← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

فصل في ذكر شيءٍ من الأدوية والأغذية المفردة الَّتي جاءت على لسانه ﷺ مرتَّبةً على حروف المعجم (١) حرف الهمزة إثمِد (٢): هو حجر الكحل الأسود يؤتى به من أصفهان، وهو أفضله. ويؤتى به من جهة الغرب أيضًا. وأجوده: السَّريع التَّفتُّت، الذي لِفُتاته بصيصٌ، وداخله أملس، ليس فيه شيءٌ من الأوساخ. ومزاجه باردٌ يابسٌ. ينفع العين، ويقوِّيها، ويشدُّ أعصابها، ويحفظ صحَّتها. ويُذْهِب اللَّحم الزَّائد في القروح، ويدمُلها، وينقِّي أوساخها ويجلوها. ويُذهِب الصُّداع إذا اكتُحِل به مع العسل المائيِّ الرَّقيق (٣). وإذا دُقَّ وخُلِط ببعض الشُّحوم الطَّريَّة ولُطِّخ على حرق النَّار لم تعرض فيه خُشْكْرِيشةٌ (٤)، ونفَع من التَّنفُّط الحادث بسببه. وهو أجود أكحال العين، لا سيَّما للمشايخ والَّذين قد ضعفت أبصارهم إذا جُعِل معه شيءٌ من المسك.

стр. 2662

أُتْرُجٌّ (١): ثبت في الصَّحيح (٢) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجَّة، طعمها طيِّبٌ، وريحها طيِّبٌ». في (٣) الأترجِّ منافع كثيرة. وهو مركَّب من أربعة أشياء: قشر، ولحم، وحَمْض (٤)، وبِزر؛ ولكلِّ واحدٍ منها مزاجٌ يخصُّه. فقشره حارٌّ يابسٌ، ولحمه بارد (٥) رطبٌ، وحَمْضه باردٌ يابسٌ، وبِزره حارٌّ يابسٌ. ومن منافع قشره: أنَّه إذا جُعِل في الثِّياب منع السُّوسَ. ورائحته تُصلح فساد الهواء والوباء. ويطيِّب النَّكهة إذا أمسكها (٦) في فمه. ويحلِّل الرِّياح. وإذا جُعل في الطَّعام كالأبازير أعان على الهضم. قال صاحب «القانون» (٧): وعصارة قشره تنفع من نهش الأفاعي شُربًا،

стр. 2663

وقشرُه ضمادًا. وحُراقةُ قشره طلاءٌ جيِّدٌ للبرص. انتهى. وأمَّا لحمه، فمُطْفٍ (١) لحرارة المعدة، نافعٌ لأصحاب المرَّة الصَّفراء، قامعٌ للبخارات الحادَّة (٢). وقال الغافقي: أكلُ لحمه ينفع البواسير (٣). انتهى. وأمَّا حُمَّاضُه (٤)، فقابضٌ كاسرٌ للصَّفراء، ومسكِّنٌ للخفقان الحارِّ، نافعٌ من اليَرْقان شربًا واكتحالًا، قاطعٌ للقيء الصَّفراويِّ، مشهٍّ للطَّعام، عاقلٌ للطَّبيعة، نافعٌ من الإسهال الصَّفراويِّ. وعصارةُ حُمَّاضه تسكِّن (٥) غُلمةَ النِّساء (٦)، وتنفع طلاءً من الكلَف (٧)، وتذهب بالقُوباء (٨). ويُستدلُّ على

стр. 2664

ذلك من فعلِه في الحِبْر إذا وقع على الثِّياب وقلعه له. وله قوَّةٌ تلطِّف وتقطع وتبرِّد، وتطفئ حرارة الكبد، وتقوِّي المعدة، وتمنع حدَّة المرَّة الصَّفراء، وتزيل الغمَّ العارض منها، وتسكِّن العطش. وأمَّا بِزْره، فله قوَّةٌ محلِّلةٌ مجفِّفةٌ. وقال ابن ماسويه: خاصَّة حبِّه: النَّفعُ من السُّموم القاتلة إذا شُرب منه وزن مثقالين (١) بماءٍ فاترٍ أو طلاءٍ مطبوخٍ. وإن دُقَّ ووُضِع على موضع اللَّسعة نفَع. وهو مليِّنٌ للطَّبيعة، مطيِّبٌ للنَّكهة. وأكثر هذا الفعل منه موجودٌ في قشره (٢). وقال غيره (٣): خاصَّة حبِّه: النَّفع من لسع (٤) العقارب إذا شُرِب منه وزن مثقالين مقشَّرًا بماءٍ فاترٍ. وكذلك إن (٥) دُقَّ ووُضِع على موضع اللَّدغة. وقال غيره (٦): حبُّه يصلح للسُّموم كلِّها. وهو نافعٌ من لدغ الهوامِّ (٧). وذُكِرَ أنَّ بعض الأكاسرة غضِب على قومٍ من الأطبَّاء (٨)، فأمر بحبسهم وخيَّرهم أُدْمًا لا مزيد (٩) لهم عليه، فاختاروا الأترجَّ. فقيل لهم: لم اخترتموه

стр. 2665

على غيره؟ فقالوا: لأنَّه في العاجل ريحانٌ، ومنظرُه مفرِّحٌ، وقشرُه طيِّب الرَّائحة، ولحمُه فاكهةٌ، وحمضه (١) أدمٌ، وحبُّه ترياقٌ، وفيه دهنٌ (٢). وحقيقٌ بشيءٍ هذه منافعه أن يشبَّه به خلاصةُ الوجود، وهو المؤمن الذي يقرأ القرآن. وكان بعض السَّلف يحبُّ النَّظر إليه (٣)، لما في منظره من التَّفريح (٤). أرُزٌّ (٥): فيه حديثان باطلان موضوعان على رسول الله ﷺ : أحدهما: أنَّه لو كان رجلًا لكان حليمًا (٦).

стр. 2666

الثَّاني: «كلُّ شيءٍ أخرجته الأرض ففيه داءٌ وشفاءٌ، إلا ال أرزَّ فإنَّه شفاءٌ لا داء فيه» (١). ذكرناهما تنبيهًا وتحذيرًا من نسبتهما إليه ﷺ . وبعد، فهو حارٌّ يابسٌ. وهو أغذى الحبوب بعد الحنطة، وأحمدها خِلْطًا. يشدُّ البطن شدًّا يسيرًا، ويقوِّي المعدة ويدبُغها ويمكث فيها. وأطبَّاء الهند تزعم أنَّه أحمد (٢) الأغذية وأنفعها إذا طُبخ بألبان البقر. وله تأثيرٌ في خصب البدن، وزيادة المنيِّ، وكثرة التَّغذية، وتصفية اللَّون. أَرْزٌ (٣): بفتح الهمزة وسكون الرَّاء: وهو الصَّنوبر. ذكره ﷺ في قوله: «مَثلُ المؤمن مَثلُ الخامة من الزَّرع، تفيِّئها الرِّياح، تُقيمها مرَّةً وتُنيمها (٤) أخرى. ومثلُ المنافق مثلُ الأَرْزة، لا تزال قائمةً على أصلها حتَّى يكون انجعافُها مرَّةً واحدةً» (٥). وحبُّه حارٌّ رطبٌ. وفيه إنضاجٌ، وتليينٌ، وتحليلٌ، ولذعٌ يذهب بنقعه في الماء. وهو عسر الهضم. وفيه تغذيةٌ كثيرةٌ. وهو جيِّدٌ للسُّعال، ولتنقية رطوبات الرِّئة. ويزيد في المنيِّ، ويولِّد مغصًا. وترياقه حبُّ الرُّمَّان المُزِّ.

стр. 2667

إذْخِر (١): ثبت في الصَّحيح عنه ﷺ أنَّه لما قال في مكَّة: «لا يُختلى خَلاها» قال له العباس: إلا الإذخر، يا رسول اللَّه، فإنَّه لِقَينهم ولبيوتهم. فقال: «إلا الإذخر» (٢). والإذخر حارٌّ في الثَّانية يابسٌ في الأولى، لطيفٌ، مفتِّحٌ للسُّدَد وأفواه العروق، يُدِرُّ البول والطَّمثَ، ويفتِّت الحصى، ويحلِّل الأورام الصُّلبة في المعدة والكبد والكُليتين شُربًا وضِمادًا. وأصله يقوِّي عُمور (٣) الأسنان والمعدة، ويسكِّن الغثَيان، ويعقل البطن. حرف الباء بطِّيخ (٤): روى أبو داود والتِّرمذيُّ (٥) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يأكل

стр. 2668

البطِّيخ بالرُّطَب. يقول: «ندفع حرَّ هذا ببرد هذا (١)». وفي البطِّيخ عدَّة أحاديث، لا يصحُّ منها شيءٌ غير هذا الحديث الواحد. والمراد به الأخضر (٢). وهو باردٌ رطبٌ. فيه جلاءٌ. وهو أسرع انحدارًا عن المعدة من القثَّاء والخيار. وهو سريع الاستحالة إلى أيِّ خِلْطٍ كان (٣) صادفه في المعدة. وإذا كان آكلُه محرورًا انتفع به جدًّا. وإن كان مبرودًا دفع ضرره بيسيرٍ من الزَّنجبيل ونحوه. وينبغي أكلُه قبل الطَّعام ويُتبَع به، وإلَّا غثَّى وقيَّأ. وقال بعض الأطبَّاء: إنَّه قبل الطَّعام يغسل البطن غَسلًا، ويذهب بالدَّاء أصلًا (٤). بَلَح (٥): روى النَّسائيُّ وابن ماجه في «سننهما» (٦) من حديث هشام بن

стр. 2669

عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «كلوا البَلَح بالتَّمر، فإنَّ الشَّيطان إذا نظر إلى ابن آدم يأكل البلَح بالتَّمر يقول: بقي ابن آدم حتَّى أكَلَ الحديثَ بالعتيق (١)». وفي روايةٍ: «كلوا البلَحَ بالتَّمر، فإنَّ الشَّيطان يحزن إذا رأى ابن آدم يأكله يقول: عاش ابن آدم حتَّى أكل الجديد بالخَلَق». رواه البزار في «مسنده» (٢) وهذا لفظه (٣). قلت: الباء في الحديث بمعنى «مع»، أي: كلوا هذا مع هذا.

стр. 2670

قال بعض أطبَّاء الإسلام (١): إنَّما أمر النَّبيُّ ﷺ بأكل البلح بالتَّمر، ولم يأمر بأكل ال بُسْر مع التَّمر، لأنَّ البلح باردٌ يابسٌ، والتَّمر حارٌّ رطبٌ، ففي كلٍّ منهما إصلاحٌ للآخر. وليس كذلك البُسْر مع التَّمر، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما حارٌّ، وإن كانت حرارة التَّمر أكثر. ولا ينبغي من جهة الطِّبِّ الجمعُ بين حارَّين أو باردين، كما تقدَّم. وفي هذا الحديث: التَّنبيه على صحَّة أصل صناعة الطِّبِّ، ومراعاة التَّدبير الذي يصلُح في دفع كيفيَّات الأغذية والأدوية بعضِها ببعضٍ، ومراعاة القانون الطِّبِّيِّ الذي تحفظ به الصِّحَّة. وفي البلح برودةٌ ويبوسةٌ. وهو يدبُغ (٢) الفم واللِّثة والمعدة، وهو رديٌّ للصَّدر والرِّئة بالخشونة الَّتي فيه، بطيءٌ في المعدة، يسير التَّغذية. وهو للنَّخلة كالحِصْرِم لشجر العنب. وهما جميعًا يولِّدان رياحًا وقَراقرَ ونفخًا، ولا سيَّما إذا شُرِب عليها (٣) الماء. ودفعُ مضرَّتهما (٤) بالتَّمر أو بالعسل والزُّبد. بُسْر (٥): ثبت في الصَّحيح أنَّ أبا الهيثم بن التَّيِّهان لمَّا ضافه النَّبيُّ ﷺ وأبو بكر وعمر جاءهم بعِذْقٍ ــ وهو من النَّخلة كالعنقود من العنب ــ فقال له:

стр. 2671

«هلَّا انتقيتَ لنا من رُطَبه!». فقال: أحببتُ أن تنتقُوا من بُسْره ورُطَبه (١). البُسْر حارٌّ يابسٌ، ويبسُه أكثر من حرِّه. ينشِّف الرُّطوبة، ويدبُغ المعدة، ويحبس البطن، وينفع اللِّثة والفم. وأنفعُه ما كان هشًّا حلوًا. وكثرة أكله وأكل البلَح يُحدث السُّدَد في الأحشاء (٢). بَيض (٣): ذكر البيهقي في «شعب الإيمان» (٤) أثرًا مرفوعًا أنَّ نبيًّا من الأنبياء شكا إلى الله سبحانه الضَّعفَ، فأمَره بأكل البيض. وفي ثبوته نظرٌ.

стр. 2672

ويختار من البيض الحديثُ على العتيق، وبيضُ الدَّجاج على سائر بيض الطَّير (١). وهو معتدلٌ يميل إلى البرودة قليلًا (٢). قال صاحب «القانون» (٣): ومحُّه حارٌّ رطبٌ، يولِّد دمًا صحيحًا محمودًا، ويغذو (٤) غذاءً يسيرًا، ويسرع الانحدار من المعدة إذا كان رخوًا. وقال غيره (٥): محُّ البيض مسكِّنٌ للألم، مملِّسٌ للحلق وقصبة الرِّئة، نافعٌ للحلق والسُّعال وقروح الرِّئة والكلى والمثانة. مذهبٌ بالخشونة (٦) لا سيَّما إذا أُخِذ بدهن اللَّوز الحلو (٧). ومنضجٌ لما في الصَّدر مليِّنٌ له، مسهِّلٌ لخشونة الحلق. وبياضه إذا قُطِر في العين الوارمة ورمًا حارًّا برَّده وسكَّن الوجع. وإذا

стр. 2673

لُطِخ به حرقُ النَّار أولَ (١) ما يعرض له لم يدعه يتنفَّط. وإذا لُطِخ به الوجهُ (٢) منَع من الاحتراق العارض من الشَّمس. وإذا خُلِط بالكُنْدُر ولُطِخ على الجبهة نفَع من النَّزلة (٣). وذكره صاحب «القانون» في الأدوية القلبيَّة (٤)، ثمَّ قال: وهو وإن لم يكن من الأدوية المطلقة، فإنَّه ممَّا له مدخلٌ في تقوية القلب جدًّا، أعني الصُّفرة. وهي تجمع ثلاثة معانٍ: سرعة الاستحالة إلى الدَّم، وقلَّة الفضل (٥)، وكون الدَّم المتولِّد منه مجانسًا للدَّم الذي يغذو القلب، خفيفًا مندفعًا إليه بسرعةٍ. ولذلك هو أوفق ما يتلافى به عاديةُ الأمراض المحلِّلة لجوهر الرُّوح (٦).

стр. 2674

بصَل (١): روى أبو داود في «سننه» (٢) عن عائشة أنَّها سئلت عن البصل فقالت: إنَّ آخر طعامٍ أكله رسول الله ﷺ كان فيه بصلٌ. وثبت عنه في «الصَّحيحين» (٣) أنَّه منع آكله من دخول المسجد. والبصل حارٌّ في الثَّالثة، وفيه رطوبةٌ فضليَّةٌ. ينفع من تغيُّر المياه، ويدفع ريح السُّموم، ويفتِّق الشَّهوة، ويقوِّي المعدة، ويهيِّج الباه، ويزيد في المنيِّ، ويحسِّن اللَّون، ويقطع البلغم، ويجلو المعدة. وبِزرُه يُذهِب البهَق (٤). ويُدلك به حول داء الثَّعلب (٥)، فينفع جدًّا. وهو بالملح يقلع الثَّآليل (٦). وإذا شمَّه من شرب دواءً مسهِلًا منعه من القيء والغثيان، وأذهب رائحة ذلك الدَّواء. وإذا اسْتُعِط بمائه نقَّى الرَّأس. ويُقطَر في الأذن لثقل السَّمع والطَّنين والقيح والماء الحادث في الأذنين. وينفع من الماء النَّازل في العين (٧)

стр. 2675

اكتحالًا. ويكتحل ببزره مع العسل لبياض العين. والمطبوخ منه كثير الغذاء. ينفع من اليرقان والسُّعال وخشونة الصَّدر، ويُدِرُّ البول، ويليِّن الطَّبع، وينفع من عضَّة الكلْب غير الكَلِب إذا نُطِلَ (١) عليها ماؤه بملحٍ وسَذَابٍ (٢). وإذا احتُمِل فتحَ أفواه البواسير. فصل (٣) وأمَّا ضرره، فإنَّه يثوِّر (٤) الشَّقيقة، ويصدِّع الرَّأس، ويولِّد رياحًا، ويظلم البصر. وكثرة أكله يورث (٥) النِّسيان، ويفسد العقل. ويغيِّر رائحة الفم والنَّكهة، ويؤذي الجليس والملائكة. وإماتته طبخًا يذهب (٦) بهذه المضرَّات منه. وفي السُّنن (٧) أنَّه ﷺ أمر آكلَه

стр. 2676

وآكلَ الثُّوم أن يميتهما طبخًا. ويُذهِبُ رائحتَه مضغُ ورق السَّذاب عليه (١). باذنجان (٢): في الحديث الموضوع المختلق على رسول الله ﷺ : «الباذنجان لما أُكِلَ له» (٣). وهذا الكلام ممَّا يستقبح نسبته إلى آحاد العقلاء، فضلًا عن الأنبياء. وبعد، فهو نوعان: أبيض وأسود. وفيه خلافٌ هل هو باردٌ أو حارٌّ؟ والصَّحيح: أنَّه حارٌّ. وهو مولِّدٌ للسَّوداء والبواسير والسُّدَد والسَّرطان والجذام. ويُفسد اللَّون ويسوِّده، ويضرُّ بنتن الفم (٤). والأبيض المستطيل عارٍ من ذلك (٥). حرف التَّاء تمر (٦): ثبت في «الصَّحيحين» (٧) عنه ﷺ : «من تصبَّح بسبع تمراتٍ

стр. 2677

ــ وفي لفظٍ: من تمر العالية ــ لم يضرَّه ذلك اليوم سمٌّ ولا سحرٌ». وثبت عنه أنَّه قال: «بيتٌ لا تمر فيه جياعٌ أهله» (١). وثبت عنه أكلُ التَّمر بالزُّبد (٢)، وأكلُ التَّمر بالخبز (٣)، وأكلُه مفردًا. وهو حارٌّ في الثَّانية. وهل هو رطبٌ في الأولى أو يابسٌ فيها؟ على قولين. وهو مقوٍّ للكبد، مليِّنٌ للطَّبع. يزيد في الباه ولا سيَّما مع حبِّ الصَّنوبر. ويبرئ من خشونة الحلق. ومن لم يَعتَدْه كأهل البلاد الباردة فإنَّه يورث لهم السُّدَد، ويؤذي الأسنان، ويهيِّج الصُّداع. ودفعُ ضرره باللَّوز والخشخاش. وهو من أكثر الثِّمار تغذيةً للبدن بما فيه من الجوهر الحارِّ الرَّطب. وأكلُه على الرِّيق يقتل الدُّود، فإنَّه مع حرارته فيه قوَّةٌ ترياقيَّةٌ، فإذا أُديمَ استعماله على الرِّيق جفَّف (٤) مادَّة الدُّود وأضعفَه (٥)، أو قتله. وهو فاكهةٌ، وغذاءٌ، ودواءٌ، وشرابٌ، وحلوى.

стр. 2678

تين (١): لمَّا لم يكن التِّين بأرض الحجاز والمدينة لم يأت له ذكرٌ في السُّنَّة، فإنَّ أرضه تنافي أرض النَّخل. ولكن قد أقسم الله به في كتابه لكثرة منافعه وفوائده، والصَّحيح أنَّ المقسَم به هو التِّين المعروف (٢). وهو حارٌّ. وفي رطوبته ويبسه قولان. وأجوده: الأبيض النَّاضج القشر (٣). يجلو رمل الكلى والمثانة، ويؤمِّن من السُّموم. وهو أغذى من جميع الفواكه. وينفع خشونة الحلق والصَّدر وقصبة الرِّئة، ويغسل الكبد والطِّحال، وينقِّي الخِلْط البلغميَّ من المعدة، ويغذو البدن غذاءً جيِّدًا إلا أنَّه يولِّد القَمْلَ إذا أُكثِر منه جدًّا. ويابسه يغذو، وينفع العصَب. وهو مع الجوز واللَّوز محمود. قال: جالينوس (٤): وإذا أُكِل مع الجوز والسَّذاب قبل أخذ السَّمِّ القاتل نفَع وحفِظ من الضَّرر.

стр. 2679

ويذكر عن أبي الدَّرداء: أهدي إلى النَّبيِّ ﷺ طبقٌ من تينٍ، فقال: «كلوا». وأكل منه، وقال: «لو قلتُ: إنَّ فاكهةً نزلت من الجنَّة قلت: هذه، لأنَّ فاكهة الجنَّة بلا عَجَمٍ. فكلُوا منها، فإنَّها تقطع البواسير، وتنفع من النِّقرس» (١). وفي ثبوت هذا نظرٌ. واللَّحِم منه أجود. ويعطِّش المحرورين، ويسكِّن العطش الكائن عن البلغم المالح، وينفع السُّعال المزمِن، ويُدرُّ البول، ويفتح سدد الكبد والطِّحال، ويوافق الكلى والمثانة. ولأكله على الرِّيق منفعةٌ عجيبةٌ في تفتيح مجاري الغذاء وخصوصًا باللَّوز والجوز. وأكلُه مع الأغذية الغليظة رديٌّ جدًّا. والتُّوت الأبيض قريبٌ منه، لكنَّه أقلُّ تغذيةً وأضرُّ بالمعدة (٢).

стр. 2680

تلبينة: قد تقدَّم أنَّها ماء الشَّعير المطحون (١)، وذكرنا (٢) منافعها وأنَّها أنفع لأهل الحجاز من ماء الشَّعير الصَّحيح. حرف الثَّاء ثلج: ثبت في «الصَّحيحين» (٣) عنه (٤) ﷺ أنَّه قال: «اللَّهمَّ اغسلني من خطاياي بالماء والثَّلج والبرد». وفي هذا الحديث من الفقه: أنَّ الدَّاء يداوى بضدِّه، فإنَّ في الخطايا من الحرارة والحريق ما يضادُّه الثَّلج والبرد والماء البارد. ولا يقال: إنَّ الماء الحارَّ أبلغ في إزالة الوسخ، لأنَّ في الماء البارد من تصليب الجسم وتقويته ما ليس في الحارِّ. والخطايا توجب أثرين: التَّدنيس والإرخاء، فالمطلوب مداواتها بما ينظِّف القلبَ ويصلِّبه، فذكرُ الماء البارد والثَّلج والبرد إشارةٌ إلى هذين الأمرين. وبعد، فالثَّلج باردٌ على الأصحِّ. وغلِط من قال (٥): حارٌّ، وشبهته تولُّد

стр. 2681

الحيوان فيه، وهذا لا يدلُّ على حرارته، فإنَّه يتولَّد في الفواكه الباردة وفي الخلِّ. وأمَّا تعطيشه فلتهييجه للحرارة، لا لحرارته في نفسه. ويضرُّ المعدة والعصَب. وإذا كان وجعُ الأسنان من حرارةٍ مفرطةٍ سكَّنها. ثوم (١): هو قرين البصل في الحديث (٢). وفي الحديث: «مَن أكلهما فليُمِتْهما طبخًا» (٣). وأهدي إليه طعامٌ فيه ثومٌ، فأرسل به إلى أبي أيُّوب الأنصاريِّ. فقال: يا رسول اللَّه تكرهه، وترسل به إليَّ؟ فقال: «إنِّي أناجي من لا تناجي» (٤). وبعد، فهو حارٌّ يابسٌ في الرَّابعة. يُسْخِن إسخانًا قويًّا، ويجفِّف تجفيفًا بالغًا. نافعٌ للمبرودين ولمن مزاجه بلغميٌّ ولمن أشرف على الوقوع في الفالج. وهو مجفِّفٌ للمنيِّ (٥)، مفتِّحٌ للسُّدَد، محلِّلٌ للرِّياح الغليظة، هاضمٌ للطَّعام، قاطعٌ للعطش، مطلِقٌ للبطن، مُدِرٌّ للبول. يقوم في لسع الهوامِّ وجميع

стр. 2682

الأورام الباردة مقام التِّرياق. وإذا دُقَّ وعُمِل فيه (١) ضِمادٌ على نهش الحيَّات أو لسع العقارب نفعَها وجذَب السُّموم منها. ويسخِّن البدن، ويزيد في حرارته، ويقطَع البلغم، ويحلِّل النَّفخ، ويصفِّي الحلق، ويحفظ صحَّة أكثر الأبدان، وينفع من تغيُّر المياه والسُّعال المُزْمِن. ويؤكل نيئًا ومطبوخًا ومشويًّا. وينفع من وجع الصَّدر من البرد، ويخرج العَلَق (٢) من الحلق. وإذا دُقَّ مع الخلِّ والملح والعسل، ثمَّ وُضِع على الضِّرس المتأكِّل، فتَّته وأسقَطَه؛ وعلى الضِّرس الوَجِع سكَّن وجعَه. وإن دُقَّ منه مقدار درهمين، وأخذ مع ماء العسل، أخرج البلغم والدُّود. وإذا طُلي (٣) بالعسل على البهَق نفَع. ومن مضارِّه: أنَّه يصدِّع، ويضرُّ الدِّماغ والعينين، ويُضعِف البصر والباه، ويعطِّش، ويهيِّج الصَّفراء، ويُجيِّف رائحةَ الفم (٤). ويُذهِب رائحتَه أن يُمضَغ عليه ورقُ السَّذَاب. ثريد: ثبت في «الصَّحيحين» (٥) عنه ﷺ أنَّه قال: «فضل عائشة على النِّساء كفضل الثَّريد على سائر الطَّعام». والثَّريد وإن كان مركَّبًا، فإنَّه مركَّبٌ من خبزٍ ولحمٍ، فالخبز أفضل

стр. 2683

الأقوات واللَّحم سيِّد الإدام، فإذا اجتمعا لم يكن بعدهما غاية. وتنازع النَّاس أيُّهما أفضل؟ والصَّواب أنَّ الحاجة إلى الخبز أكثر وأعمُّ، واللَّحم أفضل وأجلُّ (١). وهو أشبه بجوهر البدن من كلِّ ما عداه، وهو طعام أهل الجنَّة. وقد قال تعالى لمن طلب البقل والقثَّاء والفوم والعدس والبصل: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]. وكثيرٌ من السَّلف على أنَّ الفوم: الحنطة، وعلى هذا فالآية نصٌّ على أنَّ اللَّحم خيرٌ من الحنطة (٢)، والله أعلم. حرف الجيم جُمَّار (٣): وهو (٤) قلب النَّخل. ثبت في «الصَّحيحين» (٥): عن عبد الله بن عمر قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ جلوسٌ، إذ أتي بجمَّار نخلةٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ من الشَّجر شجرةً مثل الرَّجل المسلم لا يسقط ورقها ... » الحديث. الجمَّارُ باردٌ يابسٌ في الأولى. يختم القروح، وينفع من نفث الدَّم

стр. 2684

واستطلاق البطن، وغلبة المرَّة الصَّفراء، وثائرةِ الدَّم. وليس برديء الكيموس (١)، ويغذو غذاءً يسيرًا، وهو بطيء الهضم. وشجرته كلُّها منافع، ولهذا مثَّلها النَّبيُّ ﷺ بالرَّجل المسلم لكثرة خيره ومنافعه. جُبْن: في «السُّنن» عن ابن عمر قال: أتي النَّبيُّ ﷺ بجبنةٍ في تبوك، فدعا بسكِّينٍ، وسمَّى، وقطَع. رواه أبو داود (٢). وأكله الصَّحابة بالشَّام والعراق. والرَّطبُ غيرُ المملوح جيِّدٌ للمعدة، هيِّن السُّلوك في الأعضاء، يزيد في اللَّحم، ويليِّن البطن تليينًا معتدلًا. والمملوح أقلُّ غذاءً من الرَّطب، وهو رديٌّ للمعدة، مؤذٍ للأمعاء. والعتيق يعقل البطن ــ وكذا المشويُّ ــ وينفع القروح، ويمنع الإسهال. وهو باردٌ رطبٌ. فإن استعمل مشويًّا كان أصلح لمزاجه، فإنَّ النَّار تصلحه وتعدِّله، وتلطِّف جوهره، وتطيِّب طعمه ورائحته. والعتيق المالح حارٌّ يابسٌ. وشيُّه يصلحه أيضًا بتلطيف جوهره وكسرِ حَرافته، لما تجتذبه (٣) النَّار منه من الأجزاء الحارَّة اليابسة المناسبة لها.

стр. 2685

والمملَّح منه يُهزل، ويولِّد حصاة الكلى والمثانة. وهو رديٌّ للمعدة، وخلطُه بالملطِّفات أردى بسبب تنفيذها له إلى المعدة (١). حرف الحاء حنَّاء: قد تقدَّمت الأحاديث في فضله وذكر منافعه، فأغنى عن إعادته. حبَّة السَّوداء (٢): ثبت في «الصَّحيحين» (٣): من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «عليكم بهذه الحبَّة السَّوداء، فإنَّ فيها شفاءً من كلِّ داءٍ إلا السَّام». والسَّام: الموت. الحبَّة السَّوداء هي الشُّونيز في لغة الفرس. وهي الكمُّون الأسود، ويسمَّى الكمُّونَ الهنديَّ. وقال الحربي عن الحسن: إنَّها الخردل. وحكى الهروي أنَّها الحبَّة الخضراء ثمرة البُطْم (٤). وكلاهما وهمٌ، والصَّواب: أنَّها الشُّونيز. وهي كثيرة المنافع جدًّا. وقوله: «شفاءً من كلِّ داءٍ» مثل قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] أي: كلَّ شيءٍ يقبل التَّدمير، ونظائره (٥).

стр. 2686

وهي نافعةٌ من جميع الأمراض الباردة. وتدخل في الأمراض الحارَّة اليابسة بالعرض، فتوصِّل قوى الأدوية الباردة الرَّطبة إليها بسرعة تنفيذها، إذا أُخِذ يسيرُها. وقد نصَّ صاحب «القانون» (١) وغيره على الزَّعفران في قرص الكافور لسرعة تنفيذه وإيصاله قوَّته. وله نظائر يعرفها حذَّاق الصِّناعة. ولا تستبعد منفعة الحارِّ في أمراضٍ حارَّةٍ بالخاصِّيَّة فإنَّك تجد ذلك في أدويةٍ كثيرةٍ، منها: الأَنْزَرُوت (٢) وما يركَّب (٣) معه من أدوية الرَّمَد كالسُّكَّر وغيره من المفردات الحارَّة، والرَّمدُ ورمٌ حارٌّ باتِّفاق الأطبَّاء. وكذلك نفعُ الكبريت الحارِّ جدًّا من الجرب. والشُّونيز حارٌّ يابسٌ في الثَّالثة، مُذْهِبٌ للنَّفخ، مُخْرِجٌ لحبِّ القرع (٤)، نافعٌ من البرص وحمَّى الرِّبع والبلغميَّة، مفتِّحٌ للسُّدد، محلِّلٌ للرِّياح، مجفِّفٌ لبلَّة المعدة ورطوبتها. وإن دُقَّ وعُجِن بالعسل وشُرِب بالماء الحارِّ أذاب الحصاة الَّتي تكون في الكليتين والمثانة. ويُدِرُّ البول والحيض واللَّبن إذا أديم شربُه أيَّامًا. وإن

стр. 2687

سُحِقَ (١) بالخلِّ وطُلي على البطن قتَلَ حبَّ القرع. فإن عُجِن بماء الحنظل الرَّطب أو المطبوخ كان فعلُه في إخراج الدُّود أقوى. ويجلو، ويقطِّع، ويحلِّل. ويشفي من الزُّكام البارد، إذا دُقَّ (٢) وصُيِّر (٣) في خرقةٍ واشتُمَّ دائمًا (٤). ودهنه نافعٌ من داء الحيَّة (٥) ومن الثَّآليل والخِيلان. وإذا شُرب منه مثقالٌ بماءٍ نفَع من البُهْر وضيق النَّفس. والضِّماد به ينفع من الصُّداع البارد. وإذا نُقِع منه سبعُ حبَّاتٍ عددًا في لبن امرأةٍ، وسُعِط به صاحبُ اليرقان، نفعَه نفعًا بليغًا. وإذا طُبخ بخلٍّ وتُمُضْمِضَ به نفَع من وجع الأسنان عن بردٍ. وإذا استُعِط به مسحوقًا نفَع من ابتداء الماء العارض في العين. وإذا ضمِّد به مع الخلِّ قلَع البثورَ والجربَ المتقرِّح، وحلَّل الأورام البلغميَّة المزمنة والأورام الصُّلبة. وينفع من اللَّقوة إذا سُعِط بدهنه. وإذا شُرِب منه مقدارُ نصف مثقالٍ

стр. 2688

إلى مثقالٍ نفَع من لسع الرُّتيلاء (١). وإن سُحِق ناعمًا، وخُلِط بدهن الحبَّة الخضراء، وقُطِر منه في الأذن ثلاثُ قطراتٍ= نفَع من البرد العارض فيها والرِّيح والسُّدد. وإن قُلِي، ثمَّ دُقَّ ناعمًا، ثمَّ نُقِع في زيتٍ وقُطِر منه في الأنف ثلاث قطراتٍ أو أربع (٢) = نفع من الزُّكام العارض معه عطاسٌ كثيرٌ. وإذا أُحرق، وخُلِط بشمعٍ مذوَّب (٣) بدهن السَّوسن أو دهن الحنَّاء، وطُلي به القروحُ الخارجة في السَّاقين بعد غسلها (٤) بالخلِّ= نفعها وأزال القروح. وإذا سُحِق بخلٍّ، وطُلي به البرصُ والبهَقُ الأسود والحَزَاز (٥) الغليظ= نفَعها وأبرأها. وإذا سُحِق ناعمًا، واستَفَّ منه كلَّ يومٍ درهمين بماءٍ باردٍ مَن عضَّه كلبٌ كلِبٌ، قبل أن يفزع من الماء= نفَعه نفعًا بليغًا، وأمِن على نفسه من الهلاك. وإذا سُعِطَ بدهنه نفَع من الفالج والكُزَاز (٦)، وقطع موادَّهما. وإذا دُخِّن به

стр. 2689

طرَد الهوامَّ. وإذا أُديفَ (١) الأَنْزَروتُ بماءٍ، ولُطِخ على داخل الحلقة، ثمَّ ذُرَّ عليها الشُّونيزُ كان من الذَّرورات الجيِّدة العجيبة النَّفع من البواسير. ومنافعه أضعافُ أضعافِ ما ذكرناه. والشَّربة منه درهمان. وزعم قومٌ أنَّ الإكثار منه قاتل. حرير: قد تقدَّم أنَّ النَّبيَّ ﷺ أباحه للزبير ولعبد الرَّحمن بن عوفٍ من حِكَّةٍ كانت بهما. وتقدَّم منافعه ومزاجه، فلا حاجة في إعادته. حُرْف (٢): قال أبو حنيفة (٣): هذا هو الحبُّ الذي يتداوى به، وهو الثُّفَّاء الذي جاء فيه الخبر عن النَّبيِّ ﷺ . ونباتُه يقال له: الحُرْف، وتسمِّيه العامَّة: الرَّشاد. وقال أبو عبيد (٤): الثُّفَّاء: هو الحُرْف. قلت: والحديث الذي أشار إليه ما رواه أبو عبيد (٥) وغيره من حديث ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «ماذا في الأمرَّين من الشِّفاء! الصَّبِر والثُّفَّاء».

стр. 2690

ورواه أبو داود في «المراسيل» (١). وقوَّته في الحرارة واليبوسة من الدَّرجة الثَّالثة. وهو يسخِّن، ويليِّن البطن ويُخرج الدُّود وحَبَّ القرَع، ويحلِّل أورام الطِّحال، ويحرِّك شهوة الجماع، ويجلو الجرَب المتقرِّح والقُوباء. وإذا تضُمِّد به مع العسل حلَّل ورمَ الطِّحال (٢). وإذا طُبخ في الحنَّاء (٣) أخرج الفضول الَّتي في الصَّدر. وشُربه ينفع من نهش الهوامِّ ولسعها. وإذا دخِّن به في موضعٍ طرد الهوامَّ عنه. ويمسك الشَّعر المتساقط. وإذا خُلِط بسويق الشَّعير والخلِّ وتضُمِّد به نفع من عرق النَّسا، وحلَّل الأورام الحادَّة (٤) في آخرها. وإذا تضُمِّد به مع الماء والملح أنضجَ الدَّماميلَ. وينفع من الاسترخاء في جميع الأعضاء. ويزيد في الباه، ويشهِّي الطَّعام، وينفع الرَّبوَ وعسرَ النَّفَس وغلظَ الطِّحال، وينقِّي الرِّئة، ويُدِرُّ الطَّمث. وينفع من عرق النَّسا ووجع حُقِّ الوَرِك ممَّا يُخرج من الفضول إذا شُرب أو احتُقِن به. ويجلو ما في الصَّدر والرِّئة من البلغم اللَّزج.

стр. 2691

وإن شُرِب منه بعد سَحْقه وزنُ خمسة دراهم بالماء الحارِّ أسهَلَ الطَّبيعةَ وحلَّل الرِّياح، ونفَع من وجع القولنج البارد السَّبب. وإذا سُحِق وشُرِب نفَع من البرص. وإن لُطِّخ عليه وعلى البهَق الأبيض بالخلِّ نفَع منهما. وينفع من الصُّداع الحادث من البرد والبلغم. وإن قُلي وشُرِبَ عقَل الطَّبعَ لا سيَّما إذا لم يُسْحَق لتحلُّل لزوجته بالقَلْو (١). وإذا غُسِل بمائه الرَّأس نقَّاه من الأوساخ والرُّطوبات اللَّزجة. قال جالينوس: قوَّته (٢) مثل قوَّة بِزْر الخردل. ولذلك قد يسخَّن به أوجاع الورك المعروفة بالنَّسا، وأوجاع الرَّأس، وكلُّ واحدٍ من العلل الَّتي تحتاج إلى التَّسخين كما يسخِّن بزرُ الخردل. وقد يخلط أيضًا في أدويةٍ يُسقاها أصحابُ الرَّبو، من طريق أنَّ الأمر فيه معلومٌ أنَّه يقطِّع الأخلاط الغليظة تقطيعًا قويًّا، كما يقطِّعها بزرُ الخردل، لأنَّه شبيهٌ به في كلِّ شيءٍ. حُلْبة (٣): يذكر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه عاد سعد بن أبي وقَّاصٍ بمكَّة، فقال: «ادعوا له طبيبًا». فدعي الحارثُ بن كَلَدة، فنظَر إليه، فقال: ليس عليه بأس. فاتَّخِذُوا له فَريقةً (٤) مع تمر عجوةٍ رطبة، يطبخان، فيُحَسَّاها. ففُعِل ذلك،

стр. 2692

فبرئ (١). وقوَّة الحُلبة في الحرارة من الدَّرجة الثَّانية، وفي اليبوسة من الأولى. وإذا طُبخت بالماء ليَّنت الحلق والصَّدر والبطن. وتسكِّن السُّعال والخشونة والرَّبو وعسر النَّفَس، وتزيد في الباه. وهي جيِّدةٌ للرِّيح والبلغم والبواسير، مُحْدِرة بلزوجتها (٢) للكَيموسات المرتبكة (٣) في الأمعاء. وتجلب (٤) البلغم اللَّزج من الصَّدر، وتنفع من الدُّبَيلات (٥) وأمراض الرِّئة. وتستعمل لهذه

стр. 2693

الأدواء في الأحساء (١) مع السَّمن والفانيذ (٢). وإذا شُربت مع وزن خمسة دراهم فُوَّةٍ (٣) أدرَّت الحيض. وإذا طُبخت وغُسِل بها الشَّعرُ جعَّدته وأذهبت الحَزَازَ (٤). ودقيقُها إذا خُلِط بالنَّطْرون (٥) والخلِّ وضُمِّد به حلَّل ورمَ (٦) الطِّحال. وقد تجلس المرأة في الماء الذي طبخت فيه الحُلْبة، فتنتفع به من وجع الرَّحم العارض من ورمٍ فيه. وإذا ضمِّدت به الأورام الصُّلبة القليلة الحرارة نفعتها وحلَّلتها (٧). وإذا شُرب ماؤها نفَع من المَغْس (٨) العارض من الرِّياح، وأزلق الأمعاء. وإذا أكلت مطبوخةً بالتَّمر أو العسل أو التِّين على الرِّيق حلَّلت

стр. 2694

البلغم اللَّزج العارض في الصَّدر والمعدة، ونفعت من السُّعال المتطاول منه. وهي نافعةٌ من الحُصْر (١)، مطلِقةٌ للبطن. وإذا وُضِعت على الظُّفر المتشنِّج أصلحَتْه. ودهنُها ينفع إذا خُلِط بالشَّمع من الشُّقاق العارض من البرد. ومنافعها أضعاف ما ذكرناه. ويذكر عن القاسم بن عبد الرَّحمن أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : «استشفُوا بالحلبة» (٢). وقال بعض الأطبَّاء: لو علم النَّاس منافعها لاشتروها بوزنها ذهبًا (٣). حرف الخاء خبز: ثبت في الصَّحيح (٤) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «تكون الأرض يوم

стр. 2695

القيامة خبزةً واحدةً يتكفَّؤها الجبَّار بيده (١) نُزُلًا لأهل الجنَّة». وروى أبو داود في «سننه» (٢) من حديث ابن عبَّاسٍ قال: «كان أحبَّ الطَّعام إلى رسول الله ﷺ الثَّريدُ من الخبز، والثَّريدُ من الحَيْس». وروى في «سننه» (٣) أيضًا من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «وددتُ أنَّ عندي خبزةً بيضاء، من بُرَّةٍ سمراء، ملبَّقةً بسَمْنٍ ولبنٍ». فقام رجلٌ من القوم، فاتَّخذه، فجاء به. فقال: «في أيِّ شيءٍ كان هذا السَّمن؟». قال: في عُكَّة ضبٍّ. قال: «ارفعه».

стр. 2696

وذكر البيهقي (١) من حديث عائشة ترفعه (٢): «أكرموا الخبز، ومن كرامته أن لا ينتظر به الأُدُم». والموقوف أشبه، فلا يثبت رفعُه ولا رفعُ ما قبله. وأمَّا حديث النَّهي عن قطع الخبز بالسِّكِّين، فباطلٌ لا أصل له عن رسول الله ﷺ (٣). وإنَّما المرويُّ: النَّهي عن قطع اللَّحم بالسِّكِّين، ولا يصحُّ أيضًا. قال مهنَّا (٤): سألت أحمد عن حديث أبي معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة عن النَّبيِّ ﷺ : «لا تقطعوا اللَّحم بالسِّكِّين، فإنَّ ذلك فعلُ الأعاجم» (٥). فقال: ليس بصحيحٍ، ولا يُعرَف هذا. وحديث عمرو بن أميَّة

стр. 2697

خلاف هذا، وحديث المغيرة. يعني بحديث عمرو بن أميَّة: «كان النَّبيُّ ﷺ يحتزُّ من لحم شاةٍ»، وبحديث المغيرة أنَّه لمَّا ضافه أمَر بجنبٍ، فشُوي، ثمَّ أخذ الشَّفرةَ، فجعل يحُزُّ (١). فصل (٢) وأحمد أنواع الخبز: أجودها اختمارًا وعجنًا. ثمَّ خبزُ التَّنُّور أجود أصنافه، وبعده خبز الفُرْن، ثمَّ خبزُ المَلَّة في المرتبة الثَّالثة. وأجوده ما اتُّخذ من الحنطة الحديثة. وأكثر أنواعه تغذيةً خبز السَّميذ، وهو أبطؤها هضمًا لقلَّة نخالته. ويتلوه خبز الحُوَّارى، ثمَّ الخُشْكار (٣). وأحمد أوقات أكله: في آخر اليوم الذي خُبِزَ فيه. واللَّيِّنُ منه أكثرُ تليينًا وغذاءً وترطيبًا، وأسرعُ انحدارًا. واليابس بخلافه. ومزاج الخبز من البرِّ حارٌّ في وسط الدَّرجة الثَّانية، وقريبٌ من الاعتدال

стр. 2698

في الرُّطوبة واليبوسة. واليبسُ يغلب على ما جفَّفته النَّار منه، والرُّطوبةُ على ضدِّه (١). وفي خبز الحنطة خاصِّيَّةٌ، وهي (٢) أنَّه يسمِّن سريعًا. وخبزُ القطائف يولِّد خل طًا غليظًا. والفتيتُ نفَّاخٌ بطيء الهضم. والمعمولُ باللَّبن مسدِّدٌ، كثير الغذاء، بطيء الانحدار. وخبز الشَّعير باردٌ يابسٌ في الأولى. وهو أقلُّ غذاءً من خبز الحنطة. خَلّ (٣): روى مسلم في «صحيحه» (٤): عن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله ﷺ سأل أهله الأُدُمَ، فقالوا: ما عندنا إلا خلٌّ. فدعا به، فجعل يأكل، ويقول: «نعم الإدامُ الخلُّ! نعم الإدامُ الخلُّ!». وفي «سنن ابن ماجه» (٥) عن أم سعد عن النَّبيِّ ﷺ : «نعم الإدام الخلُّ! اللَّهمَّ بارِك في الخلِّ (٦). ولم يُقْفِرْ (٧) بيتٌ فيه الخلُّ».

стр. 2699

الخلُّ مركَّبٌ من الحرارة والبرودة، وهي (١) أغلب عليه. وهو يابسٌ في الثَّالثة، قويُّ التَّجفيف، يمنع من انصباب الموادِّ ويلطِّف (٢). وخلُّ الخمر ينفع المعدة الملتهبة، ويقمع الصَّفراء، ويدفع ضرر الأدوية القتَّالة، ويحلِّل اللَّبن والدَّم إذا جمد في الجوف، وينفع الطِّحال، ويدبغ المعدة، ويعقل الطبيعة، ويقطع العطش، ويمنع الورم حيث يريد أن يحدُث، ويعين على الهضم، ويضادُّ البلغم، ويلطِّف الأغذية الغليظة، ويُرِقُّ الدَّم. وإذا شُرب بالملح نفَع من أكل الفُطْر القتَّال. وإذا حُسِيَ قلَع العَلَق (٣) المتعلِّق بأصل الحنك. وإذا تُمُضْمِض به مسخَّنًا نفعَ من وجع الأسنان، وقوَّى اللِّثة. وهو نافعٌ للدَّاحس (٤) إذا طُلي به، والنَّملة، والأورام الحارَّة، وحرق النَّار. وهو مشهٍّ للأكل، مطيِّبُ الأطعمة (٥)، صالحٌ للشُّبَّان (٦) وفي الصَّيف ولسكَّان البلاد الحارَّة.

стр. 2700

خِلال: فيه حديثان لا يثبتان. أحدهما: يروى من حديث أبي أيُّوب الأنصاريِّ يرفعه: «يا حبَّذا المتخلِّلون من الطَّعام! إنَّه ليس شيءٌ أشدَّ على الملَك من بقيَّةٍ تبقى في الفم من الطَّعام» (١). وفيه واصل بن السائب، قال: البخاريُّ والرازي: منكر الحديث (٢). وقال النَّسائيُّ والأزدي: متروك الحديث (٣). الثَّاني: يروى من حديث ابن عبَّاسٍ. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن شيخٍ روى عنه صالح الوُحَاظي يقال له: محمد بن عبد الملك الأنصاري، حدَّثنا عطاء، عن ابن عبَّاسٍ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتخلَّل باللِّيط (٤) والآس (٥)، وقال: «إنَّهما يسقيان عروقَ الجُذام» (٦). فقال أبي: رأيت محمَّد بن
следующие страницы →