قالوا: والاستدلال بالآية من ثلاثة أوجُهٍ، أحدها: أنَّ العرب لا تَعقِل في لغاتها العودَ إلى الشَّيء إلا فعلَ مثلِه مرَّةً ثانيةً.
قالوا: وهذا كتاب الله وكلام رسوله وكلام العرب بيننا وبينكم. قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، فهذا نظير الآية سواءٌ في أنَّه عدَّى (١) فعلَ العود باللَّام، وهو إتيانهم مرَّةً ثانيةً بمثل ما أَتَوا به أوَّلًا. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]، أي إن كرَّرتم الذَّنب كرَّرنا العقوبة. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨]، وهذا في سورة الظِّهار نفسها، وهو يبيِّن المراد من العود فيه، فإنَّه نظيره فعلًا وأداةً (٢)، والعهد قريبٌ بذكره.
قالوا: وأيضًا، فالَّذي قالوه هو لفظ الظِّهار، فالعود إلى القول هو الإتيان به مرَّةً ثانيةً، لا تَعقِلُ العرب غير هذا.
قالوا: وأيضًا، فما عدا تكرار اللَّفظ إمَّا إمساكٌ وإمَّا عزمٌ وإمَّا فعلٌ، وليس واحدٌ منها بقولٍ، فلا يكون الإتيان به عَودًا، لا لفظًا ولا معنًى، ولأنَّ العزم والوطء والإمساك ليس ظهارًا، فيكون الإتيان بها عَودًا إلى الظِّهار.
قالوا: ولو أريد بالعود الرُّجوعُ في الشَّيء الذي منعَ منه نفسَه كما يقال: عاد في الهبة، لقال: ثمَّ يعودون (٣) فيما قالوا، كما في الحديث: «العائدُ في هبتِه
стр. 3327
كالعائد في قَيْئِه» (١).
واحتجَّ أبو محمد ابن حزم بحديث عائشة أنَّ أوس بن الصامت كان به لَممٌ، فكان إذا اشتدَّ لَممُه ظاهر من امرأته، فأنزل الله فيه كفَّارة الظِّهار (٢). فقال (٣): هذا يقتضي التَّكرار ولا بُدَّ (٤)، قال: ولا يصحُّ في الظِّهار إلا هذا الخبر وحده.
قالوا: وأمَّا تشنيعكم علينا بأنَّ هذا القول لم يقل به أحدٌ من الصَّحابة، فأَرُونا من قال من الصَّحابة: إنَّ العود هو الوطء، أو العزم، أو الإمساك، أو هو العود إلى الظِّهار في الجاهليَّة، ولو عن رجلٍ واحدٍ من الصَّحابة، فلا تكونون أسعدَ بأصحاب رسول الله ﷺ منَّا أبدًا.
فصل
ونازعهم الجمهور في ذلك، وقالوا: ليس معنى العود إعادة اللَّفظ الأوَّل؛ لأنَّه لو كان ذلك هو العود، لقال: «ثمَّ يُعِيدون ما قالوا»؛ لأنَّه يقال: أعاد كلامه بعينه، وأمَّا عاد فإنَّما هو في الأفعال، كما يقال: عاد في فعله، وفي هبته، فهذا بـ (في). ويقال: عاد إلى عمله، وإلى ولايته، وإلى حاله، وإلى إحسانه وإساءته، ونحو ذلك، وعاد له أيضًا. وأمَّا القول فإنَّما يقال: أعاده،
стр. 3328
كما قال ضِمام (١) بن ثعلبة للنَّبيِّ ﷺ : «أعِدْ عليَّ كلماتِك» (٢)، وكما قال أبو سعيد: «أعِدْها عليَّ يا رسول اللَّه» (٣).
وهذا ليس بلازمٍ، فإنَّه يقال: أعاد مقالته، وعاد لمقالته، وفي الحديث: فعاد لمقالته (٤)، بمعنى أعادها، سواءٌ.
وأفسدُ من هذا ردُّ من ردَّ عليهم بأنَّ إعادة القول محالٌ كإعادة أمسِ، قال (٥): لأنَّه لا يتهيَّأ اجتماع زمانين. وهذا في غاية الفساد، فإنَّ إعادة القول من جنس إعادة الفعل، وهي الإتيان بمثل الأوَّل لا بعينه. والعجب من متعصِّبٍ يقول: لا يُعتدُّ بخلاف الظَّاهريَّة، ويبحث معهم بمثل هذه البحوث، ويردُّ عليهم بمثل هذا الرَّدِّ!
وكذلك ردُّ من ردَّ عليهم بمثل العائد في هبته، فإنَّه ليس نظير الآية، وإنَّما نظيرها ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨]،
стр. 3329
ومع هذا فهذه الآية تُبيِّن المراد من آية الظِّهار، فإنَّ عودهم لما نُهوا عنه هو رجوعهم إلى نفس المنهيِّ، وهو النَّجوى، وليس المراد به إعادة تلك النَّجوى بعينها، بل رجوعهم إلى المنهيِّ عنه. وكذلك قوله في الظِّهار: ﴿يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أي لقولهم، فهو مصدرٌ بمعنى المفعول، والقول هو تحريم الزَّوجة بتشبيهها بالمحرَّمة، فالعود إلى المحرَّم هو العود إليه، وهو فعله. فهذا مأخذ من قال: إنَّه الوطء.
ونكتة المسألة أنَّ القول في معنى المقول، والمقول هو التَّحريم، والعود له هو العود إليه، وهو استباحته عائدًا إليه بعد تحريمه، وهذا جارٍ على قواعد اللُّغة والعربيَّة (١) واستعمالها، وهذا الذي عليه (٢) جمهور السَّلف والخلف، كما قال قتادة وطاوس والحسن والزُّهريُّ ومالك وغيرهم (٣)،
ولا يُعرف
стр. 3330
عن أحدٍ من السَّلف أنَّه فسَّر الآية بإعادة اللَّفظ البتَّةَ، لا من الصَّحابة ولا من التَّابعين ولا من بعدهم.
وهاهنا أمرٌ خفيَ على من جعله إعادة اللَّفظ، وهو أنَّ العود إلى الفعل يستلزم مفارقةَ الحال التي هو عليها الآن، وعودَه إلى الحال التي كان عليها أوَّلًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]، ألا ترى أنَّ عودَهم مفارقةُ ما هم عليه من الإحسان وَعْوُدهم إلى الإساءة. وكقول الشَّاعر (١):
وإن عادَ للإحسانِ فالعَوْد أحمدُ
والحال التي هو عليها الآن التَّحريم بالظِّهار، والَّتي كان عليها إباحة الوطء بالنِّكاح الموجِب للحلِّ، فعَوْد المظاهر عودٌ إلى حلٍّ كان عليه قبل الظِّهار، وذلك هو الموجب للكفَّارة فتأمَّلْه، فالعود يقتضي أمرًا يعود إليه بعد مفارقته.
وظهر سرُّ الفرق بين العود في الهبة وبين العود لما قال المظاهر، فإنَّ الهبة بمعنى الموهوب، وهو عينٌ يتضمَّن عودُه فيه إدخالَه في مِلكه وتصرُّفه فيه كما كان أوَّلًا، بخلاف المظاهر فإنَّه بالتَّحريم قد خرج عن الزوجة (٢)، وبالعود قد طلب الرُّجوع إلى الحال التي كان عليها معها قبل التَّحريم، فكان
стр. 3331
الأليق أن يقال: عاد لكذا، يعني: عاد إليه، وفي الهبة: عاد إليها. وقد أمر النَّبيُّ ﷺ أوس بن الصامت وسلمة بن صخر بكفَّارة الظِّهار، ولم يتلفَّظا به مرَّتين، فإنَّهما لم يُخبِرا بذلك عن أنفسهما، ولا أخبر به أزواجهما عنهما ولا أحدٌ من الصَّحابة، ولا سألهما النَّبيُّ ﷺ : هل قلتما ذلك مرَّةً أو مرَّتين؟ ومثل هذا لو كان شرطًا لما أهمل بيانه.
وسرُّ المسألة أنَّ العَوْد يتضمَّن أمرين: أمرًا يعود إليه، وأمرًا يعود عنه، ولا بدَّ منهما، فالَّذي يعود عنه يتضمَّن نقضَه وإبطالَه، والَّذي يعود إليه يتضمَّن إيثارَه وإرادتَه، فعَوْد المظاهر يقتضي نقضَ الظِّهار وإبطاله، وإيثارَ ضدِّه وإرادتَه، وهذا عينُ فهم السَّلف من الآية، فبعضهم يقول: إنَّ العود هو الإصابة، وبعضهم يقول: الوطء، وبعضهم يقول: اللَّمس، وبعضهم يقول: العزم.
وأمَّا قولكم: إنَّه إنَّما أوجب الكفَّارة في الظِّهار المعاد، إن أردتم به المعادَ لفظُه فدعوى بحسب ما فهمتموه، وإن أردتم به الظِّهار المُعَاد فيه لما قال المظاهر، لم يستلزم ذلك إعادةَ اللَّفظ الأوَّل.
وأمَّا حديث عائشة في ظهار أوس بن الصامت، فما أصحَّه! وما أبعدَ دلالَته على مذهبكم!
فصل
ثمَّ الذين جعلوا العَود أمرًا غير إعادة اللَّفظ اختلفوا فيه: هل هو مجرَّد إمساكها بعد الظِّهار أو أمرٌ غيره؟ على قولين:
فقالت طائفةٌ: هو إمساكها زمنًا يتَّسع لقوله: أنتِ طالقٌ، فمتى لم يصل
стр. 3332
الطَّلاق بالظِّهار لزمتْه الكفَّارة. وهذا قول الشَّافعيِّ.
قال منازعوه: وهو في المعنى قول مجاهد والثَّوريِّ، فإنَّ هذا النَّفَسَ الواحد لا يُخرِج الظِّهار عن كونه موجبًا للكفَّارة، ففي الحقيقة لم يوجب الكفَّارةَ إلا لفظُ الظِّهار، وزمنُ قوله: أنت طالقٌ لا تأثير له في الحكم إيجابًا ولا نفيًا، فتعليق الإيجاب به ممتنعٌ، ولا تُسمَّى تلك اللَّحظة والنَّفس الواحد من الأنفاس عودًا، لا في لغة العرب ولا في عرف الشَّارع، وأيُّ شيءٍ في هذا الجزء اليسير جدًّا من الزَّمان من معنى العود أو حقيقته؟
قالوا: وهذا ليس بأقوى من قول من قال هو إعادة اللَّفظ بعينه، فإنَّ ذلك قولٌ (١) معقولٌ يُفهَم منه العود لغةً وحقيقةً، وأمَّا هذا الجزء من الزَّمان فلا يُفهم من الإنسان فيه العودُ البتَّة.
قالوا: ونحن نُطالبكم بما طالبتم به الظَّاهريَّة، من قال هذا القول قبل الشَّافعيِّ؟
قالوا: والله سبحانه أوجب الكفَّارة بالعود بحرف «ثمَّ» الدَّالَّة على التَّراخي عن الظِّهار، فلا بدَّ أن يكون بين العود وبين الظِّهار مدَّةٌ متراخيةٌ، وهذا ممتنعٌ عندكم، وبمجرَّد انقضاء قوله: «أنتِ عليَّ كظهر أمِّي» صار عائدًا ما لم يصله بقوله: أنتِ طالقٌ، فأين التَّراخي والمهلة بين العود والظِّهار؟ والشَّافعيُّ ﵀ لم ينقل هذا عن أحدٍ من الصَّحابة والتَّابعين، وإنَّما أخبر أنَّه أولى المعاني بالآية فقال (٢): والذي عقلتُ ممَّا سمعتُ في ﴿يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾
стр. 3333
أنَّه إذا أتت على المظاهر مدَّةٌ بعد القول بالظِّهار لم يُحرِّمها بالطَّلاق الذي يُحَرَّم (١) به، وجبت عليه الكفَّارة، كأنَّهم يذهبون إلى أنَّه إذا أمسك ما حرَّم على نفسه عاد لما قال، فخالفَه فأحلَّ ما حرَّم، لا أعلم معنًى أولى به من هذا. انتهى.
فصل
والَّذين جعلوه أمرًا وراء الإمساك اختلفوا فيه (٢)، فقال مالك في إحدى الرِّوايات الأربع عنه وأبو عبيد: هو العزم على الوطء، وهذا قول القاضي أبي يعلى وأصحابه، وأنكره الإمام أحمد وقال (٣): مالك يقول: إذا أجمع لزمته الكفَّارة. فكيف يكون هذا؟ لو طلَّقها بعد ما يُجمِع لكانَ (٤) عليه كفَّارةٌ، إلا أن يكون يذهب إلى قول طاوسٍ: إذا تكلَّم بالظِّهار لزمه مثلُ الطَّلاق.
ثمَّ اختلف أرباب هذا القول فيما لو مات أحدهما، أو طلَّق بعد العزم وقبل الوطء، هل تستقرُّ عليه الكفَّارة؟ فقال مالك وأبو الخطاب: تستقرُّ الكفَّارة. وقال القاضي وعامَّة أصحابه: لا تستقرُّ. وعن مالك روايةٌ ثانيةٌ، أنَّه العزم على الإمساك وحده. ورواية «الموطَّأ» (٥) خلاف هذا كلِّه، أنَّه العزم على الإمساك والوطء معًا. وعنه روايةٌ رابعةٌ، أنَّه الوطء نفسه، وهذا قول أبي
стр. 3334
حنيفة والإمام أحمد.
وقد قال أحمد (١) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، قال: الغشيان، إذا أراد أن يَغْشى كفَّر. وليس هذا باختلاف روايةٍ، بل مذهبه الذي لا يُعرَف عنه غيره أنَّه الوطء، ويلزمه إخراجها قبلَه عند العزم عليه.
واحتجَّ أرباب هذا القول بأنَّ الله سبحانه قال في الكفَّارة: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، فأوجب الكفَّارة بعد العود (٢) وقبلَ التَّماسِّ، وهذا صريحٌ في أنَّ العود غير التَّماسِّ، وأنَّ ما يَحْرُم قبل الكفَّارة لا يجوز كونه متقدِّمًا عليها. قالوا: ولأنَّه قصد بالظِّهار تحريمها، والعزمُ على وطئها عودٌ فيما قصدَه. قالوا: ولأنَّ الظِّهار تحريمٌ، فإذا أراد استباحتها فقد رجع في ذلك التَّحريم، فكان عائدًا.
قال الذين جعلوه الوطء: لا ريبَ أنَّ العود فعلٌ ضِدُّ قوله، كما تقدَّم تقريره، والعائدُ فيما نُهِي عنه وإليه وله: هو فاعلُه لا مريده، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨]، فهذا فِعلُ المنهيِّ عنه نفسه لا إرادته.
ولا يلزم أربابَ هذا القول ما ألزمهم به أصحاب العزم، فإنَّ قولهم: إنَّ العود يتقدَّم التَّكفير، والوطء متأخِّرٌ عنه، فهم يقولون: إنَّ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أي يريدون العود، كما قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، وكقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ونظائره ممَّا يطلق الفعل فيه على إرادته لوقوعه بها.
стр. 3335
قالوا: وهذا أولى من تفسير العَود بنفس اللَّفظ الأوَّل، وبالإمساك نفسًا واحدًا بعد الظِّهار، وبتكرار لفظ الظِّهار، وبالعزم المجرَّد ولو طلَّق بعده، فإنَّ هذه الأقوال كلَّها قد تبيَّن ضعفُها، فأقرب الأقوال إلى دلالة اللَّفظ وقواعد الشَّريعة وأقوال المفسِّرين هو هذا القول. وباللَّه التَّوفيق.
فصل
ومنها: أنَّ من عجز عن الكفَّارة لم تسقط عنه، فإنَّ النبيَّ ﷺ أعان أوس بن الصامت بعَرَقٍ من تمرٍ، وأعانتْه امرأته بمثله حتَّى كفَّر، وأمر سلمة بن صخر أن يأخذ صدقةَ قومه فيُكفِّر بها عن نفسه، ولو سقطت بالعجز لما أمرهما بإخراجها، بل تبقى في ذمَّته دَينًا عليه. وهذا قول الشَّافعيِّ وإحدى الرِّوايتين عن أحمد.
وذهبت طائفةٌ إلى سقوطها بالعجز كما تسقط الواجبات بعجزه عنها وعن إبدالها. وذهبت طائفةٌ إلى أنَّ كفَّارة رمضان لا تبقى في ذمَّته، بل تسقط، وغيرها من الكفَّارات لا تسقط، وهذا الذي صحَّحه أبو البركات ابن تيميَّة (١).
واحتجَّ من أسقطها بأنَّها لو وجبت مع العجز لما صُرِفت إليه، فإنَّ الرَّجل لا يكون مصرِفًا لكفَّارته، كما لا يكون مصرِفًا لزكاته.
وأرباب القول الأوَّل يقولون: إذا عجز عنها وكفَّر الغير عنه، جاز أن يصرفها إليه، كما صرفَ النَّبيُّ ﷺ كفَّارةَ من جامع في رمضان إليه وإلى أهله، وكما أباح لسلمة بن صخر أن يأكل هو وأهله من كفَّارته التي أخرجها عنه
стр. 3336
من صدقة قومه. وهذا مذهب أحمد روايةً واحدةً عنه في كفَّارة من وطئ أهله في رمضان، وعنه في سائر الكفَّارات روايتان. والسُّنَّة تدلُّ على أنَّه إذا أعسرَ (١) بالكفَّارة وكفَّر عنه غيره، جاز صرْفُ كفَّارته إليه وإلى أهله.
فإن قيل: فهل تُجوِّزون (٢) له إذا كان فقيرًا له عيالٌ وعليه زكاةٌ يحتاج إليها أن يصرِفها إلى نفسه وعياله؟
قيل: لا يجوز ذلك، لعدم الإخراج المستحقِّ عليه، ولكن للإمام أو السَّاعي أن يدفع زكاته إليه بعد قبضها منه في أصحِّ الرِّوايتين عن أحمد.
فإن قيل: فهل له أن يُسقِطها عنه؟
قيل: لا، نصَّ عليه، والفرق بينهما واضحٌ.
فإن قيل: فإذا أذن السَّيِّد لعبده في التَّكفير بالعتق فهل له أن يُعتق نفسه؟
قيل: اختلفت الرِّواية فيما إذا أذن له في التَّكفير بالمال (٣)، هل له أن ينتقل عن الصِّيام إليه؟ على روايتين: إحداهما: أنَّه ليس له ذلك، وفرضُه الصِّيام. والثَّانية: له الانتقال إليه، ولا يلزمه، لأنَّ المنع لحقِّ السَّيِّد، وقد أذن فيه.
فإذا قلنا: له ذلك، فهل له العتق؟ اختلفت الرِّواية فيه عن أحمد، فعنه في ذلك روايتان. ووجه المنع أنَّه ليس من أهل الولاء، والعتق يعتمد الولاء، واختار أبو بكرٍ وغيره أنَّ له الإعتاق. فعلى هذا هل له عتق نفسه؟ فيه قولان
стр. 3337
في المذهب، ووجه الجواز إطلاق الإذن، ووجه المنع أنَّ الإذن في الإعتاق ينصرف إلى إعتاق غيره، كما لو أذن له في الصَّدقة انصرف الإذن إلى الصَّدقة على غيره.
فصل
ومنها: أنَّه لا يجوز وطء المظاهر منها قبل التَّكفير، وقد اختلف هاهنا في موضعين، أحدهما: هل له مباشرتها دون الفرج قبل التَّكفير أم لا؟ والثَّاني: أنَّه إذا كانت كفَّارته الإطعام فهل له الوطء قبله أم لا؟ وفي المسألتين قولان للفقهاء، وهما روايتان عن أحمد، وقولان للشَّافعيِّ (١).
ووجه منع الاستمتاع بغير الوطء: ظاهرُ قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾؛ ولأنَّه شبَّهها بمن يَحرُم وطؤها ودواعيه.
ووجه الجواز أنَّ التَّماسَّ كنايةٌ عن الجماع، ولا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه، فإنَّ الحائض يحرم جماعها دون دواعيه، والصَّائم يحرم منه الوطء دون دواعيه، والمَسْبِيَّة يَحرُم وطؤها دون دواعيه، وهذا قول أبي حنيفة.
وأمَّا المسألة الثَّانية ــ وهي وطؤها قبل التَّكفير إذا كان بالإطعام ــ فوجهُ الجواز أنَّ الله سبحانه قيَّد التَّكفير بكونه قبل المسيس في العتق والصِّيام، وأطلقه في الإطعام، ولكلٍّ منهما حكمةٌ، فلو أراد التَّقييد في الطعام لذكره كما ذكره في العتق والصِّيام، وهو سبحانه لم يُقيِّدْ هذا ويُطْلِقْ هذا عبثًا، بل لفائدةٍ مقصودةٍ، ولا فائدةَ إلا تقييدُ ما قيَّده وإطلاق ما أطلقه.
стр. 3338
ووجه المنع: استفادة حكم ما أطلقه ممَّا قيَّده، إمَّا بيانًا على الصَّحيح، وإمَّا قياسًا قد أُلغِي فيه الفارق بين الصُّورتين، وهو سبحانه لا يُفرِّق بين المتماثلين، وقد ذكر ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ مرَّتين، فلو أعاده ثالثًا طالَ (١) به الكلام، ونبَّه بذكره مرَّتين على تكرُّر حكمه في الكفَّارات، ولو ذكره في آخر الكلام مرَّةً واحدةً، لأوهمَ اختصاصَه بالكفَّارة الأخيرة، ولو ذكره في أوَّل مرَّةٍ لأوهم اختصاصَه (٢) بالأول، وإعادته في كلِّ كفَّارةٍ تطويلٌ، فكان أفصح الكلام وأبلغه وأوجزه ما وقع.
وأيضًا فإنَّه نبَّه بالتَّكفير قبلَ المسيس بالصَّوم ــ مع تطاولِ زمنه وشدَّة الحاجة إلى مسيس الزَّوجة ــ على أنَّ اشتراط تقدُّمه في الإطعام الذي لا يطولُ زمنه أولى.
فصل
ومنها: أنَّه سبحانه أمر بالصِّيام قبل المَسِيس، وذلك يعمُّ المسيسَ ليلًا ونهارًا. ولا خلاف بين الأمَّة (٣) في تحريم وطئها في زمن الصَّوم ليلًا (٤)، وإنَّما اختلفوا هل يبطُل التَّتابعُ به؟ وفيه قولان، أحدهما: يبطل، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه. والثَّاني: لا يبطل، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد في روايةٍ أخرى عنه.
стр. 3339
والَّذين أبطلوا التَّتابع معهم ظاهرُ القرآن، فإنَّه سبحانه أمر بشهرين متتابعين قبل المسيس، ولم يوجد، ولأنَّ ذلك يتضمَّن النَّهي عن المسيس قبل إكمال الصِّيام وتحريمه، وهو يوجب عدم الاعتداد بالصَّوم؛ لأنَّه عملٌ ليس عليه أمر رسول الله ﷺ ، فيكون رَدًّا.
وسرُّ المسألة أنَّه سبحانه أوجب أمرين أحدهما: تتابع الشَّهرين، والثَّاني: وقوع صيامهما قبل التَّماسِّ، فلا يكون قد أتى بما أُمِر به إلا بمجموع الأمرين.
فصل
ومنها: أنَّه سبحانه أطلق إطعام المساكين، ولم يُقيِّده بقدرٍ ولا تتابعٍ، وذلك يقتضي أنَّه لو أطعمهم فغدَّاهم أو عشَّاهم من غير تمليك حبٍّ أو تمرٍ جاز، وكان ممتثلًا لأمر اللَّه. وهذا قول الجمهور: مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه، وسواءٌ أطعمهم جملةً أو متفرِّقين.
فصل
ومنها: أنَّه لا بدَّ من استيفاء عدد السِّتِّين، فلو أطعم واحدًا ستِّين يومًا لم يُجْزِئْه إلا عن واحدٍ. هذا قول الجمهور مالك والشَّافعيِّ وأحمد في إحدى الروايات (١) عنه. والثَّانية: أنَّ الواجب طعام ستِّين مسكينًا، ولو لواحد، وهو مذهب أبي حنيفة. والثَّالثة: أنه إن وجد غيره لم يُجزِئْه، وإلَّا أجزأه، وهذه ظاهر مذهبه، وهي أصحُّ الأقوال.
стр. 3340
ومنها: أنَّه لا يُجزِئه دفعُ الكفَّارة إلا إلى المساكين، ويدخل فيهم الفقراء كما يدخل المساكين في لفظ الفقراء عند الإطلاق، وعمَّم أصحابنا وغيرُهم الحكمَ في كلِّ من يأخذ من الزَّكاة لحاجته، وهم أربعةٌ: الفقراء، والمساكين، وابن السَّبيل، والغارم لمصلحته، والمكاتَب. وظاهر القرآن اختصاصها (١) بالمساكين، فلا يتعدَّاهم.
فصل
ومنها: أنَّ الله سبحانه أطلق الرَّقبة هاهنا ولم يُقيِّدها بالإيمان، وقيَّدها في كفَّارة القتل بالإيمان، فاختلف الفقهاء في اشتراط الإيمان في غير كفَّارة القتل على قولين: فشرَطَه الشَّافعيُّ ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه، ولم يشترطه أبو حنيفة ولا أهل الظَّاهر. والَّذين لم يشترطوا الإيمان قالوا: لو كان شرطًا لبيَّنه الله سبحانه، كما بيَّنه في كفَّارة القتل، بل نُطلِق ما أطلقه، ونُقيِّد ما قيَّده، فنعمل بالمطلق والمقيَّد. وزادت الحنفيَّة أنَّ اشتراط الإيمان زيادةٌ على النَّصِّ، وهي نسخٌ، والقرآن لا يُنسَخ إلا بالقرآن أو خبرٍ متواترٍ.
قال الآخرون ــ واللَّفظ للشَّافعيِّ (٢) ــ: شرَطَ الله سبحانه في الرقبة في القتل مؤمنةً، كما شرط العدل في الشَّهادة، وأطلق الشُّهود في مواضع، فاستدللنا على أنَّ ما أُطلق على معنى ما شُرِط، وإنَّما ردَّ الله زكواتِ المسلمين على المسلمين لا على المشركين، وفرض الله الصَّدقاتِ، فلم تجز إلا لمؤمن، وكذلك ما فَرضَ من الرِّقاب لا يجوز إلا لمؤمن.
стр. 3341
فاستدلَّ الشَّافعيُّ بأنَّ لسان العرب يقتضي حمْلَ المطلق على المقيَّد إذا كان من جنسه، فحَملَ عرْفَ الشَّرع على مقتضى لسانهم.
وهاهنا أمران:
أحدهما: أنَّ حمل المطلق على المقيَّد بيانٌ لا قياسٌ.
الثَّاني: أنَّه إنَّما يُحمَل عليه بشرطين، أحدهما: اتِّحاد الحكم، والثَّاني: أن لا يكون للمطلق (١) إلا أصلٌ واحدٌ. فإن كان بين أصلين مختلفين لم يُحمَل إطلاقه على أحدهما إلا بدليلٍ بعينِه (٢).
قال الشَّافعيُّ: ولو نذر رقبةً مطلقةً لم تُجزِئه إلا مؤمنةٌ. وهذا بناءً على هذا الأصل، وأنَّ النَّذر محمولٌ على واجب الشَّرع، وواجب العتق لا يتأدَّى إلا بعتق المسلم. وممَّا يدلُّ على هذا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لمن استفتى في عتق رقبةٍ منذورةٍ: ائْتِني بها، فسألها أينَ اللَّه؟ فقالت: في السَّماء، فقال: «من أنا؟»، فقالت: أنت رسول اللَّه، فقال: «أَعتِقْها فإنَّها مؤمنةٌ» (٣). قال الشَّافعيُّ (٤): فلمَّا وَصَفَت الإيمانَ أمر بعتقها. انتهى.
وهذا ظاهرٌ جدًّا أنَّ العتق المأمور به شرعًا لا يُجزِئ إلا في رقبةٍ مؤمنةٍ، وإلَّا لم يكن للتَّعليل بالإيمان فائدةٌ، فإنَّ الأعمَّ متى كان علَّةً للحكم كان الأخصُّ عديمَ التَّأثير.
стр. 3342
وأيضًا فإنَّ المقصود من إعتاق المسلم تفريغُه لعبادة ربِّه، وتخليصه من عبوديَّة المخلوق إلى عبوديَّة الخالق، ولا ريبَ أنَّ هذا أمرٌ مقصودٌ للشَّارع محبوبٌ له، فلا يجوز إلغاؤه. وكيف يستوي عند الله ورسوله تفريغُ العبد لعبادته وحده، وتفريغُه لعبادة الصَّليب أو الشَّمس والقمر والنَّار؟
وقد بيَّن سبحانه اشتراطَ الإيمان في كفَّارة القتل، وأحال ما سكت عنه على بيانه، كما بيَّن اشتراط العدالة في الشَّاهدين، وأحال ما أطلقه وسكت عنه على ما بيَّنه، وكذلك غالبُ مُطلَقاتِ كلامه سبحانه ومقيّداتها لمن تأمَّلها، وهي أكثر من أن تُذكر. فمنها: قوله فيمن أمر بصدقة أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين النَّاس، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] وفي موضعٍ آخر بل مواضعَ يُعلَّق الأجر بنفس العمل اكتفاءً بالشَّرط المذكور في موضعه. وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤]، وفي مواضعَ يُعلَّق الجزاء بنفس الأعمال الصَّالحة اكتفاءً بما عُلِم من شرط الإيمان، وهذا غالبٌ في نصوص الوعد والوعيد.
فصل
ومنها: أنَّه لو أعتقَ نصفَيْ رقبتينِ لم يكن مُعتِقًا لرقبة، وفي هذا ثلاثة أقوالٍ للنَّاس (١)، وهي رواياتٌ عن أحمد، ثانيها: الإجزاء، وثالثها وهو أصحُّها: أنَّه إن تكمَّلت الحرِّيَّة في الرَّقبتين أجزأه، وإلَّا فلا، فإنَّه يصدُق عليه أنَّه حرَّر رقبةً، أي جعلها حرَّةً، بخلاف ما إذا لم تكمل الحرِّيَّة.
стр. 3343
فصل
ومنها: أنَّ الكفَّارة لا تسقُط بالوطء قبل التَّكفير، ولا تتضاعف، بل هي بحالها كفَّارةٌ واحدةٌ، كما دلَّ عليه حكم رسول الله ﷺ الذي تقدَّم، قال الصَّلْت بن دينار: سألت عشرةً من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل أن يكفِّر، فقالوا: كفَّارةٌ واحدةٌ. قال: وهم الحسن، وابن سيرين، ومسروق (١)، وبكر، وقتادة، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة. قال: والعاشر أراه نافعًا (٢). وهذا قول الأئمَّة الأربعة. وصحَّ عن ابن عمر وعمرو بن العاص (٣) أنَّ عليه كفَّارتين. وذكر سعيد بن منصورٍ (٤)
عن الحسن وإبراهيم في الذي يظاهر ثمَّ
стр. 3344
يطأ قبل أن يكفِّر: عليه ثلاث كفَّاراتٍ.
وذُكِر عن الزُّهريِّ وسعيد بن جبيرٍ وأبي يوسف أنَّ الكفَّارة تسقط (١)، ووجهُ هذا: أنَّه فات وقتها، ولم يبقَ له سبيلٌ إلى إخراجها قبل المسيس. وجواب هذا: أنَّ فوات وقت الأداء لا يُسقِط الواجب في الذِّمَّة، كالصَّلاة والصِّيام وسائر العبادات.
стр. 3345
ووجه وجوب الكفَّارتين: أنَّ إحداهما للظِّهار الذي اقترن به العَود، والثَّانية للوطء المحرَّم، كالوطء في نهار رمضان وكوطء المُحْرِم.
ولا يُعلَم لإيجاب الثَّلاث وجهٌ، إلا أن يكون عقوبةً على إقدامه على الحرام.
وحكم رسول الله ﷺ يدلُّ على خلاف هذه الأقوال الثلاث (١)، والله أعلم.
стр. 3346
حكم رسول الله ﷺ في الإيلاء
ثبت في «صحيح البخاريِّ» (١) عن أنس قال: آلى رسول الله ﷺ من نسائه، وكانت انفكَّتْ رِجله، فأقام في مَشْرُبةٍ (٢) له تسعًا وعشرين ليلةً ثمَّ نزل، فقالوا: يا رسول الله، آليتَ شهرًا، فقال: «إنَّ الشَّهر يكون تسعًا وعشرين». وقد قال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧].
الإيلاء لغةً: الامتناع باليمين، وخُصَّ في عرف الشَّرع بالامتناع باليمين من وطء الزَّوجة، ولهذا عُدِّي فعله بأداة «من» تضمينًا له معنى يمتنعون من نسائهم، وهو أحسن من إقامة «من» مقام «على».
وجعل سبحانه للأزواج مدَّة أربعة أشهرٍ يمتنعون فيها من وطء أزواجهم بالإيلاء، فإذا مضت فإمَّا أن يفيء وإمَّا أن يطلِّق.
وقد اشتهر عن علي وابن عبَّاسٍ أنَّ الإيلاء إنَّما يكون في حال الغضب دون الرِّضى (٣)، كما وقع لرسول الله ﷺ مع نسائه، وظاهرُ القرآن مع
стр. 3347
الجمهور. وقد تناظر في هذه المسألة محمَّد بن سيرين ورجلٌ آخر، فاحتجَّ على محمد بقول علي، فاحتجَّ عليه محمد بالآية، فسكت (١).
وقد دلَّت الآية على أحكامٍ:
منها: هذا.
ومنها: أنَّ من حلف على ترك الوطء أقلَّ من أربعة أشهرٍ لم يكن مُؤليًا، وهذا قول الجمهور، وفيه قولٌ شاذٌّ أنَّه مُؤلٍ.
ومنها: أنَّه لا يثبت له حكم الإيلاء حتَّى يحلف على أكثر من أربعة أشهرٍ، فإن كانت مدَّة الامتناع أربعة أشهرٍ لم يثبت له حكم الإيلاء؛ لأنَّ الله جعل لهم مدَّة أربعة أشهرٍ، وبعد انقضائها إمَّا أن يُطلِّقوا وإمَّا أن يفيئوا. وهذا قول الجمهور، منهم أحمد والشَّافعيُّ ومالك. وجعله أبو حنيفة مؤليًا بأربعة أشهرٍ سواء، وهذا بناءً على أصله أنَّ المدَّة المضروبة أجلٌ لوقوع الطَّلاق بانقضائها، والجمهور يجعلون المدَّة أجلًا لاستحقاق المطالبة.
وهذا موضعٌ اختلف فيه السَّلف من الصَّحابة ﵃ (٢) ومن بعدهم، فقال الشَّافعيُّ (٣): ثنا سفيان عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمان بن يسارٍ، قال:
стр. 3348
أدركتُ بضعةَ عشر رجلًا من الصَّحابة كلُّهم يُوقِف (١) المؤلي. يعني: بعد أربعة أشهرٍ.
وروى سهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه، قال: سألتُ اثني عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ عن المؤلي، فقالوا: ليس عليه شيءٌ حتَّى تمضي أربعة أشهرٍ (٢). وهذا قول الجمهور من الصَّحابة والتَّابعين ومن بعدهم.
وقال عبد الله بن مسعودٍ وزيد بن ثابتٍ: إذا مضت الأربعة (٣) أشهرٍ، ولم يفئ فيها، طلقت منه بمُضِيِّها (٤). وهذا قول جماعةٍ من التَّابعين، وقول أبي حنيفة وأصحابه، فعند هؤلاء يستحقُّ المطالبة قبل مُضِيِّ الأربعة أشهر (٥)، فإن فاء وإلَّا طلقت بمضيِّها. وعند الجمهور لا يستحقُّ المطالبة
стр. 3349
حتَّى تمضي الأربعة أشهر (١)، فحينئذٍ يقال له: إمَّا أن تفيء، وإمَّا أن تطلِّق، وإن لم يفئ أُخِذ بإيقاع الطَّلاق، إمَّا بالحاكم وإمَّا بحبسه حتَّى يطلِّق.
قال الموقعون للطَّلاق بمُضِيِّ المدَّة: آية الإيلاء تدلُّ على ذلك من ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أنَّ عبد الله بن مسعودٍ قرأ: (فإن فاءوا فيهنَّ فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ)، فإضافة الفيئة إلى المدَّة تدلُّ على استحقاق الفيئة فيها. وهذه القراءة إمَّا أن (٢) تُجرى مُجرى خبر الواحد، فتُوجِب العملَ وإن لم تُوجِب كونَها من القرآن، وإمَّا أن تكون قرآنًا نُسِخ لفظه وبقي حكمه، لا يجوز فيها غير هذا البتَّة.
الثَّاني: أنَّ الله سبحانه جعل مدَّة الإيلاء أربعة أشهرٍ، فلو كانت الفيئة بعدها لزادت على مدَّة النَّصِّ، وذلك غير جائزٍ.
الثَّالث: أنَّه لو وطئها في مدَّة الإيلاء لوقعت الفيئةُ موقعَها، فدلَّ على استحقاق الفيئة فيها.
قالوا: ولأنَّ الله سبحانه جعل لهم تربُّصَ أربعة أشهرٍ، ثمَّ قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، وظاهر هذا أنَّ هذا التَّقسيم في المدَّة التي لهم فيها التربُّصُ، كما إذا قال لغريمه: أصبر عليك بديني أربعة أشهرٍ، فإن وفَّيتَني وإلَّا حبستُك، فلا يُفهَم من هذا إلا: إن وفَّيتَني في المدَّة، ولا يُفهم منه: إن وفَّيتَني بعدها، وإلَّا كانت مدَّة الصَّبر أكثر من أربعة أشهرٍ، وقراءة ابن
стр. 3350
مسعودٍ صريحةٌ في تفسير الفيئة بأنَّها في المدَّة، وأقلُّ مراتبها أن تكون تفسيرًا.
قالوا: ولأنَّه أجلٌ مضروبٌ للفرقة، فتعقَّبتْه (١) الفرقة، كالعدَّة وكالأجل الذي ضُرِب لوقوع الطَّلاق، كقوله: إذا مضت أربعة أشهرٍ فأنتِ طالقٌ.
قال الجمهور: لنا من آية الإيلاء عشرة أدلَّةٍ:
أحدها: أنَّه أضاف مدَّة الإيلاء إلى الأزواج، وجعلها لهم، ولم يجعلها عليهم، فوجب أن لا يستحقَّ المطالبة فيها، بل بعدها، كأجل الدَّين، ومن أوجب المطالبة فيها لم يكن عنده (٢) أجلًا لهم، ولا يُعقَل كونها أجلًا لهم، ويستحقُّ عليهم فيها المطالبة.
الدَّليل الثَّاني: قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فذكر الفيئة بعد المدَّة بفاء التَّعقيب، وهذا يقتضي أن يكون بعد المدَّة. ونظيره قوله سبحانه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وهذا بعد الطَّلاق قطعًا.
فإن قيل: فاء التَّعقيب توجب أن يكون بعد الإيلاء لا بعد المدَّة.
قيل: قد تقدَّم في الآية ذكرُ الإيلاء، ثمَّ تلاه ذكرُ المدَّة، ثمَّ يُعقبهما (٣) ذكرُ الفيئة، فإذا أوجبت الفاء التَّعقيبَ بعد ما تقدَّم ذكره، لم يجزْ أن يعود إلى أبعد المذكورين، ووجب عودها (٤) إليهما أو إلى أقربهما.
стр. 3351
الدّليل الثَّالث: قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، وإنَّما العزم ما عزم العازم على فعله، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
فإن قيل: فترك الفيئة عزمٌ على الطَّلاق.
قيل: العزم هو إرادةٌ جازمةٌ لفعل المعزوم عليه أو تركه، وأنتم تُوقِعون الطَّلاق بمجرَّد مضيِّ المدَّة، وإن لم يكن منه عزمٌ لا على وطءٍ ولا على تركه، بل لو عزم على الفيئة ولم يجامع طلَّقتم عليه بمضيِّ المدَّة، ولم يعزم الطَّلاق، فكيفما قدَّرتم فالآية حجَّةٌ عليكم.
الدَّليل الرَّابع: أنَّ الله سبحانه خيَّره في الآية بين أمرين: الفيئة أو الطَّلاق، والتَّخيير بين أمرين لا يكون إلا في حالةٍ واحدةٍ كالكفَّارات، ولو (١) كان في حالتين لكان ترتيبًا لا تخييرًا. وإذا تقرَّر هذا فالفيئة عندكم في نفس المدَّة، وعزم الطَّلاق بانقضاء المدَّة، فلم يقع التَّخيير في حالٍ واحدةٍ.
فإن قيل: هو مخيَّرٌ بين أن يفيء في المدَّة وبين أن يترك الفيئة، فيكون عازمًا للطَّلاق بمضيِّ المدَّة.
قيل: تركُه للفيئة لا يكون عزمًا للطَّلاق، وإنَّما يكون عزمًا عندكم إذا انقضت المدَّة، فلا يتأتَّى التَّخيير بين عزم الطَّلاق وبين الفيئة البتَّةَ، فإنَّ بمضيِّ المدَّة يقع الطَّلاق عندكم، فلا يمكن الفيئة، وفي المدَّة يمكن الفيئة، ولم يحضر وقتُ عزمِ (٢) الطَّلاق الذي هو مضيُّ المدَّة، وحينئذٍ فهذا دليلٌ
стр. 3352
خامسٌ مستقلٌّ.
الدَّليل السَّادس: أنَّ التَّخيير بين أمرين يقتضي أن يكون فعلُهما إليه، ليصحَّ منه اختيار فعلِ كلٍّ منهما وتركه، وإلَّا لبطل حكم خياره، ومضيُّ المدَّة ليس إليه.
الدَّليل السَّابع: أنَّه سبحانه قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فاقتضى أن يكون الطَّلاق قولًا يُسمَع، ليحسُنَ ختم الآية بصفة السَّمع.
الدَّليل الثَّامن: أنَّه لو قال لغريمه: لك أجلُ أربعة أشهرٍ، فإن وفَّيتَني قبلتُ منك، وإن لم تُوفِّني حبستُك= كان مقتضاه أنَّ الوفاء والحبس بعد المدَّة لا فيها، ولا يعقل المخاطب غير هذا.
فإن قيل: ما نحن فيه نظير قوله: لك الخيارُ ثلاثة أيَّامٍ، فإن فسختَ البيع وإلَّا لزمك، ومعلومٌ أنَّ الفسخ إنَّما يقع في الثَّلاث لا بعدها.
قيل: هذا من أقوى حججنا (١) عليكم، فإنَّ موجب العقد اللُّزوم، فجعل له الخيار في مدَّة ثلاثة أيَّامٍ، فإذا انقضت ولم يفسخ عاد العقد إلى حكمه، وهو اللُّزوم. وهكذا الزَّوجة لها حقٌّ على الزَّوج في الوطء، كما له حقٌّ عليها، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فجعل له الشَّارع امتناع أربعة أشهرٍ لا حقَّ لها فيهنَّ، فإذا انقضت المدَّة عادت على حقِّها بموجب العقد، وهو المطالبة لا وقوع الطَّلاق. وحينئذٍ فهذا دليلٌ تاسعٌ مستقلٌّ.
стр. 3353
الدَّليل العاشر: أنَّه سبحانه جعل للمُؤلين شيئًا، وعليهم شيئين، فالَّذي لهم تربُّصُ المدَّة المذكورة، والَّذي عليهم إمَّا الفيئة وإمَّا الطَّلاق، وعندكم ليس عليهم إلا الفيئة فقط، وأمَّا الطَّلاق (١) فليس عليهم، بل ولا إليهم، وإنَّما هو إليه سبحانه عند انقضاء المدَّة، فيُحْكَم بطلاقها عقيبَ انقضاء المدَّة، شاء أو أبى. ومعلومٌ أنَّ هذا ليس إلى المؤلي (٢) ولا عليه، وهو خلاف ظاهر النَّصِّ.
قالوا: ولأنَّها يمينٌ بالله تعالى توجب الكفَّارة، فلم يقع بها الطَّلاق كسائر الأيمان. ولأنَّها مدَّةٌ قدَّرها الشَّرع لم يتقدَّمها الفرقة، فلا يقع بها بينونةٌ كأجل العنِّين. ولأنَّه لفظٌ لا يصحُّ أن يقع به الطَّلاق المعجَّل، فلم يقع به المؤجَّل كالظِّهار. ولأنَّ الإيلاء كان طلاقًا في الجاهليَّة فنُسِخ كالظِّهار، فلا يجوز أن يقع به الطَّلاق؛ لأنَّه استيفاءٌ للحكم المنسوخ، ولِما كان عليه أهل الجاهليَّة.
قال الشَّافعيُّ (٣): كانت الفِرَقُ الجاهليَّة تحلف بثلاثة أشياء: بالطَّلاق والظِّهار والإيلاء، فنقل الله سبحانه الإيلاء والظِّهار عمَّا كانا عليه في الجاهليَّة من إيقاع الفرقة على الزَّوجة إلى ما استقرَّ عليه حكمهما في الشَّرع، وبقي حكم الطَّلاق على ما كان عليه. هذا لفظه.
قالوا: ولأنَّ الطَّلاق إنَّما يقع بالصَّريح أو الكناية، وليس الإيلاء واحدًا منهما، إذ لو كان صريحًا لوقع معجَّلًا إن أطلقه، أو إلى أجلٍ مسمًّى إن قيَّده،
стр. 3354
ولو كان كنايةً لرجع فيه إلى نيَّته. ولا يَرِد على هذا اللِّعانُ، فإنَّه يوجب الفسخ دون الطَّلاق، والفسخ يقع بغير قولٍ، والطَّلاق لا يقع إلا بالقول.
قالوا: وأمَّا قراءة ابن مسعودٍ فغايتها أن تدلَّ على جواز الفيئة في مدَّة التَّربُّص، لا على استحقاق المطالبة بها في المدَّة، وهذا حقٌّ لا ننكره.
وأمَّا قولكم: جواز الفيئة في المدَّة دليلٌ على استحقاقها فيها، فهو باطلٌ بالدَّين المؤجَّل.
وأمَّا قولكم: إنَّه لو كانت الفيئة بعد المدَّة لزادت على أربعة أشهرٍ، فليس بصحيح؛ لأنَّ الأربعة الأشهر (١) مدَّةٌ لزمن الصَّبر الذي لا يستحقُّ فيه المطالبة، فبمجرَّد انقضائها يستحقُّ عليه الحقُّ، فلها أن تعجِّل المطالبة به وإمَّا أن تُنظِره. وهذا كسائر الحقوق المعلَّقة بآجالٍ معدودةٍ، إنَّما تستحقُّ عند انقضاء آجالها، ولا يقال: إنَّ ذلك يستلزم الزِّيادة على الأجل، فكذا أجل الإيلاء سواءٌ.
فصل (٢)
ودلَّت الآية على أنَّ كلَّ من صحَّ منه الإيلاء بأيِّ يمينٍ حلف، فهو مُؤلٍ حتَّى يَبَرَّ، إمَّا أن يفيء وإمَّا أن يطلِّق، فكان في هذا (٣) حجَّةٌ لما ذهب إليه من يقول من السَّلف والخلف: إنَّ المؤلي باليمين بالطَّلاق إمَّا أن يفيء وإمَّا أن يُطلِّق. ومن يُلزِمُه الطَّلاقَ على كلِّ حالٍ لم يمكنه إدخالُ هذه اليمين في حكم
стр. 3355
الإيلاء، فإنَّه إذا قال: إن وطئتكِ إلى سنةٍ فأنتِ طالقٌ ثلاثًا، فإذا مضت أربعة أشهرٍ لا يقولون له: إمَّا أن تطأ وإمَّا أن تطلِّق، بل يقولون له: إن وطئتَها طلقتْ، وإن لم تطأها طلَّقنا عليك، وأكثرهم لا يُمكِّنه من الإيلاج لوقوع النَّزع الذي هو جزء الوطء في أجنبيَّةٍ. ولا جوابَ عن هذا إلا أن يقال بأنَّه غير مُؤلٍ، وحينئذٍ فيقال: فلا تُوقِفوه بعد مُضيِّ مدة الأربعة أشهر، وقولوا: إنَّ له أن يمتنع من وطئها بيمين الطَّلاق دائمًا، فإن ضربتم له الأجلَ أثبتُّم له حكم الإيلاء من غير يمينٍ، وإن جعلتموه مُؤليًا ولم تُخيِّروه (١) خالفتم حكمَ الإيلاء وموجَبَ النَّصِّ. فهذا بعض حجج هؤلاء على منازعيهم.
فإن قيل: فما حكم هذه المسألة، وهي إذا قال: إن وطئتُكِ فأنت طالقٌ ثلاثًا؟
قيل: اختلف الفقهاء فيها، هل يكون مُؤليًا أم لا؟ على قولين: وهما روايتان عن أحمد، وقولان للشَّافعيِّ في الجديد، أنَّه يكون مؤليًا، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.
وعلى القولين فهل يُمكَّن من الإيلاج؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد والشَّافعيِّ:
أحدهما: أنَّه (٢) لا يمكَّن منه، بل يحرم عليه؛ لأنَّها بالإيلاج تَطْلُق عندهم ثلاثًا، فيصير ما بعد الإيلاج محرَّمًا، فيكون الإيلاج محرَّمًا. وهذا كالصَّائم إذا تيقَّن أنَّه لم يبقَ إلى طلوع الفجر إلا قدْرُ إيلاجِ الذكر دون
стр. 3356
إخراجه، حرُمَ عليه الإيلاج وإن كان في زمن الإباحة؛ لوجود الإخراج في زمن الحظر. كذلك هاهنا يحرم عليه الإيلاج وإن كان قبل الطَّلاق؛ لوجود الإخراج بعده.
والثَّاني: أنَّه لا يحرم عليه الإيلاج، قال الماوردي (١): وهو قول سائر أصحابنا؛ لأنَّها زوجته، ولا يحرم عليه الإخراج لأنَّه تَرْكٌ، وإن طلقت بالإيلاج، ويكون المحرَّم بهذا الوطء استدامة الإيلاج، لا الابتداء والنَّزع. وهذا ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ، فإنَّه قال (٢): لو طلع الفجر على الصَّائم وهو مجامعٌ، وأخرجه مكانه، كان على صومه. فإن مكث لغيرِ إخراجه أفطر ويكفِّر. وقال في كتاب الإيلاء (٣): ولو قال إن وطئتكِ فأنت طالقٌ ثلاثًا وُقِف، فإن فاء فإذا غيَّب الحشفة طلقت منه ثلاثًا، فإن أخرجه ثمَّ أدخله فعليه مهرُ مثلِها.
قال هؤلاء: ويدلُّ على الجواز أنَّ رجلًا لو قال لرجلٍ: ادخلْ داري ولا تُقِمْ، استباح الدُّخول لوجوده عن إذنٍ، ووجب عليه الخروج لمنعه من المقام، ويكون الخروج وإن كان في زمن الحظر مباحًا؛ لأنَّه تَرْكٌ، كذلك هذا المُؤلي يستبيح أن يولج، ويستبيح أن ينزع، ويَحرُم عليه استدامة الإيلاج. والخلاف في الإيلاج قبل الفجر والنَّزْع بعده للصَّائم كالخلاف في المُؤلي، وقيل: يَحرُم على الصَّائم الإيلاج قبلَ الفجر، ولا يَحرُم على المؤلي، والفرق أنَّ التَّحريم قد يطرأ على الصَّائم بغير الإيلاج، فجاز أن يحرم عليه
стр. 3357
الإيلاج، والمؤلي لا يطرأ عليه التَّحريم بغير الإيلاج، فافترقا.
وقالت طائفةٌ ثالثةٌ: لا يحرم عليه الوطء، ولا تطلق عليه الزَّوجة، بل يُوقَف ويُقال له ما أمر اللَّه: إمَّا أن تفيء وإمَّا أن تُطلِّق. قالوا: وكيف يكون مُؤليًا ولا يُمكَّن من الفيئة، بل يُلزَم بالطَّلاق؟ وإن مُكِّن منها وقع به الطَّلاق، فالطَّلاق واقعٌ به على التَّقديرين مع كونه مؤليًا! فهذا خلاف ظاهر القرآن. بل يقال لهذا: إن فاء لم يقع (١) به الطَّلاق، وإن لم يفئ أُلزِم بالطَّلاق. وهذا مذهب من يرى اليمين بالطَّلاق لا تُوجب طلاقًا (٢)، وهو قول أهل الظَّاهر (٣) وطاوس وعكرمة وجماعةٍ من أهل الحديث، واختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وبالله التوفيق.
стр. 3358
حكم رسول الله ﷺ في اللعان
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ﴾ [النور: ٦ - ٩].
وثبت في «الصَّحيحين» (١) من حديث سهل بن سعدٍ: أنَّ عُويمرًا العجلاني قال لعاصم بن عدي: أرأيتَ لو أنَّ رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فسَلْ لي رسول الله ﷺ ، فسأل رسولَ الله ﷺ فكره رسول الله ﷺ المسائلَ وعابَها، حتَّى كبُرَ على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ . ثمَّ إنَّ عُويمرًا سأل رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فقال: «قد نزلَ فيك وفي صاحبتِك قرآن؛ فاذهبْ فأْتِ بها»، فتلاعنا عند رسول الله ﷺ ، فلمَّا فرغا قال: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتُها. فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . قال الزُّهريُّ: فكانت تلك سنَّةَ المتلاعنينِ.
قال سهل (٢): وكانت حاملًا، فكان ابنها [يُدعَى] (٣) إلى أمِّه، ثمَّ جرت السُّنَّة أن يرِثَها وترِثَ منه ما فرض الله لها.
وفي لفظٍ (٤): فتلاعنا في المسجد، ففارقها عند النَّبيِّ ﷺ ، فقال النَّبيُّ
стр. 3359
- ﷺ : «ذاكم التَّفريقُ بين كلِّ متلاعنينِ».
وقول سهل: وكانت حاملًا إلى آخره، هو عند البخاريِّ من قول الزُّهريِّ (١).
وللبخاريِّ (٢): ثمَّ قال رسول الله ﷺ : «انظروا، فإن جاءت به أسحَم أدعجَ العينين عظيمَ الأَلْيتين خَدَلَّج السَّاقين (٣)، فلا أحسبُ عويمرًا إلا قد صدقَ عليها، وإن جاءت به أُحيمِرَ كأنَّه وَحَرَةٌ (٤)، فلا أحسبُ عويمرًا إلا قد كذبَ عليها». فجاءت به على النَّعت الذي نعتَ (٥) رسولُ الله ﷺ من تصديق عويمر.
وفي لفظٍ (٦): «وكانت حاملًا فأنكرَ حمْلَها».
وفي «صحيح مسلم» (٧) من حديث ابن عمر أنَّ فلان بن فلانٍ قال: يا رسول اللَّه، أرأيتَ لو وجدَ أحدنا امرأته على فاحشةٍ كيف يصنع؟ إن تكلَّم تكلَّم بأمر عظيمٍ، وإن سكت سكت على مثل ذلك (٨)؟ فسكت النَّبيُّ ﷺ
стр. 3360
فلم يُجِبه. فلمَّا كان بعد ذلك أتاه فقال: إنَّ الذي سألتُك عنه قد ابتُلِيتُ به، فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النُّور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [٦ - ٩]، فتلاهنَّ عليه ووعظَه وذكَّره، وأخبره أنَّ عذاب الدُّنيا أهونُ من عذاب الآخرة، قال: لا والَّذي بعثك بالحقِّ ما كذبتُ عليها. ثمَّ دعاها فوعظها وذكَّرها وأخبرها أنَّ عذاب الدُّنيا أهونُ من عذاب الآخرة، قالت: لا والَّذي بعثك بالحقِّ إنَّه لكاذبٌ. فبدأ بالرَّجل، فشهد أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصَّادقين، والخامسة أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثمَّ ثنَّى بالمرأة، فشهدتْ أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الكاذبين، والخامسة أنَّ غضبَ الله عليها إن كان من الصَّادقين. ثمَّ فرَّق بينهما.
وفي «الصَّحيحين» (١) عنه: قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: «حسابُكما على الله، أحدكما كاذبٌ، لا سبيلَ لك عليها». قال: يا رسول الله، مالي؟ قال: «لا مالَ لك، إن كنتَ صدقتَ عليها فهو بما استحللتَ من فرجها، وإن كنت كذبتَ عليها فهو أبعدُ لك منها».
وفي لفظٍ لهما (٢): فرَّق رسول الله ﷺ بين المتلاعنين وقال: «والله [يعلم] (٣) أنَّ أحدكما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟».
وفيهما (٤) عنه: أنَّ رجلًا لاعنَ على عهد رسول الله ﷺ ، ففرَّق رسول الله ﷺ بينهما، وألحقَ الولدَ بأمِّه.
стр. 3361
وفي «صحيح مسلم» (١) من حديث ابن مسعودٍ في قصَّة المتلاعنين: فشهد الرَّجل أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصَّادقين، ثمَّ لعن الخامسة أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبتْ لِتلْتَعِن (٢)، فقال لها النبي ﷺ : «مَهْ»، فأبتْ فلعنتْ. فلمَّا أدبر (٣) قال: «لعلَّها أن تجيءَ به أسودَ جَعْدًا». فجاءت به أسودَ جَعْدًا.
وفي «صحيح مسلم» (٤) من حديث أنس بن مالكٍ: أنَّ هلال بن أمية قذفَ امرأته بشَرِيك ابن سَحْماء، وكان أخا البراء بن مالكٍ لأمِّه، فكان أوَّلَ رجلٍ لاعنَ في الإسلام، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أبصِرُوها، فإن جاءت به أبيضَ سَبِطًا (٥) قَضِيءَ العينين (٦) فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقين (٧) فهو لشَرِيك ابن سَحْماء». قال: فأُنبِئتُ أنَّها جاءت به أكحلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقين.
وفي «الصَّحيحين» (٨) من حديث ابن عبَّاسٍ نحو هذه القصَّة، فقال له رجلٌ: أهي المرأة التي قال رسول الله ﷺ : «لو رجمتُ أحدًا بغير بيِّنةٍ
стр. 3362
لرجمتُ هذه؟»، فقال ابن عبَّاسٍ: لا، تلك امرأةٌ كانت تُظهِر في الإسلام السُّوءَ.
ولأبي داود (١) في هذا الحديث (٢): ففرَّق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى أن لا يُدعى ولدُها لأبٍ، ولا تُرمى ولا يُرمى ولدُها، ومن رماها ورمى ولدَها فعليه الحدُّ، وقضى أن لا بيتَ لها عليه ولا قُوتَ، من أجل أنَّهما يتفرَّقان من غير طلاقٍ، ولا متوفًّى عنها. وفي القصَّة: قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وما يُدعى لأبٍ.
وذكر البخاريُّ (٣) أنَّ هلال بن أمية قذفَ امرأته عند النبي ﷺ بشَرِيك ابن سَحْماء، فقال النَّبيُّ ﷺ : «البيِّنة أو حدٌّ في ظهرك»، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البيِّنة؟ فجعل رسول الله ﷺ يقول: «البيِّنة وإلَّا حدٌّ في ظهرك»، فقال الرجل: والَّذي بعثك بالحقِّ إنِّي لصادقٌ، وليُنزِلنَّ الله ما يُبرِّئ ظهري من الحدِّ. فنزل جبريل، وأَنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ... ﴾ الآيات، فانصرف النَّبيُّ ﷺ [فأرسلَ] (٤) إليها، فجاء هلال فشهد، والنَّبيُّ ﷺ يقول: «إنَّ الله يعلم أنَّ أحدكما كاذبٌ، فهل
стр. 3363
منكما تائبٌ؟»، [ثم قامت] (١) فشهدت، فلمَّا كانت عند الخامسة وقَّفوها وقالوا: إنَّها مُوجِبةٌ. قال ابن عبَّاسٍ: فتلكَّأتْ ونَكصَتْ حتَّى ظننَّا أنَّها ترجع، ثمَّ قالت: لا أفضَحُ قومي سائرَ اليوم، فمضَتْ. فقال النَّبيُّ ﷺ : «أبصِرُوها، فإن جاءت به أكحلَ العينين سابغَ الأَلْيتينِ خَدَلَّجَ السَّاقين فهو لشَرِيك ابن سَحْماء»، فجاءت به كذلك، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لولا ما مضى من كتاب الله كان لي ولها شأنٌ».
وفي «الصَّحيحين» (٢) أنَّ سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، أرأيتَ الرَّجل يجد مع امرأته رجلًا أيقتله؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، فقال سعد: بلى والَّذي أكرمَكَ (٣) بالحقِّ، فقال رسول الله ﷺ : «اسمعُوا إلى ما يقول سيِّدكم».
وفي لفظٍ آخر (٤): يا رسولَ اللَّه، إن وجدتُ مع امرأتي رجلًا أُمهِلُه حتَّى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ : «نعم».
وفي لفظٍ آخر (٥): لو وجدتُ مع أهلي رجلًا لم أَهِجْهُ حتَّى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ : «نعم»، قال: كلَّا والَّذي بعثك بالحقِّ (٦)، إن كنتُ لأعاجلُه بالسَّيف قبل ذلك، قال رسول الله ﷺ : «اسمعُوا إلى ما يقول
стр. 3364
سيِّدكم، إنَّه لغيورٌ، وأنا أغيرُ منه، والله أغيرُ منِّي».
وفي لفظٍ (١): لو رأيتُ مع امرأتي رجلًا لضربته بالسَّيف غير مُصْفَحٍ (٢)، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أتعجبون من غيرة سعدٍ؟ فواللَّه لأنا أغيرُ منه، والله أغيرُ منِّي، من أجْلِ ذلك حرَّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن. ولا شخصَ أغيرُ من اللَّه، ولا شخصَ أحبُّ إليه العذرُ من اللَّه، من أجلِ ذلك بعث الله المرسلين مبشِّرين ومنذرين، ولا شخصَ أحبُّ إليه المِدْحةُ من اللَّه، من أجل ذلك وعدَ الله الجنَّة».
فصل
فاستُفيد من هذا الحكم النَّبويِّ عدة أحكامٍ:
الحكم الأوَّل: أنَّ اللِّعان يصحُّ من كلِّ زوجين، سواءٌ كانا مسلمين أو كافرين، عدلينِ أو فاسقين، محدودينِ في قذفٍ أو غير محدودين أو أحدهما. كذلك قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن منصورٍ (٣): جميع الأزواج يلتعنون؛ الحرُّ من الحرَّة والأمة إذا كانت زوجةً، والعبد من الحرَّة والأمة إذا كانت زوجةً، والمسلم من اليهوديَّة والنَّصرانيَّة. وهذا قول مالك وإسحاق، وقول سعيد بن المسيِّب والحسن وربيعة وسليمان بن يسارٍ (٤).
стр. 3365
وذهب أهل الرَّأي والأوزاعيُّ والثَّوريُّ وجماعةٌ إلى أنَّ اللِّعان لا يكون إلا بين زوجين مسلمين عدلين حرَّين غير محدودين في قذفٍ، وهو روايةٌ عن أحمد.
ومأخذ القولين أنَّ اللِّعان يجمع وصفين: اليمين والشَّهادة، وقد سمَّاه الله سبحانه شهادةً، وسمَّاه رسول الله ﷺ يمينًا حيث يقول: «لولا الأيمانُ لكان لي ولها شأنٌ» (١)، فمن غلَّب عليه حكمَ الأيمان قال: يصحُّ من كلِّ من تَصِحُّ يمينه.
قالوا: ولعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦].
قالوا: وقد سمَّاه رسول الله ﷺ يمينًا.
قالوا: ولأنَّه مفتقرٌ إلى اسم الله، وإلى ذكر القسم المؤكَّد وجوابه.
قالوا: ولأنَّه يستوي فيه الذَّكر والأنثى بخلاف الشَّهادة.
قالوا: ولو كان شهادةً لما تكرَّر لفظه، بخلاف اليمين فإنها قد يُشْرَع فيها التَّكرار، كأيمان القسامة.
قالوا: ولأنَّ حاجة الزَّوج التي لا تصحُّ منه الشَّهادة إلى اللِّعان ونفْيِ الولد، كحاجة من تصحُّ شهادته سواءٌ، والأمر الذي ينزل به (٢) ممَّا يدعو إلى اللِّعان كالَّذي ينزل بالعدل الحرِّ، والشَّريعة لا ترفع ضررَ أحد النَّوعين