده، وأجزلِ عطاياه وأوفرِ مِنَحِه، بل العافية المطلقة أجلُّ النِّعم على الإطلاق، فحقيقٌ لمن رُزِق حظًّا من التَّوفيق مراعاتُها وحفظُها وحمايتُها عمَّا يضادُّها.

стр. 2559

وقد روى البخاريُّ في «صحيحه» (١) من حديث ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاس: الصِّحَّة والفراغ». وفي «الترمذي» (٢) وغيره من حديث عبد الله (٣) بن مِحْصَن الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصبح مُعافًى في جسده، آمنًا في سِرْبه، عنده قوتُ يومه؛ فكأنَّما حِيزَت له الدُّنيا». وفي «الترمذي» (٤) أيضًا من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «أوَّل ما يُسْأل عنه العبدُ يوم القيامة من النَّعيم أن يقال له: ألم نُصِحَّ لك جسمَك، ونُرْوِك من الماء البارد؟».

стр. 2560

ومن هاهنا قال من قال من السَّلف في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ (١) يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] قال (٢): عن الصِّحَّة. وفي «مسند الإمام أحمد» (٣) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال للعباس: «يا عباسُ، يا عمَّ رسول اللَّه، سَلِ الله العافية في الدُّنيا والآخرة». وفيه (٤) عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سَلُوا الله اليقين والمعافاة، فما أوتي أحدٌ بعد اليقين خيرًا من العافية». فجمع بين عافيتي الدِّين والدُّنيا. ولا يتمُّ صلاح العبد في الدَّارين إلا باليقين والعافية.

стр. 2561

فاليقين يدفع عنه عقوباتِ الآخرة، والعافيةُ تدفع عنه أمراض الدُّنيا في قلبه وبدنه. وفي «سنن النَّسائيِّ» (١) من حديث أبي هريرة يرفعه: «سَلُوا الله العفو والعافية والمعافاة، فما أوتي أحدٌ بعد يقينٍ خيرًا من معافاةٍ». وهذه الثَّلاثة تتضمَّن إزالة الشُّرورِ الماضيةِ بالعفو، والحاضرةِ بالعافية، والمستقبَلةِ بالمعافاة؛ فإنَّها تتضمَّن المداومة والاستمرار على العافية (٢). وفي «الترمذي» (٣) مرفوعًا: «ما سئل الله شيئًا أحبَّ إليه من العافية». وقال عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن أبي الدَّرداء قلت: يا رسول اللَّه، لأن أُعافى فأشكُرَ أحبُّ إليَّ من أن أُبتلَى فأصبِر. فقال رسول الله ﷺ : «ورسول الله يحبُّ معك العافية» (٤).

стр. 2562

ويذكر عن ابن عبَّاسٍ أنَّ أعرابيًّا جاء إلى النبي (١) ﷺ ، فقال له (٢): ما أسأل الله بعد الصَّلوات الخمس؟ فقال: «سل الله العافية». فأعاد عليه، فقال له في الثَّالثة: «سل الله العافية في الدُّنيا والآخرة» (٣). وإذا كان هذا شأن العافية والصِّحَّة، فنذكر من هديه ﷺ في مراعاة هذه الأمور ما يتبيَّن لمن نظَر فيه أنَّه أكمل هديٍ على الإطلاق، ينال به حفظ صحَّة البدن والقلب وحياة الدُّنيا والآخرة. والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوَّة إلا باللَّه. فصل فأمَّا المطعم والمشرب، فلم يكن من عادته ﷺ حبسُ النَّفس على نوعٍ واحدٍ من الأغذية، لا يتعدَّاه إلى ما سواه، فإنَّ ذلك يضرُّ بالطَّبيعة جدًّا وقد

стр. 2563

يتعذَّر عليها (١) أحيانًا. فإن لم يتناول غيره ضعُف أو هلك، وإن تناول غيره لم تقبله الطَّبيعة واستضرَّ به. فقصرُها على نوعٍ واحدٍ دائمًا، ولو أنَّه أفضلُ الأغذية، خطرٌ مُضِرٌّ. بل كان يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله، من اللَّحم والفاكهة والخبز والتَّمر وغيره ممَّا ذكرناه في هديه في المأكول، فعليك بمراجعته هاهنا. وإذا كان في أحد الطَّعامين كيفيَّةٌ تحتاج إلى كسرٍ وتعديلٍ كسرَها وعدَّلها بضدِّها إن أمكن، كتعديله (٢) حرارةَ الرُّطَب بالبطِّيخ. وإن لم يجد ذلك تناوَلَه على حاجةٍ وداعيةٍ من النَّفس من غير إسرافٍ، فلا تتضرَّر (٣) به الطَّبيعة. وكان إذا عافت نفسُه الطَّعامَ لم يأكله، ولم يحمِّلها إيَّاه على كرهٍ. وهذا أصلٌ عظيمٌ في حفظ الصِّحَّة. فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه ولا تشتهيه كان تضرُّره به أكثر من انتفاعه. قال أنس (٤): ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قطُّ. إن اشتهاه أكله، وإلَّا تركه ولم يأكل منه.

стр. 2564

ولمَّا قُدِّم إليه الضَّبُّ المشويُّ لم يأكل منه. فقيل له: هو (١) حرامٌ؟ قال: «لا، ولكن لم يكن بأرض قومي. فأجدني أعافه». فراعى عادته وشهوته. فلمَّا لم يكن يعتاد أكلَه بأرضه وكانت نفسُه لا تشتهيه أمسَك عنه. ولم يمنع مِن أكله مَن يشتهيه، ومَن عادتُه أكلُه. وكان يحبُّ اللَّحمَ، وأحبُّه إليه الذِّراعُ ومقدَّمُ الشَّاة (٢)، ولذلك سُمَّ فيه. وفي «الصَّحيحين» (٣): أُتي رسولُ الله ﷺ بلحمٍ، فرُفِعَ إليه الذِّراعُ، وكانت تُعجبه. وذكر أبو عبيد (٤) وغيره عن ضُبَاعة بنت الزبير أنَّها ذبحت في بيتها شاةً

стр. 2565

فأرسل إليها رسولُ الله ﷺ أن «أَطْعِمينا من شاتكم». فقالت للرَّسول: ما بقي عندنا إلا الرَّقبة، وإنِّي لأستحيي أن أُرسِل بها إلى رسول الله ﷺ . فرجع الرَّسول، فأخبره، فقال: «ارجع إليها، فقل لها: أرسلي بها، فإنَّها هادية الشَّاة وأقربُ الشاةِ (١) إلى الخير، وأبعدُها من الأذى». ولا ريب أنَّ أخفَّ لحم الشَّاة: لحمُ الرَّقبة، ولحم الذِّراع والعضد. وهو أخفُّ على المعدة، وأسرع انهضامًا. وفي هذا مراعاة الأغذية الَّتي تجمع ثلاثة أوصافٍ (٢): كثرة نفعها وتأثيرها في القوى. الثَّاني: خفَّتها على المعدة وعدم ثقلها عليها. الثَّالث: سرعة هضمها. وهذا أفضل ما يكون من الغذاء، والتَّغذِّي باليسير من هذا أنفع من الكثير من غيره. وكان يحبُّ الحلواء والعسل. وهذه الثَّلاثة ــ أعني: اللَّحم والعسل والحلواء ــ من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء. وللاغتذاء بها نفعٌ عظيمٌ في حفظ الصِّحَّة والقوَّة، ولا ينفر منها إلا من به علَّةٌ وآفةٌ. وكان يأكل الخبز مأدومًا ما وجَد له إدامًا. فتارةً يأدِمَه باللَّحم، ويقول: «هو سيِّد طعام أهل الدُّنيا والآخرة». رواه ابن ماجه (٣) وغيره. وتارةً

стр. 2566

بالبطِّيخ (١). وتارةً بالتَّمر، فإنَّه وضع تمرةً على كِسْرةٍ (٢) وقال: «هذه إدام هذه» (٣). وفي هذا من تدبير الغذاء أنَّ خبز الشَّعير باردٌ يابسٌ، والتَّمر حارٌّ رطبٌ، على أصحِّ القولين؛ فأَدْمُ خبز الشَّعير به من أحسن التَّدبير، لا سيَّما لمن تلك عادتهم كأهل المدينة. وتارةً بالخلِّ، ويقول: «نعمَ الإدامُ الخلُّ» (٤).

стр. 2567

وهذا ثناءٌ عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر، لا تفضيلٌ له على غيره، كما يظنُّ الجهَّال. وسبب الحديث أنَّه دخل على أهله يومًا، فقدَّموا له خبزًا، فقال: «هل عندكم من أُدُمٍ (١)؟». قالوا: ما عندنا إلا خلٌّ، فقال: «نعم الأُدُم (٢) الخلُّ». والمقصود: أنَّ أكل الخبز مأدومًا من أسباب حفظ الصِّحَّة، بخلاف الاقتصار على أحدهما وحده. وسمِّي الأُدُم أُدُمًا لإصلاحه الخبز وجعلِه ملائمًا لحفظ الصِّحَّة. ومنه قوله في إباحته للخاطب النَّظر: «إنَّه أحرى أن يُؤْدَم بينهما» (٣). أي أقرب إلى الالتئام والموافقة، فإنَّ الزَّوج يدخل على بصيرةٍ، فلا يندم. وكان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها. وهذا أيضًا من أكبر أسباب حفظ الصِّحَّة، فإنَّ الله سبحانه بحكمته جعل في كلِّ بلدةٍ من الفاكهة ما ينتفع به أهلُها في وقته، فيكون تناولُه من أسباب صحَّتهم وعافيتهم ويغني عن كثيرٍ من الأدوية. وقلَّ من احتمى عن فاكهة بلده خشيةَ السَّقم إلا

стр. 2568

وهو من أسقمِ النَّاس جسمًا، وأبعدِهم من الصِّحَّة والقوَّة. وما في تلك الفاكهة من الرُّطوبات، فحرارةُ الفصل والأرض وحرارةُ المعدة تُنضجها وتدفع شرَّها، إذا لم يسرف في تناولها، ولم يحمِّل منها الطَّبيعة فوق ما تحتمله، ولم يُفْسِد بها الغذاءَ قبل هضمه، ولا أفسدها بشرب الماء عليها، وتناولِ (١) الغذاء بعد التملِّي (٢) منها؛ فإنَّ القولنج كثيرًا ما يحدث عند ذلك. فمن أكل منها ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي= كانت له دواءً نافعًا. فصل في هديه ﷺ في هيئة الجلوس للأكل صحَّ عنه أنَّه قال: «لا آكل متَّكئًا» (٣). وقال: «إنَّما أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد» (٤).

стр. 2569

وروى ابن ماجه في «سننه» (١) أنَّه نهى أن يأكل الرَّجلُ وهو منبطحٌ على وجهه. وقد فُسِّر الاتِّكاء بالتَّربُّع، وفُسِّر بالاتِّكاء على الشَّيء وهو الاعتماد عليه، وفُسِّر بالاتِّكاء على الجنب. والأنواع الثَّلاثة من الاتِّكاء، فنوعٌ منها يضرُّ بالآكل وهو الاتِّكاء على الجنب، فإنَّه يمنع مجرى الطَّعام الطَّبيعيِّ عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة، ويضغط المعدة، فلا يستحكم فتحها للغذاء. وأيضًا فإنَّها تميل ولا تبقى منتصبةً، فلا يصل الغذاء إليها بسهولةٍ. وأمَّا النَّوعان الآخران، فمن جلوسِ الجبابرة المنافي للعبوديَّة. ولهذا قال: «آكل كما يأكل العبد»، وكان يأكل وهو مُقْعٍ (٢). ويذكر عنه أنَّه كان يجلس للأكل متورِّكًا على ركبتيه، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى (٣)، تواضعًا لربِّه ، وأدبًا بين يديه، واحترامًا للطَّعام

стр. 2570

وللمؤاكل. فهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها، لأنَّ الأعضاء كلَّها تكون على وضعها الطَّبيعيِّ الذي خلقها الله سبحانه عليه، مع ما فيها من الهيئة الأدبيَّة، وأجودُ ما اغتذى الإنسان إذا كانت أعضاؤه على وضعها الطَّبيعيِّ، ولا يكون كذلك إلا إذا كان الإنسان منتصبًا الانتصاب الطَّبيعيِّ. وأردأ الجلسات للأكل الاتِّكاءُ على الجنب، لما تقدَّم من أنَّ المَريء وأعضاء الازدراد تضيق عند هذه الهيئة، والمعدة لا تبقى على وضعها الطَّبيعيِّ، لأنَّها تنعصر ممَّا يلي البطن بالأرض، وممَّا يلي الظَّهر بالحجاب الفاصل بين آلات الغذاء وآلات التَّنفُّس (١). وإن كان المراد بالاتِّكاء الاعتماد على الوسائد والوطاء الذي تحت الجالس، فيكون المعنى أنِّي إذا أكلتُ لم أقعد متِّكئًا على الأوطئة والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطَّعام، لكنِّي آكل بُلْغةً كما يأكل العبد (٢).

стр. 2571

فصل وكان يأكل بأصابعه الثَّلاث (١). وهذا أنفع ما يكون من الأكلات، فإنَّ الأكل بإصبعٍ أو إصبعين لا يستلذُّ به الآكل، ولا يُمرئه، ولا يُشْبعه إلا بعد طولٍ، ولا تفرح آلات الطَّعام والمعدة بما ينالها في كلِّ أكلةٍ، فيأخذها على إغماضٍ، كما يأخذ الرَّجل حقَّه حبَّةً أو حبَّتين أو نحو ذلك، فلا يلتذُّ بأخذه، ولا يُسرُّ به. والأكلُ بالخمسة والرَّاحة يوجب ازدحام الطَّعام على آلاته وعلى المعدة ــ وربَّما استدَّت (٢) الآلات، فمات ــ وتُغْصَب الآلاتُ على دفعه، والمعدةُ على احتماله؛ ولا يجد له لذَّةً ولا استمراءً. فأنفعُ الأكل أكلُه ﷺ وأكلُ من اقتدى به بالأصابع الثَّلاث. فصل ومن تدبَّر أغذيته ﷺ وما كان يأكله وجَدَه لم يجمع قطُّ بين لبنٍ وسمكٍ، ولا بين لبنٍ وحامضٍ، ولا بين غذاءين حارَّين، ولا باردين، ولا لَزِجين، ولا قابضين، ولا مُسْهلين، ولا غليظين، ولا مُرْخِيَين، ولا مستحيلين إلى خلطٍ واحدٍ، ولا بين مختلفين كقابضٍ ومسهلٍ، وسريع الهضم وبطيئه، ولا بين شويٍّ وطبيخٍ، ولا بين طريٍّ وقديدٍ، ولا بين لبنٍ وبيضٍ (٣)، ولا بين لحمٍ ولبنٍ. ولم يكن يأكل طعامًا في وقت شدَّة حرارته، ولا طبيخًا بائتًا يسخَّن له

стр. 2572

بالغد، ولا شيئًا من الأطعمة العَفِنة والمالحة كالكواميخ (١) والمخلَّلات والملوحات (٢). وكلُّ هذه الأنواع ضارٌّ مولِّدٌ لأنواعٍ من الخروج عن الصِّحَّة والاعتدال. وكان يُصلح ضرر بعض الأغذية ببعضٍ إذا وجد إليه سبيلًا، فيكسر حرارةَ هذا ببرودة هذا، ويبوسةَ هذا برطوبة هذا، كما فعل في القثَّاء والرُّطب (٣)، وكما كان يأكل التَّمر بالسَّمن وهو الحَيْس (٤)، ويشرب نقيع التَّمر (٥) يلطِّف به كَيْمُوسات (٦) الأغذية الشَّديدة. وكان يأمر بالعشاء ولو بكفٍّ من تمرٍ، ويقول: «تركُ العشاء مَهْرَمةٌ». ذكره الترمذي في «جامعه» (٧)

стр. 2573

وابن ماجه في «سننه» (١). وذكر أبو نعيم (٢) عنه أنَّه كان ينهى عن النَّوم على الأكل، ويذكر أنَّه يقسِّي القلب. ولهذا في وصايا الأطبَّاء لمن أراد حفظ الصِّحَّة أن يمشي بعد العشاء خطواتٍ ولو مائة خطوةٍ، ولا ينام عقبَه فإنَّه مضرٌّ جدًّا. وقال

стр. 2574

مسلموهم: أو يصلِّي عقيبه، ليستقرَّ الغذاء بقعر المعدة، فيسهل هضمُه، ويجود بذلك (١). ولم يكن من هديه أن يشرب على طعامه فيفسِدَه، ولا سيَّما إن كان الماء حارًّا أو باردًا، فإنَّه رديٌّ جدًّا. قال الشَّاعر (٢): لا تكن عند أكلِ سُخْنٍ وبردٍ (٣) ... ودخولِ الحمَّام تشرب ماءَ فإذا ما اجتنبتَ ذلك حقًّا ... لم تخَفْ ما حَيِيتَ في الجوف داءَ ويُكرَه شربُ الماء عقيب الرِّياضة والتَّعب، وعقيب الجماع، وعقيب الطَّعام وقبله (٤)، وعقيب أكل الفاكهة ــ وإن كان الشُّربُ عقيبَ بعضها أسهل من بعضٍ ــ وعقيبَ الحمَّام، وعند الانتباه من النَّوم= فهذا كلُّه منافٍ لحفظ الصِّحَّة. ولا اعتبار بالعوائد، فإنَّها طبائع ثوانٍ. فصل وأمَّا هديه في الشَّراب (٥) فمن أكمل هديٍ تُحفَظ به الصِّحَّة، فإنَّه كان

стр. 2575

يشرب العسل الممزوج بالماء البارد (١). وفي هذا من حفظ الصِّحَّة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطبَّاء، فإنَّ شربَه ولعقَه على الرِّيق يذيب البلغمَ، ويغسل خَمْلَ (٢) المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات، ويسخِّنها باعتدالٍ ويفتح سُدَدها. ويفعل مثل ذلك بالكبد والكُلى والمثانة. وهو أنفع للمعدة من كلِّ حلوٍ دخلها. وإنَّما يضرُّ بالعرض لصاحب الصَّفراء لحدَّته وحدَّة الصَّفراء، فربَّما هيَّجها. ودفعُ مضرَّته لهم بالخلِّ، فيعود حينئذٍ لهم نافعًا جدًّا (٣). وشربُه أنفع من كثيرٍ من الأشربة المتَّخذة من السُّكَّر أو أكثرها، ولا سيَّما لمن لم يعتَدْ هذه الأشربة ولا ألِفها طبعُه، فإنَّه إذا شربها لا تلائمه ملاءمة العسل ولا قريبًا منه. والمحكَّم في ذلك العادة، فإنَّها تهدم أصولًا وتبني أصولًا. وأمَّا الشَّراب إذا جمع وَصْفَي الحلاوة والبرودة، فمن أنفع شيءٍ للبدن ومن أكبر أسباب حفظ الصِّحَّة. وللأرواح والقوى والكبد والقلب عشقٌ شديدٌ له واستمدادٌ منه. وإذا كان فيه الوصفان حصلت به التَّغذية، وتنفيذُ الطَّعام إلى الأعضاء وإيصاله إليها أتمَّ تنفيذٍ. والماء البارد رطبٌ يقمع الحرارة، ويحفظ على البدن رطوباته الأصليَّة

стр. 2576

ويردُّ عليه بدل ما تحلَّل منها، ويرقِّق الغذاء، وينفذه في العروق (١). واختلف الأطبَّاء هل يغذِّي البدن؟ على قولين. فأثبتت طائفةٌ التَّغذية به بناءً على ما يشاهَد من النُّموِّ والزِّيادة والقوَّة في البدن به، ولا سيَّما عند شدَّة الحاجة إليه. قالوا: وبين الحيوان والنَّبات قدرٌ مشتركٌ من وجوهٍ عديدةٍ، منها: النُّموُّ، والاغتذاء، والاعتدال. وفي النَّبات قوَّة حسٍّ وحركةٍ (٢) تناسبه، ولهذا كان غذاء النَّبات بالماء. فما يُنكَر أن يكون للحيوان به نوع غذاءٍ، وأن يكون جزءًا من غذائه التَّامِّ؟ قالوا: ونحن لا ننكر أنَّ قوَّة الغذاء ومعظمه في الطَّعام، وإنَّما أنكرنا أن لا يكون للماء تغذيةٌ البتَّة. قالوا: وأيضًا فالطَّعام إنَّما يغذِّي بما فيه من المائيَّة، ولولاها لما حصلت به التَّغذية. قالوا: ولأنَّ الماء مادَّة حياة الحيوان والنَّبات، ولا ريب أنَّ ما كان أقرب إلى مادَّة الشَّيء حصلت به التَّغذية، فكيف إذا كان (٣) مادَّته الأصليَّة! قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] فكيف ننكر حصول التَّغذية بما هو مادَّة الحياة على الإطلاق؟ قالوا: وقد رأينا العطشان إذا حصل له الرِّيُّ بالماء البارد تراجعت إليه

стр. 2577

قواه ونشاطه وحركته، وصبَر عن الطَّعام، وانتفَع بالقدر اليسير منه. ورأينا العطشان لا ينتفع بالقدر الكثير (١) من الطَّعام، ولا يجد به القوَّة والاغتذاء. ونحن لا ننكر أنَّ الماء يُنفذ الغذاء إلى أجزاء البدن وإلى جميع الأعضاء، وأنَّه لا يتمُّ أمرُ الغذاء إلا به؛ وإنَّما ننكر على من سلَبَ قوَّة التَّغذية عنه البتَّة، ويكاد قوله عندنا يدخل في إنكار الأمور الوجدانيَّة. وأنكرت طائفةٌ أخرى حصول التَّغذية به واحتجَّت بأمورٍ يرجع حاصلها إلى عدم الاكتفاء به، وأنَّه لا يقوم مقام الطَّعام، وأنَّه لا يزيد في نموِّ الأعضاء ولا يُخْلِف عليها بدلَ ما حلَّلته الحرارة، ونحو ذلك ممَّا لا ينكره أصحاب التَّغذية فإنَّهم يجعلون تغذيته بحسب جوهره ولطافته ورقَّته. وتغذيةُ كلِّ شيءٍ بحسَبه. وقد شوهد الهواءُ الرَّطبُ البارد اللَّيِّن (٢) اللَّذيذ يغذِّي بحسبه، والرَّائحةُ الطَّيِّبةُ تغذِّي نوعًا من الغذاء، فتغذيةُ الماء أظهر وأظهر. والمقصود: أنَّه إذا كان باردًا، وخالَطَه ما يحلِّيه كالعسل أو الزَّبيب (٣) والتَّمر والسُّكَّر (٤)، كان (٥) من أنفع ما يدخل البدنَ، وحفِظَ عليه صحَّتَه. فلهذا كان أحبُّ الشَّراب إلى رسول الله ﷺ الباردَ الحلوَ (٦). والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضدَّ هذه الأشياء.

стр. 2578

ولمَّا كان الماء البائت أنفع من الذي يُشرَب وقت استقائه قال النَّبيُّ ﷺ وقد دخل إلى حائط أبي الهيثم بن التَّيِّهان: «هل من ماءٍ بات في شَنَّةٍ؟». فأتاه به، فشرب منه. رواه البخاريُّ (١) ولفظه: «إن كان عندكم ماءٌ بات في شَنٍّ وإلَّا كرَعنا». والماء البائت بمنزلة العجين الخمير. والَّذي يُشرَب (٢) لوقته بمنزلة الفطير. وأيضًا فإنَّ الأجزاء التُّرابيَّة والأرضيَّة تفارقه إذا بات. وقد ذُكِر أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُستعذب له الماءُ، ويختار البائت منه (٣). وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يُستقى له الماء العذب من بئر السُّقيا (٤). والماء الذي في القِرَب والشِّنان ألذُّ من الذي يكون في آنية الفخَّار

стр. 2579

والأحجار وغيرها، ولا سيَّما أسقية الأَدَم. ولهذا التمس النَّبيُّ ﷺ ماءً بات في شنَّةٍ دون غيرها من الأواني. وفي الماء إذا وُضِع في الشِّنان وقِرَب الأَدَم خاصَّةٌ لطيفةٌ لما فيها من المسامِّ المنفتحة الَّتي يرشح منها الماء. ولهذا الماءُ (١) في الفخَّار الذي يرشح ألذُّ (٢) منه وأبردُ في الذي لا يرشح. فصلاة الله وسلامه على أكمل الخلق، وأشرفِهم نفسًا، وأفضلِهم هديًا في كلِّ شيءٍ. لقد دلَّ أمَّته على أفضل الأمور وأنفعِها لهم في القلوب والأبدان والدُّنيا والآخرة. قالت عائشة: كان أحبُّ الشَّراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد (٣). وهذا يحتمل أن تريد (٤) به الماء العذب كمياه العيون والآبار الحلوة فإنَّه كان يُستعذَب له الماء. ويحتمل أن تريد به الماء الممزوج بالعسل (٥) أو الذي نُقِعَ فيه التَّمر والزَّبيب. وقد يقال ــ وهو الأظهر ــ: يعمُّهما جميعًا.

стр. 2580

وقوله في الحديث الصَّحيح: «إن كان عندك ماءٌ بات في شنٍّ وإلَّا كرَعنا» فيه دليلٌ على جواز الكَرْع، وهو الشُّرب بالفم من الحوض والمِقْراة (١) ونحوها. وهذه ــ والله أعلم ــ واقعةُ عينٍ دعت الحاجةُ فيها إلى الكرع بالفم، أو قاله مبيِّنًا لجوازه؛ فإنَّ من النَّاس من يكرهه. والأطبَّاء تكاد تحرِّمه، ويقولون: إنَّه يضرُّ بالمعدة. وقد روي في حديثٍ لا أدري ما حاله عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهانا أن نشرب على بطوننا، وهو الكرع، ونهانا أن نغترف باليد الواحدة. وقال: «لا يَلَغْ أحدكم كما يَلَغُ الكلب، ولا يشربْ باللَّيل من إناءٍ حتَّى يختبره إلا أن يكون مخمَّرًا» (٢). وحديث البخاريِّ أصحُّ من هذا. وإن صحَّ فلا تعارض بينهما؛ إذ لعلَّ الشُّرب باليد لم يكن يمكن حينئذٍ، فقال: «وإلَّا كرعنا». والشُّرب بالفم إنَّما يضرُّ إذا انكبَّ الشَّارب على وجهه وبطنه كالَّذي يشرب من النَّهر والغدير. فأمَّا إذا شرب منتصبًا بفمه من حوضٍ مرتفعٍ ونحوه، فلا فرق بين أن يشرب بيده أو بفمه.

стр. 2581

فصل وكان من هديه: الشُّرب قاعدًا. هذا كان هديه المعتاد، وصحَّ عنه أنَّه نهى عن الشُّرب قائمًا (١)، وصحَّ عنه أنَّه أمر الذي شرب قائمًا أن يستقيء (٢)، وصحَّ عنه أنَّه شرب قائمًا (٣). فقالت طائفة (٤): هذا ناسخٌ للنَّهي. وقالت طائفة: بل مبيِّنٌ أنَّ النَّهي ليس للتَّحريم، بل للإرشاد وترك الأولى. وقالت طائفة: لا تعارض بينهما أصلًا، فإنَّه إنَّما شرب قائمًا للحاجة، فإنَّه جاء إلى زمزم وهم يستقُون منها، فاستسقَى (٥)، فناولوه الدَّلوَ، فشرِب وهو قائمٌ، وهذا كان موضع حاجةٍ (٦). وللشُّرب قائمًا آفاتٌ عديدةٌ، منها: أنَّه لا يحصل به الرِّيُّ التَّامُّ، ولا يستقرُّ في المعدة حتَّى تقسمه (٧) الكبد على الأعضاء، وينزل بسرعةٍ وحدَّةٍ إلى المعدة، فيخشى منه أن يبرِّد حرارتها ويشوِّشها؛ ويسرع النُّفوذ إلى أسافل (٨) البدن بغير تدريجٍ= وكلُّ هذا يضرُّ بالشَّارب. فأمَّا إذا فعله نادرًا أو

стр. 2582

لحاجةٍ لم يضرَّه. ولا يعترض بالعوائد على هذا، فإنَّ العوائد طبائع ثوانٍ، ولها أحكامٌ أخرى، وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء. فصل وفي «صحيح مسلم» (١) من حديث أنس بن مالكٍ قال: كان رسول الله ﷺ يتنفَّس في الشَّراب ثلاثًا، ويقول: «إنَّه أروى، وأمرأ، وأبرأ». الشَّراب في لسان الشَّارع وحَمَلة الشَّرع هو: الماء، ومعنى تنفُّسه في الشَّراب: إبانتُه (٢) القدحَ عن فيه، وتنفُّسُه خارجَه، ثمَّ يعود إلى الشَّراب، كما جاء مصرَّحًا به في الحديث الآخر: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفَّس في القدَح، ولكن لِيُبِنِ الإناءَ عن فيه» (٣). وفي هذا الشُّرب حِكَمٌ جمَّةٌ، وفوائد مهمَّةٌ. وقد نبَّه ﷺ على مجامعها بقوله: «إنَّه أروى، وأمرأ، وأبرأ». فأروى: أشدُّ ريًّا وأبلغُه وأنفعُه. وأبرأ: أفعَل من البُرْء وهو الشِّفاء، أي يبرئ من شدَّة العطش ودائه، لتردُّده على المعدة الملتهبة دفعاتٍ، فتسكِّن الدُّفعةُ الثَّانيةُ ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثَّالثةُ ما عجزت الثَّانية عنه (٤).

стр. 2583

وأيضًا فإنَّه أسلم لحرارة المعدة وأبقى عليها من أن يهجم عليها الباردُ وهلةً واحدةً ونهلةً واحدةً. وأيضًا فإنَّه لا يُروي لمصادفته لحرارة العطش لحظةً ثمَّ يقلع عنها، ولمَّا يكسِر (١) سورتَها وحدَّتَها، وإن انكسرت لم تبطل بالكلِّيَّة؛ بخلاف كسرها على التَّمهُّل والتَّدريج. وأيضًا فإنَّه أسلم عاقبةً وآمن غائلةً من تناول جميع ما يُروي دفعةً واحدةً فإنَّه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزيَّة بشدَّة برده وكثرة كمِّيَّته أو يُضْعِفها فيؤدِّي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد وإلى أمراضٍ رديَّةٍ، خصوصًا في سكَّان البلاد الحارَّة كالحجاز واليمن ونحوهما، أو في الأزمنة الحارَّة كشدَّة الصَّيف، فإنَّ الشُّرب وهلةً واحدةً مخوفٌ عليهم جدًّا، فإنَّ الحارَّ الغريزيَّ ضعيفٌ في بواطن أهلها وفي تلك الأزمنة الحارَّة (٢). وقوله: «وأمرأ» هو أفعَلُ من مرئ الطَّعامُ والشَّرابُ في بدنه، إذا دخله وخالطه بسهولةٍ ولذَّةٍ ونفعٍ. ومنه: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]: هنيئًا في عاقبته، مريئًا في مذاقه. وقيل: معناه (٣) أنَّه أسرع انحدارًا عن المريء لسهولته وخفَّته عليه، بخلاف الكثير فإنَّه لا يسهل على المريء انحداره. ومن آفات الشُّرب نهلةً واحدةً: أنَّه يخاف منه الشَّرَق بأن ينسدَّ مجرى الشَّراب لكثرة الوارد عليه، فيغصُّ به. فإذا تنفَّس رويدًا ثمَّ شرِبَ أمِنَ ذلك.

стр. 2584

ومن فوائده: أنَّ الشَّارب إذا شرب أوَّل مرَّةٍ تصاعد البخار الدُّخانيُّ الحارُّ الذي كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه، فأخرجته الطَّبيعة عنها. فإذا شرب مرَّةً واحدةً اتَّفق نزولُ الماء البارد وصعودُ البخار، فيتدافعان ويتعالجان. ومن ذلك يحدث الشَّرَق والغصَّة، ولا يتهنَّأ الشَّارب بالماء ولا يُمرئه، ولا يتمُّ ريُّه. وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي (١) وغيرهما عن النَّبيِّ ﷺ : «إذا شرب أحدكم فليمُصَّ الماء مصًّا، ولا يعُبَّ عبًّا فإنَّه من الكُبَاد». والكُبَاد بضمِّ الكاف وتخفيف الباء هو وجع الكبد (٢). وقد عُلِم بالتَّجربة أنَّ ورود الماء جملةً واحدةً على الكبد يؤلمها ويُضعِف حرارتها. وسبب ذلك: المضادَّة الَّتي بين حرارتها وبين ما ورد عليها من كيفيَّة المُبَرِّد (٣) وكمِّيَّته. ولو ورد بالتَّدريج شيئًا فشيئًا لم يضادَّ حرارتها ولم يُضْعِفها. وهذا مثاله: صبُّ الماء البارد على القِدْر وهي تفور، لا يضرُّها صبُّه قليلًا قليلًا.

стр. 2585

وقد روى الترمذي في «جامعه» (١) عنه ﷺ : «لا تشربوا نفَسًا واحدًا كشُرب البعير، لكن اشربوا مثنى وثلاث، وسمُّوا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم فرغتم» (٢). وللتِّسمية في أوَّل الطَّعام والشَّراب وحمد الله في آخره تأثيرٌ عجيبٌ في نفعه، واستمرائه، ودفع مضرَّته. قال الإمام أحمد: إذا جمَع الطَّعامُ أربعًا فقد كمُل: إذا ذُكِر اسمُ الله في أوَّله، وحُمِد الله في آخره، وكثرت عليه الأيدي، وكان من حِلٍّ (٣). فصل وقد روى مسلم في «صحيحه» (٤): من حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «غطُّوا الإناءَ، وأَوكُوا السِّقاءَ، فإنَّ في السَّنة ليلةً ينزل فيها وباءٌ، لا يمرُّ بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، وسقاءٍ ليس عليه وكاءٌ= إلا وقع فيه من ذلك الدَّاء». وهذا ممَّا لا يناله علوم الأطبَّاء ومعارفهم، وقد عرفه من

стр. 2586

عرفه من عقلاء النَّاس بالتَّجربة. قال اللَّيث بن سعدٍ أحد رواة الحديث: الأعاجم عندنا يتَّقون تلك اللَّيلة في السَّنة في كانون الأوَّل منها (١). وصحَّ عنه أنَّه أمر بتخمير الإناء ولو أن يعرض عليه عودًا (٢). وفي عرض العود عليه من الحكمة أنَّه لا ينسى تخميره، بل يعتاده حتَّى بالعود. وفيه: أنَّه ربَّما أراد الدَّبيبُ (٣) أن يسقط فيه، فيمرُّ على العود، فيكون العود جسرًا له يمنعه من السُّقوط فيه. وصحَّ عنه: أنَّه أمر عند إيكاء الإناء بذكر اسم اللَّه، فإنَّ ذكر اسم الله عند تخمير الإناء يطرد عنه الشَّيطان، وإيكاؤه (٤) يطرد عنه الهوامَّ، ولذلك أمر بذكر اسم الله (٥) في هذين الموضعين لهذين المعنيين. وروى البخاريُّ في «صحيحه» (٦) من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الشُّرب مِن في السِّقاء. وفي هذا آدابٌ (٧) عديدةٌ:

стр. 2587

منها: أنَّ تردُّد أنفاس الشَّارب فيه يُكْسِبه زهومةً ورائحةً كريهةً يُعاف لأجلها. ومنها: أنَّه ربَّما غلب الدَّاخل إلى جوفه من الماء، فتضرَّر به. ومنها: أنَّه ربَّما كان فيه حيوانٌ لا يشعر به، فيؤذيه. ومنها: أنَّ الماء ربَّما كان فيه قذاةٌ أو غيرها لا يراها عند الشُّرب، فتلِجُ جوفه. ومنها: أنَّ الشُّرب كذلك يملأ البطن من الهواء، فيضيق عن أخذ حظِّه من الماء، أو يزاحمه أو يؤذيه. ولغير ذلك من الحِكَم. فإن قيل: فما تصنعون بما (١) في «جامع الترمذي» (٢): أنَّ رسول الله ﷺ دعا بإداوةٍ يوم أحدٍ، فقال: «اخنِثْ فمَ الإداوة»، ثمَّ شرب منها مِن فمها؟ قلنا: نكتفي فيه بقول الترمذي: هذا حديثٌ ليس إسناده بصحيحٍ، وعبد الله بن عمر العُمَريُّ يضعَّف من قبل حفظه، ولا أدري سمع من عيسى

стр. 2588

أم لا. انتهى. يريد عيسى بن عبد الله الذي رواه عنه عن رجلٍ من الأنصار. فصل وفي «سنن أبي داود» (١) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشُّرب من ثُلْمة القدَح، وأن يُنفَخ في الشَّراب. هذا (٢) من الآداب الَّتي تتمُّ بها مصلحة الشَّارب، فإنَّ الشُّرب من ثُلمة القدَح فيه عدَّة مفاسد: أحدها: أنَّ ما يكون على وجه الماء من قذًى أو غيره يجتمع إلى الثُّلمة بخلاف الجانب الصَّحيح. الثَّاني: أنَّه ربَّما يشوِّش (٣) على الشَّارب، ولم يتمكَّن (٤) من حسن الشُّرب من الثُّلمة. الثَّالث: أنَّ الوسخ والزُّهومة تجتمع في الثُّلمة، ولا يصل إليها الغسل كما يصل إلى الجانب الصَّحيح.

стр. 2589

الرَّابع: أنَّ الثُّلمة محلُّ العيب في القدح، وهي أردى (١) مكانٍ فيه، فينبغي تجنُّبه وقصدُ الجانب الصَّحيح؛ فإنَّ الرَّديَّ من كلِّ شيءٍ لا خير فيه. ورأى بعض السَّلف رجلًا يشتري حاجةً رديَّةً، فقال: لا تفعل. أمَا علمتَ أنَّ الله نزع البركة من كلِّ رديٍّ (٢)؟ الخامس: أنَّه ربَّما كان في الثُّلمة شقٌّ أو تحديدٌ يجرح شفة (٣) الشَّارب. ولغير هذه المفاسد (٤). وأمَّا النَّفخ في الشَّراب، فإنَّه يُكْسِبه من فم النَّافخ رائحةً كريهةً يُعاف لأجلها، ولا سيَّما إن كان متغيِّر الفم. وبالجملة، فأنفاس النَّافخ تخالطه. ولهذا جمع (٥) ﷺ بين النَّهي عن التَّنفُّس في الإناء والنَّفخ فيه، في الحديث الذي رواه الترمذي (٦) وصحَّحه عن ابن عبَّاسٍ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُتَنفَّس في الإناء أو يُنْفَخ فيه.

стр. 2590

فإن قيل: فما تصنعون بما في «الصَّحيحين» (١) من حديث أنس أنَّ رسول الله ﷺ كان يتنفَّس في الإناء ثلاثًا؟ قيل: نقابله بالقبول والتَّسليم. ولا معارضة بينه وبين الأوَّل، فإنَّ معناه أنَّه كان يتنفَّس في شربه ثلاثًا. وذكر الإناء لأنَّه آلة الشُّرب. وهذا كما جاء في الحديث الصَّحيح: أنَّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ مات في الثَّدي، أي في مدَّة الرَّضاع (٢). فصل وكان ﷺ يشرب اللَّبن خالصًا تارةً، ومشوبًا بالماء أخرى. وفي شرب اللَّبن الحلو في تلك البلاد الحارَّة خالصًا ومشوبًا نفعٌ عظيمٌ في حفظِ الصِّحَّة، وترطيبِ البدن وريِّ الكبد، ولا سيَّما اللَّبن الذي ترعى دوابُّه الشِّيح والقَيصُومَ والخُزامى (٣) وما أشبهها، فإنَّ لبنها غذاءٌ مع الأغذية، وشرابٌ مع الأشربة، ودواءٌ مع الأدوية. وفي «جامع الترمذي» (٤) عنه ﷺ : «إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: اللَّهمَّ

стр. 2591

بارِك لنا فيه، وأطعِمْنا خيرًا منه. وإذا سُقِي لبنًا فليقل: اللَّهمَّ بارِكْ لنا فيه، وزدنا منه؛ فإنَّه ليس شيءٌ يجزي من الطَّعام والشَّراب إلا اللَّبن». قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ (١). فصل وثبت في «صحيح مسلم» (٢) أنَّه ﷺ كان يُنْبَذ (٣) له أوَّلَ اللَّيل، ويشربُه إذا أصبح يومَه ذلك، واللَّيلةَ الَّتي تجيء، والغدَ واللَّيلة الأخرى، والغدَ إلى العصر. فإن بقي منه شيءٌ سقاه الخادمَ أو أمرَ به فصُبَّ. وهذا النَّبيذ هو ماءٌ (٤) يُطرَح فيه تمرٌ يحلِّيه. وهو يدخل في الغذاء والشَّراب، وله نفعٌ عظيمٌ في زيادة القوَّة وحفظ الصِّحَّة. ولم يكن يشربه بعد ثلاثٍ خوفًا من تغيُّره (٥) إلى الإسكار.

стр. 2592

فصل في تدبيره لأمر الملبس وكان من أتمِّ الهدي، وأنفعه للبدن، وأخفِّه عليه، وأيسرِه لُبسًا وخَلعًا. وكان أكثرُ لُبسه الأردية والأُزُر، وهي أخفُّ على البدن من غيرها. وكان يلبس القميص، بل كان أحبَّ الثِّياب إليه (١). وكان هديُه في لُبسه لما يلبسه أنفعَ شيءٍ للبدن، فإنَّه لم يكن يطيل أكمامه ويوسِّعها بل كانت كمُّ (٢) قميصه إلى الرُّسغ (٣)، لا تجاوز اليدَ، فتشقَّ على لابسها، وتمنعَه خفَّة الحركة والبطش. ولا تقصر عن هذه، فتبرز للحرِّ والبرد.

стр. 2593

وكان ذيل قميصه وإزاره إلى أنصاف السَّاقين، لم يتجاوز الكعبين (١) فيؤذي الماشي ويؤوده، ويجعله كالمقيَّد، ولم يقصُر عن عضلة ساقه (٢) فتنكشف (٣)، وتتأذَّى بالحرِّ والبرد. ولم تكن عمامته بالكبيرة الَّتي يؤذي الرَّأسَ حملُها ويُضْعِفُه، ويجعله عرضةً للضَّعف والآفات، كما يشاهَد من حال أصحابها؛ ولا بالصَّغيرة الَّتي تقصُر عن وقاية الرَّأس من الحرِّ والبرد، بل وسطًا بين ذلك. وكان يُدخِلها تحت حَنَكه (٤). وفي ذلك فوائد عديدة. فإنَّها تقي العنقَ الحرَّ والبردَ. وهو أثبت لها ولا سيَّما عند ركوب الخيل والإبل، والكرِّ والفرِّ. وكثيرٌ من النَّاس اتَّخذ الكلاليب عوضًا عن الحَنك، ويا بُعدَ ما بينهما في النَّفع والزِّينة! وأنت

стр. 2594

إذا تأمَّلت هذه اللِّبسةَ وجدتها من أنفع اللِّبسات، وأبلغِها في حفظ صحَّة البدن وقوَّته، وأبعدِها من التَّكلُّف والمشقَّة على البدن. وكان يلبس الخِفافَ في السَّفر دائمًا أو أغلبَ أحواله لحاجة الرِّجلين إلى ما يقيهما من الحرِّ والبرد، وفي الحضر أحيانًا. وكان أحبُّ ألوان الثِّياب إليه البياض (١)، والحِبرَة وهي البرود المحبَّرة. ولم يكن من هديه لبسُ الأحمر ولا الأسود ولا المصبَّغ ولا المصقول. وأمَّا الحُلَّة الحمراء الَّتي لبسها، فهي الرِّداء اليمانيُّ الذي فيه سوادٌ وحمرةٌ وبياضٌ كالحُلَّة الخضراء، فقد لبس هذه وهذه (٢). وقد تقدَّم تقرير ذلك وتغليط من زعم أنَّه لبس الأحمر القانئ بما فيه كفايةٌ (٣). فصل في تدبيره لأمر المسكن لمَّا علم ﷺ أنَّه على ظهر سيرٍ، وأنَّ الدُّنيا مرحلة مسافرٍ ينزل فيها مدَّة عمره ثمَّ ينتقل عنها إلى الآخرة= لم يكن من هديه وهدي أصحابه ومَن تبعه: الاعتناءُ بالمساكن وتشييدُها وتعليتُها وزخرفتُها وتوسيعها، بل كانت من

стр. 2595

أحسن منازل المسافر! تقي الحرَّ والبرد، وتستر عن العيون، وتمنع ولوجَ الدَّوابِّ (١)، ولا يخاف سقوطها لفرط ثقلها، ولا تعشِّش فيها الهوامُّ لسعتها، ولا تعتَوِر عليها الأهوية والرِّياح المؤذية لارتفاعها. وليست تحت الأرض فتؤذي ساكنَها، ولا في غاية الارتفاع عليها، بل وسطٌ. وتلك أعدل المساكن وأنفعها، وأقلُّها حرًّا وبردًا، ولا تضيق عن ساكنها فينحصر، ولا تفضُل عنه بغير منفعةٍ ولا فائدةٍ فتأوي الهوامُّ في خلوِّها (٢). ولم يكن فيها كُنُفٌ تؤذي ساكنها برائحتها، بل رائحتهُا من أطيب الرَّوائح لأنَّه كان يحبُّ الطِّيب ولا يزال عنده. وريحُه هو من أطيب الرَّائحة، وعرَقُه من أطيب الطِّيب. ولم يكن في الدَّار كنيفٌ تظهر رائحته. ولا ريب أنَّ هذه من أعدل المساكن، وأنفعها وأوفقها للبدن وحفظ صحَّته. فصل في تدبيره لأمر النَّوم واليقظة من تدبَّر نومه ويقظته ﷺ وجده أعدل نومٍ وأنفعه للبدن والأعضاء والقوى، فإنَّه كان ينام أوَّل اللَّيل، ويستيقظ في أوَّل النِّصف الثَّاني (٣)، فيقوم، ويستاك، ويتوضَّأ، ويصلِّي ما كتب الله له. فيأخذ البدن والأعضاء والقوى حظَّها من النَّوم والرَّاحة، وحظَّها من الرِّياضة، مع وفور الأجر. وهذا غاية
следующие страницы →