← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

ورواه الدَّارقطنيُّ (١) من هذه الطَّريق ولفظه: «إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ. لا يحلُّ مأتاكَ النِّساءَ في حُشوشهنَّ». وقال البغوي (٢): ثنا هدبة، ثنا همام قال: سئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في دبرها، فقال: حدَّثني عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «تلك اللُّوطيَّة الصُّغرى». وقال أحمد في «مسنده» (٣): ثنا عبد الرحمن، قال همام (٤): أخبرنا عن

стр. 2627

قتادة، عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه, فذكره. وفي «المسند» (١) أيضًا: عن ابن عبَّاسٍ أنزلت هذه الآية: ﴿(٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في أناسٍ من الأنصار أتوا رسول الله ﷺ فسألوه، فقال: «ائتها على كلِّ حالٍ إذا كان في الفرج». وفي «المسند» (٢) أيضًا: عن ابن عبَّاسٍ قال: جاء عمر بن الخطَّاب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، هلكتُ! فقال: «وما الذي أهلكك؟». قال: حوَّلتُ رَحْلي البارحة. قال: فلم يردَّ عليَّ (٣) شيئًا. فأوحى الله إلى رسوله: ﴿(٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] «أقبِلْ وأدبِرْ واتَّقِ الحَيضةَ والدُّبر».

стр. 2628

وفي «الترمذي» (١) عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «لا ينظر الله إلى رجلٍ أتى رجلًا أو امرأةً في الدُّبر». وروِّينا من حديث أبي علي الحسن بن الحسين بن دُوما عن البراء بن عازبٍ يرفعه: «كفَر بالله العظيم عشرةٌ من هذه الأمَّة: القاتل، والسَّاحر، والدَّيُّوث، وناكح المرأة في دبرها، ومانع الزَّكاة، ومن وجد سعةً فمات ولم يحُجَّ، وشارب الخمر، والسَّاعي في الفتن، وبائع السِّلاح من أهل الحرب، ومن نكح ذات محرمٍ منه» (٢). وقال عبد الله بن وهبٍ: ثنا عبد الله بن لهيعة، عن مِشْرَح (٣) بن هاعان عن عُقْبة بن عامرٍ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ملعونٌ من يأتي النِّساء في

стр. 2629

محاشِّهنَّ» (١). يعني: أدبارهنَّ. وفي «مسند الحارث بن أبي أسامة» (٢) من حديث أبي هريرة وابن عبَّاسٍ قالا: خطَبنا رسولُ الله ﷺ قبل وفاته، وهي آخر خطبةٍ خطبها بالمدينة حتَّى لحق بالله ، وَعَظنا فيها، وقال: «ومن (٣) نكح امرأةً في دبرها أو رجلًا أو صبيًّا حُشِرَ يوم القيامة وريحُه أنتَنُ من الجِيفة، يتأذَّى (٤) به النَّاس حتَّى يدخل النَّار؛ وأحبَط الله أجرَه، ولا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا، ويدخل في تابوتٍ من نارٍ ويُشَدُّ عليه مساميرُ من نارٍ». قال أبو هريرة: هذا لمن لم يتُبْ. وذكر أبو نعيمٍ الأصبهانيُّ (٥) من حديث خزيمة بن ثابتٍ يرفعه: «إنَّ الله

стр. 2630

لا يستحيي من الحقِّ. لا تأتوا النِّساء في أعجازهنَّ». وقال الشَّافعيُّ (١): أخبرني عمِّي محمد بن علي بن شافع، قال: أخبرني عبد الله بن علي بن السائب، عن عمرو بن أُحَيحَة بن الجُلَاح، عن خزيمة بن ثابتٍ أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ عن إتيان النِّساء في أدبارهنَّ، فقال: «حلال». فلمَّا ولَّى دعاه فقال: «كيف قلتَ في أيِّ الخُرْبتين (٢) ــ أو: في أيِّ الخُرْزتين ــ أو: في أيِّ الخُصْفَتين ــ أمِن دبرها في قبلها؟ فنعم. أم من دبرها في دبرها؟ فلا. إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ. لا تأتوا النِّساء في أدبارهنَّ». قال الرَّبيع: فقيل للشَّافعيِّ: فما تقول؟ فقال: عمِّي ثقةٌ. وعبد الله بن علي ثقةٌ، وقد أثنى على الأنصاريِّ خيرًا يعني عمرو بن الجُلاح. وخزيمة ممَّن لا يُشكُّ في ثقته. فلست أرخِّص فيه، بل أنهى عنه.

стр. 2631

قلت: ومن هنا (١) نشأ الغلط على من نُقِل عنه الإباحةُ من السَّلف والأئمَّة، فإنَّهم أباحوا أن يكون الدُّبر طريقًا إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدُّبر لا في الدُّبر؛ فاشتبه على السَّامع «مِنْ» بـ «في»، أو لم يظنَّ بينهما فرقًا. فهذا الذي أباحه السَّلف والأئمَّة، فغلط عليهم الغالطُ أقبحَ الغلط وأفحشَه. وقد قال تعالى: ﴿تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. قال مجاهد: سألت ابن عبَّاسٍ عن قوله تعالى: ﴿تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فقال: تأتيها من حيث أُمِرْتَ أن تعتزلَها (٢). يعني في الحيض. وقال علي بن أبي طلحة عنه يقول: في الفرج، ولا يَعْدُه (٣) إلى غيره (٤). وقد دلَّت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما: أنَّه أباح إتيانها في الحَرْث وهو موضعُ الولد، لا في الحُشِّ الذي هو موضع الأذى. وموضعُ الحرث هو المراد من قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، قال: ﴿لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وإتيانُها في قُبلها من دبرها مستفادٌ من الآية أيضًا، لأنَّه قال: ﴿حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: من أين شئتم من أمامٍ أو من خلفٍ. قال ابن عبَّاسٍ: ﴿لَكُمْ فَأْتُوا﴾ يعني: الفرج (٥).

стр. 2632

وإذا كان الله حرَّم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظَّنُّ بالحُشِّ الذي هو (١) محلُّ الأذى اللَّازم، مع زيادة المفسدة بالتَّعرُّض لانقطاع النَّسل، والذَّريعة القريبة جدًّا من أدبار النِّساء إلى أدبار الصِّبيان (٢). وأيضًا: فللمرأة حقٌّ على الرجل في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوِّت حقَّها ولا يقضي وطرها، ولا يحصِّل مقصودها. وأيضًا: فإنَّ الدُّبر لم يتهيَّأ لهذا العمل ولم يُخلَق له، وإنَّما الذي هيِّئ له الفرجُ؛ فالعادلون عنه إلى الدُّبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعًا. وأيضًا: فإنَّ ذلك مضرٌّ بالرَّجل. ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطبَّاء من الفلاسفة وغيرهم، لأنَّ للفرج خاصِّيَّةً في اجتذاب الماء المحتقَن (٣) وراحة الرَّجل منه، والوطءُ في الدُّبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يُخرج كلَّ المحتقن لمخالفته للأمر (٤) الطَّبيعيِّ. وأيضًا: فيضرُّ من وجهٍ آخر، وهو إحواجُه (٥) إلى حركاتٍ متعبةٍ جدًّا لمخالفته للطَّبيعة. وأيضًا: فإنَّه محلُّ القذر والنَّجْو، فيستقبله الرَّجل بوجهه ويلابسه.

стр. 2633

وأيضًا: فإنَّه يضرُّ بالمرأة جدًّا، لأنَّه واردٌ غريبٌ بعيدٌ عن الطِّباع، منافرٌ لها غاية المنافرة. وأيضًا: فإنَّه يُحدث الهمَّ والغمَّ والنُّفرة عن الفاعل والمفعول. وأيضًا: فإنَّه يسوِّد الوجه، ويُظلِم الصَّدرَ، ويطمس نور القلب، ويكسو الوجه وحشةً تصير عليه كالسِّيماء يعرفها من له أدنى فراسةٍ. وأيضًا: فإنَّه يوجب النُّفرة والتَّباغض الشَّديد والتَّقاطع بين الفاعل والمفعول ولا بدَّ. وأيضًا: فإنَّه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادًا لا يكاد يرجى بعده صلاحٌ إلا أن يشاء الله بالتَّوبة النَّصوح. وأيضًا: فإنَّه يذهب بالمحاسن منهما، ويكسوهما ضدَّها؛ كما يذهب بالمودَّة بينهما، ويُبدلهما بها تباغضًا وتلاعنًا. وأيضًا: فإنَّه من أكبر أسباب زوال النِّعم وحلول النِّقم، فإنَّه يوجب اللَّعنة والمقتَ من الله، وإعراضَه عن فاعله، وعدمَ نظره إليه. فأيَّ خيرٍ يرجوه بعد هذا! وأيَّ شرٍّ يأمنه! وكيف حياةُ عبد قد حلَّت عليه لعنة الله ومقته، وأعرض عنه بوجهه، ولم ينظر إليه! وأيضًا: فإنَّه يذهب بالحياء جملةً. والحياء هو حياة القلوب، فإذا فقدها القلبُ استحسن القبيحَ، واستقبح الحسنَ؛ وحينئذٍ فقد استحكم فسادُه. وأيضًا: فإنَّه يحيل الطِّباع عمَّا ركَّبها اللَّه، ويُخرج الإنسان عن طبعه إلى طبعٍ لم يركِّب الله عليه شيئًا من الحيوان. بل هو طبعٌ منكوسٌ، وإذا نُكِسَ الطَّبع انتكس القلبُ والعملُ والهديُ، فيستطيب حينئذٍ الخبيثَ من الأعمال

стр. 2634

والأفعال (١) والهيئة (٢)، ويفسُد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره. وأيضًا: فإنَّه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه. وأيضًا: فإنَّه يورث من المهانة والسِّفال والحقارة ما لا يورثه غيره. وأيضًا: فإنَّه يكسو العبدَ من حُلَّة المقت والبغضاء، وازدراء النَّاس له واحتقارهم إيَّاه، واستصغارهم له= ما هو مشاهَدٌ بالحسِّ. فصلوات الله وسلامه على مَن سعادةُ الدُّنيا والآخرة في هديه واتِّباعِ ما جاء به، وهلاكُ الدُّنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به. فصل والجماع الضَّارُّ نوعان: ضارٌّ شرعًا، وضارٌّ طبعًا. فالضَّارُّ شرعًا: المحرَّم، وهو مراتب بعضها أشدُّ من بعضٍ. والتَّحريم العارض منه أخفُّ من اللَّازم كتحريم الإحرام والصِّيام والاعتكاف، وتحريم المُظاهِر منها قبل التَّكفير، وتحريم وطء الحائض، ونحو ذلك. ولهذا لا حدَّ في هذا الجماع. وأمَّا اللَّازم، فنوعان: نوعٌ لا سبيل إلى حلِّه البتَّة كذوات المحارم. فهذا من أضرِّ الجماع، وهو يوجب القتل حدًّا عند طائفةٍ من العلماء كأحمد بن حنبلٍ وغيره (٣). وفيه حديثٌ مرفوعٌ ثابتٌ (٤).

стр. 2635

والثَّاني: ما يمكن أن يكون حلالًا كالأجنبيَّة. فإن كانت ذات زوجٍ ففي وطئها حقَّان: حقٌّ للَّه، وحقٌّ للزَّوج. فإن كانت مكرهةً ففيه ثلاث (١) حقوق. وإن كان لها أهلٌ وأقارب يلحقهم العار بذلك صار فيه أربع حقوق. فإن كانت ذات محرمٍ منه صار فيه خمس حقوق. فمضرَّة هذا النَّوع بحسب درجاته في التَّحريم. وأمَّا الضَّارُّ طبعًا (٢)، فنوعان أيضًا: نوعٌ ضارٌّ بكيفيَّته (٣) كما تقدَّم. ونوعٌ ضارٌّ بكمِّيَّته، كالإكثار منه فإنَّه يُسقِط القوَّة، ويضرُّ بالعصَب، ويُحدث الرَّعشة والفالج والتَّشنُّج، ويُضعِف البصر وسائر القوى، ويطفئ الحرارة الغريزيَّة ويوسِّع المجاري ويجعلها مستعدَّةً للفضلات المؤذية.

стр. 2636

وأنفع أوقاته: ما كان بعد انهضام الغذاء في المعدة وفي (١) زمانٍ معتدلٍ، لا على جوعٍ فإنَّه يضعف الحارَّ الغريزيَّ، ولا على شِبَعٍ فإنَّه يوجب أمراضًا سُدَديَّة (٢)، ولا على تعبٍ، ولا إثر حمَّامٍ، ولا استفراغٍ، ولا انفعالٍ نفسانيٍّ كالغمِّ والهمِّ والحزن وشدَّة الفرح. وأجود أوقاته: بعد هزيعٍ من اللَّيل إذا صادف انهضام الطَّعام. ثمَّ يغتسل أو يتوضَّأ، وينام عقيبه (٣)، فتَراجَعُ إليه قواه. وليحذر الحركة والرِّياضة عقيبه فإنَّها مضرَّةٌ جدًّا (٤). فصل في هديه ﷺ في علاج العشق هذا مرضٌ من أمراض القلب مخالفٌ لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه. وإذا تمكَّن واستحكم عزَّ على الأطبَّاء دواؤه، وأعيا العليل داؤه. وإنَّما حكاه الله سبحانه في كتابه عن طائفتين من النَّاس: النِّساء، وعشَّاق الصِّبيان (٥) المردان. فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم

стр. 2637

لوطٍ، فقال تعالى إخبارًا عنهم لمَّا جاءت الملائكة لوطًا: ﴿(٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٦٧ - ٧٢]. وأمَّا ما زعمه بعض من لم يقدِّر رسول الله ﷺ حقَّ قدره أنَّه ابتلي به في شأن زينب بنت جحش، وأنَّه رآها، فقال: «سبحان مقلِّب القلوب». وأخذت بقلبه، وجعل يقول لزيد بن حارثة: «أَمْسِكْها»، حتَّى أنزل الله عليه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] (١). فظنَّ هذا الزَّاعم أنَّ ذلك في شأن العشق. وصنَّف بعضهم كتابًا في العشق (٢)، وذكر فيه عشق الأنبياء، وذكر هذه الواقعة. وهذا من جهل هذا القائل بالقرآن وبالرسول، وتحميلهِ كلامَ الله ما لا يحتمله، ونسبتهِ رسول الله ﷺ إلى ما برَّأه الله منه. فإنَّ زينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة، وكان رسول الله ﷺ قد تبنَّاه, وكان يُدعى ابن محمد (٣)،

стр. 2638

وكانت زينب فيها شَمَمٌ وترفُّعٌ عليه، فشاور رسول الله ﷺ في طلاقها، فقال له رسول الله ﷺ : ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾، وأخفى في نفسه أن يتزوَّجَها إن طلَّقها زيد. وكان يخشى من قالة النَّاس أنَّه تزوَّج امرأة ابنه، لأنَّ زيدًا كان يدعى ابنَه، فهذا هو الذي أخفاه في نفسه، وهذه هي الخشية من النَّاس الَّتي وقعت له (١). ولهذا ذكر الله سبحانه هذه الآية يعدِّد فيها نعمَه عليه, لا يعاتبه فيها. وأعلمه أنَّه لا ينبغي له أن يخشى النَّاسَ فيما أحلَّ الله له، وأنَّ الله أحقُّ أن يخشاه فلا يتحرَّج ما أحلَّه له لأجل قول النَّاس. ثمَّ أخبره أنَّه سبحانه زوَّجه إيَّاها بعد قضاء زيدٍ وطرَه منها، لتقتدي أمَّته به في ذلك، ويتزوَّج الرَّجلُ بامرأة ابنه من التَّبنِّي، لا امرأة ابنه لصلبه. ولهذا قال في آية التَّحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وقال في هذه السُّورة: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقال في أوَّلها: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، فتأمَّل هذا الذَّبَّ عن رسوله (٢)، ودفعَ طعن الطَّاعنين عنه. وباللَّه التَّوفيق. نعم، كان رسول الله ﷺ يحبُّ نساءه، وكان أحبَّهنُّ إليه عائشة ولم تكن تبلغ محبَّتُه لها ولا لأحدٍ سوى ربِّه نهايةَ الحبِّ، بل صحَّ عنه (٣) أنَّه قال: «لو

стр. 2639

كنت متَّخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلًا» (١). وفي لفظٍ: «وإنَّ صاحبكم خليل الرَّحمن» (٢). فصل وعشق الصُّور إنَّما تبتلى به القلوب الفارغة من محبَّة الله، المعرضةُ عنه، المتعوِّضةُ بغيره عنه. فإذا امتلأ القلب من محبَّة الله والشَّوق إلى لقائه دفع ذلك عنه مرضَ عشق الصُّور. ولهذا قال تعالى في حقِّ يوسف: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخَلِصِينِ (٣)﴾ [يوسف: ٢٤] فدلَّ على أنَّ الإخلاص سببٌ لدفع العشق وما يترتَّب عليه من السُّوء والفحشاء الَّتي هي ثمرته ونتيجته، فصرفُ المسبَّب صرفٌ لسببه. ولهذا قال بعض السَّلف: العشق حركة قلبٍ فارغٍ (٤)، يعني فارغًا ممَّا سوى معشوقه.

стр. 2640

قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص: ١٠] أي فارغًا من كلِّ شيءٍ إلا من موسى، لفرط محبَّتها له وتعلُّق قلبها به. والعشق مركَّبٌ من أمرين: استحسانٍ للمعشوق، وطمعٍ في الوصول إليه؛ فمتى انتفى أحدهما انتفى العشق. وقد أعيت علَّة العشق على كثيرٍ من العقلاء وتكلَّم فيها بعضهم بكلامٍ يُرغَب عن ذكره إلى الصَّواب، فنقول: قد استقرَّت حكمة الله في خلقه وأمره على وقوعِ التَّناسب والتَّآلف بين الأشباه، وانجذابِ الشَّيء إلى موافقه ومجانسه بالطَّبع، وهروبِه من مخالفه ونفرته عنه بالطَّبع. فسرُّ التَّمازج والاتِّصال في العالم العلويِّ والسُّفليِّ إنَّما هو التَّناسب والتَّشاكل والتَّوافق، وسرُّ التَّباين والانفصال إنَّما هو بعدم التَّشاكل والتَّناسب، وعلى ذلك قام الخلق والأمر. فالمثلُ إلى مثله مائل وإليه صائر. والضِّدُّ عن ضدِّه هارب، وعنه نافر. وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، فجعل سبحانه علَّة سكون الرَّجل إلى امرأته كونَها من جنسه وجوهره. فعلَّة السُّكون المذكور ــ وهو الحبُّ ــ كونُها منه، فدلَّ على أنَّ العلَّة ليست بحسن الصُّورة ولا الموافقة في القصد والإرادة ولا في الخُلق والهَدْي، وإن كانت

стр. 2641

هذه أيضًا من أسباب السُّكون والمحبَّة (١). وقد ثبت في الصَّحيح عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «الأرواح جنودٌ مجنَّدةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (٢). وفي «مسند الإمام أحمد» (٣) وغيره في سبب هذا الحديث: أنَّ امرأةً بمكَّة كانت تُضحك النَّاس، فجاءت إلى المدينة، فنزلت على امرأةٍ تُضحك النَّاس، فقال النَّبيُّ ﷺ : «الأرواح جنودٌ مجنَّدةٌ» الحديث. وقد استقرَّت شريعته سبحانه أنَّ حكم الشَّيء حكمُ مثله، فلا تفرِّق شريعته بين متماثلين أبدًا، ولا تجمع بين متضادَّين. ومن ظنَّ خلاف ذلك فإمَّا لقلَّة علمه بالشَّريعة، وإمَّا لتقصيره في معرفة التَّماثل والاختلاف، وإمَّا

стр. 2642

لنسبته إلى شريعته ما لم ينزِّل به سلطانًا، بل يكون من آراء الرِّجال. فبحكمته وعدله ظهر خلقه وشرعه، وبالعدل والميزان قام الخلق والشَّرع، وهو التَّسوية بين المتماثلين، والتَّفريق بين المختلفين (١). وهذا كما أنَّه ثابتٌ في الدُّنيا فهو كذلك يوم القيامة. قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣]. قال عمر بن الخطَّاب وبعده الإمام أحمد: أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أي: قُرِنَ كلُّ صاحب عملٍ بشكله ونظيره، فقرن (٣) بين المتحابَّين في الله في الجنَّة، وبين (٤) المتحابَّين في طاعة الشَّيطان في الجحيم. فالمرء مع من أحبَّ، شاء أم أبى. وفي «صحيح الحاكم» (٥) وغيره عن النَّبيِّ ﷺ : «لا يحبُّ المرءُ قومًا إلا حُشِر معهم».

стр. 2643

والمحبَّة أنواعٌ متعدِّدةٌ. فأفضلها وأجلُّها: المحبَّة في الله وللَّه، وهي تستلزم محبَّة ما أحبَّ اللَّه، وتستلزم محبَّة الله ورسوله. ومنها محبَّة الاتِّفاق في طريقةٍ أو مذهبٍ أو دينٍ أو نِحلةٍ (١) أو قرابةٍ أو صناعةٍ أو مرادٍ ما. ومنها: محبَّةٌ لنيل غرضٍ من المحبوب، إمَّا من جاهه، أو من ماله، أو من تعليمه وإرشاده، أو قضاء وطرٍ منه. وهذه هي المحبَّة العَرَضيَّة (٢) الَّتي تزول بزوال مُوجِبها، فإنه مَن ودَّك لأمرٍ ولَّى عند انقضائه (٣). وأمَّا محبَّة المشاكلة والمناسبة الَّتي بين المحبِّ والمحبوب، فمحبَّةٌ لازمةٌ لا تزول إلا لمعارضٍ (٤) يزيلها. ومحبَّة العشق من هذا النَّوع، فإنَّها استحسانٌ روحانيٌّ وامتزاجٌ نفسانيٌّ. ولا يعرض في شيءٍ من أنواع المحبَّة من الوسواس والنُّحول وشغل البال والتَّلف ما يعرض من العشق (٥). فإن قيل: فإذا كان سبب العشق ما ذكرتم من الاتِّصال والتَّناسب

стр. 2644

الرُّوحانيِّ، فما باله لا يكون دائمًا من الطَّرفين، بل تجده كثيرًا من طرف العاشق وحده؟ فلو كان سببه الاتِّصال النَّفسيَّ والامتزاج الرُّوحانيَّ لكانت المحبَّة مشتركةً بينهما (١). فالجواب: أنَّ السَّبب قد يتخلَّف عنه مسبَّبُه لفوات شرطٍ، أو لوجود مانعٍ. وتخلُّفُ المحبَّة من الجانب الآخر لا بدَّ أن يكون لأحد ثلاثة أسبابٍ: الأوَّل (٢): علَّةٌ في المحبَّة، وأنَّها محبَّةٌ عرضيَّةٌ غرضية (٣)، لا ذاتيَّةٌ. ولا يجب الاشتراك في المحبَّة العرضيَّة الغرضية، بل قد يلزمها نفرةٌ من المحبوب. الثَّاني: مانعٌ يقوم بالمحبِّ يمنع محبَّة محبوبه له، إمَّا في خَلْقه أو في خُلُقه أو هَدْيه أو فعله أو هيئته أو غير ذلك. الثَّالث: مانعٌ يقوم بالمحبوب يمنع مشاركته للمحبِّ في محبَّته. ولولا ذلك المانع لقام به من المحبَّة لمحبِّه مثلُ ما قام بالآخر. فإذا انتفت (٤) هذه الموانع، وكانت المحبَّة ذاتيَّةً، فلا تكون قطُّ إلا من الجانبين. ولولا مانعُ الكبر والحسد والرِّياسة والمعاداة في الكفَّار لكانت الرُّسل أحبَّ إليهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم. ولمَّا زال هذا المانع من

стр. 2645

قلوب أتباعهم كانت محبَّتهم لهم فوق محبَّة الأنفس والأهل والمال. فصل والمقصود: أنَّ العشق لمَّا كان مرضًا من الأمراض كان قابلًا للعلاج. وله أنواعٌ من العلاج: فإن كان ممَّا للعاشق سبيلٌ إلى وصل محبوبه شرعًا وقدرًا، فهو علاجه؛ كما ثبت في «الصَّحيحين» (١) من حديث ابن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشَّباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج. ومن لم يستطع فعليه بالصَّوم، فإنَّه له وجاءٌ». فدلَّ المحبَّ على علاجين: أصليٍّ وبدليٍّ. وأمره بالأصليِّ، وهو العلاج الذي وُضِعَ لهذا الدَّاء، فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره ما وجد إليه سبيلًا. وروى ابن ماجه في «سننه» (٢) عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لم يُرَ للمتحابَّين مثلُ النِّكاح». وهذا هو المعنى الذي أشار إليه سبحانه عقيبَ إحلال النِّساء حرائرهنَّ وإمائهنَّ عند الحاجة بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. فذكرُ تخفيفه ــ سبحانه ــ في هذا الموضع وإخبارُه عن ضعف الإنسان يدلُّ على ضعفه عن احتمال هذه الشَّهوة وأنَّه سبحانه خفَّف عنه أمرَها، بما أباحه له من أطايب النِّساء مثنى وثلاث ورباع، وأباح له ما شاء ممَّا ملكت يمينه. ثمَّ أباح له أن يتزوَّج بالإماء إن احتاج إلى ذلك علاجًا لهذه الشَّهوة، وتخفيفًا عن هذا الخلق الضَّعيف

стр. 2646

ورحمةً به (١). فصل وإن كان لا سبيل للعاشق إلى وصال معشوقه قدرًا أو شرعًا، أو هو ممتنعٌ عليه من الجهتين (٢) ــ وهو الدَّاء العضال ــ فمن علاجه: إشعارُ نفسه اليأسَ منه، فإنَّ النَّفس متى يئست من الشَّيء استراحت منه ولم تلتفت إليه. فإن لم يزل مرض العشق مع اليأس، فقد انحرف الطَّبع انحرافًا شديدًا، فينتقل إلى علاجٍ آخر. وهو علاج عقله بأن يعلم أنَّ (٣) تعلُّق القلب بما لا مطمع في حصوله نوعٌ من الجنون، وصاحبُه بمنزلة من يعشق الشَّمسَ، وروحُه متعلِّقةٌ بالصُّعود إليها والدَّوران معها في فلكها. وهذا معدودٌ عند جميع العقلاء في زمرة المجانين. وإن كان الوصال متعذِّرًا شرعًا لا قدرًا، فعلاجه بأن ينزِّله منزلة المتعذِّر قدرًا، إذ ما لم يأذن فيه اللَّه فعلاج العبد ونجاته موقوفٌ على اجتنابه. فليُشعِر نفسَه أنَّه معدومٌ ممتنعٌ لا سبيل له إليه، وأنَّه بمنزلة سائر المحالات. فإن لم تجبه النَّفس الأمَّارة فليتركه لأحد أمرين (٤): إمَّا خشيةً، وإمَّا فواتَ محبوبٍ (٥) هو أحبُّ إليه، وأنفع له، وخيرٌ له منه، وأدوم لذَّةً وسرورًا؛

стр. 2647

فإنَّ العاقل متى وازن بين نيل محبوبٍ سريع الزَّوال بفوات محبوبٍ أعظمَ منه وأدومَ وأنفعَ وألذَّ أو بالعكس ظهر له التَّفاوتُ. فلا يَبِعْ (١) لذَّة الأبد الَّتي لا خطَر لها (٢)، بلذَّة ساعةٍ تنقلب آلامًا، وحقيقتها أنَّها أحلام نائمٍ، أو خيالٌ لا ثبات له. فتذهب اللَّذَّة، وتبقى التَّبعة. وتزول الشَّهوة، وتبقى الشِّقوة (٣). الثَّاني: حصول مكروهٍ أشقَّ عليه من فوات هذا المحبوب. بل يجتمع له الأمران، أعني: فواتَ ما هو أحبُّ إليه من هذا المحبوب، وحصولَ ما هو أكره إليه (٤) من فوات هذا المحبوب. فإذا تيقَّن أنَّ في إعطاء النَّفس حظَّها من هذا المحبوب هذين الأمرين هان عليه تركُه، ورأى أنَّ صبره على فوته أسهل من صبره عليهما بكثيرٍ. فعقله ودينه ومروءته وإنسانيَّته يأمره باحتمال الضَّرر اليسير الذي ينقلب سريعًا لذَّةً وسرورًا وفرحًا، لدفع هذين الضَّررين العظيمين. وجهله وهواه وظلمه وطيشه وخفَّته يأمره بإيثار هذا المحبوب العاجل بما فيه، جالبًا عليه ما جلَب. والمعصومُ مَن عصَم اللَّهُ. فإن لم تقبل نفسه هذا الدَّواء، ولم تطاوعه لهذه المعالجة، فلينظر ما

стр. 2648

تجلب عليه هذه الشَّهوة من مفاسد عاجِلَته، وما تمنعه من مصالحها؛ فإنَّها أجلَبُ شيءٍ لمفاسد الدُّنيا، وأعظَمُ شيءٍ تعطيلًا لمصالحها؛ فإنَّها تحول بين العبد وبين رشده الذي هو ملاك أمره وقوام مصالحه. فإن لم تقبل نفسه هذا الدَّواء، فليتذكَّر قبائح المحبوب وما يدعوه إلى النُّفرة عنه؛ فإنَّه إن طلبها وتأمَّلها وجدها أضعاف محاسنه الَّتي تدعو إلى حبِّه. وليسأل جيرانه عمَّا خفي عليه منها. فإنَّ المحاسن كما هي داعية الحبِّ (١) والإرادة، فالمساوي داعية البغض والنُّفرة. فليوازن بين الدَّاعيين، وليحبَّ أسبقهما وأقربهما منه بابًا. ولا يكن ممَّن غرَّه ثوبُ (٢) جمالٍ على جسمٍ أبرص مجذومٍ. وليجاوز بصرُه حسنَ الصُّورة (٣) إلى قبح الفعل، وليعبُرْ من حسن المنظر والجسم إلى قبح المَخْبَر والقلب. فإن عجزت عنه هذه الأدوية كلُّها لم يبق له إلا صدقُ اللَّجأ إلى من يجيب المضطرَّ إذا دعاه. وليطرح (٤) نفسه بين يديه على بابه مستغيثًا به، متضرِّعًا متذلِّلًا مستكينًا. فمتى وُفِّق لذلك فقد قرَع باب التَّوفيق. وَلْيعفَّ، وَلْيكتُمْ، ولا يشبِّبْ بذكر المحبوب، ولا يفضَحْه بين النَّاس ويعرِّضْه للأذى، فإنَّه يكون ظالمًا معتديًا (٥).

стр. 2649

ولا يغترَّ بالحديث الموضوع على رسول الله ﷺ ، الذي رواه سويد بن سعيدٍ، عن عليِّ بن مسهرٍ، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ ﷺ . ورواه عن أبي مسهرٍ أيضًا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ . ورواه الزُّبير بن بكَّارٍ عن عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، عن عبد العزيز بن أبي حازمٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد، عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «من عشِقَ، فعفَّ، فمات، فهو شهيدٌ» (١). وفي روايةٍ: «من عشق، وكتَم، وعفَّ، وصَبر= غفر الله له، وأدخله الجنَّة» (٢). فإنَّ هذا الحديث لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ . ولا يجوز أن يكون من كلامه، فإنَّ الشَّهادة درجةٌ عاليةٌ عند اللَّه، مقرونةٌ بدرجة الصِّدِّيقيَّة، ولها أعمالٌ وأحوالٌ هي شرطٌ في حصولها. وهي نوعان: خاصَّةٌ، وعامَّةٌ. فالخاصَّة: الشَّهادة في سبيل اللَّه. والعامَّة خمسٌ مذكورةٌ في

стр. 2650

الصَّحيح (١)، ليس العشق واحدًا منها. وكيف يكون العشق الذي هو شركٌ في المحبَّة، وفراغٌ (٢) عن اللَّه، وتمليكُ القلب والرُّوح والحبِّ لغيره= تُنال به درجةُ الشَّهادة؟ هذا من المحال، فإنَّ إفساد عشق الصُّور للقلب فوق كلِّ إفسادٍ، بل هو خمرُ الرُّوح الذي يُسكرها، ويصدُّها عن ذكرِ الله وحبِّه، والتَّلذُّذِ بمناجاته، والأنسِ به؛ ويوجب عبوديَّة القلب لغيره، فإنَّ قلب العاشق متعبد لمعشوقه. بل العشق لبُّ العبوديَّة، فإنَّها كمال الذُّلِّ والحبِّ والخضوع والتَّعظيم. فكيف يكون تعبُّدُ القلب لغير الله ممَّا تنال به درجةُ أفاضل الموحِّدين وسادتهم وخواصِّ الأولياء؟ فلو كان إسناد هذا الحديث كالشَّمس كان غلطًا ووهمًا (٣). ولا يُحفَظ عن رسول الله ﷺ لفظُ العشق في حديثٍ صحيحٍ البتَّة. ثمَّ إنَّ العشق منه حلال، ومنه حرام. فكيف يظنُّ برسول الله ﷺ (٤) أنَّه يحكم على كلِّ عاشقٍ يكتُم ويعِفُّ بأنَّه شهيدٌ. أفَترى من يعشق امرأة غيره أو يعشق المردان والبغايا، ينال بعشقه درجة الشُّهداء؟ وهل هذا إلا خلاف المعلوم من دينه ﷺ ؟ كيف والعشق مرضٌ من الأمراض الَّتي جعل الله سبحانه لها الأدوية شرعًا وقدرًا؟ والتَّداوي منه إمَّا واجبٌ إن كان عشقًا حرامًا، وإمَّا مستحبٌّ.

стр. 2651

وأنت إذا تأمَّلت الأمراض والآفات الَّتي حكم رسول الله ﷺ لأصحابها بالشَّهادة وجدتها من الأمراض الَّتي لا علاج لها، كالمطعون والمبطون والمجنوب (١) والحريق (٢) والغريق وموت المرأة يقتلها ولدُها في بطنها (٣). فإنَّ هذه بلايا من الله، لا صنع للعبد فيها، ولا علاج لها، وليست أسبابها محرَّمةً، ولا يترتَّب عليها من فساد القلب وتعبُّده لغير الله ما يترتَّب على العشق. فإن لم يكف هذا في إبطال نسبة هذا الحديث إلى رسول الله ﷺ ، فقلِّد أئمَّةَ الحديث العالمين به وبعلله، فإنَّه لا يُحفَظ عن إمامٍ واحدٍ منهم قطُّ أنَّه شهد له بصحَّةٍ، بل ولا بحسنٍ. كيف وقد أنكروا على سويد هذا الحديث، ورمَوه لأجله بالعظائم، واستحلَّ بعضُهم غزوَه لأجله! قال أبو أحمد بن عديٍّ في «كامله» (٤): هذا الحديث أحد ما أُنكِر على سويد. وكذلك قال البيهقي (٥): إنَّه ممَّا أنكر عليه. وكذلك قال ابن طاهرٍ في

стр. 2652

«الذَّخيرة» (١). وذكره الحاكم في «تاريخ نيسابور» (٢) وقال: إنما (٣) أتعجَّب من هذا الحديث فإنَّه لم يحدِّث به غيرُ سويد، وهو ثقةٌ. وذكره أبو الفرج بن الجوزيُّ في كتاب «الموضوعات» (٤)، وكان أبو بكر الأزرق يرفعه أوَّلًا عن سويد، فعوتب فيه، فأسقط ذكرَ (٥) النَّبيِّ ﷺ ، وكان لا يجاوز به ابنَ عبَّاسٍ. ومن المصائب الَّتي لا تُحتَمل: جعلُ هذا الحديث من حديث هشام بن

стр. 2653

عروة عن أبيه عن عائشة عن النَّبيِّ ﷺ (١). ومن له أدنى إلمامٍ بالحديث وعلله لا يحتمل هذا البتَّة. ولا يحتمل أن يكون من حديث الماجشون، عن ابن أبي حازم، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا. وفي صحَّته موقوفًا على ابن عبَّاسٍ نظرٌ. وقد رمى النَّاس سويد بن سعيدٍ راوي هذا الحديث بالعظائم. وأنكره عليه يحيى بن معينٍ، وقال: هو ساقط كذَّاب. لو كان لي فرسٌ ورمحٌ كنت أغزوه. وقال الإمام أحمد: متروك الحديث. وقال النَّسائيُّ: ليس بثقةٍ. وقال البخاريُّ: كان قد عمي، فتلقَّنَ (٢) ما ليس من حديثه. وقال ابن حبَّان: يأتي بالمعضلات عن الثِّقات. يجب مجانبةُ ما روى (٣). انتهى. وأحسن ما قيل فيه: قول أبي حاتمٍ الرَّازيِّ: إنَّه صدوقٌ كثير التَّدليس. ثمَّ قول الدَّارقطنيِّ: هو ثقةٌ، غير أنَّه لمَّا كبر كان ربَّما قرئ عليه حديثٌ فيه بعضُ النَّكارة، فيجيزه (٤). انتهى. وعِيبَ (٥) على مسلمٍ إخراجُ حديثه، وهذه حاله. ولكن مسلمٌ روى من

стр. 2654

حديثه ما تابعه عليه غيرُه ولم ينفرد به، ولم يكن منكرًا ولا شاذًّا، بخلاف هذا الحديث. والله أعلم. فصل في هديه ﷺ في حفظ الصِّحَّة بالطِّيب لمَّا كانت الرَّائحة الطَّيِّبة غذاء الرُّوح، والرُّوح مطيَّة القوى، والقوى تزداد بالطِّيب، وهو ينفع الدِّماغ والقلب وسائر الأعضاء الباطنة (١)، ويفرِّح القلب، ويسرُّ النَّفس، وينشِّط (٢) الرُّوح، وهو أصدق شيءٍ للرُّوح وأشدُّه ملاءمةً لها، وبينه وبين الرُّوح الطَّيِّبة نسبٌ قريبٌ (٣) = كان أحد المحبوبين من الدُّنيا إلى أطيب الطَّيِّبين صلوات الله وسلامه عليه. وفي «صحيح البخاريِّ» (٤) أنَّه ﷺ كان لا يردُّ الطِّيب. وفي «صحيح مسلم» (٥) عنه ﷺ : «من عُرِضَ عليه ريحانٌ فلا يردُّه، فإنَّه طيِّب الرِّيح خفيف المَحْمِل». وفي «سنن أبي داود والنَّسائيِّ» (٦) عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ : «من

стр. 2655

عُرِضَ عليه طيبٌ فلا يردُّه، فإنَّه خفيف المحمل طيِّب الرَّائحة». وفي «مسند البزار» (١) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ الله طيِّبٌ يحبُّ الطِّيب، نظيفٌ يحبُّ النَّظافة، كريمٌ يحبُّ الكرم، جوادٌ يحبُّ الجود. فنظِّفوا أفناءكم وساحاتكم، ولا تشبَّهوا باليهود يجمعون الأكباء (٢) في دورهم». الأكباء (٣): الزُّبالة. وذكر ابن أبي شيبة (٤) أنَّه ﷺ كان له سُكَّةٌ يتطيَّب منها. وصحَّ عنه أنَّه قال: «إنَّ لله حقًّا على كلِّ مسلمٍ: أن يغتسل في كلِّ سبعة

стр. 2656

أيَّامٍ. وإن كان له طيبٌ أن يمسَّ منه» (١). وفي الطِّيب من الخاصِّيَّة أنَّ الملائكة تحبُّه، والشَّياطين تنفر عنه. وأحبُّ شيءٍ إلى الشيطان الرَّائحة المنتنة والكريهة (٢). فالأرواح الطَّيِّبة تحبُّ الرَّائحة الطَّيِّبة، والأرواح الخبيثة تحبُّ الرَّائحة الخبيثة. وكلُّ روحٍ تميل إلى ما يناسبها. فالخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات. والطَّيِّبات للطَّيِّبين، والطَّيِّبون للطَّيِّبات. وهذا وإن كان في النِّساء والرِّجال، فإنَّه يتناول الأعمال والأقوال والمطاعم والمشارب، والملابس والأراييح (٣)، إمَّا بعموم لفظه أو بعموم معناه. والله أعلم. فصل في هديه ﷺ في حفظ صحَّة العين روى أبو داود في «سننه» (٤) عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن

стр. 2657

هَوْذة الأنصاري، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ رسول الله ﷺ أمر بالإثمد المروَّح عند النَّوم، وقال: «ليتَّقه الصَّائم». قال أبو عبيد (١): المروَّح: المطيَّب بالمسك. وفي «سنن ابن ماجه» (٢) وغيره عن ابن عبَّاسٍ قال: كانت للنَّبيِّ ﷺ مُكْحُلةٌ يكتحل منها ثلاثًا في كلِّ عينٍ. وفي «الترمذي» (٣): عن ابن عبَّاسٍ قال: كان رسول الله ﷺ إذا اكتحل

стр. 2658

يكتحل (١) في اليمنى ثلاثًا يبتدئ بها ويختم بها، وفي اليسرى ثنتين. وقد روى أبو داود (٢) عنه ﷺ : «من اكتحل فليوتر». فهل الوتر بالنِّسبة

стр. 2659

إلى العينين كلتيهما، فيكون في هذه ثلاثٌ، وفي هذه اثنتان، واليمنى (١) أولى بالابتداء والتَّفضيل؛ أو هو بالنِّسبة إلى كلِّ عينٍ، فيكون في هذه ثلاثٌ، وفي هذه ثلاثٌ؟ وهما قولان في مذهب أحمد وغيره (٢). وفي الكحل حفظٌ لصحَّة العين، وتقويةٌ للنُّور الباصر، وجلاءٌ لها، وتلطيفٌ للمادَّة الرَّديَّة واستخراجٌ لها، مع الزِّينة في بعض أنواعه. وله عند النَّوم مزيد فضلٍ لاشتمالها على الكحل، وسكونها عقيبه عن الحركة المضرَّة بها، وخدمة الطَّبيعة لها. وللإثمد من ذلك خاصِّيَّةٌ. وفي «سنن ابن ماجه» (٣) عن سالم عن أبيه يرفعه: «عليكم بالإثمد، فإنَّه يجلو البصر، ويُنبِت الشَّعر». وفي كتاب أبي نعيم (٤): «فإنَّه مَنْبتةٌ للشَّعر، مَذْهَبةٌ للقذى، مَصْفاةٌ للبصر».

стр. 2660

وفي «سنن ابن ماجه» (١) أيضًا: عن ابن عبَّاسٍ يرفعه: «خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشَّعر».

стр. 2661

فصل في ذكر شيءٍ من الأدوية والأغذية المفردة الَّتي جاءت على لسانه ﷺ مرتَّبةً على حروف المعجم (١) حرف الهمزة إثمِد (٢): هو حجر الكحل الأسود يؤتى به من أصفهان، وهو أفضله. ويؤتى به من جهة الغرب أيضًا. وأجوده: السَّريع التَّفتُّت، الذي لِفُتاته بصيصٌ، وداخله أملس، ليس فيه شيءٌ من الأوساخ. ومزاجه باردٌ يابسٌ. ينفع العين، ويقوِّيها، ويشدُّ أعصابها، ويحفظ صحَّتها. ويُذْهِب اللَّحم الزَّائد في القروح، ويدمُلها، وينقِّي أوساخها ويجلوها. ويُذهِب الصُّداع إذا اكتُحِل به مع العسل المائيِّ الرَّقيق (٣). وإذا دُقَّ وخُلِط ببعض الشُّحوم الطَّريَّة ولُطِّخ على حرق النَّار لم تعرض فيه خُشْكْرِيشةٌ (٤)، ونفَع من التَّنفُّط الحادث بسببه. وهو أجود أكحال العين، لا سيَّما للمشايخ والَّذين قد ضعفت أبصارهم إذا جُعِل معه شيءٌ من المسك.

стр. 2662

أُتْرُجٌّ (١): ثبت في الصَّحيح (٢) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجَّة، طعمها طيِّبٌ، وريحها طيِّبٌ». في (٣) الأترجِّ منافع كثيرة. وهو مركَّب من أربعة أشياء: قشر، ولحم، وحَمْض (٤)، وبِزر؛ ولكلِّ واحدٍ منها مزاجٌ يخصُّه. فقشره حارٌّ يابسٌ، ولحمه بارد (٥) رطبٌ، وحَمْضه باردٌ يابسٌ، وبِزره حارٌّ يابسٌ. ومن منافع قشره: أنَّه إذا جُعِل في الثِّياب منع السُّوسَ. ورائحته تُصلح فساد الهواء والوباء. ويطيِّب النَّكهة إذا أمسكها (٦) في فمه. ويحلِّل الرِّياح. وإذا جُعل في الطَّعام كالأبازير أعان على الهضم. قال صاحب «القانون» (٧): وعصارة قشره تنفع من نهش الأفاعي شُربًا،

стр. 2663

وقشرُه ضمادًا. وحُراقةُ قشره طلاءٌ جيِّدٌ للبرص. انتهى. وأمَّا لحمه، فمُطْفٍ (١) لحرارة المعدة، نافعٌ لأصحاب المرَّة الصَّفراء، قامعٌ للبخارات الحادَّة (٢). وقال الغافقي: أكلُ لحمه ينفع البواسير (٣). انتهى. وأمَّا حُمَّاضُه (٤)، فقابضٌ كاسرٌ للصَّفراء، ومسكِّنٌ للخفقان الحارِّ، نافعٌ من اليَرْقان شربًا واكتحالًا، قاطعٌ للقيء الصَّفراويِّ، مشهٍّ للطَّعام، عاقلٌ للطَّبيعة، نافعٌ من الإسهال الصَّفراويِّ. وعصارةُ حُمَّاضه تسكِّن (٥) غُلمةَ النِّساء (٦)، وتنفع طلاءً من الكلَف (٧)، وتذهب بالقُوباء (٨). ويُستدلُّ على

стр. 2664

ذلك من فعلِه في الحِبْر إذا وقع على الثِّياب وقلعه له. وله قوَّةٌ تلطِّف وتقطع وتبرِّد، وتطفئ حرارة الكبد، وتقوِّي المعدة، وتمنع حدَّة المرَّة الصَّفراء، وتزيل الغمَّ العارض منها، وتسكِّن العطش. وأمَّا بِزْره، فله قوَّةٌ محلِّلةٌ مجفِّفةٌ. وقال ابن ماسويه: خاصَّة حبِّه: النَّفعُ من السُّموم القاتلة إذا شُرب منه وزن مثقالين (١) بماءٍ فاترٍ أو طلاءٍ مطبوخٍ. وإن دُقَّ ووُضِع على موضع اللَّسعة نفَع. وهو مليِّنٌ للطَّبيعة، مطيِّبٌ للنَّكهة. وأكثر هذا الفعل منه موجودٌ في قشره (٢). وقال غيره (٣): خاصَّة حبِّه: النَّفع من لسع (٤) العقارب إذا شُرِب منه وزن مثقالين مقشَّرًا بماءٍ فاترٍ. وكذلك إن (٥) دُقَّ ووُضِع على موضع اللَّدغة. وقال غيره (٦): حبُّه يصلح للسُّموم كلِّها. وهو نافعٌ من لدغ الهوامِّ (٧). وذُكِرَ أنَّ بعض الأكاسرة غضِب على قومٍ من الأطبَّاء (٨)، فأمر بحبسهم وخيَّرهم أُدْمًا لا مزيد (٩) لهم عليه، فاختاروا الأترجَّ. فقيل لهم: لم اخترتموه

стр. 2665

على غيره؟ فقالوا: لأنَّه في العاجل ريحانٌ، ومنظرُه مفرِّحٌ، وقشرُه طيِّب الرَّائحة، ولحمُه فاكهةٌ، وحمضه (١) أدمٌ، وحبُّه ترياقٌ، وفيه دهنٌ (٢). وحقيقٌ بشيءٍ هذه منافعه أن يشبَّه به خلاصةُ الوجود، وهو المؤمن الذي يقرأ القرآن. وكان بعض السَّلف يحبُّ النَّظر إليه (٣)، لما في منظره من التَّفريح (٤). أرُزٌّ (٥): فيه حديثان باطلان موضوعان على رسول الله ﷺ : أحدهما: أنَّه لو كان رجلًا لكان حليمًا (٦).
следующие страницы →