← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

قال الموقعون للثَّلاث (١): الكلام معكم في مقامين، أحدهما: تحريم جمع الثَّلاث. والثَّاني: وقوعها جملةً ولو كانت محرَّمةً. ونحن نتكلَّم معكم في المقامين. فأمَّا الأوَّل، فقد قال الشَّافعيُّ وأبو ثورٍ وأحمد بن حنبلٍ في إحدى الرِّوايات عنه وجماعةٌ من أهل الظَّاهر: إنَّ جمع الثَّلاث سنَّةٌ، واحتجُّوا عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولم يُفرِّق بين أن تكون الثَّلاث مجموعةً أو مفرَّقةً، ولا يجوز أن يُفرَّق بين ما جمع الله بينه، كما لا يُجمَع بين ما فرَّق بينه. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولم يفرِّق. وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦]، ولم يفرِّق. وقال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولم يفرِّق. قالوا: وفي «الصَّحيحين» (٢) أنَّ عُوَيمرًا (٣) العَجْلاني طلَّق امرأته ثلاثًا بحضرة رسول الله ﷺ قبلَ أن يأمره بطلاقها. قالوا: فلو كان جمع الثَّلاث معصيةً لما أقرَّ عليه رسول الله ﷺ ، ولا يخلو طلاقها أن يكون قد وقع وهي امرأته، أو حين حرمت عليه باللِّعان. فإن كان الأوَّل فالحجَّة منه ظاهرةٌ، وإن كان الثَّاني فلا شكَّ أنَّه طلَّقها وهو يظنُّها امرأتَه، فلو كان حرامًا لبيَّنها له رسول الله ﷺ وإن كانت قد حرمتْ عليه.

стр. 3222

قالوا: وفي «صحيح البخاريِّ» (١) من حديث القاسم بن محمَّدٍ عن عائشة أم المؤمنين أنَّ رجلًا طلَّق ثلاثًا، فتزوَّجتْ، فطَلَّق (٢)، فسُئل رسول الله ﷺ : أتحلُّ للأوَّل؟ قال: «لا، حتَّى يذوقَ عُسيلتهَا كما ذاقَ الأوَّل». فلم ينكر ﷺ ذلك، وهذا يدلُّ على إباحة جمع الثَّلاث، وعلى وقوعها، إذ لو لم تقع لم يُوقِّف رجوعَها إلى الأوَّل على ذوق الثَّاني عُسَيلتَها. قالوا: وفي «الصَّحيحين» (٣) من حديث أبي سلمة بن عبد الرَّحمن أنَّ فاطمة بنت قيس أخبرتْه أنَّ زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلَّقها ثلاثًا، ثمَّ انطلق إلى اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفرٍ، فأتوا رسولَ الله ﷺ في بيت ميمونة أم المؤمنين، فقالوا: إنَّ أبا حفص طلَّق امرأته ثلاثًا، فهل لها من نفقةٍ؟ فقال رسول الله ﷺ : «ليس لها نفقةٌ، وعليها العدَّة». وفي «صحيح مسلم» (٤) في هذه القصَّة: قالت فاطمة: فأتيتُ رسول الله ﷺ فقال: «كم طلَّقكِ؟» قلت: ثلاثًا، فقال: «صدقَ، ليس لك نفقةٌ». وفي لفظٍ له (٥): أنها قالت: يا رسول اللَّه، إنَّ زوجي طلَّقني ثلاثًا، وأنا أخاف أن يُقْتَحَم عليَّ.

стр. 3223

وفي لفظٍ له (١) عنها: أنَّ النبيَّ ﷺ قال في المطلَّقة ثلاثًا: «ليس لها سُكنى ولا نفقةٌ». قالوا: وقد روى عبد الرزاق في «مصنَّفه» (٢) عن يحيى بن العلاء، عن عبيد الله (٣) بن الوليد الوصَّافي، عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت، [عن داود بن عبادة بن الصامت] (٤)، قال: طلَّق جدِّي امرأةً له ألفَ تطليقةٍ، فانطلق أبي إلى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فقال النَّبيُّ ﷺ : «ما اتَّقى الله جدُّك، أمَّا ثلاثٌ فله، وأمَّا تسعمائةٍ وسبعٌ وتسعون فعدوانٌ وظلمٌ، إن شاء الله عذَّبه، وإن شاء غفر له». ورواه بعضهم (٥) عن صدقة بن أبي عمران، عن إبراهيم بن عبيد الله بن

стр. 3224

عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جدِّه قال: طلَّق بعض آبائي امرأته، فانطلق بنوه إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه! إنَّ أبانا طلَّق أمَّنا ألفًا، فهل له من مَخرجٍ؟ فقال: «إنَّ أباكم لم يتَّقِ اللَّه فيجعل له مخرجًا، بانتْ منه بثلاثٍ على غير السُّنَّة، وتسعمائةٍ وسبعٌ وتسعون إثمٌ في عنقه». قالوا: وروى محمد بن شاذان، عن معلَّى (١) بن منصورٍ، عن شُعيب بن رُزَيق (٢)، أنَّ عطاء الخراسانيَّ حدَّثهم عن الحسن، قال: حدَّثنا عبد الله بن عمر أنَّه طلَّق امرأته وهي حائضٌ، ثمَّ أراد أن يتبعها بتطليقتين أُخريينِ عند القُرأينِ الباقيينِ، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: «يا ابن عمر، ما هكذا أمرك اللَّه، أخطأتَ السُّنَّة ... » وذكر الحديث، وفيه: فقلت: يا رسول اللَّه، لو كنتُ طلَّقتها ثلاثًا أكان لي أن أجمعها، قال: «لا، كانت تَبِينُ، وتكون معصيةً» (٣). قالوا: وقد روى أبو داود في «سننه» (٤) عن نافع بن عُجَير بن عبد يزيد بن رُكانة، أنَّ رُكانة بن عبد يزيد طلَّق امرأته سُهَيمة البتَّةَ، فأَخبر

стр. 3225

النَّبيَّ ﷺ بذلك، وقال: والله ما أردتُ إلا واحدةً (١)، فقال رسول الله ﷺ : «واللهِ ما أردتَ إلا واحدةً؟»، فقال ركانة: واللهِ ما أردتُ إلا واحدةً (٢)، فردَّها إليه رسول الله ﷺ ، فطلَّقها الثَّانيةَ في زمن عمر، والثَّالثة في زمن عثمان. وفي «جامع الترمذي» (٣): عن عبد الله (٤) بن علي بن يزيد بن رُكانة، عن أبيه، عن جدِّه أنَّه طلَّق امرأته البتَّةَ، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: «ما أردتَ؟»، قال: واحدةً، قال: «آللهِ؟»، قال: آللَّهِ. قال: «هو على ما أردت». قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمَّدًا عن هذا الحديث فقال: فيه اضطرابٌ. ووجه الاستدلال بالحديث أنَّه ﷺ أَحْلفَه أنَّه أراد بالبتَّة واحدةً، فدلَّ على أنَّه لو أراد بها أكثر لوقع ما أراده، ولو لم يفترق الحال لم يُحلِفه. قالوا: وهذا أصحُّ من حديث ابن جريجٍ عن بعض بني أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ أنَّه طلَّقها ثلاثًا. قال أبو داود (٥): لأنَّهم ولدُ الرَّجل، وأهلُه أعلمُ به أنَّ ركانة إنَّما طلَّقها البتَّة. قالوا: وابن جريجٍ إنَّما رواه عن بعض بني أبي رافع. فإن كان عبد الله (٦) فهو ثقةٌ معروفٌ، وإن كان غيره من إخوته فمجهول العدالة، لا تقوم به حجَّةٌ.

стр. 3226

قالوا: وأمَّا طريق الإمام أحمد، ففيها ابن إسحاق، والكلام فيه معروفٌ، وقد حكى الخطابي (١) أنَّ الإمام أحمد كان يضعِّف طرق هذا الحديث كلَّها. قالوا: وأصحُّ ما معكم حديث أبي الصهباء عن ابن عبَّاسٍ، وقد قال البيهقي (٢): هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاريُّ ومسلم، فأخرجه مسلم وتركه البخاريُّ، وأظنُّه تركَه لمخالفته (٣) سائر الرِّوايات عن ابن عبَّاسٍ. ثمَّ ساق الرِّوايات عنه بوقوع الثَّلاث، ثمَّ قال: فهذه رواية سعيد بن جبيرٍ (٤)، وعطاء بن أبي رباحٍ (٥)، ومجاهد (٦)، وعكرمة (٧)، وعمرو بن

стр. 3227

دينارٍ (١)، ومالك بن الحارث (٢)، ومحمد بن إياس بن البُكَير (٣) ــ قال: وروِّيناه عن معاوية بن أبي عيَّاش الأنصاري (٤) ــ كلُّهم عن ابن عبَّاسٍ أنَّه أجاز الثَّلاث وأمضاهنَّ. وقال ابن المنذر (٥): فغير [جائزٍ] (٦) أن يُظَنَّ بابن عبَّاسٍ أنَّه يحفظ عن النَّبيِّ ﷺ شيئًا ثمَّ يفتي بخلافه. وقال الشَّافعيُّ (٧): فإن كان معنى قول ابن عبَّاسٍ: «إنَّ الثَّلاث كانت تُحْسَب على عهد رسول الله ﷺ واحدةً، يعني أنَّه بأمر النَّبيِّ ﷺ ، فالَّذي يُشِبه ــ والله أعلم ــ أن يكون ابن عبَّاسٍ قد علم أنَّه كان شيئًا فنُسِخ.

стр. 3228

قال البيهقي (١): ورواية عكرمة عن ابن عبَّاسٍ فيها تأكيدٌ لصحَّة هذا التَّأويل. يريد البيهقي ما رواه أبو داود والنَّسائيُّ (٢) من حديث عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، وذلك أنَّ الرَّجل كان إذا طلَّق امرأته فهو أحقُّ برجعتها، وإن طلَّقها ثلاثًا، فنُسِخ ذلك، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. قالوا: فيحتمل أنَّ الثَّلاث كانت تُجعل واحدةً من هذا الوقت، بمعنى أنَّ الزَّوج كان يتمكَّن من المراجعة بعدها، كما يتمكَّن من المراجعة (٣) بعد الواحدة، ثمَّ نُسِخ ذلك. وقال ابن سُرَيج (٤): يمكن أن يكون ذلك إنَّما جاء في نوعٍ خاصٍّ من الطَّلاق الثَّلاث، وهو أن يُفرِّق بين الألفاظ، كأنه يقول: أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، وكان في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر النَّاسُ على صدقهم وسلامتهم، لم يكن فيهم الخبُّ والخداع، فكانوا يُصدَّقون أنَّهم أرادوا به

стр. 3229

التَّأكيد، ولا يريدون به الثَّلاث، فلمَّا رأى عمر ﵁ في زمانه أمورًا ظهرت وأحوالًا تغيَّرت، منع من حمل اللَّفظ على التَّكرار، وأَلزَمهم الثَّلاثَ. وقالت طائفةٌ: معنى الحديث أنَّ النَّاس كانت عادتُهم على عهد رسول الله ﷺ إيقاعَ الواحدة، ثمَّ يَدَعُها حتَّى تنقضي عدَّتها، ثمَّ اعتادوا الطَّلاق الثَّلاثَ جملةً، وتتابعوا فيه. ومعنى الحديث على هذا: كان الطَّلاق الذي يُوقِعه (١) المطلِّق الآن ثلاثًا يُوقِعه على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر واحدةً، فهو إخبارٌ عن الواقع لا عن المشروع. وقالت طائفةٌ: ليس في الحديث بيانُ أنَّ رسول الله ﷺ هو الذي كان يجعل الثَّلاث واحدةً، ولا أنَّه أعلم (٢) بذلك فأقرَّ عليه، ولا حجَّة إلا فيما قاله أو فعلَه أو عَلِمَ به فأقرَّ عليه (٣)، ولا نعلم صحَّة واحدةٍ من هذه الأمور في حديث أبي الصهباء. قالوا: وإذا اختلفت علينا الأحاديث نظرنا إلى ما عليه أصحاب النبي ﷺ ، فإنَّهم أعلم بسنَّته، فنظرنا فإذا الثَّابت عن عمر بن الخطَّاب الذي لا يثبت عنه غيره: ما رواه عبد الرزاق (٤) عن سفيان الثَّوريِّ، عن سلمة بن كُهَيلٍ، ثنا زيد بن وهبٍ، أنَّه رُفِع إلى عمر بن الخطَّاب رجلٌ طلَّق امرأته ألفًا، فقال له عمر: أطلَّقتَ امرأتك؟ فقال: إنَّما كنتُ ألعب، فعلاه عمر بالدِّرَّة،

стр. 3230

وقال: إنَّما يكفيك من ذلك ثلاثٌ. وروى وكيعٌ (١) عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عليِّ بن أبي طالبٍ، فقال: إنِّي طلَّقت امرأتي ألفًا، فقال له علي: بانت منك بثلاثٍ، واقْسِمْ سائرهنَّ بين نسائك. وروى وكيعٌ (٢) أيضًا عن جعفر بن بُرْقان، عن معاوية بن أبي يحيى، قال: جاء رجلٌ إلى عثمان بن عفَّان، فقال: طلَّقتُ امرأتي ألفًا، قال: بانت منك بثلاثٍ. وروى عبد الرزاق (٣) عن سفيان الثَّوريِّ، عن عمرو بن مُرَّة، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قال رجلٌ لابن عبَّاسٍ: طلَّقت امرأتي ألفًا، فقال له ابن عبَّاسٍ: ثلاثٌ تُحرِّمها عليك، وبقيَّتها عليك وِزْرٌ، أتَّخذتَ آيات الله هزوًا؟!

стр. 3231

وروى عبد الرزاق (١) أيضًا عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: جاء رجلٌ إلى ابن مسعودٍ، فقال: إنِّي طلَّقتُ امرأتي تسعًا وتسعين، فقال له ابن مسعودٍ: ثلاثٌ تُبِينُها [منك] (٢)، وسائرهنَّ عدوانٌ. وذكر أبو داود في «سننه» (٣) عن محمد بن إياس، أنَّ ابن عبَّاسٍ وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ سُئلوا عن البِكر يُطلِّقها زوجها ثلاثًا، فكلُّهم قال: لا تحلُّ له حتَّى تنكح زوجًا غيره. قالوا: فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ كما تسمعون قد أوقعوا الثَّلاث جملةً، ولو لم يكن فيهم إلّا (٤) المحدَّث المُلْهَم وحده لكفى، فإنَّه لا يُظَنُّ به تغيير ما شرعه النَّبيُّ ﷺ من الطَّلاق الرَّجعيِّ، فيجعله محرَّمًا، وذلك يتضمَّن تحريمَ فرْجِ المرأة على من لم تحرم عليه، وإباحتَه لمن لا تحلُّ له، ولو فعل ذلك عمر لما أقرَّه عليه الصَّحابة، فضلًا عن أن يوافقوه، ولو كان عند ابن عبَّاسٍ حجَّةٌ عن رسول الله ﷺ أنَّ الثَّلاث واحدةٌ لم يخالفْها ويفتي (٥)

стр. 3232

بغيرها موافقةً لعمر، وقد عُلِم مخالفتُه له في العَوْل، وحجْبِ الأمِّ بالاثنين من الإخوة والأخوات، وغير ذلك. قالوا: ونحن في هذه المسألة تَبَعٌ لأصحاب رسول الله ﷺ ، فهم أعلمُ بسنَّته وشرعه، ولو كان مستقرًّا من شريعته أنَّ الثَّلاث واحدةٌ، وتوفِّي والأمر على ذلك= لم يَخْفَ عليهم، ويعلَمْه مَن بعدهم، ولم يُحْرَموا الصَّوابَ فيه، ويُوفَّقْ له مَن بعدهم، ويَروي حبر الأمَّة وفقيهها خبرَ كون الثَّلاث واحدةً ويخالفه. قال المانعون من وقوع الثَّلاث: التَّحاكم في هذه المسألة وغيرها إلى من أقسم الله أصدقَ قسمٍ وأبرَّه، أنَّا لا نؤمن حتَّى نُحكِّمه فيما شجر بيننا، ثمَّ نرضى بحكمه، ولا يَلحقُنا فيه حرجٌ، ونُسلِّم تسليمًا، لا (١) إلى غيره كائنًا من كان، اللَّهمَّ إلا أن تُجمِع الأمة إجماعًا متيقَّنًا لا نشكُّ فيه على حكمٍ، فهو الحقُّ الذي لا يجوز خلافه، ويأبى الله أن تجتمع الأمَّة على خلاف سنَّةٍ ثابتةٍ عنه أبدًا. ونحن قد أوجدناكم من الأدلَّة ما تَثبتُ المسألة به، بل وبدونه، ونحن نناظركم فيما طعنتم به في تلك الأدلَّة، وفيما عارضتمونا به، على أنَّا لا نحكم على أنفسنا إلا نصًّا عن اللَّه، أو نصًّا ثابتًا عن رسوله، أو إجماعًا متيقَّنًا لا شكَّ فيه، وما عدا هذا فعُرْضةٌ للنِّزاعٍ، وغايته أن يكون سائغَ الاتِّباع لا لازمَه، فلتكن هذه المقدِّمة سَلفًا لنا عندكم، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وقد تنازعنا نحن وأنتم في هذه المسألة، فلا سبيلَ إلى ردِّها إلى غير الله ورسوله البتَّةَ، وسيأتي أنَّا أحقُّ بالصَّحابة

стр. 3233

وأسعدُ بهم فيها، فنقول: أمَّا منعُكم لتحريم جمع الثَّلاث، فلا ريبَ أنَّها مسألة نزاعٍ، ولكنَّ الأدلَّة الدَّالَّة على التَّحريم حجَّةٌ عليكم. أمَّا قولكم: إنَّ القرآن قد دلَّ على جواز الجمع، فدعوى غير مقبولةٍ، بل باطلةٌ، وغايةُ ما تمسَّكتم به إطلاق القرآن للفظ الطَّلاق، وذلك لا يعمُّ جائزَه ومحرَّمَه، كما لا يدخل تحته طلاق الحائض وطلاق الموطوءة في طهرها، وما مَثلكم في ذلك إلا كمثل من عارض السُّنَّة الصَّحيحة في تحريم الطَّلاق المحرَّم بهذه الإطلاقات سواء، ومعلومٌ أنَّ القرآن لم يدلَّ على جواز كلِّ طلاقٍ حتَّى تُحمِّلوه ما لا يطيقه، وإنَّما دلَّ على أحكام الطَّلاق، والمبيِّن عن الله بيَّن حلاله وحرامه، ولا ريبَ أنَّا أسعدُ بظاهر القرآن كما بيَّنَّا في صدر الاستدلال، وأنَّه سبحانه لم يشرع قطُّ طلاقًا بائنًا بغير عوضٍ لمدخولٍ بها إلا أن يكون آخرَ العدد، وهذا كتاب الله بيننا وبينكم، وغاية ما تمسَّكتم به ألفاظٌ مطلقةٌ قيَّدتْها السُّنَّة، وبيَّنتْ شروطها وأحكامها. وأمَّا استدلالكم بأنَّ الملاعن طلَّق امرأته ثلاثًا بحضرة رسول الله ﷺ ، فما أصحَّه من حديثٍ، وأبعدَه من استدلالكم على جواز الطَّلاق الثَّلاث بكلمةٍ واحدةٍ في نكاحٍ يُقصَد بقاؤه ودوامه. ثمَّ المستدلُّ بهذا إن كان ممَّن يقول: إنَّ الفرقة وقعت عقيبَ لعان الزَّوج وحده، كما يقوله الشَّافعيُّ، أو عقيبَ لعانهما وإن لم يُفرِّق الحاكم، كما يقوله أحمد في إحدى الرِّوايات عنه= فالاستدلال به باطلٌ، لأنَّ الطَّلاق الثَّلاث حينئذٍ لغوٌ لم يُفِدْ شيئًا. وإن كان ممَّن يُوقِف الفرقة على تفريق الحاكم لم يصحَّ الاستدلال به أيضًا، لأنَّ هذا النِّكاح لم يبقَ سبيلٌ إلى بقائه ودوامه، بل هو واجب الإزالة ومؤبَّدُ

стр. 3234

التَّحريم، فالطَّلاق الثَّلاث مؤكِّدٌ لمقصود اللِّعان ومقرِّرٌ له، فإنَّ غايته أن يُحرِّمها عليه حتَّى تنكح زوجًا غيره، وفرقة اللِّعان تُحرِّمها عليه على الأبد، ولا يلزم من نفوذ الطَّلاق في نكاحٍ قد صار مستحقَّ التَّحريم على التَّأبيد نفوذُه في نكاحٍ قائمٍ مطلوب البقاء والدَّوام، ولهذا لو طلَّقها في هذا الحال وهي حائضٌ أو نُفَساء أو في طهرٍ جامعها فيه= لم يكن عاصيًا، لأنَّ هذا النِّكاح مطلوبُ الإزالة مؤبَّدُ التَّحريم. ومن العجب أنَّكم تتمسَّكون بتقرير رسول الله ﷺ على هذا الطَّلاق المذكور، ولا تتمسَّكون بإنكاره وغضبه للطَّلاق الثَّلاث من غير الملاعن، وتسميتِه لعبًا بكتاب الله كما تقدَّم، فكم بين هذا الإقرار (١) وهذا الإنكار؟ ونحن بحمد الله قائلون بالأمرين، مُقِرُّون لما أقرَّه رسول الله ﷺ ، منكرون لما أنكره. وأمَّا استدلالكم بحديث عائشة أنَّ رجلًا طلَّق ثلاثًا فتزوَّجتْ، فسئل رسول الله ﷺ أتحلُّ (٢) للأوَّل؟ فقال: «لا، حتَّى تذوق العُسيلةَ»، فهذا مما (٣) لا نُنازعكم فيه، نعم هو حجَّةٌ على من اكتفى بمجرَّد عقد الثَّاني، ولكن أين في الحديث أنَّه طلَّق الثَّلاث بفمٍ واحدٍ؟ بل الحديث حجَّةٌ لنا، فإنَّه لا يقال: «فعل ذلك ثلاثًا» و «قال ثلاثًا» إلا لمن فعلَ وقال مرَّةً بعد مرَّةٍ، هذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفَه ثلاثًا، وشتَمَه ثلاثًا، وسلَّم عليه ثلاثًا.

стр. 3235

قالوا: وأمَّا استدلالكم بحديث فاطمة بنت قيس، فمن العجب العُجاب، فإنَّكم خالفتموه فيما هو صريحٌ فيه لا يقبل تأويلًا صحيحًا، وهو سقوط النَّفقة والكسوة للبائن، مع صحَّته وصراحته وعدمِ ما يعارضه مقاومًا له، وتمسَّكتم به فيما هو مجملٌ، بل بيانُه في نفس الحديث بما يُبطِل تعلُّقَكم به، فإنَّ قوله: «طلَّقها ثلاثًا» ليس بصريحٍ في جمعها، بل كما تقدَّم، كيف وفي «الصَّحيح» (١) في خبرها نفسِه من رواية الزُّهريِّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنَّ زوجها أرسل إليها بتطليقةٍ كانت بقيتْ لها من طلاقها. وفي لفظٍ في «الصَّحيح» (٢): أنَّه طلَّقها آخرَ ثلاثِ تطليقاتٍ. وهو سندٌ صحيحٌ متَّصلٌ مثل الشَّمس، فكيف ساغ لكم تركُه إلى التَّمسُّك بلفظٍ مجملٍ، وهو أيضًا حجَّةٌ عليكم كما تقدَّم؟ قالوا: وأمَّا استدلالكم بحديث عبادة بن الصَّامت الذي رواه عبد الرزاق، فخبرٌ في غاية السُّقوط؛ لأنَّ في طريقه: يحيى بن العلاء عن عبيد الله بن الوليد الوَصَّافي عن إبراهيم بن عبيد الله، ضعيفٌ عن هالكٍ عن مجهولٍ، ثمَّ الذي يدلُّ على كذبه وبطلانه أنَّه لم يُعرَف في شيءٍ من الآثار ــ صحيحِها ولا سقيمِها، ولا متَّصلِها ولا منقطعِها ــ أنَّ والد عبادة بن الصَّامت أدرك الإسلام، فكيف بجدِّه؟ فهذا محالٌ بلا شكٍّ. وأمَّا حديث عبد الله بن عمر، فأصله صحيحٌ بلا شكٍّ، لكنَّ هذه الزِّيادة والوصلة التي فيه «فقلت: يا رسول الله، لو طلَّقتُها ثلاثًا أكانتْ تَحِلُّ لي؟» إنَّما جاءت من رواية شعيب بن رُزَيق (٣)، وهو الشامي، وبعضهم يقلبه

стр. 3236

فيقول: رُزَيق بن شعيب. وكيفما كان فهو ضعيفٌ، ولو صحَّ لم يكن فيه حجَّةٌ، لأنَّ قوله: «لو طلَّقتُها ثلاثًا» بمنزلة قوله: لو سلَّمتُ ثلاثًا، أو أقررتُ ثلاثًا، ونحوه ممَّا لا يُعقل جمعُه. وأمَّا حديث نافع بن عُجَير الذي رواه أبو داود: أنَّ ركانة طلَّق امرأته البتَّةَ، فأحلفَه رسول الله ﷺ ما أراد إلا واحدةً، فمن العجب تقديم نافع بن عُجَير المجهول الذي لا يُعرف حاله البتَّةَ، ولا يُدرى من هو ولا ما هو، على ابن جريجٍ ومعمر وعبد الله بن طاوس في قصَّة أبي الصهباء، وقد شهد إمام أهل الحديث محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ بأنَّ فيه اضطرابًا، هكذا قال الترمذي في «الجامع» (١). وذكر عنه في موضعٍ آخر (٢): أنَّه مضطربٌ. فتارةً يقول: طلَّقها ثلاثًا، وتارةً يقول: واحدةً، وتارةً يقول: طلَّقها البتَّة. وقال الإمام أحمد: طرقُها كلُّها ضعيفةٌ، وضعَّفه أيضًا البخاريُّ، حكاه المنذري (٣) عنه. ثمَّ كيف يُقدَّم هذا الحديث المضطرب المجهول روايةً على حديث عبد الرزاق عن ابن جريجٍ لجهالة بعض بني أبي رافع هذا؟ وأولاده تابعيُّون، وإن كان عبيد الله أشهرهم، وليس فيهم متَّهمٌ بالكذب، وقد روى عنه ابن جريجٍ، ومن يَقبل رواية المجهول أو يقول: رواية العدل عنه تعديلٌ له، فهذا حجَّةٌ عنده. فأمَّا أن يُضعِّفه ويُقدِّم عليه رواية من هو مثله من الجهالة أو أشدُّ، فكلَّا! فغاية الأمر أن يتساقط روايتا هذين المجهولين، ويُعدَل إلى غيرهما، وإذا فعلنا ذلك نظرنا في حديث سعد بن إبراهيم، فوجدناه صحيح الإسناد،

стр. 3237

وقد زالت علَّة تدليس محمد بن إسحاق بقوله: «حدَّثني داود بن الحصين»، ولكن رواه أبو عبد الله الحاكم في «مستدركه» (١) وقال: إسناده صحيح، فوجدنا الحديث لا علة له (٢). وقد احتجَّ أحمد بإسناده في مواضع (٣)، وقد صحَّح هو وغيره بهذا الإسناد بعينه أنَّ رسول الله ﷺ ردَّ زينب على زوجها أبي العاص بن الرَّبيع بالنِّكاح الأوَّل، ولم يُحدِث شيئًا (٤). وأمَّا داود بن الحصين عن عكرمة، فلم تزل الأئمَّة تحتجُّ به (٥)، وقد احتجُّوا به في حديث العرايا (٦) فيما شُكَّ فيه ولم يُجزَم به من تقديرها بخمسة أوسُقٍ أو دونها، مع كونها على خلاف الأحاديث التي نُهِي فيها عن بيع الرُّطب بالتَّمر (٧)، فما ذنبه في هذا الحديث سوى روايته ما لا يقولون به. وإن قَدَحْتم في عكرمة ــ ولعلَّكم فاعلون ــ جاءكم ما لا قِبَلَ لكم به

стр. 3238

من التَّناقض فيما احتججتم به أنتم وأئمَّة الحديث من روايته، وارتضاء البخاريِّ لإدخال حديثه في «صحيحه». فصل وأمَّا تلك المسالك الوَعِرة التي سلكتموها في حديث أبي الصهباء، فلا يصحُّ شيءٌ منها (١). أمَّا المسلك الأوَّل، وهو انفراد مسلم بروايته وإعراض البخاريِّ عنه، فتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنه (٢) عارُها، وما ضرَّ ذلك الحديثَ انفرادُ مسلم به شيئًا. ثمَّ هل تقبلون أنتم أو أحدٌ مثلَ هذا في كلِّ حديثٍ ينفرد به مسلم عن البخاريِّ؟ وهل قال البخاريُّ قطُّ: إنَّ كلَّ حديثٍ لم أُدخِلْه في كتابي فهو باطلٌ، أو ليس بحجَّةٍ، أو ضعيفٌ؟ وكم قد احتجَّ البخاريُّ بأحاديثَ خارجَ «الصَّحيح» ليس لها ذكرٌ في «صحيحه»، وكم صحَّح من حديثٍ خارجٍ عن «صحيحه». فأمَّا مخالفة سائر الرِّوايات له عن ابن عبَّاسٍ، فلا ريبَ أنَّ عن ابن عبَّاسٍ روايتين صحيحتين بلا شكٍّ: إحداهما توافق هذا الحديث، والأخرى تخالفه، فإن أسقطنا روايةً بروايةٍ سَلِمَ الحديثُ، على أنَّه بحمد الله سالمٌ. ولو اتَّفقت الرِّوايات عنه على مخالفته فله أسوةُ أمثالِه. وليس بأوَّل حديثٍ خالفه راويه، فنسألكم: هل الأخذ بما رواه الصَّحابيُّ عندكم أو بما رآه؟ فإن قلتم:

стр. 3239

الأخذ بروايته، وهو قول جمهوركم بل جمهور الأمَّة على هذا، كَفَيتمونا مؤونةَ الجواب. وإن قلتم: الأخذ برأيه أَريناكم مِن تناقضكم ما لا حيلةَ لكم في دفعه، ولا سيَّما عن ابن عبَّاسٍ نفسه، فإنَّه روى حديث بَرِيرة وتخييرها، ولم يكن بيعها طلاقًا، ورأى بخلافه وأنَّ بيع الأمة طلاقها، فأخذتم ــ وأصبتم ــ بروايته وتركتم رأيه، فهلَّا فعلتم ذلك فيما نحن فيه وقلتم: الرِّواية معصومةٌ، وقول الصَّحابيِّ غير معصومٍ، ومخالفته لما رواه يحتمل احتمالاتٍ عديدةً: من نسيانٍ، أو تأويلٍ، أو اعتقادِ معارضٍ راجحٍ في ظنِّه، أو اعتقادِ أنَّه منسوخٌ أو مخصوصٌ، أو غير ذلك من الاحتمالات، فكيف يَسُوغ ترك روايته مع قيام هذه الاحتمالات؟ وهل هذا إلا تركُ معلومٍ لمظنونٍ بل مجهولٍ؟ قالوا: وقد روى أبو هريرة ﵁ حديث التَّسبيع من ولوغ الكلب، وأفتى بخلافه (١)، فأخذتم بروايته، وتركتم فتواه. ولو تتبَّعنا ما أخذتم فيه برواية الصَّحابيِّ دون فتواه لطال. قالوا: وأمَّا دعواكم لنسخِ الحديث، فموقوفةٌ على ثبوت معارضٍ مقاومٍ متراخٍ، فأين هذا؟ وأمَّا حديث عكرمة عن ابن عبَّاسٍ في نسخ المراجعة بعد الطَّلاق الثَّلاث، فلو صحَّ لم يكن فيه حجَّةٌ، فإنَّه إنَّما فيه أنَّ الرَّجل كان يُطلِّق امرأته

стр. 3240

ويراجعها بغير عددٍ، فنُسِخ ذلك وقُصِر على ثلاثٍ، فبها تنقطع الرَّجعة، فأين في ذلك الإلزامُ بالثَّلاث بفمٍ واحدٍ؟ ثمَّ كيف يستمرُّ المنسوخ على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر، لا تعلم به الأمة وهو من أهمِّ الأمور المتعلِّقة بحِلِّ الفروج؟ ثمَّ كيف يقول عمر: إنَّ النَّاس قد استعجلوا في شيءٍ كانت لهم فيه أَناةٌ (١)؟ وهل للأمة أناةٌ في المنسوخ بوجهٍ ما؟! ثمَّ كيف يُعارَضُ الحديث الصَّحيح بهذا الذي فيه عليُّ بن الحسين بن واقدٍ، وضعفه معلومٌ؟ وأمَّا حَمْلكم الحديثَ على قول المطلِّق: أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، ومقصوده التَّأكيدُ بما بعد الأوَّل، فسياق الحديث من أوَّله إلى آخره يردُّه، فإنَّ هذا الذي أوَّلتم الحديث عليه لا يتغيَّر بوفاة رسول الله ﷺ ، ولا يختلف على عهده وعهد خلفائه، وهلمَّ جرًّا إلى آخر الدَّهر، ومن ينويه في قصد التَّأكيد لا يُفرِّق بين برٍّ وفاجرٍ، وصادقٍ وكاذبٍ، بل يردُّه إلى نيَّته، وكذلك من لا يقبله في الحكم لا يقبله مُطلَقًا برًّا كان أو فاجرًا. وأيضًا فإنَّ قوله: «إنَّ النَّاس قد استعجلوا وتتايعوا في شيءٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أنَّا أمضيناه عليهم» إخبارٌ من عمر بأنَّ النَّاس قد استعجلوا ما جعلهم الله في فُسْحةٍ منه، وشرعَه متراخيًا بعضُه عن بعضٍ رحمةً بهم، ورفقًا وأناةً لهم، لئلَّا يندم مُطلِّقٌ، فيذهبَ حبيبُه من يديه من أوَّل وَهْلةٍ، فيَعِزُّ عليه تداركُه، فجعل له أناةً ومهلةً يستعتبه فيها ويُرضيه، ويزول ما أحدثه العَتْب الدَّاعي إلى الفراق، ويراجع كلٌّ منهما الذي عليه بالمعروف، فاستعجلوا فيما جعل لهم فيه أناةٌ ومهلةٌ، وأوقعوه بفمٍ واحدٍ، فرأى عمر ﵁ أنَّه

стр. 3241

يلزمهم ما التزموه عقوبةً لهم، فإذا عَلِم المطلِّق أنَّ زوجته وسَكَنَه تَحرُم عليه من أوَّل مرَّةٍ بجمعِه الثَّلاثَ كفَّ عنها، ورجع إلى الطَّلاق المشروع المأذون فيه، وكان هذا من تأديب عمر لرعيَّته لمَّا أكثروا من الطَّلاق الثَّلاث، كما سيأتي مزيدُ تقريرِه عند الاعتذار عن عمر ﵁ في إلزامه بالثَّلاث (١). هذا وجه الحديث الذي لا وجهَ له غيرُه، فأين هذا من تأويلكم المستكره المستبعد الذي لا توافقه ألفاظ الحديث، بل تَنْبُو عنه وتُنافِره؟ وأمَّا قول من قال: إنَّ معناه: كان وقوع الطَّلاق الثَّلاث الآن على عهد رسول الله ﷺ واحدةً، فإنَّ حقيقة هذا التَّأويل: كان النَّاس على عهد رسول الله ﷺ يطلِّقون واحدةً، وعلى عهد عمر صاروا يطلِّقون ثلاثًا، والتَّأويلُ إذا وصل إلى هذا الحدِّ كان من باب الإلغاز والتَّحريف، لا من باب بيان المراد. ولا يصحُّ ذلك بوجهٍ، فإنَّ النَّاس ما زالوا يُطلِّقون واحدةً وثلاثًا، وقد طلَّق رجالٌ نساءهم على عهد رسول الله ﷺ ثلاثًا، فمنهم من ردَّها إلى واحدةٍ، كما في حديث عكرمة عن ابن عبَّاسٍ، ومنهم من أَنكر عليه وغضب، وجعلَه متلاعبًا بكتاب اللَّه، ولم يُعرَف ما حَكَم به عليه، ومنهم من أقرَّه لتأكيد التَّحريم الذي أوجبه اللِّعان، ومنهم من ألزمَه بالثَّلاث لكون ما أتى به من الطَّلاق آخرَ الثَّلاثِ. فلا يصحُّ أن يقال: إنَّ النَّاس ما زالوا يُطلِّقون واحدةً إلى أثناء خلافة عمر، فطلَّقوا ثلاثًا، ولا يصحُّ أن يقال: إنَّهم قد استعجلوا في شيءٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فيُمْضِيه عليهم، ولا يلائم هذا الكلامُ الفرقَ بين عهد رسول الله ﷺ وبين عهده بوجهٍ ما، فإنَّه ماضٍ منكم على عهده وبعدَ عهدِه. ثمَّ إنَّ في بعض ألفاظ الحديث الصَّحيحة: «ألم تَعلَمْ أنَّه من طلَّق ثلاثًا

стр. 3242

جُعِلت واحدةً على عهد رسول الله ﷺ ؟» (١). وفي لفظٍ (٢): «أما علمتَ أنَّ الرَّجل كان إذا طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً، على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر؟ فقال ابن عبَّاسٍ: بلى، كان الرَّجل إذا طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلمَّا رأى النَّاسَ ــ يعني عمر ــ قد تَتَايَعُوا فيها، قال: أَجْرُوهنَّ (٣) عليهم». هذا لفظ الحديث، وهو بأصحِّ إسنادٍ، وهو لا يحتمل ما ذكرتم من التَّأويل بوجهٍ ما، ولكنَّ هذا كلَّه عملُ من جعل الأدلَّة تبعًا للمذهب، فاعتقد ثمَّ استدلَّ. وأمَّا من جعل المذهب تبعًا للدَّليل، واستدلَّ ثمَّ اعتقد، لم يُمكِنْه هذا العمل. وأمَّا قول من قال: ليس في الحديث بيان أنَّ رسول الله ﷺ كان هو الذي يجعل ذلك، ولا أنَّه عَلِم به وأقرَّ عليه، فجوابه أن يقال: سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ أن يستمرَّ هذا الجَعْلُ الحرام ــ المتضمِّن لتغيير شرع الله ودينه، وإباحةِ الفرج لمن هو عليه حرامٌ، وتحريمِه على من هو عليه حلالٌ ــ على عهد رسول الله ﷺ وأصحابِه خيرِ الخلق، وهم يفعلونه ولا يعلمونه، ولا يعلمه هو والوحيُ ينزل، وهو يُقِرُّهم عليه. فهَبْ أنَّ رسول الله ﷺ لم يكن يعلمه، وكان الصَّحابة يعلمونه، ويُبدِّلون دينه وشرعه، والله يعلم ذلك، ولا يوحيه إلى رسوله، ولا يُعْلِمه به! ثمَّ يتوفَّى الله رسوله ﷺ والأمر على ذلك، فيستمرُّ

стр. 3243

هذا الضَّلال العظيم والخطأ المبين عندكم مدَّة خلافة الصِّدِّيق كلَّها، يُعمَل به ولا يُغيَّر إلى أن فارق الصِّدِّيق الدُّنيا، فاستمرَّ الخطأ والضَّلال المركَّب صدرًا من خلافة عمر، حتَّى رأى عمر بعد ذلك برأيه أن يُلزِم النَّاسَ بالصَّواب! فهل في الجهل بالصَّحابة وما كانوا عليه في عهد نبيِّهم وخلفائه أقبحُ من هذا؟ وتاللَّه لو كان جعْلُ الثَّلاث واحدةً خطأً محضًا لكان أسهلَ من هذا الخطأ الذي ارتكبتموه، والتَّأويلِ الذي تأوَّلتموه، ولو تركتم المسألة بهيئتها لكان أقوى لشأنها من هذه الأدلَّة والأجوبة. قالوا: وليس التَّحاكم في هذه المسألة إلى مقلِّدٍ متعصِّبٍ، ولا هَيَّابٍ للجمهور، ولا مستوحشٍ من التَّفرُّد إذا كان الصَّواب في جانبه، وإنَّما التَّحاكم فيها إلى راسخٍ في العلم قد طال فيه (١) باعُه، ورَحُبَ بنَيْلِه ذراعُه، وفَرَّق بين الشُّبهة والدَّليل، وتلقَّى الأحكامَ من نفس مشكاة الرَّسول، وعرف المراتب، وقام فيها بالواجب، وباشرَ قلبُه أسرارَ الشَّريعة وحِكَمَها الباهرة، وما تضمَّنته من المصالح الباطنة والظَّاهرة، وخاضَ في مثل هذه المضايق لُجَجَها، واستوفى من الجانبين حُجَجَها، والله المستعان، وعليه التُّكلان. قالوا: وأمَّا قولكم: إذا اختلفت علينا الأحاديث نظرنا فيما عليه الصَّحابة ﵁ ، فنعم واللهِ وحيَّهلا بِيَزَكِ (٢) الإسلام، وعِصابة الإيمان.

стр. 3244

فلا تَطلَّبْ ليَ الأعواضَ بعدَهُمُ ... فإنَّ قلبيَ لا يَرضى بغيرِهِمُ (١) ولكن لا يليق أن تَدْعُونا إلى شيءٍ، وتكونوا أوَّلَ نافرٍ عنه ومخالفٍ له، فقد توفِّي النَّبيُّ ﷺ عن أكثر من مائة ألفِ عينٍ كلُّهم قد رآه وسمع منه، فهل صحَّ لكم عن هؤلاء كلِّهم، أو عُشُرِهم، أو عُشُرِ عُشُرِهم، أو عُشُرِ عُشُرِ عُشُرِهم، القولُ بلزوم الثَّلاث بفمٍ واحدٍ؟ هذا، ولو جهدتم كلَّ الجهد لم تُطيقوا نقلَه عن عشرين نفسًا منهم أبدًا مع اختلافٍ عنهم في ذلك، فقد (٢) صحَّ عن ابن عبَّاسٍ القولان، وصحَّ عن ابن مسعودٍ القول باللُّزوم، وصحَّ عنه التَّوقُّف (٣)، ولو كاثَرْناكم بالصَّحابة الذين كان الثَّلاث على عهدهم واحدةً لكانوا أضعافَ من نُقِل عنه خلاف ذلك، ونحن نكاثركم بكلِّ صحابيٍّ مات إلى صدرٍ من خلافة عمر، ويكفينا مُقدَّمُهم، وخيرهم وأفضلهم، ومن كان معه من الصَّحابة على عهده، بل لو شئنا لقلنا ولصَدَقْنا: إنَّ هذا كان إجماعًا قديمًا لم يَختلف فيه على عهد الصِّدِّيق اثنان، ولكن لم ينقرِضْ عصر المُجمِعين حتَّى حدث الاختلاف، فلم يستقرَّ الإجماع الأوَّل حتَّى صار الصَّحابة على قولين، واستمرَّ الخلاف بين الأمَّة في ذلك إلى اليوم (٤).

стр. 3245

ثمَّ نقول: لم يخالف عمر إجماعَ من تقدَّمه، بل رأى إلزامهم بالثَّلاث عقوبةً لهم لمَّا علموا أنَّه حرامٌ وتتايعوا فيه، ولا ريبَ أنَّ هذا سائغٌ للأئمَّة أن يُلزِموا النَّاس بما ضيَّقوا به على أنفسهم، ولم يقبلوا فيه رخصة الله وتسهيلَه ورخصتَه (١)، بل اختاروا الشِّدَّة والعسر، فكيف بأمير المؤمنين عمر ﵁، وكمالِ نظره للأمَّة، وتأديبِه لهم! ولكنَّ العقوبة تختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص، والتَّمكُّن من العلم بتحريم الفعل المعاقَب (٢) عليه وخفائه، وأمير المؤمنين ﵁ لم يقل لهم: إنَّ هذا عن رسول الله ﷺ ، وإنَّما هو رأيٌ رآه مصلحةً للأمَّة يَكُفُّهم بها عن التَّسارع إلى إيقاع الثَّلاث، ولهذا قال: «فلو أنَّا أَمضَيناه عليهم»، وفي لفظٍ: «فأَجِيزوهنَّ عليهم». أفلا ترى أنَّ هذا رأيٌ منه رآه للمصلحة لا إخبارٌ عن رسول الله ﷺ ؟ ولمَّا علم ﵁ أنَّ تلك الأناة والرُّخصة نعمةٌ من الله على المُطلِّق، ورحمةٌ به، وإحسانٌ (٣) إليه، وأنَّه قابلها بضدِّها، ولم يقبل رخصةَ اللَّه وما جعلَه له من الأناة= عاقبَه بأن حالَ بينه وبينها، وألزمه ما ألزمه من الشِّدَّة والاستعجال. وهذا موافقٌ لقواعد الشَّريعة، بل هو موافقٌ لحكمة الله في خلقه قدرًا وشرعًا، فإنَّ النَّاس إذا تعدَّوا حدوده، ولم يقفوا عندها، ضيَّق عليهم ما جعله لمن اتَّقاه من المخرج، وقد أشار إلى هذا المعنى بعينه من قال من الصَّحابة للمطلِّق ثلاثًا: إنَّك لو اتَّقيتَ الله لجعلَ لك مخرجًا، كما قال ابن مسعودٍ

стр. 3246

وابن عبَّاسٍ (١). فهذا نظرُ أمير المؤمنين ومن معه من الصَّحابة، لا أنَّه ﵁ غيَّر أحكام اللَّه وجعلَ حلالها حرامًا، فهذا غاية التَّوفيق بين النُّصوص وفعْلِ أمير المؤمنين ومن معه، وأنتم لم يُمكِنْكم ذلك إلا بإلغاء أحد الجانبين. فهذا نهاية أقدام الفريقين في (٢) هذا المقام الضَّنْك والمعترك الصَّعب، وباللَّه التَّوفيق. حكم رسول الله ﷺ في العبد يُطلِّق زوجته تطليقتين ثم يَعْتِق بعد ذلك، هل تَحِلُّ له بدون زوج وإصابة ؟ روى أهل السُّنن (٣) من حديث أبي حسن مولى بني نوفل: أنَّه استفتى ابنَ عبَّاسٍ في مملوكٍ كان تحته مملوكةٌ، فطلَّقها تطليقتين، ثمَّ عَتَقا بعد ذلك، هل يَصلُح له أن يخطبها؟ قال: نعم، قضى بذلك رسول الله ﷺ (٤).

стр. 3247

قال الإمام أحمد (١): عن عبد الرزاق أنَّ ابن المبارك قال لمعمر: من أبو حسنٍ هذا؟ لقد تحمَّل صخرةً عظيمةً، انتهى. قال المنذري (٢): وأبو حسنٍ هذا قد ذُكر بخيرٍ وصلاحٍ، وقد وثَّقه أبو زرعة وأبو حاتمٍ الرَّازيان، غير أنَّ الرَّاوي عنه عمر بن مُعتِّب (٣)، وقد قال عليُّ بن المدينيِّ: هو منكر الحديث، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ. وإذا عَتَق العبدُ والزَّوجة في حِباله ملكَ (٤) تمامَ الثَّلاث، فإن عتق وقد طلَّقها اثنتين ففيها أربعة أقوالٍ للفقهاء: أحدها: أنَّها لا تحلُّ له حتَّى تنكح زوجًا غيره حرَّةً كانت أو أمةً، وهذا قول الشَّافعيِّ وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه (٥)، بناءً على أنَّ الطَّلاق بالرِّجال، وأنَّ العبد إنَّما يملك طلقتينِ ولو كانت زوجته حرَّةً. والثَّاني: أنَّ له أن يعقد عليها عقدًا مستأنفًا من غير اشتراط زوجٍ وإصابةٍ، كما دلَّ عليه حديث عمر بن مُعتِّب (٦) هذا، وهذا إحدى الرِّوايتين عن أحمد، وهو قول ابن عبَّاسٍ، وأحد الوجهين للشَّافعيَّة. ولهذا القول فقهٌ

стр. 3248

دقيقٌ، فإنَّها (١) إنَّما حرَّمَها عليه التَّطليقتان لنقْصِه بالرِّقِّ، فإذا عَتَق وهي في العدَّة زال النَّقص، ووُجِد سبب ملك الثَّلاث، وآثار النِّكاح (٢) باقيةٌ، فملك عليها تمامَ الثَّلاث، وله رجعتها. وإن عَتَق بعد انقضاء عدَّتها بانت منه، وحلَّت له بدون زوجٍ وإصابةٍ. فليس هذا القول ببعيدٍ في القياس. والثَّالث: أنَّ له أن يرتجعها في عدَّتها، وأن ينكحها بعدها بدون زوجٍ وإصابةٍ، ولو لم يَعتِق، وهذا مذهب أهل الظَّاهر جميعهم، فإنَّ عندهم أنَّ العبد والحرَّ في الطَّلاق سواءٌ. وذكر سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن أبي معبد (٣) مولى ابن عباس، عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ عبدًا له طلَّق امرأته طلقتين، فأمره ابن عبَّاسٍ أن يراجعها، فأبى، فقال ابن عبَّاسٍ: هي لك، فاستحِلَّها بملك اليمين (٤). والقول الرَّابع: أنَّ زوجته إن كانت حرَّةً ملكَ عليها تمامَ الثَّلاث، وإن كانت أمةً حرمتْ عليه حتَّى تنكح زوجًا غيره، وهذا قول أبي حنيفة. وهذا موضعٌ اختلف فيه السَّلف والخلف على أربعة أقوالٍ: أحدها: أنَّ طلاق العبد والحرِّ سواءٌ، وهذا مذهب أهل الظَّاهر

стр. 3249

جميعهم، حكاه عنهم أبو محمَّد بن حزمٍ (١)، واحتجُّوا بعموم النُّصوص الواردة في الطَّلاق وإطلاقها، وعدم تفريقها بين حرٍّ وعبدٍ، ولم تُجمِع الأمَّة على التَّفريق، فقد صحَّ عن ابن عبَّاسٍ أنَّه أفتى غلامًا له برجعة زوجته بعد طلقتين، وكانت أمةً (٢). وفي هذا النَّقل (٣) عن ابن عبَّاسٍ نظرٌ، فإنَّ عبد الرزاق (٤) روى عن ابن جريجٍ، عن عمرو بن دينارٍ، أنَّ أبا معبد أخبره: أنَّ عبدًا كان لابن عبَّاسٍ، وكانت له امرأةٌ جاريةٌ لابن عبَّاسٍ، فطلَّقها فبتَّها، فقال له ابن عبَّاسٍ: لا طلاق لك، فارجِعْها. قال عبد الرزاق: ثنا معمر، عن سِماك بن الفضل: أنَّ العبد سأل ابن عمر فقال: لا ترجِعْ إليها وإن ضُرِب رأسُك (٥). فمأخذ هذه الفتوى أنَّ طلاق العبد بيد سيِّده، كما أنَّ نكاحه بيده، كما روى عبد الرَّحمن بن مهديٍّ، عن الثَّوريِّ، عن عبد الكريم الجَزَريِّ، عن عطاء، عن ابن عبَّاسٍ قال: ليس طلاق العبد ولا فُرقته بشيءٍ (٦).

стр. 3250

وذكر عبد الرزاق (١) عن ابن جريجٍ، عن أبي الزبير، أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول في الأمة والعبد: سيِّدهما يَجمع بينهما ويُفرِّق. وهذا قول أبي الشعثاء (٢). وقال الشَّعبيُّ (٣): أهل المدينة لا يرون للعبد طلاقًا إلا بإذن سيِّده. فهذا مأخذ ابن عبَّاسٍ، لا أنَّه يرى طلاق العبد ثلاثًا إذا كان تحته أمةٌ، وما علمنا أحدًا من الصَّحابة قال بذلك. القول الثَّاني: إنه أيُّ الزَّوجين رقَّ كان الطَّلاق بسبب رِقِّه اثنتين، كما روى حمَّاد بن سلمة عن عبيد الله (٤) بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: الحرُّ يُطلِّق الأمة تطليقتين، وتعتدُّ حيضتين، والعبد يُطلِّق الحرَّة تطليقتين، وتعتدُّ ثلاث (٥) حيضٍ (٦). وإلى هذا ذهب عثمان البتِّيُّ.

стр. 3251

والقول الثَّالث: إنَّ الطَّلاق بالرِّجال، فيملك الحرُّ ثلاثًا وإن كانت زوجته أمةً، والعبد اثنتين وإن كانت زوجته حرَّةً. وهذا قول الشَّافعيِّ ومالك وأحمد في ظاهر كلامه، وهذا قول زيد بن ثابتٍ (١)، وعائشة (٢) وأم سلمة (٣) أمَّي المؤمنين، وعثمان بن عفَّان (٤)، وعبد الله بن عبَّاسٍ (٥)، وهذا مذهب القاسم (٦)، وسالم (٧)، وأبي سلمة (٨)، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن سعيدٍ، وربيعة، وأبي الزناد (٩)، وسليمان بن يسارٍ (١٠)، وعمرو بن

стр. 3252

شعيبٍ (١)، وابن المسيَّب (٢)، وعطاء (٣). والقول الرَّابع: إنَّ الطَّلاق بالنِّساء كالعدَّة، كما روى شعبة عن أشعث بن سوَّارٍ، عن الشَّعبيِّ، عن مسروق، عن ابن مسعودٍ: السُّنَّة: الطَّلاق والعدَّة بالنِّساء (٤). وروى عبد الرزاق (٥) عن محمَّد بن يحيى (٦) وغير واحدٍ، عن عيسى،

стр. 3253

عن الشَّعبيِّ، عن اثني عشر من صحابة النَّبيِّ ﷺ قالوا: الطَّلاق والعدَّة بالمرأة. هذا لفظه، وهذا قول الحسن (١)، وابن سيرين (٢)، وقتادة (٣)، وإبراهيم (٤)، والشَّعبيِّ (٥)، وعكرمة (٦)، ومجاهد (٧)، والثَّوريِّ، والحسن بن حيٍّ، وأبي حنيفة وأصحابه (٨).

стр. 3254

فإن قيل: فما حكم رسول الله ﷺ في هذه المسألة؟ قيل: قد قال أبو داود (١): حدَّثنا محمَّد بن مسعودٍ، حدَّثنا أبو عاصم، عن ابن جريجٍ، عن مظاهر بن أسلم، عن القاسم بن محمَّدٍ، عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان». وروى زكريَّا بن يحيى السَّاجيُّ: حدَّثنا محمد بن إسماعيل بن سَمُرة (٢) الأحمسي، حدَّثنا عمر بن شَبِيبٍ المُسْلي، حدَّثنا عبد الله بن عيسى، عن عطية، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «طلاق الأمة ثنتان، وعدَّتها حيضتان» (٣). وقال عبد الرزاق (٤): حدَّثنا ابن جريجٍ قال: كتب إليَّ عبد الله بن

стр. 3255

زياد بن سمعان، أنَّ عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أخبره عن نافع، عن أم سلمة أمِّ المؤمنين: أنَّ غلامًا لها طلَّق امرأةً له حرَّةً تطليقتين، فاستفتت أم سلمة (١) النبيَّ ﷺ فقال: «حرمتْ عليك حتَّى تنكح زوجًا غيرك (٢)». وقد تقدَّم حديث عمر (٣) بن معتِّب، عن أبي حسن، عن ابن عبَّاسٍ. ولا يُعرف عن النَّبيِّ ﷺ غيرُ هذه الآثار الأربعة على عُجَرها وبُجَرها. أمَّا الأوَّل، فقال أبو داود (٤): هو حديثٌ مجهولٌ، وقال الترمذي (٥): حديثٌ غريبٌ لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث، انتهى. وقال أبو القاسم ابن عساكر في «أطرافه» (٦) بعد ذكر الحديث: روى أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه أنَّه كان جالسًا عند أبيه، فأتاه رسول الأمير، فأخبره أنَّه سأل القاسم بن محمَّدٍ وسالم بن عبد الله (٧) عن ذلك، فقالا هذا، وقالا له: إنَّ هذا ليس في كتاب اللَّه ولا سنَّة رسول الله ﷺ ، ولكن عمل به المسلمون. قال الحافظ: فدلَّ على أنَّ الحديث المرفوع غير محفوظٍ.

стр. 3256

وقال أبو عاصمٍ النَّبيل: مظاهر بن أسلم ضعيفٌ، وقال يحيى بن معينٍ: ليس بشيءٍ، مع أنَّه لا يعرف، وقال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: منكر الحديث. وقال البيهقي (١): ولو كان ثابتًا لقلنا به، إلا أنَّا لا نُثبِت حديثًا يرويه من تُجهَل عدالته. وأمَّا الأثر الثَّاني: ففيه عُمر بن شَبيبٍ المُسْلي ضعيفٌ، وفيه عطية وهو ضعيفٌ أيضًا. وأمَّا الأثر الثَّالث: ففيه ابن سَمْعان الكذَّاب، وعبد الله بن عبد الرحمن مجهولٌ. وأمَّا الأثر الرَّابع: ففيه عمر (٢) بن مُعتِّب، وقد تقدَّم الكلام فيه. والَّذي سَلِم في المسألة الآثارُ عن الصَّحابة والقياس. فأما الآثار، فهي متعارضةٌ (٣) كما تقدَّم، فليس بعضها أولى من بعضٍ. بقي القياس، ويتجاذبُه طرفان: طرف المطلِّق، وطرف المطلَّقة. فمن راعى طرف المطلِّق قال: هو الذي يملك الطَّلاق، وهو بيده، فيتنصَّف برِقِّه كما يتنصَّف نصابُ المنكوحات برِقِّه. ومن راعى طرف المطلَّقة قال: الطَّلاق يقع عليها، ويلزمها العدَّة والتَّحريم وتوابعهما (٤)، فتنصَّف برقِّها

стр. 3257

كالعدَّة (١). ومن نصَّف (٢) برِقِّ أيِّ الزَّوجين كان راعى الأمرين، وأعملَ الشَّبَهين. ومن كمَّله وجعله ثلاثًا رأى أنَّ الآثار لم تَثْبت، والمنقول عن الصَّحابة متعارضٌ، والقياس كذلك، فلم يتعلَّق بشيءٍ من ذلك، وتمسَّك بإطلاق النُّصوص الدَّالَّة على أنَّ الطَّلاق الرَّجعيَّ طلقتان، ولم يُفرِّق الله بين حرٍّ وعبدٍ، ولا بين حرَّةٍ وأمةٍ، ﴿رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]. قالوا: والحكمة التي لأجلها جُعِل الطَّلاق الرَّجعيُّ اثنتانِ (٣) هي في الحرِّ والعبد سواءٌ. قالوا: وقد قال مالك: إنَّ له أن ينكح أربعًا كالحرِّ، لأنَّ حاجته إلى ذلك كحاجة الحرِّ. وقال الشَّافعيُّ وأحمد: أجلُه في الإيلاء كأجلِ الحرِّ، لأنَّ ضررَ الزَّوجة في الصُّورتين (٤). وقال أبو حنيفة: إنَّ طلاقه وطلاق الحرِّ سواءٌ إذا كانت (٥) امرأتاهما حرَّتين، إعمالًا لإطلاق نصوص الطَّلاق، وعمومها للحرِّ والعبد. وقال أحمد بن حنبلٍ والنَّاس معه: صيامه في الكفَّارات كلِّها وصيامُ

стр. 3258

الحرِّ سواءٌ، وحدُّه في السَّرقة والحِراب (١) وحدُّ الحرِّ سواءٌ. قالوا (٢): ولو كانت هذه الآثار أو بعضها ثابتًا لما سبقتمونا إليه، ولا غلبتمونا عليه، ولو اتَّفقت آثار الصَّحابة لم نَعْدُها إلى غيرها، فإنَّ الحقَّ لا يَعْدُوهم، وباللَّه التَّوفيق. حكم رسول الله ﷺ بأنّ الطلاق بيد الزوجِ لا بيد غيرِه قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ (٣) بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]. فجعل الطَّلاق لمن نكح؛ ولأنَّ له الإمساك، وهو الرَّجعة. وروى ابن ماجه في «سننه» (٤) من حديث ابن عبَّاسٍ قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: يا رسول اللَّه، سيِّدي زَوَّجني أمتَه، وهو يريد أن يُفرِّق بيني

стр. 3259

وبينها. قال: فصعِدَ رسول الله ﷺ المنبر، فقال: «يا أيُّها النَّاس، ما بالُ أحدكم يُزوِّج عبدَه أمتَه ثمَّ يريد أن يُفرِّق بينهما، إنَّما الطَّلاق لمن أخذ بالسَّاق». وروى عبد الرزاق (١) عن ابن جريجٍ، عن عطاء أنّ ابن عبَّاسٍ كان يقول: طلاق العبد بيد سيِّده، إن طلَّق جاز، وإن فرَّق فهي واحدةٌ، إذا كانا له جميعًا، فإن كان العبد له والأَمة لغيره، طلَّق السَّيِّد أيضًا إن شاء. وروى الثَّوريُّ عن عبد الكريم الجزريِّ، عن عطاء عنه: ليس طلاق العبد ولا فُرقته بشيءٍ (٢). وذكر عبد الرزاق (٣): حدَّثنا ابن جريجٍ، أخبرني أبو الزبير، سمع جابرًا يقول في الأمة والعبد: سيِّدُهما يَجمع بينهما ويُفرِّق. وقضاء رسول الله ﷺ أحقُّ أن يُتَّبع، وحديث ابن عبَّاسٍ المتقدِّم وإن كان في إسناده ما فيه، فالقرآن يَعضُده، وعليه عملُ النَّاس، وبالله التوفيق. حكم رسول الله ﷺ فيمن طلَّق دون الثلاث، ثم راجعها بعدَ زوج: أنها على بقية الطلاق ذكر ابن المبارك، عن عثمان بن مِقْسَم، أنَّه أخبره، أنَّه سمع نُبَيه بن وهب، يحدِّث عن رجلٍ من قومه، عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ أنَّ رسول الله ﷺ قضى في المرأة يُطلِّقها زوجها دونَ الثَّلاث، ثمَّ يرتجعها بعد

стр. 3260

زوجٍ: أنَّها على ما بقي من الطَّلاق (١). وهذا الأثر وإن كان فيه ضعيفٌ ومجهولٌ فعليه أكابر الصَّحابة، كما ذكر عبد الرزاق في «مصنَّفه» (٢) عن مالك وابن عُيينة، عن الزُّهريِّ، عن ابن المسيَّب وحُميد بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ وسليمان بن يسارٍ، كلُّهم يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت عمر بن الخطَّاب يقول: أيُّما امرأةٍ طلَّقها زوجها تطليقةً أو تطليقتين (٣)، ثمَّ تركها حتَّى تنكح زوجًا غيره، فيموتُ عنها أو يُطلِّقها، ثمَّ ينكحها زوجها الأوَّل، فإنَّها عنده على ما بقي من طلاقها. وعن عليِّ بن أبي طالبٍ (٤) وأبيِّ بن كعبٍ (٥) وعمران بن حُصَينٍ (٦)
следующие страницы →