← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

عن الزُّهريِّ (١). وحجَّة هذا القول قوله ﷺ : «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات» (٢)، وأنَّ من كَفَر في نفسه، فهو كفر، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، وأنَّ المصرَّ على المعصية فاسقٌ مؤاخذٌ وإن لم يفعلها، وبأنَّ أعمال القلوب في الثَّواب والعقاب كأعمال الجوارح، ولهذا يُثاب على الحبِّ والبغض والموالاة والمعاداة في اللَّه، وعلى التَّوكُّل والرِّضى والعزم على الطَّاعة، ويعاقَب على الكبر والحسد والعُجْب والشَّكِّ والرِّياء وظنِّ السَّوء بالأبرياء. ولا حجَّة في شيءٍ من هذا على وقوع الطَّلاق والعتاق بمجرَّد النِّيَّة من غير تلفُّظٍ. أمَّا حديث «الأعمال بالنِّيَّات» فهو حجَّةٌ عليهم؛ لأنَّه أخبر فيه أنَّ العمل مع النِّيَّة هو المعتبر، لا النِّيَّة وحدها. وأمَّا من اعتقد الكفرَ بقلبه أو شكَّ، فهذا (٣) كافرٌ لزوال الإيمان الذي هو عَقْد القلب مع الإقرار، فإذا زال العقد الجازم كان نفس زواله كفرًا، فإنَّ الإيمان أمرٌ وجوديٌّ ثابتٌ قائمٌ بالقلب، فما لم يقم بالقلب حصل ضدُّه وهو الكفر، وهذا كالعلم والجهل إذا فُقِد العلم حصل الجهل، وكذلك كلُّ

стр. 3152

نقيضين زالَ أحدُهما خلَفَه الآخر. وأمَّا الآية فليس فيها أنَّ المحاسبةَ بما يخفيه العبدُ إلزامه بأحكامه في الشَّرع (١)، وإنَّما فيها محاسبته بما يبديه أو يخفيه، ثمَّ هو مغفورٌ له أو معذَّبٌ، فأين هذا من وقوع الطَّلاق بالنِّيَّة؟! وأمَّا أنَّ المصرَّ على المعصية فاسقٌ مؤاخَذٌ، فهذا إنَّما هو فيمن عَمِل المعصيةَ ثمَّ أصرَّ عليها، فهنا عملٌ اتَّصل به العزم على معاودته، فهذا هو المصرُّ، وأمَّا مَن عزم على المعصية ولم يعملها فهو بين أمرين: إمَّا أن لا تُكْتَب عليه، وإمَّا أن تُكتَب (٢) له حسنة إذا تركها لله . وأمَّا الثَّواب والعقاب على أعمال القلوب فحقٌّ، والقرآنُ والسُّنَّة مملوءان به، ولكنَّ وقوع الطَّلاق والعتاق بالنِّيَّة من غير تلفُّظٍ أمرٌ خارجٌ عن الثَّواب والعقاب، ولا تلازم بين الأمرين، فإنَّ ما يعاقب عليه من أعمال القلوب هو معاصٍ قلبيَّةٌ يستحقُّ العقوبة عليها، كما يستحقُّه على المعاصي البدنيَّة إذ هي منافيةٌ لعبوديَّة القلب، فإنَّ الكبر والعُجْب والرِّياء وظنَّ السَّوء محرَّماتٌ على القلب، وهي أمورٌ اختياريَّةٌ يمكن اجتنابها، فيستحقُّ العقوبة على فعلها، وهي أسماءٌ لمعاني (٣) مسمَّياتُها قائمةٌ بالقلب. وأمَّا الطَّلاق والعتاق فاسمان لمسمَّيين قائمين باللِّسان، أو ما ناب عنه من إشارةٍ أو كتابةٍ، وليسا اسمين لما في القلب مجرَّدًا عن النُّطق.

стр. 3153

وتضمَّنت (١) أنَّ المكلَّف إذا هَزَل بالطَّلاق أو النِّكاح أو الرَّجعة لزمه ما هَزَل به، فدلَّ ذلك على أنَّ كلام الهازل معتبرٌ وإن لم يُعتَبَر كلام النَّائم والنَّاسي وزائل العقل والمُكْرَه، والفرق (٢) بينهما: أنَّ الهازل قاصدٌ للَّفظ غير مريدٍ لحكمه، وذلك ليس إليه، فإنَّما (٣) إلى المكلَّف الأسباب، وأمَّا ترتُّب مسبَّباتها وأحكامها فهو إلى الشَّارع قصَدَه المكلَّفُ أو لم يقصِدْه، والعبرة بقصده للسبب اختيارًا في حال عقله وتكليفه، فإذا قصَدَه رتَّبَ الشَّارعُ عليه حكمَه جَدَّ به أو هَزَل، وهذا بخلاف النَّائم والمُبَرْسَم (٤) والمجنون والسَّكران وزائل العقل، فإنَّهم ليس لهم قصدٌ صحيحٌ، وليسوا مكلَّفين، فألفاظهم لغوٌ بمنزلة ألفاظ الطِّفل الذي لا يعقل معناها ولا يقصده. وسرُّ المسألة: الفرق بين من قصَدَ اللَّفظ وهو عالمٌ به ولم يُرِد حكمَه، وبين مَن لم يقصد اللَّفظَ ولم يعلم معناه، فالمراتب التي اعتبرها الشَّارعُ أربعةٌ: إحداها: أن (٥) يقصد الحكمَ ولم (٦) يتلفَّظ به.

стр. 3154

الثَّانية: أن لا يقصد اللَّفظَ ولا حكمَه. الثَّالثة: أن يقصد اللَّفظَ دون حكمِه. الرَّابعة: أن يقصد اللَّفظَ والحكَم. فالأوليان لغوٌ، والآخرتان معتبرتان (١). هذا الذي استفيد من مجموع نصوصه وأحكامه، وعلى هذا فكلام المكره كلُّه لغوٌ لا عبرةَ به، وقد دلَّ القرآنُ على أنَّ مَن أُكْرِه على التَّكلُّم بكلمة الكفر لا يكفر، ومَن أُكْرِه على الإسلام لا يصير به مسلمًا، ودلَّت السُّنَّة على أنَّ الله سبحانه تجاوز عن المكره فلم يؤاخِذْه بما أكره عليه، وهذا يراد به كلامه قطعًا. وأمَّا أفعاله، ففيها تفصيلٌ، فما أبيح منها بالإكراه فهو متجاوَزٌ عنه كالأكل في نهار رمضان، والعمل في الصَّلاة، ولبس المخيط في الإحرام، ونحو ذلك. وما لا يباح بالإكراه فهو مؤاخذٌ به كقتل المعصوم وإتلاف ماله. وما اخْتُلف فيه كشرب الخمر والزِّنا والسَّرقة هل يُحَدُّ به أو لا؟ فللاختلاف (٢) هل يباح ذلك بالإكراه أو لا؟ فمَن لم يبحه حدَّه به، ومن أباحه بالإكراه لم يحدَّه، وفيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام (٣) أحمد (٤). والفرق بين الأقوال والأفعال في الإكراه: أنَّ الأفعال إذا وقعت لم ترتفع مفسدتُها، بل مفسدتها معها، بخلاف الأقوال فإنَّها يمكن إلغاؤها وجعلها

стр. 3155

بمنزلة أقوال النَّائم والمجنون، فمفسدة الفعل الذي لا يباح بالإكراه ثابتةٌ بخلاف مفسدة القول، فإنَّها إنَّما تثبت (١) إذا كان قائله عالمًا به مختارًا له. وقد روى وكيعٌ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم بن عُتَيبة (٢)، عن خيثمة بن عبد الرحمن، قال: قالت امرأةٌ لزوجها: سمِّني فسمَّاها الظَّبية (٣)، فقالت: ما قلتَ شيئًا، قال: فهاتِ ما أسمِّيكِ به، قالت: سمِّني خليَّة طالق (٤)، قال: فأنتِ خليَّةٌ طالقٌ، فأتت عمر بن الخطَّاب فقالت: إنَّ زوجي طلَّقني، فجاء زوجها فقصَّ عليه القصَّة، فأوجعَ عمرُ رأسَها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها (٥). فهذا الحكم من أمير المؤمنين بعدم الوقوع لمَّا لم يقصد الزَّوجُ اللَّفظَ الذي يقع به الطَّلاق، بل قصد لفظًا لا يريد به الطَّلاق، فهو كما لو قال عن أمَتِه (٦) أو غلامه: إنِّها حرَّةٌ. وأراد أنَّها ليست بفاجرةٍ، أو قال لامرأته: أنتِ مسرَّحةٌ أو سرَّحتك. ومراده تسريح الشَّعر ونحو ذلك، فهذا لا يقع عتقُه ولا

стр. 3156

طلاقُه بينه وبين الله تعالى، وإن قامت قرينةٌ أو تصادقا في الحكم لم يقع به. فإن قيل: فهذا من أيِّ الأقسام؟ فإنَّكم جعلتم المراتب أربعةً، ومعلومٌ أنَّ هذا ليس بمكْرَهٍ، ولا زائل العقل، ولا هازلٍ، ولا قاصدٍ لحكم اللَّفظ؟ قيل: هذا متكلِّمٌ باللَّفظ مريدٌ به (١) أحدَ معنييه، فلزمه حكم ما أراده بلفظه دون ما لم يرده، فلا يُلزَم بما لم يرده باللَّفظ إذا كان صالحًا لما أراده، وقد استحلف النَّبيُّ ﷺ رُكانة لمَّا طلَّق امرأته البتَّة فقال: «ما أردْتَ؟». قال: واحدةً. قال: «آللَّه». قال: آللَّه. قال: «هو ما أردت» (٢). فقبل منه نيَّته في اللَّفظ المحتمل. وقد قال مالك: إذا قال: أنتِ طالقٌ البتَّة، وهو يريد أن يحلف على شيءٍ، ثمَّ بدا له فترك اليمين فليست طالقًا؛ لأنَّه لم يرد أن يطلِّقها (٣)، وبهذا أفتى اللَّيث بن سعدٍ (٤) والإمام أحمد، حتَّى

стр. 3157

إنَّ أحمد في روايةٍ عنه يقبل منه ذلك في الحكم. وهذه المسألة لها ثلاث صورٍ: إحداها (١): أن يرجع عن يمينه ولم يكن التَّنجيز مراده، فهذا (٢) لا تَطْلُق عليه في الحال ولا يكون حالفًا. الثَّانية: أن يكون مقصوده اليمين لا التَّنجيز، فيقول: أنت طالقٌ. ومقصوده: إن كلَّمْتِ زيدًا. الثَّالثة: أن يكون مقصوده اليمين من أوَّل كلامه، ثمَّ يرجع عن اليمين في أثناء الكلام، ويجعل الطَّلاق منجَّزًا، فهذا لا يقع به؛ لأنَّه لم ينو به الإيقاع، وإنَّما نوى به التَّعليق، فكان قاصرًا عن وقوع المنجَّز، فإذا نوى التَّنجيزَ بعد ذلك لم يكن قد أتى في التَّنجيز بغير النِّيَّة المجرَّدة، وهذا قول أصحاب أحمد (٣). وقد قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. واللَّغو نوعان: أحدهما: أن يحلف على الشَّيء يظنُّه كما حلف عليه، فتبيَّن بخلافه. الثَّاني: أن تجري اليمينُ على لسانه من غير قصدٍ للحلف كـ «لا واللَّه»، و «بلى والله» في أثناء كلامه، وكلاهما رفعَ الله المؤاخذةَ به لعدم قصد

стр. 3158

الحالف إلى عقد اليمين وحقيقتها. وهذا تشريعٌ منه سبحانه لعباده أن لا يرتِّبوا الأحكامَ على الألفاظ التي لم يقصد المتكلِّمُ بها حقائقَها ومعانِيهَا، وهذا غير الهازل حقيقةً وحكمًا. وقد أفتى الصَّحابة بعدم وقوع طلاق المكره وإقراره، فصحَّ عن عمر أنَّه قال: ليس الرَّجل بأمينٍ على نفسه إذا أجَعْته (١) أو ضربته أو أوثقته (٢). وصحَّ عنه أنَّ رجلًا تدلَّى بحبلٍ ليشتار (٣) عسلًا، فأتت امرأتُه فقالت: لأقطعنَّ الحبل أو لتطلِّقنِّي، فناشدها الله فأبت فطلَّقها، فأتى عمرَ فذكر ذلك له، فقال له: ارجع إلى امرأتك، فإنَّ هذا ليس بطلاقٍ (٤). وكان عليٌّ لا يجيز طلاق المُكْره (٥).

стр. 3159

وقال ثابت الأعرج: سألت ابنَ عمر وابنَ الزبير عن طلاق المكره، فقالا جميعًا: ليس بشيءٍ (١). فإن قيل: فما تصنعون بما رواه الغازِ (٢) بن جَبَلة، عن صفوان بن عَمرو (٣) الأصم، عن رجلٍ من أصحاب رسول الله ﷺ : أنَّ رجلًا جلست امرأتُه على صدره، وجعلت السِّكِّين على حلقه، وقالت له: طلِّقني أو لأذبحنَّك، فناشدها اللهَ فأبَتْ، فطلَّقها ثلاثًا، فذكر ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: «لا قيلولة في الطَّلاق» رواه سعيد بن منصورٍ في «سننه» (٤).

стр. 3160

وروى عطاء بن عجلان، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «كلُّ الطَّلاق جائزٌ إلا طلاق المعتوه المغلوب (١) على عقله» (٢). وروى سعيد بن منصورٍ (٣): حدَّثنا فَرَج بن فَضالة، حدَّثني عمرو بن شراحيل المعافري، أنَّ امرأةً استلَّت سيفًا فوضعته على بطن زوجها وقالت: والله لأنفذنَّك أو لتطلِّقنِّي، فطلَّقها ثلاثًا، فرفع (٤) ذلك إلى عمر بن الخطَّاب فأمضى طلاقها. وقال عليٌّ: كلُّ الطَّلاق جائزٌ إلا طلاق المعتوه (٥). قيل: أمَّا خبر الغازِ بن جَبَلة ففيه ثلاث عللٍ: أحدها: ضعف صفوان بن

стр. 3161

عمرٍو، والثَّانية: لِيْن الغازِ بن جَبَلة، والثَّالثة: تدليس بقيَّة الرَّاوي عنه، ومثل هذا لا يحتجُّ به؛ قال أبو محمد ابن حزم (١): وهذا خبرٌ في غاية السُّقوط. وأمَّا حديث ابن عبَّاسٍ: «كلُّ الطَّلاق جائزٌ» فهو من رواية عطاء بن عجلان، وضَعْفه مشهورٌ، وقد رُمي بالكذب. قال ابنُ حزم (٢): وهذا الخبر شرٌّ من الأوَّل. وأمَّا أثر عمر فالصَّحيح عنه خلافه، كما تقدَّم (٣)، ولا نعلم معاصرة المعافريّ لعمر، وفَرَج بن فَضالة فيه ضعفٌ. وأمَّا أثر عليّ، فالَّذي رواه عنه النَّاس أنَّه كان لا يجيز طلاقَ المُكْرَه، وروى عبد الرَّحمن بن مهديٍّ، عن حمَّاد بن سلمة، عن حُميد، عن الحسن: أنَّ عليَّ بن أبي طالبٍ كان لا يجيز طلاق المكره (٤). فإن صحَّ عنه ما ذكرتم فهو عامٌّ مخصوصٌ بهذا.

стр. 3162

فصل وأمَّا طلاق السَّكران، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فجعل سبحانه قولَ السَّكران غير معتبرٍ؛ لأنَّه لا يعلم ما يقول. وصحَّ عنه أنَّه أمرَ بالمقرِّ بالزِّنا أن يُسْتَنْكَه (١)، ليعتبر قوله الذي أقرَّ به أو يلغى. وفي «صحيح البخاريِّ» (٢) في قصَّة حمزة لمَّا عقَر بعيرَي عليٍّ فجاء النَّبيُّ ﷺ فوقف عليه يلومه، فصعَّد فيه النَّظرَ وصوَّبَه وهو سكران ثمَّ قال: هل أنتم إلا عبيدٌ لأبي، فنكَصَ النَّبيُّ ﷺ على عقبيه. وهذا القول لو قاله غير سكران لكان رِدَّةً وكفرًا، ولم يؤاخذ بذلك حمزة. وصحَّ عن عثمان بن عفَّان أنَّه قال: «ليس لمجنونٍ ولا سكران طلاقٌ». رواه ابن أبي شيبة (٣)، عن وكيعٍ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبان بن عثمان، عن أبيه. وقال عطاء: طلاق السَّكران لا يجوز (٤). وقال ابن طاوس عن أبيه:

стр. 3163

طلاق السَّكران لا يجوز (١). وقال القاسم بن محمَّدٍ: لا يجوز طلاقه (٢). وصحَّ عن عمر بن عبد العزيز أنَّه أُتي بسكران طلَّق، فاستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو: لقد طلَّقها وهو لا يعقل، فحلف، فردَّ إليه امرأته، وضربه الحدَّ (٣). وهو مذهب يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، وحُمَيد بن عبد الرحمن، وربيعة، واللَّيث بن سعدٍ، وعبيد الله (٤) بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثورٍ، والشَّافعيِّ في أحد قوليه، اختاره (٥) المزني وغيره من الشَّافعيَّة (٦)، ومذهب أحمد في إحدى الرِّوايات عنه، وهي التي استقرَّ عليها مذهبُه،

стр. 3164

وصرَّح برجوعه إليها، فقال في رواية أبي طالب (١): الذي لا يأمر بالطَّلاق إنَّما أتى خَصلةً واحدةً، والَّذي يأمر بالطَّلاق قد أتى خَصلتين؛ حرَّمها عليه، وأحلَّها لغيره، فهذا خيرٌ من هذا، وأنا أتَّقي جميعًا. وقال في رواية الميموني: قد كنتُ أقول إنَّ طلاق السَّكران يجوز، حتَّى تبيَّنتُه، فغلَبَ عليَّ أنَّه لا يجوز طلاقه؛ لأنَّه لو أقرَّ لم يلزمه، ولو باع لم يَجُزْ (٢) بيعُه، قال: وألْزِمُه الجنايةَ، وما كان من غير ذلك، فلا يلزمه. قال أبو بكر عبد العزيز (٣): وبهذا أقول. وهذا مذهب أهل الظَّاهر كلِّهم (٤)، واختاره من الحنفيَّة أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٥)، وأبو الحسن الكرخيُّ (٦) (٧).

стр. 3165

والَّذين أوقعوه لهم سبعة مآخذ: أحدها: أنَّه مكلَّفٌ، ولهذا يؤاخذ بجناياته. والثَّاني: أنَّ إيقاعَ الطَّلاق عقوبةٌ له. والثَّالث: أنَّ ترتُّب الطَّلاق على التَّطليق من باب ربط الأحكام بأسبابها، فلا يؤثِّر فيه السُّكْر. والرَّابع: أنَّ الصَّحابة أقاموه مُقام الصَّاحي في كلامه، فإنَّهم قالوا: إذا شَرِب سَكِر، وإذا سَكِر هذى، وإذا هذى افترى، وحدُّ المفتري ثمانون (١). والخامس: حديث: «لا قيلولة في الطَّلاق»، وقد تقدَّم. والسَّادس: حديث: «كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاق المعتوه»، وقد تقدَّم. والسَّابع: أنَّ الصَّحابة أوقعوا عليه الطَّلاق، فرواه أبو عبيد عن عمر،

стр. 3166

ومعاوية، ورواه غيره عن ابن عبَّاسٍ (١). قال أبو عبيد (٢): حدَّثنا يزيد بن هارون، عن جَرير بن حازمٍ، عن الزبير بن الخرِّيت (٣)، عن أبي لبيدٍ، أنَّ رجلًا طلَّق امرأته وهو سكران، فرُفِع إلى عمر بن الخطَّاب، وشهدَ عليه أربعُ نسوةٍ ففرَّق عمرُ بينهما. قال (٤): وحدَّثنا ابن أبي مريم، عن ناجية بن بكر (٥)، عن جعفر بن ربيعة عن ابن شهابٍ، عن سعيد بن المسيَّب: أنَّ معاوية أجاز طلاق السَّكران.

стр. 3167

فهذا مجموع (١) ما احتجُّوا به، وليس في شيءٍ منه حجَّةٌ أصلًا. فأمَّا المأخذ الأوَّل، وهو أنَّه مكلَّفٌ، فباطلٌ، إذ الإجماع منعقدٌ على أنَّ شرط التَّكليف العقل، ومَن لا يعقل ما يقول فليس بمكلَّفٍ. وأيضًا فلو كان مكلَّفًا، لوجب أن يقع طلاقه إذا كان مكرَهًا على شربها، أو غير عالمٍ بأنَّها خمرٌ، وهم لا يقولون به. وأمَّا خطابه، فيجب حمله على الذي يعقل الخطاب، أو على الصَّاحي، وأنَّه نهي عن السُّكر إذا أراد الصَّلاة، وأمَّا مَن لا يعقل فلا يُؤمر ولا يُنهى. وأمَّا إلزامه بجناياته، فمحلُّ نزاعٍ لا محلُّ وفاقٍ، فقال عثمان البتَّيُّ (٢): لا يلزمه عقدٌ ولا بيعٌ ولا حدٌّ، إلا حدَّ الخمر فقط، وهذا إحدى الرِّوايتين عن أحمد أنَّه كالمجنون في كلِّ فعلٍ يُعتبر له العقلُ (٣). والَّذين اعتبروا أفعاله دون أقواله، فرَّقوا بفرقين، أحدهما: أنَّ إسقاط أفعاله ذريعةٌ إلى تعطيل القصاص، إذ كلُّ من أراد قتل غيره أو الزِّنا أو السَّرقة أو الحراب، سكر وفعل ذلك، فيقام عليه الحدُّ إذا أتى جرمًا واحدًا، فإذا تضاعف جرمُه بالسُّكْر كيف يسقط عنه الحدُّ؟ هذا ممَّا تأباه قواعد الشَّريعة وأصولها، وقال أحمد (٤) منكرًا على مَن قال ذلك: وبعضُ مَن يرى طلاق

стр. 3168

السَّكران ليس بجائزٍ يزعم أنَّ سكرانًا لو جنى جنايةً، أو أتى حدًّا، أو ترك الصِّيام أو الصَّلاة، كان بمنزلة المُبَرْسَم والمجنون، هذا كلام سوء (١). والفرق الثَّاني: أنَّ إلغاء أقواله لا يتضمَّن مفسدةً؛ لأنَّ الكلام (٢) المجرَّد من غير العاقل لا مفسدةَ فيه بخلاف الأفعال، فإنَّ مفاسدها لا يمكن إلغاؤها إذا وقعت، فإلغاء أفعاله ضررٌ محضٌ وفسادٌ منتشرٌ بخلاف أقواله، فإن صحَّ هذان الفَرْقان بطل الإلحاق، وإن لم يصحَّا كانت التَّسوية بين أقواله وأفعاله متعيِّنةً. وأمَّا المأخذ الثَّاني: وهو أنَّ إيقاع الطَّلاق به عقوبةٌ، ففي غاية الضَّعف، فإنَّ الحدَّ يكفيه عقوبةً، وقد حصل رضى الله سبحانه من هذه العقوبة بالحدِّ، ولا عهد لنا في الشَّريعة بالعقوبة بالطَّلاق، والتَّفريق بين الزَّوجين. وأمَّا المأخذ الثَّالث: أنَّ إيقاع الطَّلاق به من ربط الأحكام بالأسباب، ففي غاية الفساد والسُّقوط، فإنَّ هذا يوجبُ إيقاعَ الطَّلاق بمن سكر مكرهًا، أو جاهلًا بأنَّها خمرٌ، وبالمجنون والمُبَرْسَم، بل وبالنَّائم. ثمَّ يقال: وهل ثبت لكم أنَّ طلاق السَّكران سببٌ حتَّى يُربط الحكمُ به، وهل النِّزاع إلا في ذلك؟ وأمَّا المأخذ الرَّابع: وهو أنَّ الصَّحابة جعلوه كالصَّاحي في قولهم: إذا شَرِب سَكِر، وإذا سَكِر هذَى. فهو خبرٌ لا يصحُّ البتَّة.

стр. 3169

قال أبو محمَّدٍ بن حزمٍ (١): وهو خبرٌ مكذوبٌ قد نزَّه الله عليًّا وعبد الرَّحمن عنه، وفيه من المناقضة ما يدلُّ على بطلانه، فإنَّ فيه إيجاب (٢) الحدِّ على من هذى والهاذي لا حدَّ عليه. وأمَّا المأخذ الخامس: وهو حديث: «لا قيلولة في الطَّلاق»، فخبرٌ لا يصحُّ، ولو صحَّ لوجب حملُه على طلاق مكلَّفٍ يعقل دون من لا يعقل، ولهذا لم يدخل فيه طلاق المجنون والمُبْرَسَم والصَّبيِّ. وأمَّا المأخذ السَّادس: وهو خبر: «كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاق المعتوه»، فمثله سواءٌ لا يصحُّ، ولو صحَّ لكان في المكلَّف، وجوابٌ ثالثٌ: أنَّ السَّكران (٣) الذي لا يعقل إمَّا معتوهٌ، وإمَّا ملحقٌ به، وقد ادَّعت طائفةٌ أنَّه معتوهٌ. وقالوا: المعتوه في اللُّغة: الذي لا عقل له، ولا يدري ما يتكلَّم به. وأمَّا المأخذ السَّابع: وهو أنَّ الصَّحابة أوقعوا عليه الطَّلاق، فالصَّحابة مختلفون في ذلك، فصحَّ عن عثمان ما حكيناه عنه. وأمَّا أثر ابن عبَّاسٍ (٤)، فلا يصحُّ عنه، لأنَّه من طريقين، في إحداهما الحجَّاج بن أرطاة، وفي الثَّانية إبراهيم بن أبي يحيى، وأمَّا عمر (٥) ومعاوية، فقد خالفهما عثمان بن عفَّان.

стр. 3170

فصل وأمَّا طلاق الإغلاق (١)، فقد قال الإمام أحمد في رواية حنبل: وحديث عائشة سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «لا طلاقَ ولا عِتاقَ في إغلاقٍ» (٢) يعني: الغضب. هذا نصُّ أحمد حكاه عنه الخلال، وأبو بكر في «الشَّافي»، و «زاد المسافر» (٣). فهذا تفسير أحمد. وقال أبو داود في «سننه» (٤): أظنُّه الغضب، وترجم عليه: باب الطَّلاق على غلطٍ. وفسَّره أبو عبيد وغيره بأنَّه الإكراه، وفسَّره غيرهما بالجنون، وقيل: هو نهيٌ عن إيقاع الطَّلقات الثَّلاث دفعةً واحدةً، فيغلق عليه الطَّلاق حتَّى لا يبقى منه شيءٌ، كغلق الرَّهن، حكاه أبو عبيد الهرويُّ (٥).

стр. 3171

قال شيخنا (١): وحقيقة الإغلاق أن يغلق على الرَّجل قلبه، فلا يقصد الكلام، أو لا يعلم به، كأنَّه انغلق عليه قصده وإرادته. قلت: قال أبو العبَّاس المبرِّد (٢): الغلق: ضيق الصَّدر، وقلَّة الصَّبر بحيث لا يجد مَخْلَصًا. قال شيخنا (٣): فيدخل (٤) في ذلك طلاقُ المكره والمجنون، ومَن زال عقلُه بسُكْرٍ أو غضبٍ، وكلُّ من لا قَصْد له ولا معرفة له بما قال. والغضب على ثلاثة أقسامٍ (٥): أحدها: ما يزيل العقل، فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاعٍ. الثَّاني: ما يكون في مبادئه بحيث لا يمنع صاحِبَه مِن تصوُّر ما يقول وقصدِه، فهذا يقع طلاقُه. الثَّالث: أن يستحكم ويشتدَّ به، فلا يزيل عقلَه بالكلِّيَّة، ولكن يحول بينه وبين نيَّته بحيث يندم على ما فرَطَ منه إذا زال، فهذا محلُّ نظرٍ، وعدم الوقوع في هذه الحالة قويٌّ متوجِّه، والله أعلم.

стр. 3172

حكم رسول الله ﷺ في الطلاق قبل النكاح في «السُّنن» (١): من حديث عَمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نذرَ لابن آدمَ فيما لا يملك، ولا عِتْق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك». قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ (٢)، وهو أحسن شيءٍ في هذا الباب، وسألت محمَّد بن إسماعيل، فقلت: أيُّ شيءٍ أصحُّ في الطَّلاق قبل النِّكاح؟ فقال: حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه. وروى أبو داود (٣): «لا بيعَ إلا فيما يملك، ولا وفاءَ نذرٍ إلا فيما يملك». وفي «سنن ابن ماجه» (٤): عن المِسْوَر بن مَخرمة أنَّ رسول الله ﷺ قال:

стр. 3173

«لا طلاقَ قبل النِّكاح، ولا عتقَ قبل مِلكٍ». وقال وكيعٌ: حدَّثنا ابن أبي ذئبٍ، عن محمَّد بن المنكدر، وعطاء بن أبي رَباحٍ، كلاهما عن جابر بن عبد اللَّه، يرفعه: «لا طلاقَ قبل نكاحٍ» (١). وذكر عبد الرزاق (٢)، عن ابن جُريجٍ، قال: سمعت عطاء يقول: قال ابن عبَّاسٍ: لا طلاق إلا من بعد نكاحٍ. قال ابن جُريجٍ: بلغ ابنَ عبَّاسٍ أنَّ ابن مسعودٍ (٣) يقول: إن طلَّق ما لم ينكح فهو جائزٌ. فقال ابن عبَّاسٍ: أخطأ في هذا، إنَّ الله يقول: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولم يقل: إذا طلَّقتم

стр. 3174

المؤمنات ثمَّ نكحتموهنَّ (١). وذكر أبو عبيد (٢): عن عليِّ بن أبي طالبٍ أنَّه سُئل عن رجلٍ قال: إن تزوَّجت فلانة فهي طالقٌ، فقال علي: ليس طلاقٌ إلا من بعد ملكٍ. وثبت عنه أنَّه قال: لا طلاقَ إلا من بعد نكاحٍ وإن سمَّاها (٣). وهذا قول عائشة (٤)، وإليه ذهب الشَّافعيُّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحابهم، وداود وأصحابه، وجمهور أهل الحديث (٥).

стр. 3175

ومن حجَّة هذا القول: أنَّ القائل: «إن تزوَّجت فلانة فهي طالقٌ» مطلِّقٌ لأجنبيَّةٍ، وذلك محالٌ، فإنَّها حين الطَّلاق المعلَّق أجنبيَّةٌ، والمتجدِّد هو نكاحها، والنِّكاح لا يكون طلاقًا، فعُلِم أنَّها لو طَلَقت، فإنَّما يكون ذلك إسنادًا (١) إلى الطَّلاق المتقدِّم معلَّقًا، وهي إذ ذاك أجنبيَّةٌ، وتجدُّدُ الصِّفةِ لا يجعله متكلِّمًا بالطَّلاق عند وجودها، فإنَّه عند وجودها مختارٌ للنِّكاح غير مريدٍ للطَّلاق، فلا يصحُّ، كما لو قال لأجنبيَّةٍ: «إن دخلتِ الدَّار فأنتِ طالقٌ»، فدخلت وهي زوجته، لم تَطلُق بغير خلافٍ. فإن قيل: فما الفرق بين تعليق الطَّلاق وتعليق العتق؟ فإنَّه لو قال: إن ملكتُ فلانًا فهو حرٌّ، صحَّ التَّعليق، وعَتَق بالملك. قيل: في تعليق العتق قولان، وهما روايتان عن أحمد (٢)، كما عنه روايتان في تعليق الطَّلاق، وهي الصَّحيح من مذهبه الذي عليه أكثر نصوصه، وعليه أصحابه ــ صحَّة تعليق العتق دون الطَّلاق. والفرق بينهما: أنَّ العتق له قوَّةٌ وسِرايةٌ، ولا يعتمد نفوذه (٣) الملك، فإنَّه ينفذ في ملك الغير، ويصحُّ أن يكون الملك سببًا لزواله بالعتق عقلًا (٤) وشرعًا، كما يزول ملكه بالعتق عن ذي رحمه المحرَّم بشرائه، وكما لو اشترى عبدًا ليعتقه في كفَّارةٍ أو نذرٍ، أو اشتراه بشرط العتق، وكلُّ هذا يُشرع

стр. 3176

فيه جَعْل الملك سببًا للعتق، فإنَّه قُربةٌ محبوبةٌ لله، فشرَعَ الله سبحانه التَّوسُّل إليه بكلِّ وسيلةٍ مُفضيةٍ إلى محبوبه، وليس كذلك الطَّلاق، فإنَّه بغيضٌ إلى اللَّه، وهو أبغض الحلال إليه، ولم يجعل ملك البضع بالنِّكاح سببًا لإزالته البتَّة. وفرقٌ ثانٍ: أنَّ تعليق العتق بالملك من باب نذر القُرَب والطَّاعات والتَّبرُّر، كقوله: لئن آتاني الله من فضله لأتصدَّقنَّ بكذا وكذا، فإذا وُجد الشَّرط، لزمه ما علَّقه به من الطَّاعة المقصودة، فهذا لونٌ وتعليق الطَّلاق على الملك لونٌ آخر. حُكْم رسول الله ﷺ في تحريم طلاق الحائض والنفساء والموطوءة في طُهرها، وتحريم إيقاع الثلاث جملة في «الصَّحيحين» (١): أنَّ ابن عمر طلَّق امرأتَه وهي حائضٌ على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطَّاب عن ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: «مُرْه فليراجعها، ثمَّ ليمسكها حتَّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر، ثمَّ إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلّق (٢) قبل أن يمسَّ، فتلك العدَّة التي أمر الله أن يطلَّق لها النِّساء». ولمسلم (٣): «مُرْه فليراجعها، ثمَّ ليطلِّقها إذا طهرت، أو وهي حامل».

стр. 3177

وفي لفظٍ (١): «ثم إن شاء طلَّقها طاهرًا قبل أن يمسَّ، فذلك الطَّلاق للعدَّة كما أمر الله تعالى». وفي لفظٍ للبخاريِّ (٢): «مُرْه فليراجعها ثمَّ يطلِّقها في قُبُل عدَّتها». وفي لفظٍ لأحمد، وأبي داود، والنَّسائيِّ (٣)، عن ابن عمر قال: طلَّق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائضٌ، فردَّها علَيَّ رسولُ الله (٤) ﷺ ولم يرها شيئًا، وقال: «إذا طهرت فليطلِّق أو ليمسك». قال ابن عمر: وقرأ رسولُ الله ﷺ : «يا أيُّها النَّبيُّ إذا طلَّقتم النِّساء فطلِّقوهنَّ في قُبُلِ عِدَّتهنَّ». فتضمَّن هذا الحكمُ أنَّ الطَّلاقَ على أربعه أوجهٍ (٥): وجهان حلالٌ، ووجهان حرامٌ (٦).

стр. 3178

فالحلال (١): أن يطلِّق امرأتَه طاهرًا من غير جماعٍ، أو يطلِّقها حاملًا مستبينًا حملُها. والحرام: أن يطلِّقها وهي حائضٌ، أو يطلِّقها في طُهرٍ جامعها فيه. هذا في طلاق المدخول بها. وأمَّا من لم يُدخَل بها، فيجوز طلاقها حائضًا وطاهرًا، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقد دلَّ على هذا قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وهذه لا عدَّة لها، ونبَّه عليه رسول الله ﷺ بقوله: «فتلك العدَّةُ التي أمر الله أن يطلَّق لها النِّساء» (٢)، ولولا هاتان الآيتان اللَّتان فيهما إباحة الطَّلاق قبل الدُّخول، لمنع من طلاق من لا عدَّة لها (٣).

стр. 3179

وفي «سنن النَّسائيِّ» وغيره (١) من حديث محمود بن لَبيدٍ، قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجلٍ طلَّق امرأته ثلاث تطليقاتٍ جميعًا، فقام غضبان، فقال: «أيُلْعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!» حتَّى قام رجلٌ فقال: يا رسول اللَّه! أفلا أقتله. وفي «الصَّحيحين» (٢) عن ابن عمر: أنَّه كان إذا سئل عن الطَّلاق قال: أمَّا أنتَ طلَّقتَ امرأتَك مرَّةً أو مرَّتين فإنَّ رسول الله ﷺ أمرني بهذا، وإن كنتَ طلَّقتها ثلاثًا، فقد حَرُمَتْ عليك حتَّى تنكح زوجًا غيرك، وعصيتَ الله فيما أمرك من طلاق امرأتك. فتضمَّنت هذه النُّصوص أنَّ المطلَّقة نوعان: مدخولٌ بها وغير مدخولٍ بها، وكلاهما لا يجوز تطليقها ثلاثًا مجموعةً، وجواز تطليق غير المدخول بها طاهرًا أو حائضًا. وأمَّا المدخول بها، فإن كانت حائضًا أو نفساء، حَرُم طلاقها، وإن كانت طاهرًا، فإن كانت مستبينة الحمل، جاز طلاقها بعد الوطء وقبله، وإن كانت

стр. 3180

حائلًا لم يجز طلاقها بعد الوطء في طُهْر الإصابة، ويجوز قبله. هذا الذي شرعه الله على لسان رسوله ﷺ من الطَّلاق، وأجمع المسلمون على وقوع الطَّلاق الذي أذن الله فيه وأباحه إذا كان من مكلَّفٍ مختارٍ، عالمٍ بمدلول اللَّفظ، قاصدٍ (١) له. واختلفوا في وقوع المحرَّم من ذلك، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الطَّلاق في الحيض، أو في الطُّهر الذي واقعها فيه. المسألة الثَّانية: في جمع الثَّلاث. ونحن نذكر المسألتين تحريرًا وتقريرًا، كما ذكرناهما تصويرًا، ونذكر حجج الفريقين، ومنتهى أقدام الطَّائفتين، مع العلم بأنَّ المقلِّد المتعصِّب لا يترك قولَ مَن قلَّده ولو جاءته كلُّ آيةٍ، وأنَّ طالب الدَّليل لا يأتمُّ بسواه، ولا يحكِّم إلا إيَّاه، ولكلٍّ من النَّاس موردٌ لا يتعدَّاه، وسبيلٌ لا يتخطَّاه، ولقد عُذِر مَن حَمَل ما انتهت إليه قواه، وسعى إلى حيث انتهت خطاه. فأمَّا المسألة الأولى (٢)، فإنَّ الخلاف في وقوع الطَّلاق المحرَّم لم يزل ثابتًا بين السَّلف والخلف، وقد وهم من ادَّعى الإجماعَ على وقوعه، وقال بمبلغ علمه، وخفي عليه من الخلاف ما اطَّلع عليه غيره، وقد قال الإمام أحمد: مَن ادَّعى الإجماعَ فهو كاذبٌ، وما يدريه لعلَّ النَّاس اختلفوا (٣).

стр. 3181

كيف والخلاف (١) بين النَّاس في هذه المسألة معلوم الثُّبوت عن المتقدِّمين والمتأخِّرين؟ قال محمَّد بن عبد السَّلام الخُشَنيُّ: حدَّثنا محمَّد بن بشَّارٍ، حدَّثنا عبد الوهَّاب بن عبد المجيد الثَّقفيُّ، حدَّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ مولى ابن عمر، عن ابن عمر أنَّه قال في الرجل يطلِّق امرأته وهي حائضٌ: قال ابن عمر: لا يعتدُّ بذلك، ذكره أبو محمَّد بن حزمٍ في «المحلَّى» (٢) بإسناده إليه. وقال عبد الرزاق في «مصنَّفه» (٣): عن ابن جريجٍ، عن ابن طاوس، عن أبيه: أنَّه كان لا يرى طلاقًا ما خالف وجه الطَّلاق ووجه العدَّة. وكان يقول: وجه الطَّلاق أن يطلِّقها طاهرًا من غير جماعٍ، وإذا استبان حملها. وقال الخُشَني (٤): حدَّثنا محمَّد بن المثنَّى، حدَّثنا عبد الرَّحمن بن

стр. 3182

مهديٍّ، حدَّثنا همَّام بن يحيى، عن قتادة، عن خِلاس بن عمرو أنَّه قال في الرَّجل يطلِّق امرأته وهي حائضٌ قال: لا يعتدُّ بها. قال أبو محمَّدٍ بن حزمٍ (١): والعجب مِن جرأة مَن ادَّعى الإجماعَ على خلاف هذا، وهو لا يجد فيما يوافق قولَه في إمضاء الطَّلاق في الحيض أو في طهرٍ جامعها فيه كلمةً عن أحدٍ من الصَّحابة ﵃ غير روايةٍ عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر، وروايتين ساقطتين عن عثمان وزيد بن ثابتٍ: إحداهما: رُوِّيناها من طريق ابن وهب، عن ابن سمعان، عن رجلٍ أخبره أنَّ عثمان بن عفَّان كان يقضي في المرأة التي يطلِّقها زوجها وهي حائضٌ أنَّها لا تعتدُّ بحيضتها تلك، وتعتدُّ بعدها ثلاثةَ قُرُوءٍ (٢). قلت: وابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان الكذاب، وقد رواه عن مجهولٍ لا يعرف. قال أبو محمد: والأخرى من طريق عبد الرزاق (٣)، عن هشام بن حسَّان، عن قيس بن سعد مولى أبي علقمة، عن رجلٍ سمَّاه، عن زيد بن ثابتٍ أنَّه قال فيمن طلَّق امرأتَه وهي حائضٌ: يلزمه الطَّلاق، وتعتدُّ ثلاث حِيَضٍ سوى تلك الحيضة.

стр. 3183

قال أبو محمد: بل نحن أسعد بدعوى الإجماع هاهنا لو استجزنا ما يستجيزون، ونعوذ بالله من ذلك، وذلك أنَّه لا خلاف بين أحدٍ من أهل العلم قاطبةً، ومِن جُملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك في أنَّ الطَّلاقَ في الحيض أو في طُهرٍ جامعها فيه بدعةٌ، فإذْ لا شكَّ (١) في هذا عندهم، فكيف يستجيزون الحكمَ بتجويز البدعة التي يقرُّون أنَّها بدعةٌ وضلالةٌ، أليس بحكم المشاهدة مُجيز البدعة مخالفًا لإجماع القائلين بأنَّها بدعةٌ؟ قال أبو محمد: وحتَّى لو لم يبلغنا الخلافُ، لكان القاطعُ على جميع أهل الإسلام بما لا يقين عنده، ولا بلَغَه عن جميعهم كاذبًا على جميعهم. قال المانعون من وقوع الطَّلاق المحرَّم: لا يُزال النِّكاح المتيقَّن إلا بيقينٍ مثله من كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ متيقَّنٍ. فإذا أوْجَدْتمونا واحدًا من هذه الثَّلاثة، رفعنا حكمَ النِّكاح به، ولا سبيلَ إلى رفعه بغير ذلك. قالوا: فكيف والأدلَّة المتكاثرة تدلُّ على عدم وقوعه، فإنَّ هذا الطَّلاق لم يشرعه الله البتَّة، ولا أذِنَ فيه، فليس من شرعه، فكيف يُقال بنفوذه وصحَّته؟ قالوا: وإنَّما يقع من الطَّلاق (٢) ما ملَّكه الله للمطلِّق، ولهذا لا يقع به الرَّابعة؛ لأنَّه لم يملِّكها (٣) إيَّاه، ومن المعلوم أنَّه لم يملِّكه الطَّلاق المحرَّم،

стр. 3184

ولا أذِنَ له فيه، فلا يصحُّ ولا يقع. قالوا: ولو وكَّل وكيلًا أن يطلِّق امرأته طلاقًا جائزًا، فطلَّق (١) طلاقًا محرَّمًا لم يقع، لأنَّه غير مأذونٍ له فيه، فكيف كان إذن المخلوق معتبرًا في صحَّة إيقاع الطَّلاق دون إذن الشَّارع؟! ومن المعلوم أنَّ المكلَّف إنَّما يتصرَّف بالإذن، فما لم يأذن به الله ورسوله لا يكون محلًّا للتَّصرُّف البتَّة. قالوا: وأيضًا فالشَّارع قد حَجَر على الزَّوج أن يطلِّق في حال الحيض أو بعد الوطء في الطُّهر، فلو صحَّ طلاقُه لم يكن لحَجْر الشَّارع معنًى، وكان حَجْر القاضي على مَن منعه التَّصرُّف أقوى مِن حَجْر الشَّارع حيث يبطل التَّصرُّف بحجره. قالوا: وبهذا أبطلنا البيعَ وقتَ النِّداء يوم الجمعة؛ لأنَّه بيعٌ حَجَر الشَّارعُ على بائعه في هذا الوقت، فلا يجوز تنفيذُه وتصحيحُه. قالوا: ولأنَّه طلاقٌ محرَّمٌ منهيٌّ عنه، والنَّهي (٢) يقتضي فسادَ المنهيِّ عنه، فلو صحَّحناه لكان لا فرق بين المنهيِّ عنه والمأذون فيه من جهة الصِّحَّة والفساد. قالوا: وأيضًا فالشَّارع إنَّما نهى عنه وحرَّمه لأنَّه يبغضُه، ولا يحبُّ وقوعَه، بل وقوعُه مكروهٌ إليه، فحرَّمه لئلَّا يقع ما يبغضه ويكرهه، وفي تصحيحه وتنفيذه ضدُّ هذا المقصود. قالوا: وإذا كان النِّكاح المنهيُّ عنه لا يصحُّ لأجل النَّهي، فما الفرق بينه

стр. 3185

وبين الطَّلاق؟ وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النِّكاح، وصحَّحتم ما حرَّمه ونهى عنه من الطَّلاق، والنَّهي يقتضي البطلان في الموضعين؟ قالوا: ويكفينا من هذا حكم رسول الله ﷺ العامُّ الذي لا تخصيص فيه بردِّ ما خالف أمرَه وإبطالِه وإلغائه، كما في «الصَّحيح» (١) عنه، من حديث عائشة: «كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»، وفي لفظٍ (٢): «مَن عَمِل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ». وهذا صريحٌ في أنَّ هذا الطَّلاق المحرَّم الذي ليس عليه أمره ﷺ مردودٌ وباطلٌ، فكيف يقال: إنَّه صحيحٌ لازمٌ نافذٌ؟ فأين هذا مِن الحكم بردِّه؟ قالوا: وأيضًا فإنَّه طلاقٌ لم يشرعه الله أبدًا، فكان مردودًا باطلًا كطلاق الأجنبيَّة، ولا ينفعكم الفرق بأنَّ الأجنبيَّة ليست محلًّا للطَّلاق بخلاف الزَّوجة، فإنَّ هذه الزَّوجة ليست محلًّا للطَّلاق المحرَّم، ولا هو ممَّا ملَّكه الشَّارعُ إيَّاه. قالوا: وأيضًا فإنَّ الله سبحانه إنَّما أمر بالتَّسريح بإحسانٍ، ولا أسوأ (٣) من التَّسريح الذي حرَّمه الله ورسوله، وموجَب عقد النِّكاح أحد أمرين: إمَّا إمساكٌ بمعروفٍ، وإما (٤) تسريحٌ بإحسانٍ، والتَّسريح المحرَّم أمرٌ ثالثٌ غيرهما، فلا عبرة به البتَّة.

стр. 3186

قالوا: وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ المبَيِّن عن الله مرادَه من كلامه، أنَّ الطَّلاق المشروع المأذون فيه هو الطَّلاق في زمن الطُّهر الذي لم يُجامَع فيه، أو بعد استبانة الحمل، وما عداهما فليس بطلاقٍ للعدَّة في حقِّ المدخول بها، فلا يكون طلاقًا، فكيف تحرُم المرأةُ به؟ قالوا: وقد قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ومعلومٌ أنَّه إنَّما أراد الطَّلاقَ (١) المأذونَ فيه، وهو الطَّلاق للعِدَّة، فدلَّ على أنَّ ما عداه ليس من الطَّلاق، فإنَّه حَصَر الطَّلاقَ المشروعَ المأذونَ فيه الذي يملك به الرَّجعة في مرَّتين، فلا يكون ما عداه طلاقًا. قالوا: ولهذا كان الصَّحابة يقولون: إنَّهم لا طاقة لهم بالفتوى في الطَّلاق المحرَّم، كما روى ابن وهب، عن جرير بن حازمٍ، عن الأعمش، أنَّ ابنَ مسعودٍ قال: مَن طلَّق كما أمره اللَّه، فقد بيَّن الله له، ومَن خالف، فإنَّا لا نطيق خلافه (٢). ولو وقع طلاقُ المخالف لم يكن الإفتاء به غير مطاقٍ لهم، ولم يكن للتَّفريق معنًى إذ كان النَّوعان واقعَين نافذَين.

стр. 3187

وقال ابن مسعودٍ أيضًا: من أتى الأمرَ على وجهه فقد بُيِّن له، وإلَّا فواللَّه ما لنا طاقةٌ بكلِّ ما تُحْدِثون (١). وقال بعض الصَّحابة وقد سئل عن الطَّلاق الثَّلاث مجموعةً: مَن طلَّق كما أمر فقد بُيِّن له، ومَن لبَّس تركناه وتلبيسَه (٢). قالوا: ويكفي من ذلك كلِّه ما رواه أبو داود (٣) بالسَّند الصَّحيح الثَّابت: حدَّثنا أحمد بن صالح، حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبرني أبو الزبير: أنَّه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابنَ عمر ــ قال أبو الزبير: وأنا أسمع ــ: كيف ترى في رجلٍ طلَّق امرأته حائضًا؟ فقال ابنُ عمر: طلَّقَ ابن عمر امرأتَه حائضًا على عهد رسول الله ﷺ فسألَ عمرُ عن ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: إنَّ عبد الله بن عمر طلَّق امرأته وهي حائضٌ، قال عبد الله: فردَّها عليَّ ولم يَرَها شيئًا، وقال: «إذا طَهُرت، فليطلِّق أو ليمسك»، وقرأ رسول الله ﷺ : «يا أيُّها النَّبيُّ إذا طلَّقتم النِّساء فطلِّقوهنَّ في قُبُل عدَّتهنَّ». قالوا: وهذا إسنادٌ في غاية الصِّحَّة، فإنَّ أبا الزبير غير مدفوعٍ عن الحفظ والثِّقة، وإنَّما يُخشَى من تدليسه، فإذا قال: سمعتُ أو حدَّثني، زال محذور التَّدليس، وزالت العلَّة المتوهَّمة، وأكثرُ أهل الحديث يحتجُّون به إذا قال: «عن» ولم يصرِّح بالسَّماع، ومسلمٌ يصحِّح ذلك مِن حديثه، فأمَّا إذا صرَّح بالسَّماع، فقد زال الإشكال، وصحَّ الحديثُ، وقامت به الحجَّة.

стр. 3188

قالوا: ولا نعلم خبر (١) أبي الزبير هذا رُدَّ بما يوجب (٢) ردَّه، وإنَّما رَدَّه مَن رَدَّه استبعادًا واعتقادًا أنَّه خلاف الأحاديث الصَّحيحة، ونحن نحكي كلامَ مَن ردَّه، ونبيِّن أنَّه ليس فيه ما يوجب الرَّدَّ. قال أبو داود (٣): والأحاديث كلُّها على خلاف ما قال أبو الزبير. وقال الشَّافعيُّ (٤): ونافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه. وقال الخطابي (٥): حديث يونس بن جُبير (٦) أثبت من هذا، يعني قوله: «مُرْه فليراجعها»، وقوله: «أرأيت إن عَجَز واستحمق؟ قال: فمه». وقال ابن عبد البرِّ (٧): وهذا لم يقله عنه أحدٌ غير أبي الزبير، وقد رواه عنه جماعةٌ جِلّة (٨)، فلم يقل ذلك أحدٌ منهم، وأبو الزبير ليس بحجَّةٍ فيما خالفَه فيه مثلُه، فكيف بخلاف مَن هو أثبت منه.

стр. 3189

وقال بعض أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا (١). فهذا جملة ما رُدَّ به خبرُ أبي الزبير، وهو عند التَّأمَّل لا يوجب رَدَّه ولا بطلانَه. أمَّا قول أبي داود: «الأحاديث كلُّها على خلافه»، فليس بأيديكم سوى تقليد أبي داود، وأنتم لا ترضون ذلك، وتزعمون أنَّ الحجَّة من جانبكم، فدعوا التَّقليدَ وأخبرونا أين في الأحاديث الصَّحيحة ما يخالف حديثَ أبي الزبير؟ فهل فيها حديثٌ واحدٌ فيه (٢) أنَّ رسول الله ﷺ حَسَب عليه تلك الطَّلقة، وأمره أن يعتدَّ بها؟ فإن كان ذلك، فنعم والله هذا خلافٌ صريحٌ لحديث أبي الزبير، ولا تجدون إلى ذلك سبيلًا. وغاية ما بأيديكم: «مُرْه فليراجعها» والرَّجعة تستلزم وقوعَ الطَّلاق، وقول ابن عمر وقد سُئل: أتعتدُّ بتلك التَّطليقة؟ فقال: «أرأيتَ إن عَجَز واستحمق»، وقول نافع أو من دونه: «فحُسِبَت من طلاقها». وليس وراء ذلك حرفٌ واحدٌ يدلُّ على وقوعها والاعتداد بها، ولا ريب في صحَّة هذه الألفاظ، ولا مطعن فيها، وإنَّما الشَّأن كلُّ الشَّأن في معارضتها لقوله: «فردَّها عليَّ ولم يرها شيئًا» وتقديمها عليه، ومعارضتها لتلك الأدلَّة المتقدِّمة التي سقناها، وعند الموازنة يظهر التَّفاوت، وعدم المقاومة، ونحن نذكر ما في كلمةٍ كلمةٍ (٣) منها:

стр. 3190

أمَّا قوله: «مُرْه فليراجعها»، فالمراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله على ثلاثة معانٍ: أحدها: ابتداء النِّكاح، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولا خلاف بين أحدٍ من أهل العلم بالقرآن أنَّ المطلِّق هاهنا: هو الزَّوج الثَّاني، وأنَّ التَّراجع بينها وبين الزَّوج الأوَّل، وذلك نكاحٌ مبتدأٌ. وثانيها: الرَّدُّ الحسِّيُّ إلى الحالة التي كان عليها أوَّلًا، كقوله لأبي النعمان بن بشير لمَّا نَحَل ابنَه غلامًا خصَّه به دون ولده: «رُدَّه» (١)، فهذا ردُّ ما لم تصحَّ فيه الهبة الجائرة التي سمَّاها رسول الله ﷺ : جَوْرًا، وأخبر أنَّها لا تصلح، وأنَّها خلاف العدل، كما سيأتي تقريره إن شاء الله. ومِن هذا قوله لمن فرَّق بين جاريةٍ وولدها في البيع، فنهاه عن ذلك، وردَّ البيعَ (٢)، وليس هذا الرَّدُّ مستلزمًا لصحَّة البيع، فإنَّه بيعٌ باطلٌ (٣)، بل هو ردُّ شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا، وهكذا الأمرُ بمراجعة ابن عمر امرأتَه ارتجاعٌ وردٌّ إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطَّلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطَّلاق في الحيض البتَّة.
следующие страницы →