← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

وقال أبو عاصمٍ النَّبيل: مظاهر بن أسلم ضعيفٌ، وقال يحيى بن معينٍ: ليس بشيءٍ، مع أنَّه لا يعرف، وقال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: منكر الحديث. وقال البيهقي (١): ولو كان ثابتًا لقلنا به، إلا أنَّا لا نُثبِت حديثًا يرويه من تُجهَل عدالته. وأمَّا الأثر الثَّاني: ففيه عُمر بن شَبيبٍ المُسْلي ضعيفٌ، وفيه عطية وهو ضعيفٌ أيضًا. وأمَّا الأثر الثَّالث: ففيه ابن سَمْعان الكذَّاب، وعبد الله بن عبد الرحمن مجهولٌ. وأمَّا الأثر الرَّابع: ففيه عمر (٢) بن مُعتِّب، وقد تقدَّم الكلام فيه. والَّذي سَلِم في المسألة الآثارُ عن الصَّحابة والقياس. فأما الآثار، فهي متعارضةٌ (٣) كما تقدَّم، فليس بعضها أولى من بعضٍ. بقي القياس، ويتجاذبُه طرفان: طرف المطلِّق، وطرف المطلَّقة. فمن راعى طرف المطلِّق قال: هو الذي يملك الطَّلاق، وهو بيده، فيتنصَّف برِقِّه كما يتنصَّف نصابُ المنكوحات برِقِّه. ومن راعى طرف المطلَّقة قال: الطَّلاق يقع عليها، ويلزمها العدَّة والتَّحريم وتوابعهما (٤)، فتنصَّف برقِّها

стр. 3257

كالعدَّة (١). ومن نصَّف (٢) برِقِّ أيِّ الزَّوجين كان راعى الأمرين، وأعملَ الشَّبَهين. ومن كمَّله وجعله ثلاثًا رأى أنَّ الآثار لم تَثْبت، والمنقول عن الصَّحابة متعارضٌ، والقياس كذلك، فلم يتعلَّق بشيءٍ من ذلك، وتمسَّك بإطلاق النُّصوص الدَّالَّة على أنَّ الطَّلاق الرَّجعيَّ طلقتان، ولم يُفرِّق الله بين حرٍّ وعبدٍ، ولا بين حرَّةٍ وأمةٍ، ﴿رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]. قالوا: والحكمة التي لأجلها جُعِل الطَّلاق الرَّجعيُّ اثنتانِ (٣) هي في الحرِّ والعبد سواءٌ. قالوا: وقد قال مالك: إنَّ له أن ينكح أربعًا كالحرِّ، لأنَّ حاجته إلى ذلك كحاجة الحرِّ. وقال الشَّافعيُّ وأحمد: أجلُه في الإيلاء كأجلِ الحرِّ، لأنَّ ضررَ الزَّوجة في الصُّورتين (٤). وقال أبو حنيفة: إنَّ طلاقه وطلاق الحرِّ سواءٌ إذا كانت (٥) امرأتاهما حرَّتين، إعمالًا لإطلاق نصوص الطَّلاق، وعمومها للحرِّ والعبد. وقال أحمد بن حنبلٍ والنَّاس معه: صيامه في الكفَّارات كلِّها وصيامُ

стр. 3258

الحرِّ سواءٌ، وحدُّه في السَّرقة والحِراب (١) وحدُّ الحرِّ سواءٌ. قالوا (٢): ولو كانت هذه الآثار أو بعضها ثابتًا لما سبقتمونا إليه، ولا غلبتمونا عليه، ولو اتَّفقت آثار الصَّحابة لم نَعْدُها إلى غيرها، فإنَّ الحقَّ لا يَعْدُوهم، وباللَّه التَّوفيق. حكم رسول الله ﷺ بأنّ الطلاق بيد الزوجِ لا بيد غيرِه قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ (٣) بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]. فجعل الطَّلاق لمن نكح؛ ولأنَّ له الإمساك، وهو الرَّجعة. وروى ابن ماجه في «سننه» (٤) من حديث ابن عبَّاسٍ قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: يا رسول اللَّه، سيِّدي زَوَّجني أمتَه، وهو يريد أن يُفرِّق بيني

стр. 3259

وبينها. قال: فصعِدَ رسول الله ﷺ المنبر، فقال: «يا أيُّها النَّاس، ما بالُ أحدكم يُزوِّج عبدَه أمتَه ثمَّ يريد أن يُفرِّق بينهما، إنَّما الطَّلاق لمن أخذ بالسَّاق». وروى عبد الرزاق (١) عن ابن جريجٍ، عن عطاء أنّ ابن عبَّاسٍ كان يقول: طلاق العبد بيد سيِّده، إن طلَّق جاز، وإن فرَّق فهي واحدةٌ، إذا كانا له جميعًا، فإن كان العبد له والأَمة لغيره، طلَّق السَّيِّد أيضًا إن شاء. وروى الثَّوريُّ عن عبد الكريم الجزريِّ، عن عطاء عنه: ليس طلاق العبد ولا فُرقته بشيءٍ (٢). وذكر عبد الرزاق (٣): حدَّثنا ابن جريجٍ، أخبرني أبو الزبير، سمع جابرًا يقول في الأمة والعبد: سيِّدُهما يَجمع بينهما ويُفرِّق. وقضاء رسول الله ﷺ أحقُّ أن يُتَّبع، وحديث ابن عبَّاسٍ المتقدِّم وإن كان في إسناده ما فيه، فالقرآن يَعضُده، وعليه عملُ النَّاس، وبالله التوفيق. حكم رسول الله ﷺ فيمن طلَّق دون الثلاث، ثم راجعها بعدَ زوج: أنها على بقية الطلاق ذكر ابن المبارك، عن عثمان بن مِقْسَم، أنَّه أخبره، أنَّه سمع نُبَيه بن وهب، يحدِّث عن رجلٍ من قومه، عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ أنَّ رسول الله ﷺ قضى في المرأة يُطلِّقها زوجها دونَ الثَّلاث، ثمَّ يرتجعها بعد

стр. 3260

زوجٍ: أنَّها على ما بقي من الطَّلاق (١). وهذا الأثر وإن كان فيه ضعيفٌ ومجهولٌ فعليه أكابر الصَّحابة، كما ذكر عبد الرزاق في «مصنَّفه» (٢) عن مالك وابن عُيينة، عن الزُّهريِّ، عن ابن المسيَّب وحُميد بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ وسليمان بن يسارٍ، كلُّهم يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت عمر بن الخطَّاب يقول: أيُّما امرأةٍ طلَّقها زوجها تطليقةً أو تطليقتين (٣)، ثمَّ تركها حتَّى تنكح زوجًا غيره، فيموتُ عنها أو يُطلِّقها، ثمَّ ينكحها زوجها الأوَّل، فإنَّها عنده على ما بقي من طلاقها. وعن عليِّ بن أبي طالبٍ (٤) وأبيِّ بن كعبٍ (٥) وعمران بن حُصَينٍ (٦)

стр. 3261

مثله. قال الإمام أحمد (١): هذا قول الأكابر من أصحاب النَّبيِّ ﷺ . وقال ابن مسعودٍ (٢) وابن عمر (٣) وابن عبَّاسٍ: يعود على الثَّلاث. قال ابن عبَّاسٍ: نكاحٌ جديدٌ، وطلاقٌ جديدٌ (٤). وذهب إلى القول الأوَّل أهل الحديث، فيهم أحمد والشَّافعيُّ ومالك، وذهب إلى الثَّاني أبو حنيفة. هذا إذا أصابها الثَّاني، فإن لم يُصِبْها فهي على ما بقي من طلاقها عند الجميع. قال النخعي: لم أسمع فيها اختلافًا، ولو ثبت الحديث لكان فَصْلَ النِّزاع في المسألة، ولو اتَّفقت آثار الصَّحابة لكانت فصلًا أيضًا.

стр. 3262

وأمَّا فقه المسألة فمتجاذبٌ، فإنَّ الزَّوج الثَّاني إذا هَدمتْ إصابتُه الثَّلاثَ، وأعادتْها إلى الأوَّل بطلاقٍ جديدٍ، فما دونها أولى. وأصحاب القول الأوَّل يقولون: لمَّا كانت إصابة الثَّاني شرطًا في حِلِّ المطلَّقة ثلاثًا للأوَّل لم يكن بدٌّ من هَدْمها وإعادتها على طلاقٍ جديدٍ، وأمَّا من طُلِّقت (١) دون الثَّلاث فلم تصادف إصابةُ الثَّاني فيها تحريمًا يُزِيله، ولا هي شرطٌ في الحلِّ للأوَّل، فلم تهدم شيئًا، فوجودها كعدمها بالنِّسبة إلى الأوَّل وإحلالِها له، فعادت على ما بقي كما لو لم يُصِبْها، فإنَّ إصابته لا أثرَ لها البتَّة ولا للأول، ونكاحه وطلاقه معلَّقٌ بها بوجهٍ مَّا لا تأثيرَ لها فيه (٢). حكم رسول الله ﷺ في أن المطلقة ثلاثًا لا تَحِلُّ للأوّل حتى يطأها الزوج الثاني ثبت في «الصَّحيحين» (٣) عن عائشة: أنَّ امرأة رِفاعة القُرَظي جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه، إنَّ رِفاعة طلَّقني، فبتَّ طلاقي، وإنِّي نكحتُ بعده عبدَ الرحمن بن الزَّبِير القُرظي، وإنّما معه مثلُ الهُدْبة، فقال رسول الله ﷺ : «لعلَّكِ تريدين أن ترجعي إلى رِفاعة؟ لا، حتَّى تذوقي عُسَيلتَه ويذوقَ عُسَيلتَكِ». وفي «سنن النَّسائيِّ» (٤) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «العُسَيلة:

стр. 3263

الجماع (١)». وفيها (٢) عن ابن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرَّجل يُطلِّق امرأته ثلاثًا، فيتزوَّجها الرَّجلُ، فيُغلِق البابَ ويُرخِي السِّتر، ثمَّ يُطلِّقها قبل أن يدخُلَ بها، قال: «لا تَحِلُّ للأوَّل حتَّى يُجامِعَها الآخر». فتضمَّن هذا الحكم أمورًا: أحدها: أنَّه لا يُقبل قول المرأة على الرَّجل أنَّه لا يَقدِر على جماعها. الثَّاني: أنَّ إصابة الزَّوج الثَّاني شرطٌ في حلِّها للأوَّل، خلافًا لمن اكتفى بمجرَّد العقد (٣)، فإنَّ قوله مردودٌ بالسُّنَّة التي لا مَرَدَّ لها.

стр. 3264

الثَّالث: أن لا يُشترط الإنزال، بل يكفي مجرَّد الجماع الذي هو ذوق العُسَيلة. الرَّابع: أنَّه ﷺ لم يجعل مجرَّد العقد المقصود الذي هو نكاح رغبةٍ كافيًا، ولا اتِّصالَ الخلوة به وإغلاقَ الأبواب وإرخاءَ السُّتور، حتَّى يصل (١) به الوطء، وهذا يدلُّ على أنَّه لا يكفي مجرَّدُ عقْدِ التَّحليل الذي لا غرضَ للزَّوج والزَّوجة فيه سوى صورة العقدِ، وإحلالِها للأوَّل بطريق الأولى، فإنَّه إذا كان عقد الرَّغبة المقصودُ للدَّوام غيرَ كافٍ حتَّى يُوجدَ فيه الوطء، فكيف يكفي عقدُ تَيْسٍ مستعارٍ ليُحِلَّها، ولا رغبةَ له في إمساكها، وإنَّما هو عاريةٌ كحمار العُشْريِّين (٢) المستعار للضِّراب؟ حكم رسول الله ﷺ في المرأة تُقيم شاهدًا واحدًا على طلاق زوجها والزوج مُنكِر ذكر ابن وضَّاحٍ (٣) عن أبي مريم (٤)، عن عمرو بن أبي سلمة، عن

стр. 3265

زهير بن محمد، عن ابن جريجٍ، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إذا ادَّعتِ المرأة طلاقَ زوجها، فجاءت على ذلك بشاهدٍ واحدٍ عدلٍ، استُحْلِفَ زوجُها، فإن حلفَ بطلتْ عنه شهادة الشَّاهد، وإن نَكَلَ فنكولُه بمنزلة شاهدٍ آخر، وجاز طلاقه». فتضمَّن هذا الحكم ثلاثة (١) أمورٍ: أحدها: أنَّه لا يُكتفى بشهادة الشَّاهد الواحد في الطَّلاق، ولا مع يمين المرأة. قال الإمام أحمد (٢): الشَّاهد واليمين إنَّما يكون في الأموال خاصَّةً، لا يقع في حدٍّ، ولا نكاحٍ، ولا طلاقٍ، ولا عَتاقةٍ (٣)، ولا سرقةٍ، ولا قتلٍ. وقد نصَّ في روايةٍ أخرى عنه (٤) على أنَّ العبد إذا ادَّعى أنَّ سيَّده أعتقَه، وأتى بشاهدٍ، حلف مع شاهده، وصار حرًّا. واختاره الخرقي (٥). ونصَّ أحمد (٦) في شريكينِ في عبدٍ ادَّعى كلُّ واحدٍ منهما أنَّ شريكه أعتقَ حقَّه منه، وكانا مُعسِرين عدلين، فللعبد أن يحلف مع كلِّ واحدٍ منهما ويصير حرًّا، ويحلف مع أحدهما ويصير نصفُه حرًّا. ولكن لا يُعرَف عنه أنَّ الطَّلاق يَثبُت بشاهدٍ ويمينٍ.

стр. 3266

وقد دلَّ حديث عمرو بن شعيبٍ هذا على أنَّه يثبت بشاهدٍ ونُكولِ الزَّوج، وهو الصَّواب إن شاء الله، فإنَّ حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه لا يُعرَف من أئمَّة الإسلام إلا من احتجَّ به، وبنى عليه مذهبَه (١) وإن خالفه في بعض المواضع. وزهير بن محمد الرَّاوي (٢) عن ابن جريجٍ ثقةٌ محتجٌّ به في الصَّحيحين. وعمرو بن أبي سلمة هو أبو حفص التنِّيسي محتجٌّ به في الصَّحيحين أيضًا. فمن احتجَّ بحديث عمرو بن شعيبٍ فهذا من أصحِّ حديثه. الثَّاني: أنَّ الزَّوج يُستحلَف في دعوى الطَّلاق إذا لم تُقِم المرأةُ بيِّنةً، لكن إنَّما استحلفه مع قوَّة جانب الدَّعوى بالشَّاهد. الثَّالث: أنَّه يُحكم في الطَّلاق بشاهدٍ ونُكولِ المدَّعى عليه. وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه يحكم بوقوعه بمجرَّد النُّكول من غير شاهدٍ، فإذا ادَّعت المرأة على زوجها الطَّلاق، وأحلفناه لها في إحدى الرِّوايتين فنكَلَ= قُضِي عليه، فإذا أقامت شاهدًا واحدًا، ولم يحلف الزَّوج على عدم دعواها، فالقضاء بالنُّكول عليه في هذه الصُّورة أقوى. وظاهر الحديث أنَّه لا يُحكَم على الزَّوج بالنُّكول، إلا إذا أقامت المرأة شاهدًا واحدًا، كما هو إحدى الرِّوايتين عن مالكٍ، وأنَّه لا يُحكَم عليه بمجرَّد دعواها مع نكوله. لكن من يقضي عليه به يقول: النُّكول إمَّا إقرارٌ وإمَّا بيِّنةٌ، وكلاهما يُحكَم به. ولكن ينتقض هذا عليه بالنُّكول في دعوى القصاص، ويُجاب بأنَّ النُّكول بَدَلٌ استُغِنيَ به فيما يُباح بالبدل، وهو الأموال وحقوقها

стр. 3267

دون النِّكاح وتوابعه. والله أعلم. الرَّابع: أنَّ النُّكول بمنزلة البيِّنة، فلمَّا أقامت شاهدًا واحدًا ــ وهو شطر البيِّنة ــ كان النُّكول قائمًا مقامَ تمامِها. ونحن نذكر مذاهب النَّاس في هذه المسألة، فقال أبو القاسم بن الجَلَّاب في «تفريعه» (١): وإذا ادَّعت المرأة الطَّلاقَ على زوجها لم يُحلَّف بدعواها، فإن أقامت على ذلك شاهدًا واحدًا لم تُحلَّف مع شاهدها، ولم يثبت الطَّلاق على زوجها. وهذا الذي قاله لا يُعلَم فيه نزاعٌ بين الأئمَّة الأربعة. قال: ولكن يُحلَّف لها زوجُها، فإن حَلَفَ برئ من دعواها. قلت: هذا فيه قولان للفقهاء، وهما روايتان عن الإمام أحمد، إحداهما: أنَّه يُحلف لدعواها، وهي مذهب الشَّافعيِّ ومالك وأبي حنيفة. والثَّانية: لا يحلف. فإن قلنا: لا يُحلَّف، فلا إشكال. وإن قلنا: يُحلَّف، فنكَلَ عن اليمين، فهل يُقضى عليه بطلاق زوجته بالنُّكول؟ فيه روايتان عن مالك (٢): إحداهما: أنَّها تَطْلُق عليه بالشَّاهد والنُّكول عملًا بهذا الحديث، وهذا اختيار أشهب، وهذا في غاية القوَّة؛ لأنَّ الشَّاهد والنُّكول سببان من جهتين مختلفتين، فقوي جانب المدَّعي بهما، فحُكِم له، فهذا مقتضى الأثر والقياس.

стр. 3268

والرِّواية الثَّانية عنه: أنَّ الزَّوج إذا نكَلَ عن اليمين حُبِس، فإن طال حبْسُه تُرِك. واختلفت الرِّواية عن الإمام أحمد: هل يُقضى بالنُّكول في دعوى المرأة الطَّلاق؟ على روايتين. ولا أثر عنده لإقامة الشَّاهد الواحد؛ بل إذا ادَّعت عليه الطَّلاق، ففيه روايتان في استحلافه، فإن قلنا: لا يُستحلَف لم يكن لدعواها أثرٌ، وإن قلنا: يستحلف، فأبى، فهل يحكم عليه بالطَّلاق؟ فيه روايتان. وسيأتي إن شاء الله الكلامُ في القضاء بالنُّكول، وهل هو إقرارٌ أو بدلٌ أو قائمٌ مقام البيِّنة؟ في موضعه من هذا الكتاب. حكم رسول الله ﷺ في تخيير أزواجه بين المُقَام معه وبين مفارقتهن له ثبت في «الصَّحيحين» (١) عن عائشة قالت: لمَّا أُمِر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي، فقال: «إنِّي ذاكرٌ لكِ أمرًا، فلا عليكِ أن لا تَعْجَلي حتى تستأمري أبويك». قالت: وقد عَلِم أنَّ أَبويَّ لم يكونا ليأمراني بفراقه، ثمَّ قرأ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. فقلت: في هذا أَستأمر أبويَّ؟ فإنِّي أريد الله ورسوله والدَّار الآخرة. قالت عائشة: ثمَّ فعل أزواج النَّبيِّ ﷺ مثلَ ما فعلتُ، فلم يكن ذلك طلاقًا. قال ربيعة وابن شهابٍ: فاختارت واحدةٌ منهنَّ نفسَها فذهبتْ، وكانت البتَّة. قال ابن شهابٍ: وكانت بدويَّةً. قال عمرو بن شعيبٍ: وهي ابنة

стр. 3269

الضحّاك العامرية، رجعتْ إلى أهلها. وقال ابن حبيب: قد كان دخل بها. انتهى. وقيل: لم يدخل بها، وكانت تلتقط بعدَ ذلك البَعْرَ، وتقول: أنا الشَّقيَّة (١). واختلف النَّاس في هذا التَّخيير، في موضعين: أحدهما: في أيِّ شيءٍ كان؟ والثَّاني: في حكمه. فأمَّا الأوَّل، فالَّذي عليه الجمهور أنَّه كان بين المقام معه والفراق، وذكر عبد الرزاق في «مصنَّفه» (٢) عن الحسن: أنَّ الله تعالى إنَّما خيَّرهنَّ بين الدُّنيا والآخرة، ولم يخيِّرهنَّ في الطَّلاق. وسياقُ القرآن وقولُ عائشة يردُّ قولَه، ولا ريبَ أنَّه سبحانه خيَّرهنَّ بين الله ورسوله والدَّار الآخرة، وبين الحياة الدُّنيا وزينتها، وجعلَ موجَبَ اختيارِهنَّ الله ورسولَه والدَّار الآخرة المُقامَ مع رسوله، وموجَبَ اختيارهنَّ الدُّنيا وزينتَها أن يُمتِّعهنَّ ويُسرِّحهنَّ سراحًا جميلًا، وهو الطَّلاق بلا شكٍّ ولا نزاعٍ. وأمَّا اختلافهم في حكمه، ففي موضعين. أحدهما: في حكم (٣) اختيار الزَّوج، والثَّاني: في حكم اختيار النَّفس.

стр. 3270

فأمَّا الأوَّل، فالَّذي عليه معظم أصحاب النَّبيِّ ﷺ ونساؤه كلُّهنَّ ومعظم الأمَّة: أنَّ من اختارت زوجَها لم تَطْلُق، ولا يكون التَّخيير بمجرَّده طلاقًا، صحَّ ذلك عن عمر (١) وابن مسعودٍ (٢) وابن عبَّاسٍ (٣) وعائشة. قالت عائشة: خَيَّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم نَعُدَّه (٤) طلاقًا (٥). وعن أم سلمة وقَرِيبةَ (٦) أختِها وعبدِ الرحمن بن أبي بكر (٧).

стр. 3271

وصحَّ عن علي (١) وزيد بن ثابتٍ (٢) وجماعةٍ من الصَّحابة: أنَّها إن اختارتْ زوجَها فهي طلقةٌ رجعيَّةٌ، وهو قول الحسن (٣)، وروايةٌ عن أحمد رواها عنه إسحاق بن منصورٍ، قال (٤): إن اختارت زوجها فواحدةٌ يملك الرَّجعة، وإن اختارت نفسَها فثلاثٌ. قال أبو بكر (٥): انفرد بهذا إسحاق بن منصورٍ، والعمل على ما رواه الجماعة.

стр. 3272

قال صاحب «المغني» (١): ووجه هذه الرِّواية أنَّ التَّخيير كنايةٌ نوى بها الطَّلاق، فوقع بمجرَّدها كسائر كناياته. وهذا هو الذي صرَّحت (٢) عائشة ــ والحقُّ معها ــ بإنكاره وردِّه، فإنَّ رسول الله ﷺ لمَّا اختاره أزواجُه لم يقل: وقعَ بكنَّ طَلْقةٌ، ولم يراجعهنَّ، وهي أعلمُ الأمَّة بشأن التَّخيير. وقد صحَّ عن عائشة أنَّها قالت: «لم يكن ذلك طلاقًا»، وفي لفظٍ: «لم نعدَّه (٣) طلاقًا»، وفي لفظٍ: «خيَّرنا رسول الله ﷺ ، أفكان (٤) طلاقًا»؟ (٥). والَّذي لحظه من قال: إنَّها طلقةٌ رجعيَّةٌ، أنَّ التَّخيير تمليكٌ، ولا تملك المرأة نفسَها إلا وقد طَلَقت، فالتَّمليك مستلزمٌ لوقوع الطَّلاق. وهذا مبنيٌّ على مقدِّمتين، إحداهما: أنَّ التَّخيير تمليكٌ، والثَّانية أنَّ التَّمليك يستلزم وقوع الطَّلاق. وكلا المقدِّمتين ممنوعةٌ، فليس التَّخيير بتمليكٍ، ولو كان تمليكًا لم يستلزم وقوعَ الطَّلاق قبل إيقاع مَن مَلكَه، فإنَّ غاية أمره أن تملكه الزَّوجة كما كان الزَّوج يملكه، فلا يقع بدون إيقاع مَن ملكَه، ولو صحَّ ما ذكروه لكان بائنًا؛ لأنَّ الرَّجعيَّة لا تملك نفسها. وقد اختلف الفقهاء في التَّخيير: هل هو تمليكٌ، أو توكيلٌ، أو بعضه

стр. 3273

تمليكٌ وبعضه توكيلٌ، أو هو تطليقٌ منجَّزٌ، أو لغوٌ لا أثر له البتَّة؟ على مذاهب خمسةٍ. والتَّفريق هو مذهب أحمد ومالك، فقال أبو الخطاب في «رؤوس المسائل» (١): هو تمليكٌ يقف على القبول. وقال صاحب «المغني» (٢) فيه: إذا قال: «أمركِ بيدكِ» أو «اختاري»، فقالت: قبلتُ، لم يقع شيءٌ؛ لأنَّ «أمرك بيدك» توكيلٌ، فقولها في جوابه «قبلتُ» ينصرف إلى قبول الوكالة، فلم يقع شيءٌ. كما لو قال لأجنبيَّةٍ: أمرُ امرأتي بيدكِ، فقالت: قبلتُ. وقوله «اختاري» في معناه. وكذلك إن قالت: أخذتُ (٣) أمري. نصَّ (٤) عليهما أحمد في رواية إبراهيم بن هانئٍ: إذا قال لامرأته: أمركِ بيدكِ، فقالت: قبلتُ، ليس بشيءٍ حتَّى يتبيَّن. وقال: إذا قالت: أخذتُ أمري، ليس بشيءٍ. قال: وإذا قال لامرأته اختاري، فقالت: قبلتُ نفسي أو اخترتُ نفسي، كان أبينَ. انتهى. وفرَّق مالك (٥) بين «اختاري» وبين «أمركِ بيدكِ»، فجعل «أمرك بيدك» تمليكًا، و «اختاري» تخييرًا لا تمليكًا. قال أصحابه: وهو توكيلٌ. وللشَّافعيِّ قولان، أحدهما: أنَّه تمليكٌ، وهو الصَّحيح عند أصحابه. والثَّاني: أنَّه توكيلٌ وهو القديم (٦).

стр. 3274

وقالت الحنفيَّة: تمليكٌ (١). وقال الحسن وجماعةٌ من الصَّحابة (٢): هو تطليقٌ يقع به واحدةٌ منجَّزةٌ، وله رجعتْها. وهي رواية ابن منصور عن أحمد (٣). وقال أهل الظَّاهر وجماعةٌ من الصَّحابة: لا يقع به طلاقٌ، وسواءٌ اختارت نفسها أو اختارت زوجها، ولا أثر للتَّخيير في وقوع الطَّلاق (٤). ونحن نذكر مآخذ هذه الأقوال على وجه الإشارة إليها. قال أصحاب التَّمليك: لمَّا كان البُضْع يعود إليها بعد ما كان للزَّوج، كان هذا حقيقة التَّمليك. قالوا: وأيضًا فالتَّوكيل يستلزم أهليَّة الوكيل لمباشرة ما وُكِّل فيه، والمرأة ليست بأهلٍ لإيقاع الطَّلاق، ولهذا لو وكَّل امرأةً في طلاق زوجته لم يصحَّ في أحد القولين؛ لأنَّها لا تباشر الطَّلاق. والَّذين صحَّحوه قالوا: كما يصحُّ أن يُوكِّل رجلًا في طلاق امرأته، يصحُّ أن يوكِّل امرأتَه في طلاقها. قالوا: وأيضًا فالتَّوكيل (٥) لا يُعقَل معناه هاهنا، فإنَّ الوكيل هو الذي يتصرَّف لموكِّله لا لنفسه، والمرأة هاهنا إنَّما تتصرَّف لنفسها ولحظِّها، وهذا ينافي تصرُّفَ الوكيل.

стр. 3275

قال أصحاب التَّوكيل ــ واللَّفظ لصاحب «المغني» (١) ــ: وقولهم إنَّه تمليك (٢) لا يصحُّ، فإنَّ الطَّلاق لا يصحُّ تمليكه، ولا ينتقل عن الزَّوج، وإنَّما ينوب فيه غيره عنه، فإذا استناب غيره فيه كان توكيلًا لا غير. قالوا: ولو كان تمليكًا لكان مقتضاه انتقالَ الملك إليها في بُضْعها، وهو محالٌ، فإنَّه لم يخرج عنها، ولهذا لو وُطِئت بشبهةٍ كان المهر لها لا للزَّوج، ولو ملك البضْعَ لملك عِوَضَه، كمن ملك منفعةَ عينٍ كان عوض تلك المنفعة له. قالوا: وأيضًا فلو كان تمليكًا لكانت المرأة مالكةً للطَّلاق، وحينئذٍ يجب أن لا يبقى الزَّوج مالكًا، لاستحالة كون الشَّيء الواحد بجميع أجزائه مِلْكًا لمالكينِ في زمنٍ واحدٍ، والزَّوج مالكٌ للطَّلاق بعد التَّخيير، فلا تكون هي مالكةً له. بخلاف ما إذا قلنا: هو توكيلٌ واستنابةٌ، كان الزَّوج مالكًا، وهي نائبةٌ ووكيلةٌ عنه. قالوا: وأيضًا فلو قال لها: طلِّقي نفسكِ، ثمَّ حلف أن لا تُطلِّق، فطلَّقتْ نفسَها حَنِثَ، فدلَّ على أنَّها نائبةٌ عنه، وأنَّه هو المطلِّق. قالوا: وأيضًا فقولكم: إنَّه تمليكٌ، إمَّا أن تريدوا به أنَّه ملَّكها نفسَها، أو أنَّه ملَّكها أن تُطلِّق، فإن أردتم الأوَّل لزِمكم أن يقع الطَّلاق بمجرَّد قولها: قبلتُ؛ لأنَّه أتى بما يقتضي خروجَ بُضْعها عن ملكه، واتَّصل به القبول (٣)، وإن أردتم الثَّاني فهو معنى التَّوكيل، وإن غُيِّرت العبارة.

стр. 3276

قال المفرِّقون بين بعض صوره وبعضٍ ــ وهم أصحاب مالك ــ: إذا قال لها: أمركِ بيدك، أو جعلتُ أمركِ إليك، أو ملَّكتُكِ أمْرَك= فذلك تمليكٌ. وإذا قال لها: اختاري فهو تخييرٌ. قالوا: والفرق بينهما حقيقةً وحكمًا: أمَّا الحقيقة فلأنَّ «اختاري» لم يتضمَّن أكثر من تخييرها، لم يُملِّكها نفسَها، وإنَّما خيَّرها بين أمرين. بخلاف قوله «أمرك بيدك»، فإنَّه لا يكون بيدها إلا وهي مالكتُه. وأمَّا الحكم فإنه إذا قال لها: أمركِ بيدك، وقال: أردتُ به واحدةً، فالقول قوله مع يمينه. وإذا قال: اختاري، فطلَّقتْ نفسَها ثلاثًا، وقعتْ ولو قال أردتُ واحدةً، إلا أن تكون غيرَ مدخولٍ بها، فالقول قوله في إرادة (١) الواحدة. قالوا: لأنَّ التَّخيير يقتضي أنها لها أن تختار نفسها، ولا يحصل لها ذلك إلا بالبينونة، فإن كانت مدخولًا بها لم تَبِنْ إلا بالثَّلاث، وإن لم تكن مدخولًا بها بانت بالواحدة. وهذا بخلاف «أمرك بيدك»، فإنَّه لا يقتضي تخييرها بين نفسها وبين زوجها، بل تمليكَها أمْرَها، وهو أعمُّ من تمليكها الإبانةَ بثلاثٍ أو بواحدةٍ تنقضي بها عدَّتها، فإذا أراد به أحدَ محتملَيْه قُبِل قوله. وهذا بعينه يَرِد عليهم في «اختاري»، فإنَّه أعمُّ من أن تختار البينونة بثلاثٍ أو بواحدةٍ تنقضي بها عدَّتها؛ بل «أمرك بيدك» أصرحُ في تمليك الثَّلاث من «اختاري»، لأنَّه مضافٌ ومضافٌ إليه، فيعمُّ جميعَ أمرها، بخلاف «اختاري»، فإنَّه مطلقٌ لا عمومَ له، فمن أين يُستفاد منه الثَّلاث؟ وهذا

стр. 3277

منصوص الإمام أحمد (١)، فإنَّه قال في «اختاري»: إنَّه لا تملك به المرأة أكثر من طلقةٍ واحدةٍ، إلا بنيَّة الزَّوج، ونصَّ في أمركِ بيدكِ، وطلاقُك بيدكِ، ووكَّلتُكِ في الطَّلاق: على أنَّها تملك به الثَّلاث. وعنه روايةٌ أخرى: أنَّها لا تملكها إلا بنيَّته. وأمَّا من جعله تطليقًا منجَّزًا، فقد تقدَّم وجهُ قوله وضَعْفه. وأمَّا من جعله لغوًا، فلهم مأخذان: أحدهما: أنَّ الطَّلاق لم يجعله الله بيد النِّساء، إنَّما جعله بيد الرِّجال، ولا يتغيَّر شرع الله باختيار العبد، فليس له أن يختار نقْلَ الطَّلاق إلى من لم يُجعَلْ إليه الطَّلاق البتَّةَ. قال أبو عبيد القاسم بن سلَّامٍ (٢): حدَّثنا أبو بكر بن عيَّاشٍ، ثنا حبيب بن أبي ثابتٍ أنَّ رجلًا قال لامرأةٍ له: إن أدخلتِ هذا العدلَ إلى البيت فأمرُ صاحبتِكِ بيدك، فأدخلتْه ثمَّ قالت: هي طالقٌ، فرُفِع ذلك إلى عمر بن الخطَّاب فأبانَها منه، فمرُّوا بعبد الله بن مسعودٍ فأخبروه، فذهب بهم إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ الله ﵎ جعل الرِّجال قوَّامين على النِّساء، ولم يجعل النِّساء قوَّاماتٍ على الرِّجال، فقال له عمر: فما ترى؟ قال: أراها امرأته، قال عمر: وأنا أرى ذلك. فجعلها واحدةً. قلت: يحتمل أنَّه جعلها (٣) واحدةً بقول الزَّوج: «فأمرُ صاحبتِكِ بيدكِ»،

стр. 3278

ويكون كنايةً في الطَّلاق، ويحتمل أنَّه جعلها واحدةً بقول ضرَّتها: هي طالقٌ، ولم يجعل للضَّرَّة إبانتَها لئلَّا تكون هي القوَّامة على الزَّوج، فليس في هذا دليلٌ لما ذهبتْ إليه هذه الفِرقة، بل هو حجَّةٌ عليها. وقال أبو عبيد (١): ثنا عبد الغفَّار بن داود، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ: أنَّ رُمَيثة الفارسية (٢) كانت تحت محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فملَّكها أمْرَها، فقالت: أنتَ طالقٌ ثلاث مرَّاتٍ، فقال عثمان بن عفَّان: أخطأتْ، لا طلاقَ لها، لأنَّ المرأة لا تُطلِّق. وهذا أيضًا لا يدلُّ لهذه الفِرقة؛ لأنَّه إنَّما لم يُوقع الطَّلاق لأنَّها أضافَتْه إلى غير محلِّه وهو الزَّوج، ولم يقل: أنا منك طالقٌ. وهذا نظير ما رواه عبد الرزاق (٣)، ثنا ابن جريجٍ، أخبرني أبو الزبير أنَّ مجاهدًا أخبره أنَّ رجلًا جاء إلى ابن عبَّاسٍ فقال: ملَّكتُ امرأتي أمرَها فطلَّقتْني ثلاثًا، فقال ابن عبَّاسٍ: خَطَّأ الله نَوْءَها (٤)، الطَّلاقُ لك عليها، وليس لها عليك.

стр. 3279

قال الأثرم (١): سألت أبا عبد الله عن الرَّجل يقول لامرأته: أمركِ بيدكِ؟ فقال: قال عثمان وعلي: القضاء ما قضَتْ. قلت: فإن قالت: قد طلَّقتُ نفسي ثلاثًا، قال: القضاء ما قضَتْ. قلت: فإن قالت: قد طلَّقتُكَ ثلاثًا، قال: المرأة لا تُطلِّق، واحتجَّ بحديث ابن عبَّاسٍ: خطَّأ الله نَوْءَها. ورواه (٢) عن وكيعٍ، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن عبَّاسٍ في رجلٍ جعل أمر امرأته في يدها، قالت: قد طلَّقتُكَ ثلاثًا، قال ابن عبَّاسٍ: خَطَّأ الله نَوْءَها، أفلا طلَّقتْ نفسَها. قال أحمد: صحَّف أبو مطر (٣) فقال: خطَّأ الله فوها. ولكن روى عبد الرزاق (٤)، عن ابن جريجٍ قال: سألت عبد الله بن

стр. 3280

طاوس، كيف كان أبوك يقول في رجلٍ ملَّك امرأتَه (١)، أتملِكُ أن تُطلِّق نفسَها أم لا؟ قال: كان يقول: ليس إلى النِّساء طلاقٌ. فقلتُ (٢) له: فكيف كان أبوك يقول في رجلٍ مَلَّك رجلًا أمْرَ امرأتِه، أيملِك الرَّجلُ أن يُطلِّقها؟ قال: لا. فهذا صريحٌ من مذهب طاوسٍ أنَّه لا يُطلِّق إلا الزَّوجُ، وأنَّ تمليك الزَّوجة أمْرَها لغوٌ، وكذلك توكيله غيره في الطَّلاق. قال أبو محمد ابن حزم (٣): وهذا قول أبي سليمان وجميع أصحابنا. الحجَّة الثَّانية لهؤلاء: أنَّ الله سبحانه إنَّما جعل أمر الطَّلاق إلى الزَّوج دون النِّساء؛ ولأنَّهنَّ (٤) ناقصات عقلٍ ودينٍ، والغالب عليهنَّ السَّفه، وتذهب بهنَّ الشَّهوة والميل إلى الرِّجال كلَّ مذهبٍ، فلو جعل أمر الطَّلاق إليهنَّ لم يستقم للرِّجال معهنَّ أمرٌ، وكان في ذلك ضررٌ عظيمٌ بأزواجهنَّ، فاقتضتْ حكمتُه ورحمته أنَّه لم يجعل بأيديهنَّ شيئًا من أمر الفراق، وجعله إلى الأزواج. فلو جاز للأزواج نقْلُ ذلك إليهنَّ، لناقضَ حكمةَ الله ورحمتَه ونظَرَه للأزواج. قالوا: والحديث إنَّما دلَّ على التَّخيير فقط، فإن اخترن الله ورسوله والدَّار الآخرة كما وقع، كنَّ أزواجه بحالهنَّ، وإن اخترنَ أنفسهنَّ مَتَّعهنَّ وطلَّقهنَّ هو بنفسه، وهو السَّراح الجميل، لا أنَّ اختيارهنَّ لأنفسهنَّ يكون

стр. 3281

هو نفس الطَّلاق، وهذا في غاية الظُّهور كما ترى. قال هؤلاء: والآثار عن الصَّحابة في ذلك مختلفةٌ اختلافًا شديدًا (١)، فصحَّ عن عمر وابن مسعودٍ (٢) وزيد بن ثابتٍ (٣)، في رجلٍ جعلَ أمر امرأته بيدها فطلَّقتْ نفسَها ثلاثًا: أنَّها طلقةٌ واحدةٌ رجعيَّةٌ. وصحَّ عن عثمان: أنَّ القضاء ما قضتْ (٤). ورواه سعيد بن منصورٍ (٥) عن ابن عمر، وغيرُه عن ابن الزبير (٦). ورُوي عن علي وزيد (٧) وجماعةٍ من الصَّحابة (٨): أنَّها إن اختارتْ نفسَها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن اختارت زوجَها فواحدةٌ رجعيَّةٌ. وصحَّ عن بعض الصَّحابة (٩): أنَّها إن اختارتْ نفسَها فثلاثٌ بكلِّ حالٍ. ورُوِي عن ابن مسعودٍ فيمن جعل أمر امرأته بيدِ آخرَ فطلَّقها فليس بشيءٍ (١٠).

стр. 3282

قال أبو محمد ابن حزم (١): وقد تقصَّينا من رُوي (٢) عنه من الصَّحابة أنَّه يقع به الطَّلاق، فلم يكونوا بين من صحَّ عنه ومن لم يصحَّ عنه إلا سبعةً، ثمَّ اختلفوا، وليس قول بعضهم أولى من قول بعضٍ، ولا أثَرَ في شيءٍ منها إلا ما رويناه من طريق النَّسائيِّ (٣): أخبرنا علي بن نصر (٤) الجهضمي، ثنا سليمان بن حربٍ، ثنا حمَّاد بن زيدٍ، قال: قلت لأيُّوب السَّختيانيِّ: هل علمت أحدًا قال في «أمركِ بيدكِ»: إنَّها ثلاثٌ غيرَ الحسن؟ قال: لا، اللَّهمَّ غَفْرًا، إلا ما حدَّثني به قتادة، عن كثيرٍ مولى ابن سَمُرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ثلاثٌ». قال أيوب: فلقيتُ كثيرًا مولى ابن سمرة، فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسي.

стр. 3283

قال أبو محمد (١): كثير مولى ابن سمرة مجهولٌ، ولو كان مشهورًا بالثِّقة والحفظ لما خالفنا هذا الخبر، وقد أوقفه بعض رواته على أبي هريرة. انتهى. وقال المرُّوذي: سألت أبا عبد الله ما تقول في امرأةٍ خُيِّرتْ فاختارت نفسها؟ قال: [قال] (٢) فيها خمسةٌ من أصحاب رسول الله ﷺ إنَّها واحدةٌ وله (٣) الرَّجعة، عمر وابن مسعودٍ وابن عمر وعائشة، وذكر آخر. قال غير المرُّوذي: هو زيد بن ثابتٍ (٤). قال أبو محمد (٥): ومن خيَّر امرأته فاختارت نفسَها، أو اختارت الطَّلاق، أو اختارت زوجَها، أو لم تختَرْ شيئًا= فكلُّ ذلك لا شيء، وكلُّ ذلك سواءٌ، ولا تَطْلُق بذلك، ولا تَحْرُم عليه، ولا لشيءٍ من ذلك حكمٌ، ولو كرَّر التَّخييرَ [وكرَّرت هي اختيارَ نفسِها أو اختيارَ الطَّلاق ألف مرَّةٍ، وكذلك إن ملَّكها نفسَها] (٦)، أو جعلَ أمرَها بيدها. ولا فرقَ. ولا حجَّة (٧) في أحدٍ دون رسول الله ﷺ ، وإذْ لم يأتِ في القرآن ولا عن رسول الله ﷺ أنَّ قول الرَّجل لامرأته: «أمركِ بيدك»، أو «اختاري» يوجب أن

стр. 3284

يكون طلاقًا، وأنَّ لها أن تُطلِّق نفسَها أو أن تختار طلاقًا، فلا يجوز أن يُحَرَّمَ على الرَّجل فرجٌ أباحه الله تعالى له ورسولُه ﷺ بأقوالٍ لم يُوجِبها الله تعالى ولا رسوله (١). انتهى كلامه. قالوا: واضطرابُ أقوال المُوقِعين وتناقضُها ومعارضةُ بعضها لبعضٍ يدلُّ على فساد أصلها، ولو كان الأصل صحيحًا لاطَّردتْ فروعه، ولم تتناقضْ ولم تختلفْ، ونحن نشير إلى طرفٍ من اختلافهم. فاختلفوا: هل يقع الطَّلاق بمجرَّد التَّخيير أو لا يقع حتَّى تختار نفسها؟ على قولين تقدَّم حكايتهما. ثمَّ اختلف الذين لا يُوقِعونه بمجرَّد قوله «أمرك بيدك»: هل يختصُّ اختيارها بالمجلس، أو يكون في يدها ما لم يفسخ أو يطأ؟ على قولين: أحدهما: أنَّه يتقيَّد بالمجلس، وهذا قول أبي حنيفة والشَّافعيِّ ومالك في إحدى الرِّوايتين عنه. والثَّاني: أنَّه في يدها أبدًا حتَّى يفسخ أو يطأ، وهذا قول أحمد وابن المنذر وأبي ثورٍ، والرِّواية الثَّانية عن مالك. ثمَّ قال بعض أصحابه: وذلك ما لم يطُلْ حتَّى يتبيَّن أنَّها تركتْه، وذلك بأن يتعدَّى شهرين. ثمَّ اختلفوا: هل عليها يمينٌ أنَّها تركت أم لا؟ على قولين. ثمَّ اختلفوا إذا رجع الزَّوج فيما جَعَلَ إليها: فقال أحمد وإسحاق والأوزاعيُّ والشَّعبيُّ ومجاهد وعطاء: له ذلك، ويَبطل خيارُها. وقال مالك وأبو حنيفة والثَّوريُّ والزُّهريُّ: ليس له الرُّجوع. وللشَّافعيَّة خلافٌ مبنيٌّ على أنَّه توكيلٌ فيملك الموكِّل الرُّجوعَ، أو تمليكٌ فلا يملكه. ثم قال بعض

стр. 3285

أصحاب التَّمليك: ولا يمتنع الرُّجوعُ وإن قلنا إنَّه تمليكٌ؛ لأنَّه لم يتَّصل به القبول، فجاز الرُّجوع فيه كالهبة والبيع. واختلفوا فيما يلزم من اختيارها نفسَها: فقال أحمد والشَّافعيُّ: واحدةٌ رجعيَّةٌ، وهو قول عمر (١) وابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ (٢)، واختاره أبو عبيد وإسحاق. وعن علي: واحدةٌ بائنةٌ، وهو قول أبي حنيفة. وعن زيد بن ثابتٍ: ثلاثٌ، وهو قول الليث. وقال مالك: إن كانت مدخولًا بها فثلاثٌ، وإن كانت غير مدخولٍ بها قُبِل منه دعوى الواحدة. واختلفوا: هل يفتقر قوله «أمركِ بيدكِ» إلى نيَّةٍ أم لا؟ فقال أحمد والشَّافعيُّ وأبو حنيفة: يفتقر إلى نيَّةٍ، وقال مالك: لا يفتقر إلى نيَّةٍ. واختلفوا: هل يفتقر وقوع الطَّلاق إلى نيَّة المرأة إذا قالت: اخترتُ نفسي، أو فسختُ نكاحك؟ فقال أبو حنيفة: لا يفتقر وقوع الطَّلاق إلى نيَّتها إذا نوى الزَّوج. وقال أحمد والشَّافعيُّ: لا بدَّ من نيَّتها إذا اختارت بالكناية. ثمَّ قال أصحاب مالك: إن قالت: اخترتُ نفسي أو قبلتُ نفسي= لزم الطَّلاق، ولو قالت لم أُرِدْه، وإن قالت: قبلتُ أمري= سُئلتْ عمَّا أرادت؟ فإن أرادت الطَّلاق كان طلاقًا، وإن لم تُرِدُه لم يكن طلاقًا. ثمَّ قال مالكٌ: إذا قال لها: «أمرك بيدك» وقال: قصدتُ طلقةً واحدةً، فالقول قوله مع يمينه، وإن لم تكن له نيَّةٌ فله أن يُوقِع ما شاء. وإذا قال: «اختاري» وقال: أردتُ واحدةً، فاختارتْ نفسَها= طَلَقتْ ثلاثًا، ولا يُقبل قولُه.

стр. 3286

ثمَّ هاهنا فروعٌ كثيرةٌ مضطربةٌ غاية الاضطراب، لا دليلَ عليها من كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا إجماعٍ، والزَّوجة زوجتُه حتَّى يقوم دليلٌ على زوال عصمته عنها. قالوا: ولم يجعل الله إلى النِّساء شيئًا من النِّكاح ولا من الطَّلاق، وإنَّما جعل ذلك إلى الرِّجال، وقد جعل الله سبحانه الرِّجال قوَّامين على النِّساء، إن شاءوا أمسكوا، وإن شاؤوا طلَّقوا، فلا يجوز للرَّجل أن يجعل المرأة قوَّامةً عليه، إن شاءت أمسكتْ، وإن شاءت طلَّقتْ. قالوا: ولو أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيءٍ لم نتعدَّ إجماعَهم، ولكن اختلفوا، فطلبنا الحجَّة لأقوالهم من غيرها، فلم نجد الحجَّة تقوم إلا على هذا القول، وإن كان من رُوِي عنه قد رُوِي عنه خلافُه أيضًا. وقد أبطل من ادَّعى الإجماع في ذلك، فالنِّزاع ثابتٌ بين الصَّحابة والتَّابعين كما حكيناه، والحجَّة لا تقوم بالخلاف. فهذا ابن عبَّاسٍ وعثمان بن عفَّان قد قالا: إنَّ تمليك الرَّجل لامرأتِه أمرَها ليس بشيءٍ (١). وابن مسعودٍ يقول فيمن جعل أمر امرأته بيدِ آخرَ فطلَّقها: ليس بشيءٍ (٢). وطاوس يقول فيمن ملَّك امرأتَه أمرَها: ليس إلى النِّساء طلاقٌ، ويقول فيمن ملَّك رجلًا أمرَ امرأتِه أيملك الرَّجل أن يطلِّقها؟ قال: لا (٣). قلت: أمَّا المنقول عن طاوسٍ فصحيحٌ صريحٌ، لا مطعَن فيه سندًا وصراحةً.

стр. 3287

وأمَّا المنقول عن ابن مسعودٍ فمختلفٌ، فنُقِل عنه موافقة عليٍّ وزيدٍ في الوقوع، كما رواه ابن أبي ليلى عن الشَّعبيِّ: أنَّ «أمرك بيدك» و «اختاري» سواءٌ في قول علي وابن مسعودٍ وزيد (١)، ونقل عنه فيمن قال لامرأته: «أمرُ فلانة بيدكِ إن أدخلتِ هذا العدلَ البيتَ»، ففعلتْ، أنَّها امرأته، ولم يُطلِّقها عليه (٢). وأمَّا المنقول عن ابن عبَّاسٍ وعثمان فإنَّما هو فيما إذا أضافت المرأةُ الطَّلاقَ إلى الزَّوج، وقالت: أنت طالقٌ. وأحمد وغيرُه (٣) يقولان ذلك مع قولهما بوقوع الطَّلاق، إذا اختارتْ نفسَها أو طلَّقتْ نفسَها. فلا يُعرَف عن أحدٍ من الصَّحابة إلغاءُ التَّخيير والتَّمليكِ البتَّةَ إلا هذه الرِّواية عن ابن مسعودٍ، وقد رُوِي عنه خلافها، والثَّابت عن الصَّحابة اعتبارُ ذلك ووقوعُ الطَّلاق به، وإن اختلفوا فيما تملك به المرأة كما تقدَّم. والقول بأنَّ ذلك لا أثرَ له لا يُعرَف عن أحدٍ من الصَّحابة البتَّةَ، وإنَّما وهِمَ أبو محمد في المنقول عن ابن عبَّاسٍ وعثمان، ولكن هذا مذهب طاوسٍ، وقد نُقل عن عطاء ما يدلُّ على ذلك، فروى عبد الرزاق (٤) عن ابن جريجٍ، قلت لعطاء: رجلٌ قال لامرأته: أمركِ بيدكِ بعد يومٍ أو يومين، قال:

стр. 3288

ليس هذا بشيءٍ. قلت: فأرسل إليها رجلًا أنَّ أمرها بيدها يومًا أو ساعةً، قال: ما أدري ما هذا؟ ما أظنُّ هذا شيئًا. قلت لعطاءٍ: أملَّكتْ عائشةُ حفصةَ (١) حين ملَّكها المنذر بن الزبير [أمرَها] (٢)؟ قال عطاء: لا، إنَّما عرضت عليهم (٣) أَيُطلِّقها أم لا، ولم يُملِّكها أمْرَها. ولولا هيبة أصحاب رسول الله ﷺ لما عدَلْنا عن هذا القول، ولكن أصحاب رسول الله ﷺ هم القدوة وإن اختلفوا في حكم التَّخيير، ففي ضمن اختلافهم اتَّفاقُهم على اعتبارِ التَّخييرِ وعدمِ إلغائه، ولا مفسدةَ في ذلك. والمفسدة التي ذكرتموها في كون الطَّلاق بيد المرأة، إنَّما تكون لو كان بيدها استقلالًا، فأمَّا إذا كان الزَّوج هو المستقلُّ بها، فقد تكون المصلحة له في تفويضها إلى المرأة، ليصير حاله معها على بيِّنةٍ، إن أحبَّتْه أقامتْ معه، وإن كرهتْه فارقتْه، فهذا مصلحةٌ له ولها، وليس في هذا ما يقتضي تغييرَ شرعِ الله وحكمته، ولا فرقَ بين توكيلِ المرأة في طلاق نفسها وتوكيلِ الأجنبيِّ، ولا معنى لمنع توكيل الأجنبيِّ في الطَّلاق، كما يصحُّ توكيله في النِّكاح والخلع. وقد جعل الله سبحانه للحكمينِ النَّظرَ في حال الزَّوجين عند الشِّقاق، إن رأيا التَّفريق فرَّقا، وإن رأيا الجمع جمعَا، وهو طلاقٌ أو فسخٌ من غير الزَّوج، إمَّا برضاه إن قيل: هما وكيلان، أو بغير رضاه إن قيل: هما حَكَمان. وقد

стр. 3289

جعل للحاكم أن يُطلِّق على الزَّوج في مواضع بطريق النِّيابة عنه. فإذا وكَّل الزَّوج مَن يُطلِّق عنه أو يخالع، لم يكن في هذا تغييرٌ لحكم اللَّه ولا مخالفةٌ لدينه، فإنَّ الزَّوج هو الذي يُطلِّق، إمَّا بنفسه وإمّا بوكيله، وقد يكون أتمَّ نظرًا للرَّجل من نفسه، وأعلمَ بمصلحته، فيفوِّض إليه ما هو أعلمُ بوجه المصلحة فيه منه. وإذا جاز التَّوكيل في العتق والنِّكاح والخلع والإبراء وسائر الحقوق: من المطالبة بها، وإثباتها، واستيفائها، والمخاصمة فيها= فما الذي حرَّم التَّوكيل في الطَّلاق؟ نعم، الوكيلُ يقوم مقامَ الموكِّل فيما يملكه من الطَّلاق وما لا يملكه، وما يحلُّ له منه وما يحرم، ففي الحقيقة لم يُطلِّق إلا الزَّوجُ، إمَّا بنفسه وإمّا بوكيله. وبالله التوفيق. حكم رسول الله ﷺ الذي بيَّنه عن ربّه ﵎ فيمن حرَّمَ أمتَه أو زوجتَه أو متاعَه قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]. ثبت في «الصَّحيحين» (١): أنَّه ﷺ (٢) شرب عسلًا في بيت ميمونة (٣)، فاحتالت عليه عائشة وحفصة حتَّى قال: «لن أعود له». وفي لفظٍ: «وقد حلفتُ».

стр. 3290

وفي «سنن النَّسائيِّ» (١) عن أنس أنَّ رسول الله ﷺ كانت له أمةٌ يطؤها، فلم تزَلْ به عائشة وحفصة حتَّى حرَّمها، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. وفي «صحيح مسلم» (٢) عن ابن عبَّاسٍ قال: إذا حرَّم الرَّجل امرأته فهي يمينٌ يكفِّرها، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وفي «جامع التِّرمذيِّ» (٣) عن عائشة قالت: آلى رسول الله ﷺ من نسائه وحرَّم، فجعل الحرام حلالًا، وجعل في اليمين كفَّارةً. هكذا رواه مسلمة بن علقمة عن داود عن الشَّعبيِّ عن مسروق عن عائشة، ورواه عليُّ بن مسهرٍ وغيره [عن داود] (٤) عن الشَّعبيِّ عن النَّبيِّ ﷺ مرسلًا، وهو أصحُّ. انتهى كلام أبي عيسى. وقولها: «جعلَ الحرامَ حلالًا»، أي جعل الشَّيء الذي حرَّمه ــ وهو العسل أو الجارية ــ حلالًا بعد تحريمه إيَّاه. وقال اللَّيث بن سعدٍ: عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن عبد الله بن هُبيرة،

стр. 3291

عن قَبِيصة بن ذُؤيبٍ، قال: سألت زيد بن ثابتٍ وابن عمر عمَّن قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرامٌ، فقالا جميعًا: كفَّارة يمينٍ (١). وقال عبد الرزاق (٢): عن ابن عُيينة، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد، عن ابن مسعودٍ قال في التَّحريم: هي يمينٌ يكفِّرها. قال ابن حزمٍ (٣): ورُوي ذلك عن أبي بكرٍ الصِّديق (٤) وعائشة أمِّ المؤمنين (٥). وقال الحجَّاج بن منهالٍ: ثنا جرير بن حازمٍ قال: سألتُ نافعًا مولى ابن عمر عن الحرام أطلاقٌ هو؟ قال: لا، أَوَليس قد حرَّم رسول الله ﷺ جاريتَه، فأمره الله أن يُكفِّر عن يمينه، ولم يُحرِّمها عليه (٦).

стр. 3292

وقال عبد الرزاق (١): عن معمر، عن يحيى بن أبي كثيرٍ وأيُّوب السَّختيانيِّ، كلاهما عن عكرمة، أنَّ عمر بن الخطَّاب قال: هي يمينٌ، يعني التَّحريم. وقال إسماعيل بن إسحاق: ثنا المقدَّمي، ثنا حمَّاد بن زيدٍ، عن صخر (٢) بن جُويرية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الحرام يمينٌ (٣). وفي «صحيح البخاريِّ» (٤): عن سعيد بن جبيرٍ أنَّه سمع ابن عبَّاسٍ يقول: إذا حرَّم امرأتَه ليس بشيءٍ، لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ. فقيل: هذا روايةٌ أخرى عن ابن عبَّاسٍ. وقيل: إنَّما أراد أنَّه ليس بطلاقٍ وفيه كفَّارة اليمين، ولهذا احتجَّ برسول الله ﷺ . وهذا الثَّاني أظهر. وهذه المسألة فيها عشرون مذهبًا للنَّاس، ونحن نذكرها، ونذكر وجوهها ومآخذَها، والرَّاجحَ منها (٥)، بعون الله وتوفيقه.

стр. 3293

أحدها: أنَّ التَّحريم لغوٌ لا شيء فيه، لا في الزَّوجة ولا في (١) غيرها، لا طلاق ولا إيلاء ولا ظهار ولا يمين. روى وكيعٌ عن إسماعيل بن أبي خالدٍ عن الشَّعبيِّ عن مسروق: ما أبالي حرَّمتُ امرأتي أو قَصْعةً من ثَرِيدٍ (٢). وذكر عبد الرزاق (٣) عن الثَّوريِّ، عن صالح بن مسلم، عن الشَّعبيِّ، أنَّه قال في تحريم المرأة: لهي أهونُ عليَّ من نعلي. وذكر (٤) عن ابن جريجٍ، أخبرني عبد الكريم، عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، أنَّه قال: ما أبالي حرَّمتُها ــ يعني امرأته ــ أو حرَّمتُ ماء النَّهر. وقال قتادة: سأل رجلٌ حُميد بن عبد الرَّحمن الحميريَّ عن ذلك، فقال: قال الله : ﴿(٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، وأنت رجلٌ تلعب، فاذهبْ فالعبْ (٥). وهذا قول أهل الظَّاهر كلِّهم. المذهب الثَّاني: أنَّ التَّحريم في الزَّوجة طلاقٌ ثلاثٌ. قال ابن حزمٍ (٦): قاله عليُّ بن أبي طالبٍ وزيد بن ثابتٍ وابن عمر، وهو قول الحسن

стр. 3294

ومحمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، ورُوِي عن الحكم بن عُتَيبة (١). قلت: الثابت عن زيد بن ثابتٍ وابن عمر ما رواه هو (٢) من طريق اللَّيث بن سعدٍ عن يزيد بن أبي حبيبٍ عن أبي هريرة (٣) عن قَبِيصة، أنَّه سأل زيد بن ثابتٍ وابن عمر عمَّن قال لامرأته: أنت عليَّ حرامٌ، فقالا جميعًا: كفَّارة يمينٍ. ولم يصحَّ عنهما خلاف ذلك. وأمَّا عليٌّ، فقد روى أبو محمد ابن حزم (٤) من طريق يحيى القطَّان، ثنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشَّعبيِّ قال: يقول رجالٌ في الحرام هي حرامٌ حتَّى تنكح زوجًا غيره، ولا والله، ما قال ذلك علي، إنَّما قال علي: ما أنا بِمُحِلِّها ولا بمُحرِّمِها عليك، إن شئتَ فتقدَّمْ، وإن شئتَ فتأخَّرْ. وأمَّا الحسن، فقد روى أبو محمد (٥) من طريق قتادة عنه أنَّه قال: كلُّ

стр. 3295

حلالٍ عليَّ حرامٌ فهي يمينٌ. ولعلَّ أبا محمد غلِطَ على علي وزيد وابن عمر، من مسألة الخليَّة والبريَّة والبتَّة، فإنَّ أحمد حكى عنهم أنَّها ثلاثٌ، وقال (١): هو عن علي وابن عمر صحيحٌ. فوهم أبو محمد وحكاه في «أنت عليَّ حرامٌ»، وهو وهمٌ ظاهرٌ، فإنَّهم فرَّقوا بين التَّحريم فأفتوا فيه بأنَّه يمينٌ، وبين الخليَّة فأفتوا فيها بالثَّلاث، ولا أعلم أحدًا قال إنَّه ثلاثٌ بكلِّ حالٍ. المذهب الثَّالث: أنَّه ثلاثٌ في حقِّ المدخول بها لا يُقبل منه غيرُ ذلك، وإن كانت غيرَ مدخولٍ بها وقع ما نواه من واحدةٍ واثنتين وثلاثٍ، فإن أطلق فواحدةٌ. فإن قال: لم أُرِدْ طلاقًا، فإن كان قد تقدَّم كلامٌ يجوز صرفُه إليه قُبِل منه، وإن كان ابتداءً لم يُقبَل، وإن حرَّم أَمتَه أو طعامَه أو متاعَه فليس بشيءٍ. وهذا مذهب مالك. المذهب الرَّابع: أنَّه إن نوى الطَّلاق كان طلاقًا، ثمَّ إن نوى به الثَّلاث فثلاثٌ، وإن نوى دونها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن نوى يمينًا فهو يمينٌ فيها كفَّارةٌ، وإن لم ينوِ شيئًا فهو إيلاءٌ فيه حكم الإيلاء. فإن نوى الكذب صُدِّق في الفتيا، ولم يكن شيئًا، ويكون في القضاء إيلاءً، وإن صادف غيرَ الزَّوجة كالأَمة والطَّعام وغيره فهو يمينٌ، فيه كفَّارتها. وهذا مذهب أبي حنيفة. المذهب الخامس: أنَّه إن نوى به الطَّلاق كان طلاقًا، ويقع ما نواه، فإن أطلق وقعتْ واحدة، وإن نوى الظِّهار كان ظهارًا، وإن نوى اليمين كان يمينًا، وإن نوى تحريمَ عينها من غير طلاقٍ ولا ظهارٍ فعليه كفَّارة يمينٍ، وإن لم ينو
следующие страницы →