وكان إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم، مسَّاكم. ويقول: «بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين» ويقرُن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: «أما بعد، فإنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هدي محمد. وشرُّ الأمور محدَثاتها، وكلُّ بدعة ضلالة» (١).
وكان لا يخطب خطبةً إلا افتتحها بحمد الله. وأما قول كثير من الفقهاء: إنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيد بالتكبير فليس معهم به سنَّة عن النبي ﷺ البتة. والسنَّةُ تقتضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله (٢)، وهو أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب أحمد، وهو اختيار شيخنا قدَّس الله روحه (٣).
وكان يخطب قائمًا. وفي مراسيل عطاء (٤) وغيره أنه ﷺ كان إذا صعِد المنبر أقبل بوجهه على الناس، ثم قال: «السلام عليكم». قال الشعبي (٥): وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك.
وكان يختم خطبه بالاستغفار. وكان كثيرًا ما يخطب بالقرآن. وفي «صحيح مسلم» (٦) عن أم هشام بنت حارثة قالت: ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ
стр. 352
الْمَجِيدِ﴾ إلا عن لسان رسول الله (١) ﷺ يقرؤها كلَّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس.
وذكر أبو داود (٢) عن ابن مسعود (٣) أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهَّد قال: «الحمد لله، نستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. من يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسَله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشَد، ومن يعصهما فإنه لا يضُرُّ إلا نفسَه، ولا يضرُّ الله شيئًا».
وقال أبو داود (٤) عن يونس أنه سأل ابن شهاب عن تشهد رسول الله ﷺ يوم الجمعة فذكر نحو هذا، إلا أنه قال: «ومن يعصِهما فقد غوى».
قال ابن شهاب (٥): وبلغنا أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا خطب: «كلُّ ما هو آتٍ قريبٌ، لا بُعْدَ لما هو آتٍ. ولا يعجَل الله لعجلة أحد، ولا يخِفُّ لأمر الناس. ما شاء الله، لا ما شاء الناس. يريد الناس أمرًا، ويريد الله (٦)، وما
стр. 353
شاء الله كان ولو كره الناس. ولا مبعِّد لما قرَّب الله، ولا مقرِّب لما بعَّد (١) الله. لا يكون شيء إلا بإذن الله».
وكان مدار خطبه على حمد الله والثناء عليه بآلائه وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه ومواقع رضاه= فعلى هذا كان مدار خطبه.
وكان يقول في خطبه أيضًا: «أيها الناس إنكم لن تطيقوا ــ أو: لن تفعلوا ــ كلَّ ما (٢) أُمِرتم به، ولكن سدِّدوا وأبشِروا» (٣).
وكان يخطب في كلِّ وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم.
ولم يكن يخطب خطبةً إلا افتتحها بحمد الله، وتشَهَّد فيها بكلمتي الشهادة، ويذكر فيها نفسه باسمه العلَم. وثبت عنه أنه قال: «كلُّ خطبة ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجَذْماء» (٤).
стр. 354
ولم يكن له شاويشٌ (١)
يخرج بين يديه إذا خرج من حجرته. ولم يكن يلبس لباس الخطباء اليوم، لا طَرْحةً ولا زِيقًا (٢) واسعًا.
وكان منبره ثلاث درجات، فإذا استوى عليه واستقبل الناسَ أخذ المؤِّذنُ في الأذان فقط، ولم يقل شيئًا قبله، ولم يقل شيئًا بعده. فإذا أخذ في الخطبة لم يرفع أحد صوته بشيء البتة لا مؤذِّن ولا غيره.
وكان إذا قام يخطب أخذ عصًا، فتوكَّأ عليها، وهو على المنبر. كذا ذكر أبو داود (٣) عن ابن شهاب. وكان الخلفاء الثلاثة بعده يفعلون ذلك. وكان أحيانًا يتوكَّأ على قوس.
ولم يُحفَظ عنه أنه توكأ على سيف. وكثير من الجهلة يظنُّ أنه كان يمسك السيف على المنبر إشارةً إلى أن الدين إنما قام بالسيف، وهذا جهل قبيح من وجهين:
стр. 355
أحدهما: أن المحفوظ أنه توكَّأ على العصا وعلى القوس.
الثاني: أن الدِّين إنما قام بالوحي. وأمَّا السيف فلِمَحْقِ أهل الفساد (١) والشرك. ومدينة رسول الله ﷺ التي كانت خطبته فيها إنما فتُحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف.
وكان إذا عرض له في خطبته عارضٌ اشتغل به، ثم رجع إلى خطبته. وكان يخطب فجاء الحسن والحسين يعثُران في قميصين أحمرين، فقطَع كلامَه، ونزل، فحملهما. ثم عاد إلى المنبر ثم قال: «صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] رأيتُ هذين يعثُران في قميصيهما، فلم أصبر حتى قطعتُ كلامي، فحملتُهما» (٢).
وجاء سُلَيك الغطَفاني وهو يخطب، فجلس، فقال له: «يا سُلَيك، قُمْ، فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما». ثم قال وهو على المنبر: «إذا جاء أحدكم يومَ الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين (٣)، ويتجوَّزْ فيهما» (٤).
стр. 356
وكان يقصِّر خطبه أحيانًا، ويطيلها أحيانًا بحسب حاجة الناس. وكانت خطبه العارضة أطول من خطبه الراتبة. وكان يخطب النساء على حدة في الأعياد، ويحضُّهن على الصدقة (١).
стр. 357
فصول في هديه في العبادات
فصل
في هديه في الوضوء
كان ﷺ يتوضَّأ لكلِّ صلاة في غالب أحيانه، وربما صلَّى الصلوات بوضوء واحد. وكان يتوضأ بالمُدِّ تارةً، وبثلثيه تارةً، وبأزيد منه تارةً؛ وذلك نحو أربع أواقٍ بالدمشقي إلى أوقيَّتين وثلاثة (١). وكان من أيسر الناس صبًّا لماء الوضوء، وكان يحذِّر أمته من الإسراف فيه، وأخبر أنه يكون في أمته من يعتدي في الطهور (٢)، وقال: «إنَّ للوضوء شيطانًا يقال له: الوَلَهان، فاتقُوا وَسْواسَ الماء» (٣).
стр. 358
ومرَّ بسعدٍ وهو يتوضأ، فقال له: «لا تُسْرِفْ في الماء»، فقال: وهل في الماء إسرافٌ؟ قال: «نعم، وإن كنتَ على نهرٍ جارٍ (١)» (٢).
وصحَّ عنه أنه توضأ مرَّةً مرَّةً، ومرَّتين مرَّتين، وثلاثًا ثلاثًا؛ وفي بعض الأعضاء مرَّتين وبعضها ثلاثًا.
وكان يتمضمض ويستنشق تارةً بغَرْفة، وتارةً بغَرْفتين، وتارةً بثلاث. وكان يصِل بين المضمضة والاستنشاق، فيأخذ نصفَ الغَرْفة لفمه، ونصفَها لأنفه. ولا يمكن في الغَرفة إلا هذا، وأما الغرفتان والثلاث فيمكن فيهما الفصل والوصل؛ إلا أن هديه ﷺ كان الوصل بينهما، كما في «الصحيحين» (٣) من حديث عبد الله بن زيد أن رسول الله ﷺ مضمض واستنشق من كفٍّ واحدة،
стр. 359
فعل ذلك ثلاثًا. وفي لفظ: «مضمض واستنثر (١) ثلاثًا بثلاث غَرَفات» (٢). فهذا أصحُّ ما روي في المضمضة والاستنشاق.
ولم يجئ الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح البتة (٣)، لكن في حديث طلحة بن مصرِّف عن أبيه عن جدِّه (٤): رأيتُ النبيّ (٥) ﷺ يفصل بين المضمضة والاستنشاق (٦). ولكن لا ندري مَن (٧) طلحة عن أبيه عن جدِّه، ولا يُعرف لجدِّه صحبة.
وكان يستنشق بيده اليمنى، ويستنثر باليسرى. وكان يمسح رأسه كلَّه.
стр. 360
وتارةً يُقبِل بيديه ويُدبِر، وعليه يُحمَل حديث من قال: مسَح برأسه مرتين (١).
والصحيح أنه لم يكن يكرِّر مسح رأسه، بل كان إذا كرَّر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس. هكذا جاء عنه صريحًا، ولم يصحَّ عنه خلافه (٢) البتة، بل ما عدا هذا إما صحيح غير صريح كقول الصحابي: توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، وكقوله: مسح برأسه مرتين؛ وإما صريح غير صحيح كحديث ابن البَيْلَماني عن أبيه عن [ابن] عمر أن النبي ﷺ قال: «من توضَّأ فغسل كفَّيه ثلاثًا»، ثم قال: «ومسح برأسه ثلاثًا» (٣). وهذا لا يُحتَجُّ به، وابن البَيْلَماني وأبوه ضعيفان (٤)، وإن كان الأب أحسن حالًا. وكحديث عثمان الذي رواه أبو داود (٥) أنه ﷺ مسح رأسه ثلاثًا. وقال أبو داود (٦): أحاديث عثمان الصحاح كلُّها تدل على أن مسح الرأس مرةً، ولم يصح عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمَّل على العمامة.
стр. 361
وأما حديث أنس الذي رواه أبو داود (١): رأيت رسول الله ﷺ يتوضَّأ وعليه عمامة قِطْريَّة. فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدَّمَ رأسه، ولم ينقض العمامة، فهذا مقصود أنس به (٢) أن النبي ﷺ لم ينقُض عمامته حتى يستوعب مسَّ (٣) الشَّعر كلِّه، ولم ينفِ التكميل على العمامة. وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره (٤)، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه.
ولم يتوضأ رسول الله ﷺ إلا تمضمض واستنشق، ولم يُحفَظ عنه أنه أخلَّ به مرَّةً واحدةً (٥). وكذلك كان وضوؤه مرتَّبًا متواليًا لم يخل به مرةً واحدةً البتة.
وكان يمسح على رأسه تارةً، وعلى العمامة تارةً (٦)، وعلى الناصية
стр. 362
والعمامة تارةً. وأما اقتصاره على الناصية مجرَّدةً، فلم يُحفَظ عنه كما تقدَّم.
وكان يغسل رجليه إذا لم يكونا في خفَّين ولا جَوربين، ويمسح عليهما إذا كانا في الخفَّين. وكان يمسح أذنيه مع ماء رأسه، وكان يمسح ظاهرهما وباطنهما. ولم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماءً جديدًا، وإنما صحَّ ذلك عن ابن عمر (١).
ولم يصحَّ عنه في مسح العنق حديث البتة (٢).
ولم يُحفَظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئًا غير التسمية (٣)، وكلُّ حديث في أذكار الوضوء التي (٤) تقال عليه، فكذِبٌ مختلَق لم يقل رسول الله ﷺ شيئًا منها، ولا علَّمه لأمته، ولا ثبت عنه غيرُ التسمية في أوله (٥)، وقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
стр. 363
اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» (١) في آخره. وحديثٌ آخَرُ في «سنن النسائي» (٢) مما يقال بعد الوضوء أيضًا: «سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».
ولم يقل (٣) في أوله: نويتُ رفعَ الحدَث ولا استباحة الصلاة، لا هو ولا أحد من أصحابه البتة. ولم يُروَ عنه في ذلك حرف واحد، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف.
ولم يتجاوز الثلاث قطُّ. وكذلك لم يثبت عنه أنه تجاوز المرفقين والكعبين، ولكن أبو هريرة كان يفعل ذلك، ويتأوَّل حديثَ إطالة الغُرَّة (٤). وأما حديث أبي هريرة (٥) في صفة وضوء النبي ﷺ وأنه غسل يديه حتى
стр. 364
أشرع في العَضُد، ورجليه حتى أشرع في الساقين؛ فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة.
ولم يكن رسول الله ﷺ يعتاد تنشُّفَ أعضائه بعد الوضوء، ولا صح عنه في ذلك حديث البتة، بل الذي صحَّ عنه خلافه. وأما حديث عائشة: «كان للنبي ﷺ خرقة يتنشَّف بها بعد الوضوء» (١)، وحديث معاذ بن جبل: «رأيت النبي ﷺ إذا توضَّأ مسَح وجهَه بطرف ثوبه» (٢)، فضعيفان لا يُحتَجُّ بمثلهما. في الأول سليمان بن أرقم متروك، وفي الثاني الإفريقي (٣) ضعيف، قال الترمذي (٤): ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء.
ولم يكن من هديه ﷺ أن يصُبَّ عليه الماء كلَّما توضَّأ، ولكن (٥) يصبُّ على نفسه، وربما عاونه من يصبُّ عليه أحيانًا لحاجة، كما في «الصحيحين» (٦) عن المغيرة بن شعبة أنه صبَّ عليه في السفر لما توضأ.
стр. 365
وكان يخلل لحيته أحيانًا، ولم يكن يواظب على ذلك. وقد اختلف أئمة الحديث فيه، فصحَّح الترمذي (١) وغيره أنه (٢) ﷺ كان يخلِّل لحيته، وقال أحمد وأبو زرعة (٣): لا يثبت في تخليل اللحية حديث.
وكذلك تخليل الأصابع لم يكن يحافظ عليه. وفي «السنن» (٤) عن
стр. 366
المستورِد بن شدَّاد: «رأيت النبي ﷺ إذا توضَّأ يدلُكُ أصابع رجليه بخِنْصِره»، وهذا إن ثبت عنه فإنما فَعَله أحيانًا، ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه كعثمان، وعلي، وعبد الله بن زيد، والرُّبَيِّع، وغيرهم؛ على أن في إسناده ابن لهيعة.
وأما تحريك خاتمه، فقد روي فيه حديث ضعيف من رواية مَعْمَر بن محمد بن عبيد الله (١) بن أبي رافع عن أبيه عن جدِّه أنه ﷺ كان إذا توضأ حرَّك خاتمَه (٢). ومعمر وأبوه ضعيفان، ذكر ذلك الدارقطني (٣).
فصل
في هديه في المسح على الخفَّين
صحَّ عنه أنه مسح (٤) في الحضر والسفر، ولم ينسخ ذلك حتى توفِّي. ووقَّت للمقيم يومًا وليلةً، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن في عدة أحاديث حسان وصحاح. وكان يمسح ظاهر الخفَّين، ولم يصحَّ عنه (٥) مسحُ أسفلهما إلا في حديث منقطع (٦)، والأحاديث الصحيحة على خلافه. ومسَح
стр. 367
على الجوربين والنعلين. ومسح على العمامة مقتصرًا عليها ومع الناصية، وثبت ذلك عنه فعلًا وأمرًا في عدَّة أحاديث، لكن هي قضايا أعيان يحتمل أن تكون خاصَّةً بحال الحاجة والضرورة، وتحتمل العموم كالخفَّين، وهو أظهر. والله أعلم.
ولم يكن يتكلَّف (١) ضدَّ حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخفِّ مسَح عليهما ولم ينزعهما. وإن كانتا مكشوفتين غسَل القدمين، ولم يلبس الخفَّ ليمسح عليه. وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل، قاله شيخنا (٢). والله أعلم.
فصل
في هديه في التيمم
كان ﷺ يتيمَّم بضربة واحدة للوجه والكفَّين (٣). ولم يصحَّ عنه أنه تيمَّم بضربتين، ولا إلى المرفقين. قال الإمام أحمد: من قال: التيمُّمُ (٤) إلى
стр. 368
المرفقين فإنما هو شيء زاده من عنده (١).
وكذلك كان يتيمَّم بالأرض التي يصلي عليها، ترابًا كانت أو سَبَخةً (٢) أو رملًا. وصحَّ عنه أنه قال: «حيثما أدركَتْ رجلًا من أمتي الصلاةُ، فعنده مسجده وطَهوره» (٣). وهذا نصٌّ صريحٌ في أنَّ من أدركته الصلاة في الرمل فالرملُ له طهور. ولمَّا سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرِّمالَ في طريقهم وماؤهم في غاية القلَّة، ولم يُرْوَ عنه أنه حمل معه التُّرابَ ولا أمَر به، ولا فعَله أحد من أصحابه، مع القطع بأنَّ في المفاوز الرِّمالَ أكثر من التراب، وكذلك أرضُ الحجاز (٤) وغيره. ومن تدبَّر هذا قطَع بأنه كان يتيمَّم بالرمل، والله أعلم. وهذا قول الجمهور.
وأما ما ذُكِر في صفة التيمُّم من وضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور اليمنى، ثم إمرارها إلى المرفق، ثم إدارة بطن الكفِّ على بطن الذراع وإقامة إبهام اليسرى كالمؤذن إلى أن يصل إلى إبهام اليمنى فيطبقها عليها= فهذا ما (٥) يُعلَم قطعًا أن النبي ﷺ لم يفعله، ولا علَّمه أحدًا من أصحابه، ولا أمرَ به، ولا استحبَّه. وهذا هديه، إليه التحاكم.
стр. 369
وكذلك لم يصحَّ عنه التيمم لكلِّ صلاة، ولا الأمرُ به. بل أطلق التيمُّمَ، وجعله قائمًا مقام الوضوء، وهذا يقتضي أن يكون حكمه حكمه، إلا فيما اقتضى الدليل خلافه. والله أعلم.
стр. 370
فصل
في هديه ﷺ في الصلاة
كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، ولم يقل شيئًا قبلها، ولا تلفَّظ بالنية، ولا قال: أصلِّي لله (١) صلاةَ كذا مستقبلَ القبلة أربعَ ركعات إمامًا أو مأمومًا، ولا قال (٢) أداءً أو قضاءً، ولا فرضَ الوقت. فهذه عشرُ بِدَعٍ لم ينقُل عنه أحدٌ قطُّ بإسناد صحيح ولا ضعيف، ولا مسنَد ولا مرسَل لفظةً واحدةً منها البتة، بل ولا عن أحد من الصَّحابة، ولا استحبَّه أحدٌ من التابعين ولا الأئمة الأربعة. وإنما غرَّ بعضَ المتأخرين قولُ الشافعي ﵀ في الصلاة: إنها ليست كالصيام، ولا يدخل فيها أحد إلا بذِكر؛ فظنَّ أن الذِّكر تلفُّظُ المصلِّي بالنية. وإنما مرادُ الشافعي ﵀ بالذكر تكبيرةُ الإحرام ليس إلا (٣). وكيف يستحبُّ الشافعيُّ أمرًا لم يفعله رسول الله ﷺ في صلاة واحدة، ولا أحد من خلفائه وأصحابه؛ وهذا هديهم وسيرتهم، فإن أوجَدَنا أحدٌ حرفًا عنهم في ذلك قبِلناه وقابلناه بالقبول والتسليم، ولا هديَ أكملُ من هديهم، ولا سنَّة إلا ما تلقَّوه عن صاحب الشرع ﷺ .
وكان دأبه في إحرامه لفظة «الله أكبر» لا غيرها، ولم ينقل عنه أحد قطُّ سواها.
وكان يرفع يده معها ممدودةَ الأصابع مستقبلًا بها القبلةَ إلى فروع
стр. 371
أذنيه (١). وروي: «إلى منكبيه» (٢)، فأبو حُميد الساعدي ومن معه قالوا: «حتى يحاذي بهما منكبيه» (٣). وكذلك قال ابن عمر (٤). وقال وائل بن حُجْر (٥): «إلى حيال أذنيه». وقال البراء (٦): «قريبًا من أذنيه». فقيل: هو من العمل المخيَّر فيه، وقيل: كان أعلاها إلى فروع أذنيه، وكفُّه (٧) إلى منكبيه، فلا يكون اختلافًا، ولم يختلف عنه في محلِّ هذا الرفع.
ثم يضع اليمنى على ظهر اليسرى فوق (٨) الرسغ والساعد. ولم يصحَّ عنه موضعُ وضعهما، ولكن ذكر أبو داود (٩) عن علي بن أبي طالب أنه قال:
стр. 372
السنَّةُ وضعُ الكفِّ على الكفِّ في الصلاة تحت السُّرَّة. وقال ابن أبي شيبة (١): السنَّة ما روي عن النبي ﷺ ، وهو الذي ثبت عنه أنه كان يضع يمينه على شماله في الصلاة. قال أبو إسحاق الجُوزجاني (٢): وأما ما ذكروا من فوق السُّرَّة وتحتها، فإني لا أعرفه عن النبي ﷺ ، غيرَ أنَّ عليًّا قال: من السنَّة في الصلاة المكتوبة وضعُ اليمنى على اليسرى تحت السُّرَّة (٣).
وكان يستفتح تارةً بـ «اللهمَّ باعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب. اللهمَّ اغسِلْني من خطاياي بالماء والثلج والبَرَد. اللهمَّ نقِّني من الذنوب والخطايا كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس» (٤).
وتارةً يقول: «وجَّهتُ وجهيَ للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما
стр. 373
أنا من المشركين. إنَّ صلاتي ونُسُكي ومَحْياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمِرتُ وأنا أول المسلمين. اللهم أنت المَلِك، لا إله إلا أنت. أنت ربِّي، وأنا عبدك. ظلمتُ نفسي، واعترفتُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا (١)، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدِني لأحسنِ الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرِفْ عني سيِّئَ الأخلاق لا يصرِف عنِّي سيِّئَها إلا أنت. لبَّيك وسعدَيك، والخير في يديك، والشرُّ ليس إليك. أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» (٢). ولكن المحفوظ أن هذا الاستفتاح كان يقوله في قيام الليل.
وتارةً يقول: «اللهمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة؛ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنك، فإنَّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٣).
وتارةً يقول: «اللهمَّ لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ... » الحديث، وقد تقدم (٤)؛ فإن في بعض طرقه الصحيحة عن ابن
стр. 374
عباس أنه كبَّر ثم قال ذلك (١).
وتارةً يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. الحمد لله كثيرًا، الحمد لله كثيرًا، الحمد لله كثيرًا. سبحان الله بكرةً وأصيلًا، سبحان الله بكرةً وأصيلًا، سبحان الله بكرةً وأصيلًا. اللهمَّ إني أعوذ بك من الشيطان، من هَمْزه ونَفْخه ونَفْثه» (٢).
وتارةً يقول: «الله أكبر، عشر مرَّات، ثم (٣) يسبِّح عشرًا، ثم يحمد عشرًا، ويهَلّل عشرًا، ويستغفر عشرًا. ثم يقول: اللهم اغفِرْ لي وَاهْدِني وارزقني عشرًا. ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من ضيق المقام يوم القيامة، عشرًا» (٤).
= فكلُّ هذه الأنواع قد صحَّت عنه.
وروي عنه أنه كان يستفتح بـ «سبحانك اللهمَّ وبحمدك، وتبارك اسمُك،
стр. 375
وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك»، ذكر ذلك عنه أهل «السنن» (١) من حديث علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكِّل، عن أبي سعيد، على أنه ربما أرسل. وقد روي مثله من حديث عائشة (٢). والأحاديث التي قبله أثبت منه، ولكن صحَّ عن عمر بن الخطاب أنه كان يستفتح به في مقام النبيِّ ﷺ ، ويجهر به يعلِّمه الناس (٣).
قال الإمام أحمد (٤): أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أنَّ رجلًا استفتح ببعض ما روي عن النبي ﷺ من الاستفتاح كان حسنًا. وإنما اختار
стр. 376
أحمد هذا لعشرة أوجه قد ذكرتها في موضع آخر (١).
منها: جهرُ عمر به يعلِّمه الصحابة.
ومنها: اشتماله (٢) على أفضل الكلام بعد القرآن، فإن أفضل الكلام بعد القرآن: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» (٣). وقد تضمَّنها هذا الاستفتاح مع تكبيرة الإحرام.
ومنها: أنه استفتاح أُخْلِصَ للثناء على الله، وغيرُه متضمِّن للدعاء؛ والثناءُ أفضل من الدعاء. ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدِل ثلثَ القرآن، لأنها أُخلِصت لوصف الرحمن ﵎ والثناء عليه. ولهذا كان «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» أفضل الكلام بعد القرآن، فيلزم أنَّ ما تضمَّنها من الاستفتاح أفضل من غيره من الاستفتاحات.
ومنها: أن غيره من الاستفتاحات عامَّتُها إنما هي في قيام الليل في النافلة، وهذا كان عمر يعلِّمه (٤) الناس في الفرض.
ومنها: أن هذا الاستفتاح إنشاءٌ للثناء على الرَّبِّ تعالى، متضمِّن للإخبار عن صفات كماله ونعوت جلاله؛ والاستفتاح بـ «وجَّهتُ وجهي» إخبارٌ عن عبودية العبد. وبينهما من الفرق (٥) ما بينهما.
ومنها: أن من اختار الاستفتاح بـ «وجَّهتُ وجهي» لا يكمله، وإنما يأخذ
стр. 377
قطعةً من الحديث، ويذَر باقيه؛ بخلاف الاستفتاح بـ «سبحانك اللهم»، فإنَّ (١) من ذهب إليه يقوله كلَّه (٢) إلى آخره.
وكان يقول بعد ذلك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (٣)، ثم يقرأ (٤) الفاتحة. وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارةً، ويخفيها أكثر مما يجهر بها. ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا كلَّ يوم وليلة ستَّ مرَّات (٥) أبدًا حضرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور الصحابة وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال، حتى (٦) يحتاج إلى التشبُّث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية. فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح. وهذا موضع يستدعي مجلَّدًا ضخمًا (٧).
وكانت قراءته مدًّا، يقف عند كلِّ آية، ويمدُّ بها صوته (٨).
стр. 378
فإذا فرغ من قراءة الفاتحة قال: آمين (١). فإن كان يجهر بالقراءة رفع بها صوتَه، وقالها مَن خلفه.
وكان له سكتتان: سكتة بين التكبير والقراءة، وعنها سأله أبو هريرة (٢). واختلف في الثانية، فروي أنها بعد الفاتحة، وروي أنها بعد القراءة وقبل الركوع. وقيل: بل (٣) هي سكتتان غير الأولى، فتكون ثلاثة (٤). والظاهر أنهما اثنتان فقط، وأما الثالثة فلطيفة جدًّا لأجل ترادِّ النفس، ولم يكن يصل القراءة بالركوع؛ بخلاف السكتة الأولى، فإنه كان يجعلها بقدر الاستفتاح. والثانية قد قيل فيها: إنها لأجل قراءة المأموم، فعلى هذا ينبغي تطويلها بقدر قراءة الفاتحة. وأما الثالثة فللراحة والنفس (٥) فقط، فهي سكتة لطيفة. فمن لم يذكرها فلقصرها، ومن اعتبرها جعلها سكتةً ثالثةً، فلا اختلاف بين الروايتين. وهذا أظهر ما يقال في هذا (٦) الحديث.
يبيِّن ذلك أن أحد من روى حديث السكتتين هو سمُرة بن جُنْدُب، وقد
стр. 379
قال (١): «حفظت عن رسول الله ﷺ سكتتين: سكتةً إذا كبَّر، وسكتةً إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]» (٢). وفي بعض طرق الحديث: «وإذا فرغ من القراءة سكت» (٣)، وهذا كالمجمل، واللفظ الأول مفسَّر مبيَّن. ولهذا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن (٤): «للإمام سكتتان، فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب»: إذا افتتح الصلاة (٥)، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ على أن تعيين محلِّ السَّكتتين إنما هو من تفسير قتادة (٦)،
فإنه
стр. 380
روى الحديث عن الحسن عن سمُرة قال: «سكتتان حفظتُهما عن رسول الله ﷺ »، فأنكر ذلك عمران، وقال: «حفظنا سكتةً»، فكتبنا إلى أُبيِّ بن كعب بالمدينة، فكتب أُبيّ أن قد حفظ سَمُرة. قال سعيد: فقلنا (١) لقتادة: ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة. ثم قال بعد ذلك: وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يترادَّ إليه نفَسُه (٢). ومن يحتجُّ بالحسن عن سَمُرة يحتجُّ بهذا (٣).
стр. 381
فإذا فرغ من قراءة الفاتحة أخذ في سورة غيرها، وكان يطيلها تارةً، ويخفِّفها (١) لعارض من سفر أو غيره، ويتوسَّط فيها غالبًا.
وكان يقرأ (٢) في الفجر بنحو ستين آيةً إلى مائة (٣)، وصلَّاها بسورة (ق) (٤). وصلَّاها بـ (الروم) (٥). وصلَّاها بـ ﴿(٤٢) الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (٦). وصلَّاها بـ (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما (٧).
وصلَّاها بالمعوذتين وكان في
стр. 382
السفر (١). وصلَّاها فاستفتح سورة المؤمنين حتى بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الأولى، أخذته سَعْلةٌ، فركع (٢). وكان يصلِّيها يوم الجمعة بـ (ألم تنزيل) السجدة (٣)، وسورة ﴿هَلْ أَتَى﴾ كاملتين (٤)، ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه (٥) أو قراءة السجدة وحدها في الركعتين، وهو خلاف السنة.
وأما ما يظنه كثير من الجهال أنَّ صبحَ الجمعة فُضِّلت (٦) بسجدة فجهلٌ عظيمٌ، ولهذا كره بعض الأئمة قراءة سورة السجدة لأجل هذا الظن. وإنما كان النبي ﷺ يقرأ هاتين السورتين لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق آدم، ودخول الجنة والنار؛ وذلك مما كان ويكون يوم الجمعة. وكان (٧) يقرأ في فجرها ما كان ويكون في ذلك اليوم تذكيرًا للأمة بحوادث هذا اليوم، كما كان يقرأ في المجامع العظام كالأعياد والجمعة بسورة (٨) (ق)
стр. 383
و (اقتربت) و (سبِّح) و (الغاشية).
فصل
وأما الظهر فكان يطيل قراءتها أحيانًا، حتى قال أبو سعيد: «كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضَّأ، ويدرك النبيَّ ﷺ في الركعة الأولى= مما يطيلها». رواه مسلم (١).
وكان يقرأ فيها تارةً بقدر سورة (الم تنزيل) (٢)، وتارةً ب (سبح اسم ربك الأعلى) (٣)، ونحو (والليل إذا يغشى) (٤)، وتارةً بِـ (السماء ذات البروج) و (السماء والطارق) (٥).
وأما العصر، فعلى النصف من قراءة الظهر إذا طالت، وبقدرها إذا قصرت (٦).
стр. 384
وأما المغرب، فكان هديه فيها خلاف عمل الناس اليوم، فإنه صلَّاها مرَّةً بـ (الأعراف) فرَّقها (١) في الركعتين (٢)، ومرَّةً بالطور (٣)، ومرَّةً بـ (المرسلات) (٤). قال أبو عمر بن عبد البر (٥): روي (٦) عن النبي ﷺ أنه قرأ في المغرب بـ (المص)، وأنه قرأ فيها بـ (الصافات) (٧)،
وأنه قرأ فيها بـ (حم
стр. 385
الدخان) (١)، وأنه قرأ فيها بـ (سبح اسم ربك الأعلى) (٢)، وأنه قرأ فيها بـ (التين والزيتون) (٣)، وأنه قرأ فيها بـ (المعوذتين) (٤)، وأنه قرأ فيها بـ (المرسلات)، وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصَّل (٥). قال: وهي كلُّها آثار
стр. 386
صحاح مشهورة. انتهى (١).
وأما المداومة فيها على قراءة قصار المفصَّل دائمًا، فهو فعل مروان بن الحكم. ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت، وقال له (٢): ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصَّل؟ وقد رأيتُ رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بطولى الطُّولَيَيْن. قال: قلتُ: وما طولى الطوليين؟ (٣) قال: (الأعراف). وهذا حديث صحيح رواه أهل «السنن» (٤). وذكر النسائي (٥) عن عائشة أن النبيَّ ﷺ قرأ في صلاة المغرب سورة (الأعراف) فرَّقها في ركعتين (٦). فالمحافظة فيها على الآية القصيرة والسورة من قصار المفصَّل (٧) خلاف السنة، وهو من فعل مروان بن الحكم.
стр. 387
وأما عشاء الآخرة, فقرأ ﷺ فيها بـ (التين والزيتون) (١). ووقَّت لمعاذ فيها (الشمس (٢) وضحاها) و (سبح اسم ربك الأعلى) و (الليل إذا يغشى) ونحوها، وأنكر عليه قراءته فيها بـ (البقرة) بعد ما صلَّى معه، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف، فأعادها بهم بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، وقرأ (البقرة)، فلهذا قال له: «أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟» (٣). فتعلَّق النقَّارون بهذه الكلمة، ولم يلتفتوا إلى ما قبلها ولا ما بعدها!
وأما الجمعة، فكان يقرأ فيها بسورتي (٤) (الجمعة) و (المنافقين) (٥) كاملتين (٦) وسورتي (٧) (سبِّح) و (الغاشية) (٨). وأما الاقتصار على قراءة (٩) أواخر السورتين من ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرها فلم يفعله قطُّ، وهو مخالف لهديه الذي كان يحافظ عليه.
وأما قراءة الأعياد، فتارةً كان يقرأ بسورتي (ق) و (اقتربت) كاملتين (١٠)،
стр. 388
وتارةً بسورتي (١) (سبِّح) و (الغاشية) (٢).
وهذا هو الهَدْي الذي استمرَّ عليه إلى أن لقي الله، لم ينسخه شيء. ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدون من بعده. فقرأ أبو بكر الصدِّيق ﵁ في الفجر سورة (٣) (البقرة) حتى سلَّم منها قريبًا من طلوع الشمس، فقالوا: يا خليفة رسول الله، كادت الشمس تطلع. فقال: لو طلعَتْ لم تجدنا غافلين! (٤). وكان عمر ﵁ يقرأ فيها بـ (يوسف) (٥) و (النحل) (٦)، وبـ (هود) (٧) و (بني
стр. 389
إسرائيل) (١)
ونحوها من السور ولو كان تطويله ﷺ منسوخًا لم يخف على خلفائه ويطلع عليه النقارون.
وأما الحديث الذي رواه مسلم في «صحيحه» (٢) عن جابر بن سَمُرة أن النبي ﷺ «كان يقرأ في الفجر بـ (قاف (٣) والقرآن المجيد) وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا»، فالمراد بقوله: «بعدُ» أي بعد الفجر، أي أنه كان يطيل قراءة الفجر أكثر من غيرها، وصلاته بعدها تخفيفًا. ويدل على ذلك قول أمِّ الفضل وقد سمعتْ ابنَ عباس يقرأ (والمرسلات) فقالت: «يا بُنيَّ، لقد أذكرتَني (٤) بقراءتك هذه السورة. إنَّها لآخرُ ما سمعتُ من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب» (٥). فهذا في آخر الأمر.
وأيضًا فإن قوله: «وكانت صلاته بعدُ» غايةٌ قد حُذِف ما هي مضافة إليه، فلا يجوز إضمارُ ما لا يدلُّ عليه السياق، ويتركُ (٦) إضمار ما يقتضيه السياق، والسياق إنما يقتضي أن صلاته بعد الفجر كانت (٧) تخفيفًا، لا يقتضي أن
стр. 390
صلاته كلَّها بعد ذلك اليوم كانت تخفيفًا (١). هذا ما لا يدل عليه اللفظ، ولو كان هو المراد لم يخفَ على خلفائه الراشدين، فيتمسَّكون بالمنسوخ ويدَعُون الناسخ.
وأما قوله ﷺ : «أيُّكم أمَّ الناسَ فَلْيخفِّفْ» (٢)، وقول أنس: «كان رسول الله ﷺ أخفَّ الناس صلاةً في تمامٍ» (٣)، فالتخفيف أمر نِسْبيٌّ يرجع إلى ما فعله النبي ﷺ وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين، فإنه ﷺ لم يكن يأمرهم بأمرٍ ثم يخالفه. وقد عَلِم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة، فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به. فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من تلك (٤) بأضعاف مضاعفة، فهي خفيفة بالنسبة إلى أطول منها. وهديه الذي كان يواظب عليه هو الحاكم في كلِّ ما تنازع فيه المتنازعون. ويدل عليه ما رواه النسائي (٥) وغيره عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمُّنا بـ (الصَّافَّات)». فالقراءة بـ (الصَّافَّات) من التخفيف الذي كان يأمر به. والله أعلم.