← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

فقال: إنِّي طلَّقتها ثلاثًا يا رسول اللَّه. قال: «قد علمتُ أرْجعها (١)»، وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطَّلاق: ١]. ولا علَّة لهذا الحديث إلا رواية ابن جُرَيجٍ له عن بعض بني أبي رافعٍ، وهو مجهولٌ، ولكن هو تابعيٌّ، وابنُ جريجٍ من الأئمَّة الثِّقات العدول، ورواية العدل عن غيره تعديلٌ له ما لم يُعْلَم فيه جرحٌ، ولم يكن الكذب ظاهرًا في التَّابعين، ولا سيَّما التَّابعين من أهل المدينة، ولا سيَّما موالي رسول الله ﷺ ، ولا سيَّما مثل هذه السُّنَّة التي تشتدُّ حاجة المسلمين (٢) إليها، لا يُظَنُّ بابن جُرَيج أنَّه حمَلَها عن كذَّابٍ ولا عن غير ثقةٍ عنده ولم يبيِّن حاله. وجاء التَّفريق بالعُنَّة عن عمر (٣) وعثمان (٤) وعبد الله بن مسعودٍ (٥)

стр. 3117

وسَمُرة بن جُنْدبٍ ومعاوية بن أبي سفيان (١) والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة (٢) والمغيرة بن شعبة (٣). لكنَّ عمر وابن مسعودٍ والمغيرة أجَّلوه سنةً، وعثمان ومعاوية وسَمُرة لم يؤجِّلوه، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أجَّله عشرة أشهرٍ. وذكر سعيد بن منصورٍ (٤): حدَّثنا هُشَيم، أنبأنا عبد الله بن عون (٥)، عن

стр. 3118

ابن سيرين: أنَّ عمر بن الخطَّاب بعث رجلًا على بعض السِّعاية، فتزوَّج امرأةً وكان عقيمًا، فقال له عمر: أعْلَمْتها أنَّك عقيمٌ؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعْلِمْها، ثمَّ خيِّرها. وأجَّل مجنونًا سنةً فإن أفاق وإلَّا فرَّق بينه وبين امرأته (١). فاختلف الفقهاء في ذلك، فقال داود وابن حزمٍ (٢) ومن وافقهما: لا يُفسَخ النِّكاح بعيبٍ البتَّة، وقال أبو حنيفة: لا يفسخ إلا بالجَبِّ والعُنَّة خاصَّةً (٣). وقال الشَّافعيُّ ومالك (٤): يُفْسَخ بالجنون والجُذام والبَرَص والقَرْن والجَبِّ والعُنَّة خاصَّةً، وزاد الإمام أحمد عليهما (٥): أن تكون المرأة فَتْقاء منخرقة ما بين السَّبيلين. ولأصحابه في نَتَنِ الفم والفَرْج وانخراق مخرجي البولِ والمنيِّ في

стр. 3119

الفرج، والقروح السَّيَّالة فيه، والباسور (١) والنَّاصور والاستحاضة، واستطلاق البول (٢) أو النَّجو، والخِصاء وهو قطع البيضتين (٣)، أو السَّلِّ وهو سلُّ البيضتين، والوَجْأ وهو رضُّهما، وكون أحدهما خُنثى مشكلًا، والعيب الذي بصاحبه مثله من العيوب السَّبعة، والعيب الحادث بعد العقد وجهان. وذهب بعض أصحاب الشَّافعيِّ: إلى ردِّ المرأة بكلِّ عيبٍ تُرَدُّ به الجارية في البيع، وأكثرهم لا يعرف هذا الوجه ولا مظنَّته ولا من قاله. وممَّن حكاه أبو عاصم العبَّادي (٤) في كتاب «طبقات أصحاب الشَّافعيِّ» (٥)، وهذا القول هو القياس أو قول ابن حزمٍ (٦) ومن وافقه. وأمَّا الاقتصار على عيبين أو ستَّةٍ أو سبعةٍ أو ثمانيةٍ دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها، فلا وجه له، فالعمى والخَرَس والطَّرش، وكونها مقطوعة اليدين أو الرِّجلين أو أحدهما، أو كون الرَّجل كذلك= مِن أعظم المنفِّرات،

стр. 3120

والسُّكوت عنه من أقبح التَّدليس والغشِّ، وهو منافٍ للدِّين، والإطلاق إنَّما ينصرف إلى السَّلامة، فهو كالمشروط عُرفًا، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب لمن تزوَّج امرأةً وهو لا يولد له: «أَخبِرها أنَّك عقيمٌ وخيرها» (١)، فماذا يقول ﵁ في العيوب التي هذا عندها كمالٌ لا نقصٌ؟! والقياس أنَّ كلَّ عيبٍ ينفِّرُ الزَّوجَ الآخر منه ولا يحصل به مقصودُ النِّكاح من المودَّة والرَّحمة يوجِبُ الخيار، وهو أولى من البيع، كما أنَّ الشُّروط المشتَرَطة في النِّكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم الله ورسولُه مغرورًا (٢) قطُّ ولا مغبونًا بما غُرَّ به وغُبِن به، ومن تدبَّر مقاصد الشَّرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه من المصالح، لم يخْفَ عليه رُجحان هذا القول وقُربه من قواعد الشَّريعة (٣). وقد روى يحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ عن ابن المسيَّب قال: قال عمر: أيُّما امرأةٍ زُوِّجت وبها جنونٌ أو جُذامٌ أو بَرَصٌ فدخل بها، ثمَّ اطَّلع على ذلك، فلها مهرُها بمسيسه إيَّاها، وعلى الوليِّ الصَّداق بما دلَّس كما غرَّه (٤). ورَدُّ هذا بأنَّ ابنَ المسيَّب لم يسمع من عمر مِن باب الهذيان البارد المخالف لإجماع أهل الحديث قاطبةً، قال الإمام أحمد: إذا لم يُقبل (٥)

стр. 3121

سعيد بن المسيَّب عن عمر، فمن يقبل؟! وأئمَّة الإسلام جمهورهم (١) يحتجُّون بقول سعيد بن المسيَّب: «قال رسول الله ﷺ »، فكيف بروايته عن عمر؟! وكان عبد الله بن عمر يرسل إلى سعيد يسأله عن قضايا عمر، فيفتي بها، ولم يطعن أحدٌ قطُّ من أهل عصره ولا مَن بعدهم ممَّن له في الإسلام قولٌ معتبرٌ في رواية سعيد بن المسيَّب عن عمر، ولا عبرة بغيرهم. وروى الشَّعبيُّ عن علي: أيُّما امرأةٍ نكحت وبها برصٌ أو جنونٌ أو جُذامٌ أو قَرْنٌ، فزوجها بالخيار ما لم يمسَّها، إن شاء أمسك وإن شاء طلَّق، وإن مسَّها فلها المهر بما استحلَّ من فرجها (٢). وقال وكيعٌ: عن سفيان الثَّوريِّ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيَّب، عن عمر قال: إذا تزوَّجها برصاء أو عمياء، فدخل بها، فلها الصَّداق ويرجع به على مَن غرَّه (٣). وهذا يدلُّ على أنَّ عمر ﵁ لم يذكر تلك العيوب المتقدِّمة على وجه الاختصاص والحصر دون ما عداها، وكذلك حَكَم قاضي الإسلام ــ حقًّا ــ الذي يضرب المثل بعلمه ودينه وحكمه: شُريح. قال عبد الرزاق (٤): عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: خاصم

стр. 3122

رجلٌ إلى شريح، فقال: إنَّ هؤلاء قالوا لي: إنَّا نزوِّجك أحسن النَّاس، فجاءوني بامرأةٍ عمشاء، فقال شريح: إن كان دلِّس لك بعيبٍ لم يجز، فتأمَّل هذا القضاء، وقولَه: إن كان دلِّس لك بعيبٍ، كيف يقتضي أنَّ كلَّ عيبٍ دُلِّسَت به المرأة فللزَّوج الرَّدُّ به. وقال الزُّهريُّ: يردُّ النِّكاح من كلِّ داءٍ عضالٍ (١). ومن تأمَّل فتاوى الصَّحابة والسَّلف علم أنَّهم لم يخصُّوا الرَّدَّ بعيبٍ دون عيبٍ إلا روايةً رويت عن عمر: لا تُرَدُّ النِّساء إلا من العيوب الأربعة: الجنون والجُذام والبَرَص والدَّاء في الفرج (٢). وهذه الرِّواية لا نعلم لها إسنادًا أكثر من «أصبغ عن ابن وهب عن عمر وعلي». وقد روي عن ابن عبَّاسٍ ذلك بإسنادٍ متَّصلٍ، ذكَرَه سفيان عن عمرو بن دينارٍ عنه (٣).

стр. 3123

هذا كلُّه إذا أطْلَق الزَّوجُ، وأمَّا إذا شرَط السَّلامةَ أو شرَط الجمالَ فبانت شوهاء، أو شرَطَها شابَّةً حديثةَ السِّنِّ فبانت عجوزًا شمطاء، أو شرَطَها بيضاء فبانت سوداء، أو بكرًا فبانت ثيِّبًا؛ فله الفسخ في ذلك كلِّه. فإن كان قبل الدُّخول فلا مهر، وإن كان بعده فلها المهر، وهو غُرْمٌ على وليِّها إن كان غرَّه، وإن كانت هي الغارَّة سقط مهرُها أو رجع عليها به إن كانت قبضَتْه، ونصَّ على هذا أحمدُ في إحدى الرِّوايتين عنه (١)، وهي أقْيَسهما وأولاهما بأصوله فيما إذا كان الزَّوج هو المشترِط. وقال أصحابه: إذا شرطَتْ فيه صفةً فبان بخلافها فلا خيار لها إلا في شرط الحرِّيَّة إذا بان عبدًا، فلها الخيار. وفي شرط النَّسب إذا بان بخلافه وجهان، والَّذي يقتضيه مذهبه وقواعده: أنَّه لا فرق بين اشتراطه واشتراطها، بل إثبات الخيار لها إذا فات ما اشترطَتْه أولى؛ لأنَّها لا تتمكَّن من المفارقة بالطَّلاق، فإذا جاز له الفسخ مع تمكُّنه من الفراق بغيره، فلَأَن يجوز لها الفسخ مع عدم تمكُّنها أولى. وإذا جاز لها أن تفسخ (٢) إذا ظهر الزَّوج ذا صناعةٍ دنيئةٍ لا تشينه في دينه ولا في عرضه، وإنَّما تمنع كمال استمتاعها و لذَّتها (٣) به، فإذا شرَطَتْه شابًّا جميلًا صحيحًا، فبان شيخًا مشوَّهًا أعمى أطرش أخرس أسود، فكيف تُلزَم به وتُمنَع من الفسخ؟! هذا في غاية الامتناع والتَّناقض والبعد عن القياس وقواعد الشَّرع. وباللَّه التَّوفيق.

стр. 3124

وكيف يمكَّن أحد الزَّوجين من الفسخ بقَدْر العدسة من البَرَص، ولا يمكَّن منه بالجرب المستحكم المستمكن (١)، وهو أشدُّ إعداءً من ذلك البرص اليسير، وكذلك غيره من أنواع الدَّاء العضال؟! وإذا كان النَّبيُّ ﷺ حرَّم على البائع كتمانَ عيبِ سلعته، وحرَّم على من علمه أن يكتمه من المشتري، فكيف بالعيوب في النِّكاح، وقد قال النَّبيُّ ﷺ لفاطمة بنت قيس حين استشارته في نكاح معاوية أو أبي الجهم: «أمَّا معاوية فصعلوكٌ لا مال له، وأمَّا أبو جهم (٢) فلا يضع عصاه عن عاتقه» (٣). فعُلِم أنَّ بيان العيب في النِّكاح أولى وأوجب، فكيف يكون كتمانُه وتدليسُه والغشُّ الحرام به سببًا للزومه وجَعْل ذي العيب غلًّا لازمًا في عنق صاحبه مع شدَّة نُفرته عنه، ولا سيَّما مع شَرْط السَّلامة منه، وشَرْط خلافه؟! هذا ممَّا يُعْلَم يقينًا أنَّ تصرُّفات الشَّريعة وقواعدها وحِكَمها (٤) تأباه. والله أعلم. وقد ذهب أبو محمد ابن حزم (٥) إلى أنَّ الزَّوج إذا اشترط السَّلامةَ من العيوب فوجد أيَّ عيبٍ كان، فالنِّكاح باطلٌ من أصله غير منعقدٍ، ولا خيار فيه ولا إجازة ولا نفقة ولا ميراث. قال: لأنَّ (٦) التي أُدْخِلت عليه غير التي

стр. 3125

تزوَّج، لأن (١) السَّالمة غير المعيبة بلا شكٍّ، فإذا لم يتزوَّجها فلا زوجيَّة بينهما. فصل في حُكْم رسول الله ﷺ في خدمة المرأة لزوجها قال ابن حبيب في «الواضحة» (٢): «حكم النَّبيُّ ﷺ بين عليِّ بن أبي طالبٍ وبين زوجته فاطمة حين اشتكيا إليه الخدمة، فحَكَم على فاطمة بالخدمة الباطنة خدمة البيت، وحكم على عليٍّ بالخدمة الظَّاهرة»، ثمَّ قال ابن حبيب: والخدمة الباطنة: العجين والطَّبيخ والفرش وكنس البيت واستقاء الماء، وعمل البيت كلِّه. وفي «الصَّحيحين» (٣): أنَّ فاطمة أتت النبيَّ ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرَّحى وتسأله خادمًا، فلم تجده، فذكرَتْ ذلك لعائشة، فلمَّا جاء رسولُ الله ﷺ أخبرَتْه. قال عليّ: فجاءنا وقد أخذنا مضاجِعَنا، فذهبنا نقوم، فقال: مكانكما، فجاء فقعد بيننا حتَّى وجدت برد قدمه (٤) على بطني، فقال: «ألا أدلُّكما على ما هو خيرٌ لكما ممَّا سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما فسبِّحا الله ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين (٥)، وكبِّرا أربعًا وثلاثين، فهو خيرٌ

стр. 3126

لكما من خادمٍ». قال عليّ: فما تركتُها بعْدُ، قيل: ولا ليلة صِفِّين؟ قال: ولا ليلة صفِّين. وصحَّ عن أسماء أنَّها قالت: كنتُ أخْدُم الزبيرَ خدمةَ البيتِ كلِّه (١)، وكان له فرسٌ وكنت أسوسُه، كنت أحشُّ (٢) له وأقوم عليه (٣). وصحَّ عنها أنَّها كانت تعلف فرسَه، وتسقي الماء، وتخْرِز الدَّلو، وتعجن، وتنقل النَّوى على رأسها من أرضٍ له على ثلثي فرسخٍ (٤). فاختلف الفقهاء في ذلك، فأوجب طائفةٌ من السَّلف والخلف خدمَتَها له في مصالح البيت، وقال أبو ثورٍ: عليها أن تخدم زوجها في كلِّ شيءٍ. ومنعت طائفةٌ وجوبَ خدمته عليها في شيءٍ، وممَّن ذهب إلى ذلك الشَّافعيُّ (٥) وأبو حنيفة وأهل الظَّاهر (٦)، قالوا: لأنَّ عقد النِّكاح إنَّما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام وبذل المنافع، قالوا: والأحاديث المذكورة إنَّما تدلُّ على التَّطوُّع ومكارم الأخلاق، فأين الوجوب منها؟

стр. 3127

واحتجَّ مَن أوجب الخدمةَ بأنَّ هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه بكلامه، وأمَّا ترفيه المرأة وخدمة الزَّوج وكنسه وطبخه (١) وعجنه وغسيله وفرشه وقيامه بخدمة البيت فمِن المنكر (٢)، والله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، وإذا لم تخدمه المرأة بل يكون هو الخادم لها فهي القوَّامة عليه. وأيضًا: فإنَّ المهر في مقابلة البُضْع، وكلٌّ من الزَّوجين يقضي وطرَه مِن صاحبه، فإنَّما أوجب الله سبحانه نفقتها وكسوتها ومسكنها في مقابلة انتفاعه في الاستمتاع (٣) بها وخدمَتِها، وما جرت به عادة الأزواج. وأيضًا فإنَّ العقود المطلقة إنَّما تُنَزَّل على العُرف (٤)، والعُرفُ خدمةُ المرأة وقيامها بمصالح البيت الدَّاخلة. وقولهم: إنَّ خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرُّعًا وإحسانًا (٥) = يردُّه أنَّ فاطمة كانت تشتكي ما تلقى مِن الخِدْمة، فلم يقل لعلي: لا خدمةَ عليها، وإنَّما هي عليك، وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحدًا، ولمَّا رأى أسماء والعلف على رأسها والزبيرُ معه، لم يقل له: لا خدمةَ عليها (٦)، وأنَّ هذا ظلمٌ لها، بل أقرَّه على استخدامها، وأقرَّ سائرَ

стр. 3128

أصحابه على استخدام أزواجهم، مع علمه بأنَّ منهنَّ الكارهةَ والرَّاضيةَ، هذا أمرٌ لا ريب فيه. ولا يصحُّ التَّفريق بين شريفةٍ ودنيئةٍ وفقيرةٍ وغنيَّةٍ، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدُم زوجَها، وجاءته ﷺ تشكو إليه الخدمة، فلم يُشْكِها، وقد سمَّى النَّبيُّ ﷺ في الحديث الصَّحيح المرأةَ عانيةً، فقال: «اتَّقوا الله في النِّساء، فإنَّهنَّ عوانٍ عندكم» (١). والعاني: الأسير، ومرتبةُ الأسير خدمةُ من هو تحت يده، ولا ريب أنَّ النِّكاح نوعٌ من الرِّقِّ، كما قال بعض السَّلف (٢): النِّكاح رقٌّ فلينظر أحدُكم عند مَن يُرِقُّ كريمتَه. ولا يخفى على المنصف الرَّاجح من المذهَبَين والأقوى من الدَّليلين، والله أعلم (٣).

стр. 3129

حُكْم (١) رسول الله ﷺ بين الزوجين يقع الشقاق بينهما روى أبو داود في «سننه» (٢) من حديث عائشة: أنَّ حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ، فضربها فكسر بعضها، فأتت النبيَّ ﷺ بعد الصُّبح، فدعا النَّبيُّ ﷺ ثابتًا فقال: «خُذْ بعضَ مالها وفارقها»، فقال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: «نعم»، قال: فإنِّي أصْدَقْتُها حديقتين، وهما بيدها، فقال النَّبيُّ ﷺ : «خذهما وفارقها»، ففعل. وقد حَكَم تعالى بين الزَّوجين يقع الشِّقاق بينهما بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]. وقد اختلف السَّلف والخلف في الحَكَمَين: هل هما حاكمان أو وكيلان؟ على قولين: أحدهما: أنَّهما وكيلان، وهذا قول أبي حنيفة، والشَّافعيِّ في قولٍ، وأحمد في روايةٍ (٣).

стр. 3130

والثَّاني: أنَّهما حاكمان (١)، وهذا قول أهل المدينة ومالك، وأحمد في الرِّواية الأخرى، والشَّافعيِّ في القول الآخر (٢)، وهذا هو الصَّحيح. والعجب كلُّ العجب ممَّن يقول: هما وكيلان لا حاكمان (٣)، والله تعالى قد نصَبَهما حكَمَين، وجعل نصبهما إلى غير (٤) الزَّوجين، ولو كانا وكيلين لقال: فليبعث وكيلًا من أهله ولتبعث وكيلًا من أهلها. وأيضًا: فلو كانا وكيلين لم يختصَّا بأن يكونا من الأهل. وأيضًا: فإنَّه جعل الحُكْم إليهما فقال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، والوكيلان لا إرادة لهما إنَّما يتصرَّفان بإرادة موكِّليهما. وأيضًا: فإنَّ الوكيل لا يسمَّى حَكَمًا في لغة القرآن، ولا في لسان الشَّارع، ولا في العرف العامِّ ولا الخاصِّ. وأيضًا: فالحكم مَن له ولاية الحُكْم والإلزام، وليس للوكيل شيءٌ من ذلك. وأيضًا: فإنَّ الحَكَم أبلغ من حاكمٍ؛ لأنَّه صفةٌ مشبَّهةٌ باسم الفاعل، دالَّةٌ على الثُّبوت، ولا خلاف بين أهل العربيَّة في ذلك، فإذا كان اسم الحاكم لا يصدُق على الوكيل المحض فكيف بما هو أبلغ منه؟!

стр. 3131

وأيضًا: فإنَّه سبحانه خاطَب بذلك غير الزَّوجين، وكيف يصحُّ أن يوكِّل عن الرَّجل والمرأة غيرهما؟ وهذا يحوِجُ (١) إلى تقدير الآية هكذا: «وإن خفتم شقاق بينهما فمروهما أن يوكِّلا وكيلين: وكيلًا من أهله ووكيلًا من أهلها»، ومعلومٌ بُعْد لفظ الآية ومعناها عن هذا التَّقدير، وأنَّها لا تدلُّ عليه بوجهٍ (٢)، بل هي دالَّةٌ على خلافه، وهذا بحمد الله واضحٌ (٣). وبعث عثمانُ بن عفَّان ابنَ عبَّاسٍ ومعاوية حَكَمَين بين عليّ (٤) بن أبي طالبٍ وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، فقيل لهما: إن رأيتما أن تفرِّقا فرَّقتما (٥). وصحَّ عن عليِّ بن أبي طالبٍ أنَّه قال للحكَمَين بين الزَّوجين: عليكما إن رأيتما أن تفرِّقا فرَّقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما (٦). فهذا عثمان وعليّ وابن عبَّاسٍ ومعاوية جعلوا (٧) الحُكْم إلى الحَكَمَين،

стр. 3132

ولا يُعرَف لهم في الصَّحابة مخالفٌ، وإنَّما يُعرَف الخلاف بين التَّابعين فمن بعدهم، والله أعلم. وإذا قلنا: إنَّهما وكيلان، فهل يُجبَر الزَّوجان على توكيل الزَّوج في الفُرْقة بعِوَضٍ وغيره، وتوكيل الزَّوجة في بذل العِوَض أو لا يجبران؟ على روايتين (١)، فإن قلنا: يجبران، فلم يوكِّلا، جَعَل الحاكمُ ذلك إلى الحكمين بغير رضى الزَّوجين، وإن قلنا: إنَّهما حكمان لم يحتج إلى رضى الزَّوجين. وعلى هذا النِّزاع ينبني ما لو غاب الزَّوجان أو أحدهما، فإن قيل: إنَّهما وكيلان، لم ينقطع نظر الحكمين، وإن قيل: حكمان انقطع نظرهما لعدم الحكم على الغائب، وقيل: يبقى نظرهما على القولين؛ لأنَّهما يتصرفان لحظِّهما (٢) فهما كالنَّاظرين. وإن جُنَّ الزَّوجان انقطع نظرُ الحكمين إن قيل: إنَّهما وكيلان؛ لأنَّهما فرع الموكِّلين (٣)، ولم ينقطع إن قيل: إنَّهما حكمان، لأنَّ الحاكم يلي على المجنون. وقيل: ينقطع أيضًا لأنَّهما منصوبان عنهما فكأنَّهما وكيلان، ولا ريب أنَّهما حكمان فيهما شائبة الوكالة، ووكيلان منصوبان للحكم، فمِن العلماء مَن رجَّح جانب الحكم، ومنهم من رجَّح جانب الوكالة، ومنهم من اعتبر الأمرين (٤). والله أعلم.

стр. 3133

حُكْم النبي ﷺ في الخُلْع في «صحيح البخاريِّ» (١) عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ امرأة ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ أتت النبيَّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابتُ بن قيسٍ ما أعيبُ عليه في خُلُقٍ ولا دينٍ، ولكنِّي أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : «أتَرُدِّين عليه حديقتَه؟». قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ : «اقبل الحديقةَ وطلِّقها تطليقةً». وفي «سنن النَّسائيِّ» (٢) عن الرُّبيِّع بنت معوّذ: أنَّ ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ ضرب امرأتَه فكسر يدَها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبيّ، فأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل إليه فقال: «خذ الذي لها عليك وخَلِّ سبيلَها». قال: نعم. فأمرها رسولُ الله ﷺ أن تتربَّص حيضةً واحدةً وتلحق بأهلها. وفي «سنن أبي داود» (٣) عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ امرأةَ ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ اختلعت من زوجها، فأمرها النَّبيُّ ﷺ أن تعتدَّ حيضةً.

стр. 3134

وفي «سنن الدَّارقطنيِّ» (١) في هذه القصَّة: فقال النَّبيُّ ﷺ : «أتردِّين عليه حديقته التي أعطاك؟». قالت: نعم وزيادةً. فقال النَّبيُّ ﷺ : «أمَّا الزِّيادة فلا ولكن حديقته». قالت: نعم. فأخذ ماله وخلَّى سبيلها، فلمَّا بلغ ذلك ثابت بن قيسٍ قال: قد قبلت قضاء رسول الله ﷺ . قال الدَّارقطنيُّ: إسناده صحيحٌ. فتضمَّن هذا القضاء (٢) النَّبويُّ عدَّة أحكام: أحدها: جواز الخُلع كما دلَّ عليه القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ومنَعَ الخُلعَ طائفةٌ شاذَّةٌ من النَّاس خالفت النَّصَّ والإجماع (٣). وفي

стр. 3135

الآية دليلٌ على جوازه مطلقًا بإذن السُّلطان وغيره، ومنعه طائفةٌ بدون إذنه، والأئمَّة الأربعة والجمهور على خلافه (١). وفي الآية دليلٌ على حصول البينونة به؛ لأنَّه سبحانه سمَّاه: فديةً، ولو كان رجعيًّا كما قاله بعض النَّاس لم يحصل للمرأة الافتداء من الزَّوج بما بذلته له، ودلَّ قوله سبحانه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ على جوازه بما قلَّ وكثر، وأنَّ له أن يأخذ منها أكثر ممَّا أعطاها. وقد ذكر عبد الرزاق (٢)، عن معمَر، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيلٍ، أنَّ الرُّبيِّع بنت معوّذ بن عفراء حدَّثته أنَّها اختلعت مِن زوجها بكلِّ شيءٍ تملكه، فخوصم في ذلك إلى عثمان بن عفَّان، فأجازه وأمره أن يأخذ عِقاص رأسها فما دونه. وذكر (٣) أيضًا عن ابن جُريجٍ، عن موسى بن عقبة، عن نافع: أنَّ ابن

стр. 3136

عمر جاءته مولاةٌ لامرأته اختلعَتْ من كلِّ شيءٍ لها وكلِّ ثوبٍ لها حتَّى نُقْبَتَها (١). ورُفعت إلى عمر بن الخطَّاب امرأةٌ نشزت عن زوجها فقال: اخلعها ولو مِن قُرْطها (٢). ذكره حمَّاد بن سلمة، عن أيوب، عن كثير بن أبي كثير عنه. وذكر عبد الرزاق (٣) عن معمر، عن ليث، عن الحكم بن عُتَيبة (٤)، عن عليِّ بن أبي طالبٍ: لا يأخذ منها فوق ما أعطاها. وقال طاوسٌ: لا يحلُّ له أن يأخذ منها أكثر ممَّا أعطاها (٥). وقال عطاء: إن أخذ زيادةً على صداقها، فالزِّيادة مردودةٌ إليها (٦).

стр. 3137

وقال الزُّهريُّ: لا يحلُّ له أن يأخذ منها أكثر ممَّا أعطاها (١). وقال ميمون بن مهران: مَن أخذ منها أكثر ممَّا أعطاها لم يُسَرِّح بإحسانٍ (٢). وقال الأوزاعيُّ: كانت القضاة لا تجيز أن يأخذ منها شيئًا إلا ما ساق إليها (٣). والَّذين جوَّزوه احتجُّوا بظاهر القرآن وآثار الصَّحابة، والَّذين منعوه احتجُّوا بحديث أبي الزبير: أنَّ ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ لمَّا أراد خَلْع امرأته قال النَّبيُّ ﷺ : «أتَرُدِّين عليه حديقته؟». قالت: نعم وزيادةً. فقال النَّبيُّ ﷺ : «أمَّا الزِّيادة فلا» (٤). قال الدَّارقطنيُّ: سمعه أبو الزبير من غير واحدٍ، وإسناده صحيحٌ. قالوا: والآثار عن (٥) الصَّحابة مختلفةٌ، فمنهم مَن رُوي عنه تحريم الزِّيادة، ومنهم مَن رُوي عنه إباحتها، ومنهم مَن رُوي عنه كراهتها، كما روى

стр. 3138

وكيعٌ، عن أبي حنيفة، عن عمار بن عمران (١) الهمْداني، عن أبيه، عن عليّ: أنَّه كره أن يأخذ منها أكثر ممَّا أعطاها (٢)، والإمام أحمد أخذ بهذا القول ونصَّ على الكراهة (٣)، وأبو بكر من أصحابه حرَّم الزِّيادة وقال: تردُّ عليها (٤).

стр. 3139

وقد ذكر عبد الرزاق (١) عن ابن جُريجٍ قال: قال لي عطاء: أتت امرأةٌ رسولَ الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنِّي أبغض زوجي وأحبُّ فراقَه، قال: «فتردِّين إليه (٢) حديقتَه التي أصْدَقكِ؟». قالت: نعم وزيادةً من مالي. فقال رسول الله ﷺ : «أمَّا زيادة مالك (٣) فلا ولكن الحديقة». قالت: نعم. فقضى بذلك على الزَّوج. وهذا وإن كان مرسلًا فحديث أبي الزبير مُقَوٍّ له، وقد رواه ابن جُريجٍ عنهما. فصل وفي تسميته سبحانه الخُلعَ فديةً دليلٌ على أنَّ فيه معنى المعاوضة، ولهذا اعتبر فيه رضى الزَّوجين، فإذا تقايلا الخلعَ (٤)، وردَّ عليها ما أخذ منها، وارتجعها في العدَّة، فهل لهما ذلك؟ منعه الأئمَّة الأربعة وغيرهم (٥)، وقالوا: قد بانت منه بنفس الخلع. وذَكَر عبد الرزاق (٦)، عن معمَر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيَّب أنَّه قال في المختلعة: إن شاء أن يراجعها فليردَّ (٧) عليها ما أخذ منها في العدَّة،

стр. 3140

وليُشْهِد على رجعتها. قال معمَر: وكان الزُّهريُّ يقول ذلك. قال قتادة: وكان الحسن يقول: لا يراجعها إلا بخطبةٍ (١). ولقول سعيد بن المسيَّب والزُّهريِّ وجهٌ دقيقٌ من الفقه لطيف المأخذ، تتلقَّاه قواعدُ الفقه وأصولُه بالقبول ولا نكارة فيه، غير أنَّ العمل على خلافه، فإنَّ المرأة ما دامت في العدَّة فهي في حَبْسه، ويلحقها صريحُ طلاقه المنجَّز عند طائفةٍ من العلماء، فإذا تقايلا عقدَ الخُلع، وتراجعا إلى ما كانا عليه بتراضيهما لم تمنع قواعدُ الشَّرع ذلك، وهذا بخلاف ما بعد العدَّة، فإنَّها قد صارت منه أجنبيَّةً محضةً، فهو خاطبٌ من الخُطَّاب، ويدلُّ على هذا أنَّ له أن يتزوَّجها في عدَّتها منه بخلاف غيره. فصل وفي أمْرِه ﷺ المختلعة أن تعتدَّ بحيضةٍ واحدةٍ دليلٌ على حكمين: أحدهما: أنَّه لا يجب عليها ثلاث حِيَضٍ بل تكفيها حيضةٌ واحدةٌ، وهذا كما أنَّه صريحُ السُّنَّة فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان، وعبد الله بن عمر بن الخطَّاب، والرُّبيِّع بنت معوِّذ، وعمِّها وهو من كبار الصَّحابة، فهؤلاء الأربعة من الصحابة (٢)، لا يُعرف لهم مخالفٌ منهم (٣). كما رواه اللَّيث بن سعدٍ، عن نافعٍ مولى ابن عمر: «أنَّه سمع الرُّبيّع بنت معوِّذ بن عَفْراء وهي تخبر عبدَ الله بن عمر أنَّها اختلعت من زوجها على

стр. 3141

عهد عثمان بن عفَّان، فجاء عمُّها إلى عثمان بن عفَّان فقال: إنَّ ابنة معوِّذ اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل؟ فقال عثمان: لتنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدَّة عليها، إلا أنَّها لا تنكح حتَّى تحيض حيضةً خشية أن يكون بينهما حَبَلٌ. فقال عبد الله بن عمر: فعثمان خيرُنا وأعلَمُنا (١). وذهب إلى هذا المذهب إسحاق بن راهويه والإمام أحمد في روايةٍ عنه (٢)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).

стр. 3142

قال مَن نصر هذا القول: هو مقتضى قواعد الشَّريعة فإنَّ العدَّة إنَّما جعلت ثلاث حِيَضٍ ليطول زمن الرَّجعة، فيتروَّى الزَّوجُ ويتمكَّن من الرَّجعة في مدَّة العدَّة، فإذا لم يكن عليها رجعةٌ، فالمقصود مجرَّد براءة رحمها من الحمل، وذلك يكفي فيه حيضةٌ كالاستبراء. قالوا: ولا ينتقض هذا علينا بالمطلَّقة ثلاثًا، فإنَّ باب الطَّلاق جُعِل حكم العدَّة فيه واحدًا بائنةً ورجعيَّةً. قالوا: وهذا دليلٌ على أنَّ الخلع فسخٌ وليس بطلاقٍ، وهو مذهب ابن عبَّاسٍ وعثمان وابن عمر والرُّبيِّع وعمِّها (١)، ولا يصحُّ عن صحابيٍّ أنَّه طلاقٌ البتَّة، فروى الإمام أحمد (٢) عن يحيى بن سعيدٍ، عن سفيان، عن عَمرو، عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: الخلع تفريقٌ وليس بطلاقٍ. وذكر عبدُ الرزاق (٣) عن سفيان، عن عَمرو، عن طاوسٍ أنَّ إبراهيم بن سعد سأله عن رجلٍ طلَّق امرأته تطليقتين، ثمَّ اختلعَتْ منه أينكحها؟ قال ابن عبَّاسٍ: نعم، ذَكَر الله الطَّلاقَ في أوَّل الآية وآخرها، والخلع بين ذلك. فإن قيل: كيف تقولون: إنَّه لا مخالف لمن ذكرتم من الصَّحابة، وقد

стр. 3143

روى حمَّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جُمْهان: أنَّ أم بكرة (١) الأسلمية كانت تحت عبد الله بن أُسَيد واختلعَتْ منه، فندما فارتفعا إلى عثمان بن عفَّان فأجاز ذلك، وقال: هي واحدةٌ إلا أن تكون سمَّت شيئًا فهو على ما سمَّت (٢). وذكر ابن أبي شيبة (٣): حدَّثنا عليُّ بن هاشمٍ، عن ابن أبي ليلى، عن طلحة بن مصرِّفٍ، عن إبراهيم النَّخعيِّ، عن علقمة، عن ابن مسعودٍ قال: لا تكون طلقةٌ بائنةٌ إلا في فديةٍ أو إيلاءٍ. ورُوي عن عليِّ بن أبي طالبٍ (٤)، فهؤلاء ثلاثةٌ من أجلَّاء الصَّحابة.

стр. 3144

قيل: لا يصحُّ هذا عن واحدٍ منهم (١)، أمَّا أثر عثمان، فطعن فيه الإمام أحمد والبيهقي وغيرهما، قال شيخنا (٢): وكيف يصحُّ عن عثمان وهو لا يرى فيه عدَّةً، وإنَّما يرى الاستبراء فيه بحيضةٍ؟ فلو (٣) كان عنده طلاقًا لأوجب فيه العدَّة، وجُمْهان (٤) الرَّاوي لهذه القصَّة عن عثمان لا نعرفه بأكثر من أنَّه مولى الأسلميِّين. وأمَّا أثر عليِّ بن أبي طالبٍ فقال أبو محمد ابن حزم (٥): روِّيناه من طريقٍ لا يصحُّ عن علي. وأمثلها أثر ابن مسعودٍ على سوء حفظ ابن أبي ليلى، ثمَّ غايته إن كان محفوظًا أن يدلَّ على أنَّ الطَّلقة في الخُلع تقع بائنةً لا أنَّ الخُلع يكون طلاقًا بائنًا، وبين الأمرين فرقٌ ظاهرٌ. والَّذي يدلُّ على أنَّه ليس بطلاقٍ: أنَّ الله سبحانه رتَّب على الطَّلاق بعد الدُّخول الذي لم يُستوفَ عددُه ثلاثةَ أحكامٍ كلُّها منتفيةٌ عن الخُلْع. أحدها: أنَّ الزَّوج أحقُّ بالرَّجعة فيه. الثَّاني: أنَّه محسوبٌ من الثَّلاث، فلا تحلُّ بعد استيفاء العدد إلا بعد زوجٍ وإصابةٍ.

стр. 3145

الثَّالث: أنَّ العدَّة فيه ثلاثة قروءٍ. وقد ثبت بالنَّصِّ والإجماع أنَّه لا رجعة في الخُلْع، وثبت بالسُّنَّة وأقوال الصَّحابة أنَّ العدَّة فيه حيضةٌ واحدةٌ، وثبت بالنَّصِّ جوازه بعد طلقتين، ووقوع ثالثةٍ بعده، وهذا ظاهرٌ جدًّا في كونه ليس بطلاقٍ، فإنَّه سبحانه قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا وإن لم يختصَّ بالمطلَّقة تطليقتين، فإنَّه يتناولها (١) وغيرها، ولا يجوز أن يعود الضَّمير إلى مَن لم يُذكَر، ويخلّى منه المذكور، بل إمَّا أن يختصَّ بالسَّابق أو يتناوله وغيره (٢). ثمَّ قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وهذا يتناول مَن طُلِّقت بعد فديةٍ وطلقتين (٣) قطعًا لأنَّها هي المذكورة، فلا بدَّ من دخولها تحت اللَّفظ، وهذا فهم تُرجمان القرآن الذي دعا له رسولُ الله ﷺ أن يعلِّمه الله تأويل القرآن، وهي دعوةٌ مستجابةٌ بلا شكٍّ. وإذا كانت أحكام الفِدْية غير أحكام الطَّلاق دلَّ على أنَّها من غير جنسه، فهذا مقتضى النَّصِّ والقياس وأقوال الصَّحابة.

стр. 3146

ثمَّ من نظر إلى حقائق العقود ومقاصدها دون ألفاظها يعدُّ الخلعَ فَسْخًا بأيِّ لفظٍ كان حتَّى بلفظ الطَّلاق، وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد وهو اختيار شيخنا (١). قال: وهذا ظاهر كلام أحمد وكلام ابن عبَّاسٍ وأصحابه. قال ابن جريجٍ: أخبرني عمرو بن دينارٍ أنَّه سمع عكرمة مولى ابن عبَّاسٍ يقول: ما أجازه المالُ فليس بطلاقٍ (٢). قال عبد الله بن أحمد (٣): رأيتُ أبي كان يذهب إلى قول ابن عبَّاسٍ. وقال عمرو، عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ: الخُلع تفريقٌ وليس بطلاقٍ (٤). وقال ابن جُريجٍ عن ابن طاوس: كان أبي لا يرى الفداء طلاقًا ويُجِيزه (٥) بينهما (٦). ومن اعتبر الألفاظ ووقف معها وغَيَّر لها (٧) أحكامَ العقود= جعله بلفظ

стр. 3147

الطَّلاق طلاقًا، وقواعد الفقه وأصوله تشهد أنَّ المراعَى (١) في العقود حقائقها ومعانيها لا صورها وألفاظها، وباللَّه التَّوفيق. وممَّا يدلُّ على هذا أنَّ النبيَّ ﷺ أمر ثابتَ بنَ قيسٍ أن يطلِّق امرأته في الخُلْع تطليقةً، ومع هذا أمرها أن تعتدَّ بحيضةٍ. وهذا صريحٌ في أنَّه فسخٌ، ولو وقع بلفظ الطَّلاق. وأيضًا فإنَّه سبحانه علَّق عليه أحكام الفدية بكونه فديةً، ومعلومٌ أنَّ الفدية لا تختصُّ بلفظٍ، ولم يعيِّن الله سبحانه لها لفظًا معيَّنًا، وطلاق الفداء طلاقٌ مقيَّدٌ ولا يدخل تحت أحكام الطَّلاق المطلق، كما لم يدخل تحتها في ثبوت الرَّجعة والاعتداد بثلاثة قروءٍ بالسُّنَّة الثَّابتة، وباللَّه التَّوفيق. * * * *

стр. 3148

ذِكْر أحكام رسول الله ﷺ في الطَّلاق ذِكْر حُكْمه (١) ﷺ في طلاق الهازل وزائل العقل والمكره والتَّطليق في نفسه. في «السُّنن» (٢): من حديث أبي هريرة: «ثلاثٌ جِدُّهنَّ جدٌّ وهزلهنَّ جدٌّ: النِّكاح والطَّلاق والرَّجعة». وفيها (٣) عنه من حديث عائشة (٤): «إنَّ الله وضعَ عن أمَّتي الخطأ

стр. 3149

والنِّسيان وما اسْتُكْرِهوا عليه». وفيها (١): عنه ﷺ : «لا طلاق في إغلاقٍ» (٢). وصحَّ عنه أنَّه قال للمقرِّ بالزِّنا: «أبِكَ جنونٌ؟» (٣). وثبت عنه أنَّه أمر به أن يُسْتَنْكَه (٤). وذكر البخاريُّ في «صحيحه» (٥) عن عليّ أنَّه قال لعمر: «ألم تعلم أنَّ

стр. 3150

القلمَ رُفِعَ عن ثلاثٍ: عن المجنون حتَّى يفيق، وعن الصَّبيِّ حتَّى يدرك، وعن النَّائم حتَّى يستيقظ». وفي «الصَّحيح» (١) عنه ﷺ : «إنَّ الله تجاوز لأمَّتي عمَّا حدَّثَتْ به أنفسَها ما لم تكَلَّمْ أو تعمل به». فتضمَّنت هذه السُّنن: أنَّ ما لم ينطق به اللِّسان من طلاقٍ أو عتاقٍ أو يمينٍ (٢) أو نذرٍ ونحو ذلك= عفوٌ غير لازمٍ بالنِّيَّة والقصد، وهذا قول الجمهور، وفي المسألة قولان آخران: أحدهما: التَّوقُّف فيها، قال عبد الرزاق (٣) عن معمر: سُئل ابن سيرين عمَّن طلَّق في نفسه؟ فقال: أليس قد علم الله ما في نفسك؟ قال: بلى. قال: فلا أقول فيها شيئًا. والثَّاني: وقوعه إذا جزم عليه، وهذا رواية أشهب عن مالك (٤)، وروي

стр. 3151

عن الزُّهريِّ (١). وحجَّة هذا القول قوله ﷺ : «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات» (٢)، وأنَّ من كَفَر في نفسه، فهو كفر، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، وأنَّ المصرَّ على المعصية فاسقٌ مؤاخذٌ وإن لم يفعلها، وبأنَّ أعمال القلوب في الثَّواب والعقاب كأعمال الجوارح، ولهذا يُثاب على الحبِّ والبغض والموالاة والمعاداة في اللَّه، وعلى التَّوكُّل والرِّضى والعزم على الطَّاعة، ويعاقَب على الكبر والحسد والعُجْب والشَّكِّ والرِّياء وظنِّ السَّوء بالأبرياء. ولا حجَّة في شيءٍ من هذا على وقوع الطَّلاق والعتاق بمجرَّد النِّيَّة من غير تلفُّظٍ. أمَّا حديث «الأعمال بالنِّيَّات» فهو حجَّةٌ عليهم؛ لأنَّه أخبر فيه أنَّ العمل مع النِّيَّة هو المعتبر، لا النِّيَّة وحدها. وأمَّا من اعتقد الكفرَ بقلبه أو شكَّ، فهذا (٣) كافرٌ لزوال الإيمان الذي هو عَقْد القلب مع الإقرار، فإذا زال العقد الجازم كان نفس زواله كفرًا، فإنَّ الإيمان أمرٌ وجوديٌّ ثابتٌ قائمٌ بالقلب، فما لم يقم بالقلب حصل ضدُّه وهو الكفر، وهذا كالعلم والجهل إذا فُقِد العلم حصل الجهل، وكذلك كلُّ

стр. 3152

نقيضين زالَ أحدُهما خلَفَه الآخر. وأمَّا الآية فليس فيها أنَّ المحاسبةَ بما يخفيه العبدُ إلزامه بأحكامه في الشَّرع (١)، وإنَّما فيها محاسبته بما يبديه أو يخفيه، ثمَّ هو مغفورٌ له أو معذَّبٌ، فأين هذا من وقوع الطَّلاق بالنِّيَّة؟! وأمَّا أنَّ المصرَّ على المعصية فاسقٌ مؤاخَذٌ، فهذا إنَّما هو فيمن عَمِل المعصيةَ ثمَّ أصرَّ عليها، فهنا عملٌ اتَّصل به العزم على معاودته، فهذا هو المصرُّ، وأمَّا مَن عزم على المعصية ولم يعملها فهو بين أمرين: إمَّا أن لا تُكْتَب عليه، وإمَّا أن تُكتَب (٢) له حسنة إذا تركها لله . وأمَّا الثَّواب والعقاب على أعمال القلوب فحقٌّ، والقرآنُ والسُّنَّة مملوءان به، ولكنَّ وقوع الطَّلاق والعتاق بالنِّيَّة من غير تلفُّظٍ أمرٌ خارجٌ عن الثَّواب والعقاب، ولا تلازم بين الأمرين، فإنَّ ما يعاقب عليه من أعمال القلوب هو معاصٍ قلبيَّةٌ يستحقُّ العقوبة عليها، كما يستحقُّه على المعاصي البدنيَّة إذ هي منافيةٌ لعبوديَّة القلب، فإنَّ الكبر والعُجْب والرِّياء وظنَّ السَّوء محرَّماتٌ على القلب، وهي أمورٌ اختياريَّةٌ يمكن اجتنابها، فيستحقُّ العقوبة على فعلها، وهي أسماءٌ لمعاني (٣) مسمَّياتُها قائمةٌ بالقلب. وأمَّا الطَّلاق والعتاق فاسمان لمسمَّيين قائمين باللِّسان، أو ما ناب عنه من إشارةٍ أو كتابةٍ، وليسا اسمين لما في القلب مجرَّدًا عن النُّطق.

стр. 3153

وتضمَّنت (١) أنَّ المكلَّف إذا هَزَل بالطَّلاق أو النِّكاح أو الرَّجعة لزمه ما هَزَل به، فدلَّ ذلك على أنَّ كلام الهازل معتبرٌ وإن لم يُعتَبَر كلام النَّائم والنَّاسي وزائل العقل والمُكْرَه، والفرق (٢) بينهما: أنَّ الهازل قاصدٌ للَّفظ غير مريدٍ لحكمه، وذلك ليس إليه، فإنَّما (٣) إلى المكلَّف الأسباب، وأمَّا ترتُّب مسبَّباتها وأحكامها فهو إلى الشَّارع قصَدَه المكلَّفُ أو لم يقصِدْه، والعبرة بقصده للسبب اختيارًا في حال عقله وتكليفه، فإذا قصَدَه رتَّبَ الشَّارعُ عليه حكمَه جَدَّ به أو هَزَل، وهذا بخلاف النَّائم والمُبَرْسَم (٤) والمجنون والسَّكران وزائل العقل، فإنَّهم ليس لهم قصدٌ صحيحٌ، وليسوا مكلَّفين، فألفاظهم لغوٌ بمنزلة ألفاظ الطِّفل الذي لا يعقل معناها ولا يقصده. وسرُّ المسألة: الفرق بين من قصَدَ اللَّفظ وهو عالمٌ به ولم يُرِد حكمَه، وبين مَن لم يقصد اللَّفظَ ولم يعلم معناه، فالمراتب التي اعتبرها الشَّارعُ أربعةٌ: إحداها: أن (٥) يقصد الحكمَ ولم (٦) يتلفَّظ به.

стр. 3154

الثَّانية: أن لا يقصد اللَّفظَ ولا حكمَه. الثَّالثة: أن يقصد اللَّفظَ دون حكمِه. الرَّابعة: أن يقصد اللَّفظَ والحكَم. فالأوليان لغوٌ، والآخرتان معتبرتان (١). هذا الذي استفيد من مجموع نصوصه وأحكامه، وعلى هذا فكلام المكره كلُّه لغوٌ لا عبرةَ به، وقد دلَّ القرآنُ على أنَّ مَن أُكْرِه على التَّكلُّم بكلمة الكفر لا يكفر، ومَن أُكْرِه على الإسلام لا يصير به مسلمًا، ودلَّت السُّنَّة على أنَّ الله سبحانه تجاوز عن المكره فلم يؤاخِذْه بما أكره عليه، وهذا يراد به كلامه قطعًا. وأمَّا أفعاله، ففيها تفصيلٌ، فما أبيح منها بالإكراه فهو متجاوَزٌ عنه كالأكل في نهار رمضان، والعمل في الصَّلاة، ولبس المخيط في الإحرام، ونحو ذلك. وما لا يباح بالإكراه فهو مؤاخذٌ به كقتل المعصوم وإتلاف ماله. وما اخْتُلف فيه كشرب الخمر والزِّنا والسَّرقة هل يُحَدُّ به أو لا؟ فللاختلاف (٢) هل يباح ذلك بالإكراه أو لا؟ فمَن لم يبحه حدَّه به، ومن أباحه بالإكراه لم يحدَّه، وفيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام (٣) أحمد (٤). والفرق بين الأقوال والأفعال في الإكراه: أنَّ الأفعال إذا وقعت لم ترتفع مفسدتُها، بل مفسدتها معها، بخلاف الأقوال فإنَّها يمكن إلغاؤها وجعلها

стр. 3155

بمنزلة أقوال النَّائم والمجنون، فمفسدة الفعل الذي لا يباح بالإكراه ثابتةٌ بخلاف مفسدة القول، فإنَّها إنَّما تثبت (١) إذا كان قائله عالمًا به مختارًا له. وقد روى وكيعٌ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم بن عُتَيبة (٢)، عن خيثمة بن عبد الرحمن، قال: قالت امرأةٌ لزوجها: سمِّني فسمَّاها الظَّبية (٣)، فقالت: ما قلتَ شيئًا، قال: فهاتِ ما أسمِّيكِ به، قالت: سمِّني خليَّة طالق (٤)، قال: فأنتِ خليَّةٌ طالقٌ، فأتت عمر بن الخطَّاب فقالت: إنَّ زوجي طلَّقني، فجاء زوجها فقصَّ عليه القصَّة، فأوجعَ عمرُ رأسَها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها (٥). فهذا الحكم من أمير المؤمنين بعدم الوقوع لمَّا لم يقصد الزَّوجُ اللَّفظَ الذي يقع به الطَّلاق، بل قصد لفظًا لا يريد به الطَّلاق، فهو كما لو قال عن أمَتِه (٦) أو غلامه: إنِّها حرَّةٌ. وأراد أنَّها ليست بفاجرةٍ، أو قال لامرأته: أنتِ مسرَّحةٌ أو سرَّحتك. ومراده تسريح الشَّعر ونحو ذلك، فهذا لا يقع عتقُه ولا
следующие страницы →