← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ووقف ﷺ أرضًا كانت له، جعَلها صدقةً في سبيل الله. وشفَع (١)، وشُفِع إليه (٢). وردَّت بَريرةُ شفاعته في مراجعة مغيثٍ، فلم يغضب عليها، ولا عتَب. وهو الأسوة والقدوة ﷺ . وحلف في أكثر من ثمانين موضعًا (٣). وأمره الله سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]. وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذاكر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، ولا يسمِّيه بالفقيه؛ فتحاكم إليه يومًا هو وخصمٌ له، فتوجَّهت اليمين على أبي بكر، فتهيَّأ للحَلِف، فقال له القاضي إسماعيل (٤): ومثلُك يحلِف يا أبا بكر؟ فقال: وما يمنعني من الحَلِف، وقد أمر الله تعالى نبيَّه بالحلِف في ثلاث مواضع (٥) من كتابه؟ قال أين ذلك؟ فسردها له أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جدًّا، ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم.

стр. 317

وكان ﷺ يستثني في يمينه تارةً، ويكفِّرها تارةً، ويمضي فيها تارةً. والاستثناء يمنع عقد اليمين، والكفارة تحُلُّها بعد عقدها، ولهذا سمَّاها الله تعالى تَحِلَّةً (١). وكان ﷺ يمازح ويقول في مزاحه الحقَّ. ويورِّي ولا يقول في توريته إلا الحقَّ، مثل أن يريد وِجهةً يقصدها، فيسأل عن غيرها كيف طريقها؟ وكيف مياهها ومسلكها ونحو ذلك؟ وكان يشير، ويستشير. وكان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويجيب الدعوة، ويمشي مع الأرملة والمسكين والضعيف في حوائجهم. وسمع مديحَ الشعراء، وأثاب عليه. ولكن ما قيل فيه من المديح فهو جزء يسير جدًّا من محامده، وأثاب على الحق؛ وأما مدحُ غيره من الناس فأكثرُ ما يكون بالكذب، فلذلك أمَر أن يُحْثَى في وجوه المدَّاحين التراب (٢). فصل وسابقَ رسولُ الله ﷺ بنفسه على الأقدام، وصارَعَ (٣).

стр. 318

وخصَف نعله بيده، ورقَّع ثوبَه بيده، ورقَّع دلوَه، وحلَب شاته، وفلَى ثوبه، وخدَم أهلَه ونفسَه، وحمل معهم اللَّبِنَ في بناء المسجد. وربَط على بطنه الحجرَ من الجوع تارةً وشبِع تارةً، وضاف وأضاف. واحتجم في وسط رأسه، وعلى ظهر قدمه. واحتجم في الأخدعين، والكاهل وهو بين الكتفين (١). وتداوى، وكوى ولم يكتوِ، ورقَى ولم يستَرْقِ. وحمَى المريض مما يؤذيه. وأصول الطب ثلاثة: الحمية، وحفظ الصحة، واستفراغ المادَّة المُضِرَّة. وقد جمعها الله تعالى له ولأمته في ثلاث مواضع (٢) من كتابه: فحمى المريض من استعمال الماء خشيةَ الضرر، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فأباح التيمُّمَ للمريض حميةً له (٣)، كما أباحه للعادم.

стр. 319

وقال في حفظ الصحة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فأباح للمسافر في رمضان الفطرَ حفظًا لصحته لئلا يجتمع على قوَّته الصومُ ومشقَّةُ السفر، فتضعفَ القوة، وتهِنَ الصحة (١). وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمُحْرِم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأباح للمريض أو من به أذًى من رأسه وهو محرِم، أن يحلق رأسه، فيستفرغ الموادَّ الفاسدةَ والأبخِرة الرديَّة (٢) التي يتولَّد عليها (٣) القَمْلُ، كما حصل لكعب بن عُجْرة (٤) أو تُولِّد عليه المرضَ. وهذه الثلاثة هي قواعد الطب وأصوله، فذكر من كلِّ جنس منها سببًا (٥) وصورةً منبِّهًا بها على نعمته على عباده في أمثالها من حميتهم، وحفظ صحَّتهم، واستفراغ موادِّ أذاهم، رحمةً بعباده، ولطفًا بهم، ورأفةً بهم (٦). وهو الرؤوف الرحيم (٧).

стр. 320

فصل في هديه ﷺ في معاملته كان أحسن الناس معاملةً. وكان إذا استسلف سَلَفًا قضى خيرًا منه (١). وكان إذا استسلف من رجل سَلَفًا قضاه إياه، ودعا له، فقال: «بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاءُ السَّلَف الحمد والأداء» (٢). واستسلف من رجل أربعين صاعًا، فاحتاج الأنصاري، فأتاه، فقال ﷺ : «ما جاءنا من شيء بعدُ»، فقال الرجل، وأراد أن يتكلَّم، فقال رسول الله ﷺ : «لا تقل إلا خيرًا، فأنا خيرُ مَن تسلَّف»، فأعطاه أربعين فضلًا وأربعين لسلفه، فأعطاه ثمانين. ذكره البزار (٣).

стр. 321

واقترض بعيرًا، فجاء صاحبه يتقاضاه، فأغلظ للنبي ﷺ ، فهمَّ به أصحابه فقال: «دَعُوه، فإن لصاحب الحقِّ مقالًا» (١). واشترى مرةً شيئًا وليس عنده ثمنه، فأربح فيه، فباعه، وتصدَّق (٢) بالربح على أرامل بني عبد المطَّلب، وقال: «لا أشتري بعد هذا شيئًا إلا وعندي ثمنُه». ذكره أبو داود (٣). وهذا لا يناقض شِراه في الذمة إلى أجل، فهذا شيء وهذا شيء. وتقاضاه غريم له دينًا، وأغلظ (٤) له، فهمَّ به عمر بن الخطاب، فقال: «مَهْ يا عمر، كنتُ أحوَجَ إلى أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوجَ إلى أن تأمره بالصبر» (٥).

стр. 322

وباعه يهودي بيعًا إلى أجل، فجاءه قبل الأجل يتقاضى ثمنه، فقال: «لم يحِلَّ الأجلُ»، فقال اليهودي: إنكم لَمُطُلٌ (١) يا بني عبد المطلب، فهمَّ به أصحابُه، فنهاهم، فلم يزده ذلك إلا حلمًا. فقال اليهودي: كلُّ شيء منك قد عرفتُه من علامات النبوة، وبقيت (٢) واحدة وهي أنه لا يزيده شدَّةُ الجهل عليه إلا حلمًا، فأردتُ أن أعرفها. فأسلم اليهودي (٣). فصل في هديه ﷺ في مشيه وحده ومع أصحابه كان إذا مشى تكفَّى تكفِّيًا (٤)، وكان أسرع الناس مِشْيةً وأحسنَها وأسكنَها. قال أبو هريرة: «ما رأيتُ شيئًا أحسنَ من رسول الله ﷺ ، كأن

стр. 323

الشمس تجري في وجهه. وما رأيت أحدًا أسرعَ في مشيته من رسول الله ﷺ ، كأنما الأرض تُطْوى له. إنَّا لَنُجْهِد أنفسَنا، وإنَّه لَغيرُ مكترِث» (١). وقال علي بن أبي طالب: «كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفَّى تكفِّيًا، كأنما ينحَطُّ من صَبَب» (٢). وقال مرةً: «إذا مشى تقلَّعَ» (٣). قلت: والتقلُّع: الارتفاع من الأرض بجملته كحال المنحَطّ في الصَّبَب. وهي مِشية أولي العزم والهمة والشجاعة. وهي أعدَل المِشْيات وأروَحها للأعضاء وأبعَدها من مِشية الهَوَج والمهانة والتَّماوُت، فإن الماشي إما أن يتماوَت في مِشيته، ويمشي قطعةً واحدةً كأنه خشبة محمولة، وهي مشية مذمومة قبيحة. وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب مشي الجمل الأهوَج، وهي مشية مذمومة أيضًا، وهي علامة على خفَّة عقل صاحبها، ولا سيَّما إن كان يُكثر الالتفات حال مشيه يمينًا وشمالًا. وإما أن يمشي هَونًا، وهي مشية

стр. 324

عباد الرحمن كما وصفهم بها في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا﴾ [الفرقان: ٦٣]. قال غير واحد من السلف: سكينةً ووقارًا من غير كبر ولا تماوُت (١). وهي مشية رسول الله ﷺ ، فإنه مع هذه المشية كان كأنما ينحَطُّ من صَبَب (٢)، وكأنما الأرض تطوى له، حتى كان الماشي معه يُجهِد نفسَه ورسولُ الله ﷺ غير مكترث. وهذا يدل على أمرين: أن مشيته لم تكن (٣) بتماوت ولا بمهانة، بل أعدل المشيات. والمِشْيات عشرة أنواع، هذه ثلاثة منها. والرابع: السعي، والخامس: الرَّمَل، وهو أسرع المشي مع تقارُب الخطى ويسمَّى: الخبَب. وفي «الصحيح» (٤) من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ خبَّ في طوافه ثلاثًا ومشى أربعًا. والسادس: النَّسَلان، وهو العَدْو الخفيف الذي لا يُزعج الماشي ولا يُكْرِثه (٥). وفي بعض «المساند (٦)» (٧) أن المشاة شكوا إلى رسول الله ﷺ من المشي في حَجَّة الوداع، فقال: «استعينوا بالنَّسَلان».

стр. 325

والسابع: الخَوزلى، وهي مشية التمايل (١)، يقال: إنَّ فيها تكسُّرًا وتخنُّثًا. والثامن: القهقرى، وهي المشي إلى وراء. والتاسع: الجَمَزى، وهي مشية يثِبُ فيها الماشي وثبًا. والعاشر (٢): مشية التبختُر، وهي مشية أولي العُجْب والتكبُّر. وهي التي خسف الله سبحانه بصاحبها لمّا نظَر في عِطفَيه، وأعجبته نفسُه، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة (٣). وأعدَل هذه المشيات مشية الهَون والتكفِّي (٤). وأما مشيه مع أصحابه فكانوا يمشون بين يديه، وهو خلفهم، ويقول: «دَعُوا ظهري للملائكة» (٥). ولهذا في الحديث: وكان يسوق أصحابه (٦).

стр. 326

وكان يمشي حافيًا ومنتعلًا. وكان يماشي أصحابه فرادى وجماعةً. ومشى في بعض غزواته مرةً، فانقطعت (١) إصبَعُه (٢)، وسال منها الدم، فقال (٣): «هل أنتِ إلا إصبَعٌ دَمِيتِ ... وفي سبيل الله ما لقيتِ» وكان في السفر ساقةَ أصحابه، يُزجي الضعيف ويُردِف، ويدعو لهم. ذكره أبو داود (٤). فصل في هديه في جلوسه واتكائه كان يجلس على الأرض، وعلى الحصير والبساط. وقالت قَيلة بنت مَخْرَمة: رأيت رسول الله ﷺ وهو قاعدٌ القُرْفُصَاءَ، قالت: فلما رأيتُ رسولَ الله ﷺ (٥) المتخشِّعَ في الجِلْسة أُرْعِدْتُ من الفَرَق (٦).

стр. 327

ولما قدِم عليه عديُّ بن حاتم دعاه إلى منزله، فألقت إليه الجارية وسادةً يجلس عليها، فجعلها بينه وبين عدي، وجلس على الأرض. قال عدي: فعرفتُ أنه ليس بمَلِك (١). وكان يستلقي أحيانًا، ويضع إحدى رجليه على الأخرى. وكان يتَّكئ على الوسادة، وربما اتَّكأ على يساره، وربما اتَّكأ على يمينه. وكان إذا احتاج في خروجه توكَّأ على بعض أصحابه من ضعفٍ. فصل في هديه عند قضاء الحاجة (٢) كان إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث، الرِّجْس النَّجِس الشيطان الرجيم» (٣). وكان إذا خرج يقول:

стр. 328

«غفرانك» (١). وكان يستنجي بالماء تارةً، ويستجمر بالأحجار تارةً، ويجمع بينهما تارةً. وكان إذا ذهب في سفره للحاجة انطلق حتى يتوارى عن أصحابه، وربما كان يبعد نحو الميلين. وكان يستتر للحاجة بالهدف (٢) تارةً، وبحائش النخل (٣) تارةً، وبشجر البوادي (٤) تارةً. وكان إذا أراد أن يبول في عَزَازٍ من الأرض ــ وهو الموضع الصُّلب ــ أخذ عودًا من الأرض، فنكَت به حتى يَثْرَى، ثم يبول. وكان يرتاد لبوله الموضع الدَّمِث وهو الليِّن الرِّخْو من الأرض.

стр. 329

وأكثر ما كان يبول وهو قاعد، حتَّى قالت عائشة: من حدَّثكم أنه كان يبول قائمًا فلا تصدِّقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا (١). وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) من حديث حذيفة أنه ﷺ بال قائمًا. فقيل: هذا بيان للجواز، وقيل: إنما فعله من وجع كان بمَأْبِضه، وقيل: فعله استشفاءً. قال الشافعي: والعرب تستشفي من وجع الصلب بالبول قائمًا (٣). والصحيح أنه إنما فعل ذلك تنزُّهًا وبعدًا من إصابة البول، فإنه إنما فعل هذا لما أتى سُبَاطة قوم ــ وهي مُلقى الكُناسة ــ وتسمَّى المزبلة، وهي تكون مرتفعةً، فلو بال فيها الرجل قاعدًا لارتدَّ عليه بولُه. وهو ﷺ استتر بها وجعلها بينه وبين الحائط، فلم يكن بدٌّ من بوله قائمًا. والله أعلم. وقد ذكر الترمذي (٤) عن عمر بن الخطاب قال: رآني النبيُّ ﷺ وأنا أبول

стр. 330

قائمًا، فقال: «يا عمر، لا تَبُل قائمًا». قال: فما بُلتُ قائمًا بعد. قال الترمذي: وإنما رفعه (١) عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث. وفي «مسند البزار» (٢) وغيره من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده». ورواه الترمذي (٣) وقال: هو غير محفوظ. وقال البزار (٤): «لا نعلم رواه عن عبد الله بن بريدة إلا سعيد بن عبيد الله»، ولم يجرحه بشيء. وقال ابن أبي حاتم (٥): هو بصري ثقة مشهور.

стр. 331

وكان يخرج من الخلاء، فيقرأ القرآن. وكان يستنجي ويستجمر بشماله. ولم يكن يصنع شيئًا مما يصنعه المبتلَون بالوسواس من نَتْر الذَّكر، والنحنحة، والقفز، ومَسْك الحبل، وطلوع الدَّرَجة، وحَشْو القطن في بُخْشِ (١) الإحليل، وصبِّ الماء فيه، وتفقُّده الفينة بعد الفينة، ونحو ذلك من بدع أهل الوسواس (٢). وقد روي عنه ﷺ أنه كان إذا بال نَتَر ذكَره ثلاثًا (٣). وروي (٤) أنه أمرَ به (٥)

стр. 332

ولكن لا يصح ذلك من فعله ولا أمره. قاله أبو جعفر العقيلي (١). وكان إذا سلَّم عليه أحد وهو يبول، لم يرُدَّ عليه. ذكره مسلم في «صحيحه» (٢) عن ابن عمر. وروى البزار في «مسنده» (٣) في هذه القصة أنه ردَّ عليه، ثم قال: «إنما رددتُ عليك خشيةَ أن تقول: سلَّمتُ عليه فلم يرُدَّ عليَّ سلامًا. فإذا رأيتني هكذا فلا تسلِّم عليَّ، فإني لا أرُدُّ عليك السلام». وقد قيل: لعل هذا كان مرتين. وقيل: حديث مسلم أصح، لأنه من حديث الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر، وحديث البزار من رواية أبي بكر ــ رجل من ولد (٤) عبد الله بن عمر ــ عن نافع عنه. وقيل: وأبو بكر

стр. 333

هذا: هو أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر روى عنه مالك وغيره، والضحاك أوثق منه (١). وكان إذا استنجى بالماء ضرَب يده بعد ذلك على الأرض (٢). وكان إذا جلس لحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض (٣).

стр. 334

فصل في هديه ﷺ في الفطرة وتوابعها قد سبق الخلاف هل ولد رسول الله ﷺ مختونًا، أو ختنته الملائكة يوم شقِّ صدره الأول، أو ختنه جدُّه عبد المطلب؟ وكان يعجبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله، وطهوره، وأخذه وعطائه. وكانت يمينه لطعامه وشرابه وطهوره، ويساره لخلائه ونحوه من إزالة الأذى. وكان هديه في حلق الرأس تركَه كلِّه أو أخذَه كلِّه. ولم يكن يحلق بعضه ويدع بعضه. ولم يُحفَظ عنه حلقُه إلا في نسك. وكان يحبُّ السِّواك. وكان يستاك مفطرًا وصائمًا. ويستاك عند الانتباه من النوم، وعند الوضوء، وعند الصلاة، وعند دخول المنزل. وكان يستاك بعود الأراك. وكان يكثر التطيُّب، ويحبُّ الطِّيب. وذُكِر عنه أنه كان يطَّلي بالنُّورة (١). وكان أولًا يَسْدُل شَعره، ثم فَرَقه. والفرق: أن يجعل شَعره فِرقتين وكلُّ فرقة ذؤابة، والسَّدْل أن يسدله من ورائه ولا يجعله فرقتين. ولم يدخل حمَّامًا قطُّ، ولعله ما رآه بعينه. ولم يصحَّ في الحمام حديث (٢).

стр. 335

وكان له مُكحُلة يكتحل منها كلَّ ليلة ثلاثًا في كلِّ عين (١). واختلف الصحابة في خضابه (٢)، فقال أنس: لم يخضِب (٣). وقال أبو هريرة: خضَب (٤). وقد روى حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال: «رأيت شعر رسول الله ﷺ مخضوبًا»، قال حماد: وأخبرني عبد الله بن محمد بن عقيل قال:

стр. 336

«رأيت شعر رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك مخضوبًا» (١). وقالت طائفة: كان رسول الله ﷺ مما يُكثر الطِّيب قد احمرَّ شعره، فكان يُظَنُّ مخضوبًا ولم يُخضَب. قال أبو رمثة: أتيت النبي ﷺ مع ابن لي فقال: «ابنك (٢)؟». فقلت: نعم، أشهد به. قال: «لا تجني عليه ولا يجني عليك»، قال: ورأيت الشَّيب أحمر. قال الترمذي (٣): هذا أحسنُ شيء روي في هذا الباب وأفسَرُه، لأن الروايات الصحيحة أن النبي ﷺ لم يبلغ الشيب. قال حماد بن سلمة (٤)، عن سماك بن حرب: قيل لجابر بن سمرة: أكان في رأس رسول الله ﷺ شيب؟ قال: لم يكن في رأسه شَيب، إلا شعراتٍ في مفرِق رأسه، إذا ادَّهَن واراهنَّ الدُّهنُ.

стр. 337

قال أنس: وكان رسول الله ﷺ يُكثِر دهنَ رأسه ولحيته، ويُكثِر القناع كأنَّ ثوبه ثوب زيات (١). وكان يُغِبُّ (٢) الترجُّل. وكان يرجِّل نفسَه تارةً، وترجِّله عائشة تارةً. وكان شَعْره فوق الجُمَّة ودون الوَفْرة، وكانت جُمَّته تضرب شحمة أذنيه، وإذا طال جعله غدائر أربعًا. قالت أم هانئ: قدِم علينا رسولُ الله ﷺ مكة قَدْمةً، وله أربع غدائر. والغدائر: الضفائر. وهذا حديث صحيح (٣). وكان ﷺ لا يرُدُّ الطِّيب. وثبت عنه في «صحيح مسلم» (٤) أنه قال: «مَن عُرِض عليه ريحان فلا يرُدَّه، فإنه طيِّب الرِّيح (٥) خفيف المحمِل». هذا لفظ

стр. 338

الحديث. والعامَّة يروونه (١): «من عُرِض عليه طيبٌ (٢) فلا يَرُدَّه» (٣)، وليس بمعناه (٤)، فإن الرَّيحان لا تلحق المنَّةُ بأخذه، وقد جرت العادة بالتسامح في بذله، بخلاف المسك والعنبر والغالية ونحوها. ولكن الذي ثبت عنه في حديث عَزْرة (٥) بن ثابت، عن ثُمامة قال: كان أنس لا يرُدُّ الطِّيب، و (٦) قال أنس: «كان رسول الله ﷺ لا يردُّ الطِّيب» (٧). وأما حديث ابن عمر يرفعه: «ثلاثٌ لا تُرَدُّ: الوسائد، والدُّهن (٨)، واللبن» فحديث معلول رواه الترمذي وذكر علَّته. ولا أحفظ الآن ما قال فيه، إلا أنه من رواية عبد الله بن مسلم بن جندب، عن أبيه، عن ابن عمر (٩).

стр. 339

ومن مراسيل أبي عثمان النَّهدي قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أعطي أحدُكم الرَّيحانَ فلا يرُدَّه، فإنه (١) خرج من الجنة» (٢). وكان (٣) لرسول الله ﷺ سُكَّة (٤) يتطيَّب منها (٥). وكان أحبَّ الطِّيب إليه المسكُ (٦). وكان يعجبه الفاغية (٧)، قيل: هي نَور الحِنَّاء.

стр. 340

فصل في هديه ﷺ في قصِّ الشارب (١) قال أبو عمر بن عبد البر (٢): روى الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ

стр. 341

كان يقُصُّ شاربه، ويَذْكر أن إبراهيم كان يقُصُّ شاربه (١). ووقفه طائفة عن (٢) ابن عباس (٣). وروى الترمذي (٤) من حديث زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يأخذ (٥) من شاربه فليس منَّا»، وقال: حديث صحيح (٦). وفي «صحيح مسلم» (٧) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «جُزُّوا الشوارب، وأرخوا اللِّحى: خالفوا المجوس». وفي «الصحيحين» (٨) عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : «خالِفوا المشركين: وفِّروا اللِّحى، وأحفوا الشوارب». وفي «صحيح مسلم» (٩) عن أنس قال: وُقِّت لنا في قصِّ الشوارب وتقليم الأظفار أن لا نترك (١٠) أكثر من أربعين ليلةً. واختلف السلف في قصِّ الشارب وحلقه أيهما أفضل؟ فقال مالك في «موطَّئه» (١١): يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وهو الإطار. ولا يجُزُّه، فيمثِّلُ بنفسه. وذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال: ويُحفي الشوارب ويُعفي اللِّحى. وليس إحفاء الشارب حلقه، وأرى أن يؤدَّب من حلَق شاربه.

стр. 342

وقال ابن القاسم عنه (١): إحفاء الشارب عندي مثلة. قال مالك: وتفسير حديث النبي ﷺ في إحفاء الشارب إنما هو الإطار. وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه. وقال أشهَبُ عنه في (٢) حلق الشارب: إنه بدعة، وأرى أن يُوجَع ضربًا مَن فَعَله. قال مالك: وكان عمر بن الخطاب إذا كرَبه أمرٌ نفَخ، فجعل رجلٌ يُرادُّه (٣)، وهو يفتِل شاربه (٤). وقال عمر بن عبد العزيز (٥): السنة في الشارب: الإطار. وقال الطحاوي: ولم نجد عن الشافعي شيئًا منصوصًا في هذا، وأصحابه الذين رأيناهم: المزني والربيع كانا يحفيان شواربهما، ويدل ذلك على أنهما أخذاه عن الشافعي، قال: وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد، فكان

стр. 343

مذهبهم في شعر الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير. وذكر ابن خُواز مَنداد (١) عن الشافعي أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة. هذا قول أبي عمر (٢). وأما الإمام أحمد فقال الأثرم: رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدًا. وسمعته يُسأَل عن السنَّة في (٣) إحفاء الشارب، فقال: يُحفي كما قال النبي ﷺ : «أحفُوا الشوارب» (٤). وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى للرجل يأخذ شاربه ويُحفيه؟ أم كيف يأخذه؟ قال: إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصًّا فلا بأس (٥). وقال أبو محمد في «المغني» (٦): وهو مخيَّر بين أن يُحفيه، وبين أن يقُصَّه من غير إحفاء.

стр. 344

قال الطحاوي (١): وروى المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ أخذ من شاربه على سواك (٢)، وهذا لا يكون معه إحفاء. واحتجَّ من لم ير إحفاءه بحديثي عائشة وأبي هريرة المرفوعين: «عشر من الفطرة ... » (٣)، فذكر منها قصَّ الشارب. وفي حديث أبي هريرة (٤) المتفق عليه (٥): «الفطرة خمس ... » فذكر (٦) منها قصَّ الشارب. واحتج المُحْفُون بأحاديث الأمر بالإحفاء وهي صحيحة، وبحديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يجُزُّ شاربه (٧). قال الطحاوي: وهذا (٨) الأغلب فيه الإحفاء، وهو يحتمل الوجهين. وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه: «جُزُّوا الشوارب، وأرخُوا اللِّحى» (٩). قال: وهذا يحتمل الإحفاء أيضًا. وذكر بإسناده عن أبي سعيد، وأبي أُسَيد، ورافع بن خَديج، وسهل بن سعد، وعبد الله بن عمر، وجابر، وأبي هريرة، أنهم كانوا يُحْفُون شواربهم. وقال إبراهيم بن محمد بن حاطب: رأيت ابن عمر يُحفي شاربه كأنه يَنْتِفه (١٠).

стр. 345

وقال بعضهم: حتى يُرى بياضُ الجلد (١). قال الطحاوي: ولما كان التقصير مسنونًا عند الجميع كان الحلق فيه أفضل قياسًا على الرأس. وقد دعا النبيُّ ﷺ للمحلِّقين ثلاثًا وللمقصِّرين واحدةً، فجعل حلقَ الرأس أفضلَ من تقصيره، فكذلك الشارب (٢). والله أعلم وأحكم. فصل في هديه في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه كان ﷺ أفصح خلق الله، وأعذبهم كلامًا، وأحسنهم (٣) أداءً، وأحلاهم منطقًا، حتى كان كلامه يأخذ القلوب، ويسبي الأرواح. وشهد له بذلك أعداؤه. وكان إذا تكلَّم تكلَّم بكلام مفصَّل مبيَّن يعُدُّه العادُّ، ليس بَهذٍّ مسرع لا يُحفَظ، ولا مقطَّع يتخلَّلُه السكتات بين أفراد الكلم، بل هديه فيه أكمل الهدي. قالت عائشة: «ما كان رسول الله ﷺ يسرُد سردَكم هذا، ولكن كان

стр. 346

يتكلم بكلامٍ يبيِّنه، فَصْلٍ يحفظه مَن جلس إليه» (١). وكان كثيرًا ما يعيد الكلمة ثلاثًا لِتُعقلَ عنه. وكان إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا. وكان طويل السَّكْت، لا يتكلَّم في غير حاجة. يفتتح الكلام ويختتمه (٢) بأشداقه. ويتكلَّم بجوامع الكلِم، فَصْلٌ (٣) لا فضول ولا تقصير. وكان لا يتكلَّم فيما لا يعنيه، ولا يتكلَّم إلا فيما يرجو ثوابه. وإذا كره الشيء عُرِف في وجهه. ولم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا ولا صخَّابًا. وكان جُلُّ ضحكه بل كلُّه التبسُّم. وكان نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه. وكان يضحك مما يُضحَك منه، وهو ما يُتعجَّب من مثله، ويُستغرَب وقوعُه ويُستندَر. وللضحك أسباب عديدة، هذا أحدها. والثاني: ضحك الفرح، وهو أن يرى ما يسُرُّه أو يباشره. والثالث: ضحك الغضب، وهو كثيرًا ما يعتري الغضبان إذا اشتدَّ غضبه. وسببه تعجُّبُ الغضبان مما أورد عليه الغضب، وشعورُ نفسه بالقدرة على خصمه وأنه في قبضته. وقد يكون ضحِكُه لمَلَكةِ نفسه (٤) عند

стр. 347

الغضب، وإعراضِه عمن أغضبه، وعدمِ اكتراثه به (١). وأما بكاؤه ﷺ فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كان تدمع عيناه حتى تهمُلا (٢)، ويُسمَع لصدره أزيز. وكان بكاؤه تارةً رحمةً للميت، وتارةً خوفًا على أمته وشفقةً، وتارةً من خشية الله، وتارةً عند سماع القرآن وهو بكاءُ اشتياقٍ ومحبَّةٍ وإجلالٍ مصاحبٍ للخوف والخشية. ولما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه، وبكى رحمةً له، وقال: «تدمَع العينُ ويحزَن القلبُ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا؛ وإنَّا بك يا إبراهيم لمحزونون» (٣). وبكى لمَّا شاهد إحدى بناته، ونفسُها تفيض (٤). وبكى لما قرأ عليه ابنُ مسعود سورة النساء، وانتهى فيها إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] (٥). وبكى لما مات عثمان بن مظعون (٦). وبكى لما كسَفت الشمسُ، فصلَّى صلاة الكسوف

стр. 348

وجعل يبكي في صلاته وينفخ ويقول: «ربِّ ألم تعِدْني أن لا تعذِّبَهم وأنا فيهم وهم يستغفرون؟ ونحن نستغفرك» (١). وبكى لما جلس على قبر إحدى بناته (٢). وكان يبكي أحيانًا في صلاة الليل. والبكاء أنواع: أحدها: بكاء الرحمة والرِّقَّة. والثاني: بكاء الخوف والخشية. والثالث: بكاء المحبَّة والشَّوق. والرابع: بكاء الفرح والسُّرور. والخامس: بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله. والسادس: بكاء الحزن. والفرق بينه وبين بكاء الخوف: أن بكاء الحزن يكون على ما مضى من حصول مكروه أو فوات محبوب، وبكاء الخوف يكون لما يتوقَّع في المستقبل من ذلك. والفرق بين بكاء السرور والفرح وبكاء الحزن: أن دمعة السرور باردة والقلب فرحان، ودمعة الحزن حارَّة

стр. 349

والقلب حزين. ولهذا يقال لما يُفرَح به: هو قُرَّة عين، وأقرَّ الله عينه به؛ ولما يُحزِن: هو سُخْنةُ عين، وأسخن الله عينه به. والسابع: بكاء الخوَر والضعف. والثامن: بكاء النفاق، وهو أن تدمع العين والقلب قاس (١)، فيظهر صاحبه الخشوع وهو من أقسى الناس قلبًا. والتاسع: البكاء المستعار والمستأجَر عليه، كبكاء النائحة بالأجرة، فإنها كما قال عمر بن الخطاب: تبيع عبرتَها، وتبكي بشجو (٢) غيرها (٣). والعاشر: بكاء الموافقة، وهو أن يرى الرجلُ الناسَ يبكون لأمرٍ ورد عليهم فيبكي معهم، ولا يدري لأيِّ شيء يبكون، ولكن رآهم يبكون، فبكى. وما كان من ذلك دمعًا بلا صوت فهو بُكًى ــ مقصور ــ وما كان معه صوت فهو بكاء ــ ممدود ــ على بناء الأصوات (٤). قال الشاعر (٥):

стр. 350

بكت عيني وحُقَّ لها بُكاها ... وما يغني البكاء ولا العويلُ وما كان منه مستدعًى متكلَّفًا فهو التباكي، وهو نوعان: محمود ومذموم. فالمحمود أن يُستجلَب لرقَّة القلب ولخشية الله (١)، لا للرياء والسمعة. والمذموم أن يُجتلَب (٢) لأجل الخلق. وقد قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ وقد رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسارى بدر: أخبرني ما يُبكيك يا رسول الله؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإلَّا تباكيتُ (٣). ولم ينكر عليه النبي ﷺ (٤). وقال بعض السلف: ابكُوا من خشية الله، فإن لم تبكُوا فتباكَوا (٥). فصل في هديه ﷺ في خطبه خطب (٦) ﷺ على الأرض، وعلى المنبر، وعلى البعير، وعلى الناقة.

стр. 351

وكان إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم، مسَّاكم. ويقول: «بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين» ويقرُن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: «أما بعد، فإنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هدي محمد. وشرُّ الأمور محدَثاتها، وكلُّ بدعة ضلالة» (١). وكان لا يخطب خطبةً إلا افتتحها بحمد الله. وأما قول كثير من الفقهاء: إنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيد بالتكبير فليس معهم به سنَّة عن النبي ﷺ البتة. والسنَّةُ تقتضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله (٢)، وهو أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب أحمد، وهو اختيار شيخنا قدَّس الله روحه (٣). وكان يخطب قائمًا. وفي مراسيل عطاء (٤) وغيره أنه ﷺ كان إذا صعِد المنبر أقبل بوجهه على الناس، ثم قال: «السلام عليكم». قال الشعبي (٥): وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك. وكان يختم خطبه بالاستغفار. وكان كثيرًا ما يخطب بالقرآن. وفي «صحيح مسلم» (٦) عن أم هشام بنت حارثة قالت: ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ

стр. 352

الْمَجِيدِ﴾ إلا عن لسان رسول الله (١) ﷺ يقرؤها كلَّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس. وذكر أبو داود (٢) عن ابن مسعود (٣) أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهَّد قال: «الحمد لله، نستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. من يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسَله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشَد، ومن يعصهما فإنه لا يضُرُّ إلا نفسَه، ولا يضرُّ الله شيئًا». وقال أبو داود (٤) عن يونس أنه سأل ابن شهاب عن تشهد رسول الله ﷺ يوم الجمعة فذكر نحو هذا، إلا أنه قال: «ومن يعصِهما فقد غوى». قال ابن شهاب (٥): وبلغنا أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا خطب: «كلُّ ما هو آتٍ قريبٌ، لا بُعْدَ لما هو آتٍ. ولا يعجَل الله لعجلة أحد، ولا يخِفُّ لأمر الناس. ما شاء الله، لا ما شاء الناس. يريد الناس أمرًا، ويريد الله (٦)، وما

стр. 353

شاء الله كان ولو كره الناس. ولا مبعِّد لما قرَّب الله، ولا مقرِّب لما بعَّد (١) الله. لا يكون شيء إلا بإذن الله». وكان مدار خطبه على حمد الله والثناء عليه بآلائه وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه ومواقع رضاه= فعلى هذا كان مدار خطبه. وكان يقول في خطبه أيضًا: «أيها الناس إنكم لن تطيقوا ــ أو: لن تفعلوا ــ كلَّ ما (٢) أُمِرتم به، ولكن سدِّدوا وأبشِروا» (٣). وكان يخطب في كلِّ وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم. ولم يكن يخطب خطبةً إلا افتتحها بحمد الله، وتشَهَّد فيها بكلمتي الشهادة، ويذكر فيها نفسه باسمه العلَم. وثبت عنه أنه قال: «كلُّ خطبة ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجَذْماء» (٤).

стр. 354

ولم يكن له شاويشٌ (١) يخرج بين يديه إذا خرج من حجرته. ولم يكن يلبس لباس الخطباء اليوم، لا طَرْحةً ولا زِيقًا (٢) واسعًا. وكان منبره ثلاث درجات، فإذا استوى عليه واستقبل الناسَ أخذ المؤِّذنُ في الأذان فقط، ولم يقل شيئًا قبله، ولم يقل شيئًا بعده. فإذا أخذ في الخطبة لم يرفع أحد صوته بشيء البتة لا مؤذِّن ولا غيره. وكان إذا قام يخطب أخذ عصًا، فتوكَّأ عليها، وهو على المنبر. كذا ذكر أبو داود (٣) عن ابن شهاب. وكان الخلفاء الثلاثة بعده يفعلون ذلك. وكان أحيانًا يتوكَّأ على قوس. ولم يُحفَظ عنه أنه توكأ على سيف. وكثير من الجهلة يظنُّ أنه كان يمسك السيف على المنبر إشارةً إلى أن الدين إنما قام بالسيف، وهذا جهل قبيح من وجهين:

стр. 355

أحدهما: أن المحفوظ أنه توكَّأ على العصا وعلى القوس. الثاني: أن الدِّين إنما قام بالوحي. وأمَّا السيف فلِمَحْقِ أهل الفساد (١) والشرك. ومدينة رسول الله ﷺ التي كانت خطبته فيها إنما فتُحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف. وكان إذا عرض له في خطبته عارضٌ اشتغل به، ثم رجع إلى خطبته. وكان يخطب فجاء الحسن والحسين يعثُران في قميصين أحمرين، فقطَع كلامَه، ونزل، فحملهما. ثم عاد إلى المنبر ثم قال: «صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] رأيتُ هذين يعثُران في قميصيهما، فلم أصبر حتى قطعتُ كلامي، فحملتُهما» (٢). وجاء سُلَيك الغطَفاني وهو يخطب، فجلس، فقال له: «يا سُلَيك، قُمْ، فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما». ثم قال وهو على المنبر: «إذا جاء أحدكم يومَ الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين (٣)، ويتجوَّزْ فيهما» (٤).
следующие страницы →