← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

عن قَبِيصة بن ذُؤيبٍ، قال: سألت زيد بن ثابتٍ وابن عمر عمَّن قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرامٌ، فقالا جميعًا: كفَّارة يمينٍ (١). وقال عبد الرزاق (٢): عن ابن عُيينة، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد، عن ابن مسعودٍ قال في التَّحريم: هي يمينٌ يكفِّرها. قال ابن حزمٍ (٣): ورُوي ذلك عن أبي بكرٍ الصِّديق (٤) وعائشة أمِّ المؤمنين (٥). وقال الحجَّاج بن منهالٍ: ثنا جرير بن حازمٍ قال: سألتُ نافعًا مولى ابن عمر عن الحرام أطلاقٌ هو؟ قال: لا، أَوَليس قد حرَّم رسول الله ﷺ جاريتَه، فأمره الله أن يُكفِّر عن يمينه، ولم يُحرِّمها عليه (٦).

стр. 3292

وقال عبد الرزاق (١): عن معمر، عن يحيى بن أبي كثيرٍ وأيُّوب السَّختيانيِّ، كلاهما عن عكرمة، أنَّ عمر بن الخطَّاب قال: هي يمينٌ، يعني التَّحريم. وقال إسماعيل بن إسحاق: ثنا المقدَّمي، ثنا حمَّاد بن زيدٍ، عن صخر (٢) بن جُويرية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الحرام يمينٌ (٣). وفي «صحيح البخاريِّ» (٤): عن سعيد بن جبيرٍ أنَّه سمع ابن عبَّاسٍ يقول: إذا حرَّم امرأتَه ليس بشيءٍ، لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ. فقيل: هذا روايةٌ أخرى عن ابن عبَّاسٍ. وقيل: إنَّما أراد أنَّه ليس بطلاقٍ وفيه كفَّارة اليمين، ولهذا احتجَّ برسول الله ﷺ . وهذا الثَّاني أظهر. وهذه المسألة فيها عشرون مذهبًا للنَّاس، ونحن نذكرها، ونذكر وجوهها ومآخذَها، والرَّاجحَ منها (٥)، بعون الله وتوفيقه.

стр. 3293

أحدها: أنَّ التَّحريم لغوٌ لا شيء فيه، لا في الزَّوجة ولا في (١) غيرها، لا طلاق ولا إيلاء ولا ظهار ولا يمين. روى وكيعٌ عن إسماعيل بن أبي خالدٍ عن الشَّعبيِّ عن مسروق: ما أبالي حرَّمتُ امرأتي أو قَصْعةً من ثَرِيدٍ (٢). وذكر عبد الرزاق (٣) عن الثَّوريِّ، عن صالح بن مسلم، عن الشَّعبيِّ، أنَّه قال في تحريم المرأة: لهي أهونُ عليَّ من نعلي. وذكر (٤) عن ابن جريجٍ، أخبرني عبد الكريم، عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، أنَّه قال: ما أبالي حرَّمتُها ــ يعني امرأته ــ أو حرَّمتُ ماء النَّهر. وقال قتادة: سأل رجلٌ حُميد بن عبد الرَّحمن الحميريَّ عن ذلك، فقال: قال الله : ﴿(٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، وأنت رجلٌ تلعب، فاذهبْ فالعبْ (٥). وهذا قول أهل الظَّاهر كلِّهم. المذهب الثَّاني: أنَّ التَّحريم في الزَّوجة طلاقٌ ثلاثٌ. قال ابن حزمٍ (٦): قاله عليُّ بن أبي طالبٍ وزيد بن ثابتٍ وابن عمر، وهو قول الحسن

стр. 3294

ومحمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، ورُوِي عن الحكم بن عُتَيبة (١). قلت: الثابت عن زيد بن ثابتٍ وابن عمر ما رواه هو (٢) من طريق اللَّيث بن سعدٍ عن يزيد بن أبي حبيبٍ عن أبي هريرة (٣) عن قَبِيصة، أنَّه سأل زيد بن ثابتٍ وابن عمر عمَّن قال لامرأته: أنت عليَّ حرامٌ، فقالا جميعًا: كفَّارة يمينٍ. ولم يصحَّ عنهما خلاف ذلك. وأمَّا عليٌّ، فقد روى أبو محمد ابن حزم (٤) من طريق يحيى القطَّان، ثنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشَّعبيِّ قال: يقول رجالٌ في الحرام هي حرامٌ حتَّى تنكح زوجًا غيره، ولا والله، ما قال ذلك علي، إنَّما قال علي: ما أنا بِمُحِلِّها ولا بمُحرِّمِها عليك، إن شئتَ فتقدَّمْ، وإن شئتَ فتأخَّرْ. وأمَّا الحسن، فقد روى أبو محمد (٥) من طريق قتادة عنه أنَّه قال: كلُّ

стр. 3295

حلالٍ عليَّ حرامٌ فهي يمينٌ. ولعلَّ أبا محمد غلِطَ على علي وزيد وابن عمر، من مسألة الخليَّة والبريَّة والبتَّة، فإنَّ أحمد حكى عنهم أنَّها ثلاثٌ، وقال (١): هو عن علي وابن عمر صحيحٌ. فوهم أبو محمد وحكاه في «أنت عليَّ حرامٌ»، وهو وهمٌ ظاهرٌ، فإنَّهم فرَّقوا بين التَّحريم فأفتوا فيه بأنَّه يمينٌ، وبين الخليَّة فأفتوا فيها بالثَّلاث، ولا أعلم أحدًا قال إنَّه ثلاثٌ بكلِّ حالٍ. المذهب الثَّالث: أنَّه ثلاثٌ في حقِّ المدخول بها لا يُقبل منه غيرُ ذلك، وإن كانت غيرَ مدخولٍ بها وقع ما نواه من واحدةٍ واثنتين وثلاثٍ، فإن أطلق فواحدةٌ. فإن قال: لم أُرِدْ طلاقًا، فإن كان قد تقدَّم كلامٌ يجوز صرفُه إليه قُبِل منه، وإن كان ابتداءً لم يُقبَل، وإن حرَّم أَمتَه أو طعامَه أو متاعَه فليس بشيءٍ. وهذا مذهب مالك. المذهب الرَّابع: أنَّه إن نوى الطَّلاق كان طلاقًا، ثمَّ إن نوى به الثَّلاث فثلاثٌ، وإن نوى دونها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن نوى يمينًا فهو يمينٌ فيها كفَّارةٌ، وإن لم ينوِ شيئًا فهو إيلاءٌ فيه حكم الإيلاء. فإن نوى الكذب صُدِّق في الفتيا، ولم يكن شيئًا، ويكون في القضاء إيلاءً، وإن صادف غيرَ الزَّوجة كالأَمة والطَّعام وغيره فهو يمينٌ، فيه كفَّارتها. وهذا مذهب أبي حنيفة. المذهب الخامس: أنَّه إن نوى به الطَّلاق كان طلاقًا، ويقع ما نواه، فإن أطلق وقعتْ واحدة، وإن نوى الظِّهار كان ظهارًا، وإن نوى اليمين كان يمينًا، وإن نوى تحريمَ عينها من غير طلاقٍ ولا ظهارٍ فعليه كفَّارة يمينٍ، وإن لم ينو

стр. 3296

شيئًا ففيه قولان، أحدهما: لا يلزمه شيءٌ، والثَّاني: يلزمه كفَّارة يمينٍ. وإن صادف جاريةً فنوى عِتقَها وقع العتق، وإن نوى تحريمَها لزِمَه بنفس اللَّفظ كفَّارة يمينٍ، وإن نوى الظِّهارَ منها لم يصحَّ، ولم يلزمه شيءٌ، وقيل: يلزمه كفَّارة يمينٍ، وإن لم ينْوِ شيئًا ففيه قولان، أحدهما: لا يلزمه شيءٌ. والثَّاني: عليه كفَّارة يمينٍ. وإن صادف غيرَ الزَّوجة والأَمةِ لم يَحْرُم، ولم يلزمه به شيءٌ. وهذا مذهب الشَّافعيِّ. المذهب السَّادس: أنَّه ظهارٌ بإطلاقه، نواه أو لم ينْوِه، إلا أن يصرفه بالنِّيَّة إلى الطَّلاق أو اليمين، فينصرف إلى ما نواه، هذا ظاهر مذهب أحمد. وعنه روايةٌ ثانيةٌ أنَّه بإطلاقه يمينٌ إلا أن يصرفه بالنِّيَّة إلى الظِّهار أو الطَّلاق، فينصرف إلى ما نواه. وعنه روايةٌ أخرى ثالثةٌ أنَّه ظهارٌ بكلِّ حالٍ ولو نوى غيره. وفيه روايةٌ رابعةٌ حكاها أبو الحسين (١) في «فروعه» أنَّه طلاقٌ بائنٌ. ولو وصله بقوله: «أعني به الطَّلاق» فعنه فيه روايتان، إحداهما: أنَّه طلاقٌ، فعلى هذا هل تلزمه الثَّلاث أو واحدةٌ؟ على روايتين. والثَّانية: أنَّه ظهارٌ أيضًا، كما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، أعني به الطَّلاق. هذا تلخيص مذهبه (٢). المذهب السَّابع: أنَّه إن نوى ثلاثًا فهي ثلاثٌ، وإن نوى واحدةً فواحدةٌ بائنةٌ، وإن نوى يمينًا فهي يمينٌ، وإن لم ينو شيئًا فهي كذبةٌ لا شيء فيها. وهذا

стр. 3297

مذهب سفيان الثَّوريِّ، حكاه أبو محمد (١). المذهب الثَّامن: أنَّه طلقةٌ واحدةٌ بائنةٌ بكلِّ حالٍ، وهذا مذهب حمَّاد بن أبي سليمان. المذهب التَّاسع: أنَّه إن نوى ثلاثًا فثلاثٌ، وإن نوى واحدةً أو لم ينْوِ شيئًا فواحدةٌ بائنةٌ. وهذا مذهب إبراهيم، حكاه أبو محمد ابن حزم (٢). المذهب العاشر: أنَّه طلقةٌ رجعيَّةٌ، حكاه ابن الصبَّاغ وصاحبه أبو بكرٍ الشَّاشيُّ، عن الزُّهريِّ عن عمر بن الخطَّاب. المذهب الحادي عشر: أنَّها حرمت عليه بذلك فقط، ولم يذكر هؤلاء طلاقًا ولا ظهارًا ولا يمينًا، بل ألزموه موجَب تحريمه. قال ابن حزمٍ (٣): صحَّ هذا عن عليِّ بن أبي طالبٍ، ورجالٍ من الصَّحابة لم يسمَّوا، وعن أبي هريرة (٤). وصحَّ عن الحسن وخِلاس بن عمرٍو وجابر بن زيدٍ وقتادة أنَّهم أمروه باجتنابها فقط. المذهب الثَّاني عشر: التَّوقُّف في ذلك، ولا يُحرِّمها المفتي على الزَّوج ولا يُحِلُّها له، كما رواه الشَّعبيُّ عن علي أنَّه قال: ما أنا بمُحِلِّها ولا مُحرِّمها

стр. 3298

عليك، إن شئتَ فتقدَّمْ، وإن شئتَ فتأخَّرْ (١). المذهب الثَّالث عشر: الفرق بين أن يُوقِع التَّحريم منجَّزًا أو معلَّقًا تعليقًا مقصودًا، وبين أن يُخرِجه مُخرَجَ اليمين، فالأوَّل ظهارٌ بكلِّ حالٍ، ولو نوى به الطَّلاق، ولو وصله بقوله: أعني به الطَّلاق. والثَّاني: يمينٌ يلزمه به كفَّارة يمينٍ. فإذا قال: أنتِ عليَّ حرامٌ، أو إذا دخل رمضان فأنتِ عليَّ حرامٌ= فظهارٌ، وإذا قال: إن سافرتُ، أو إن أكلتُ هذا الطَّعام، أو كلَّمتُ فلانًا، فامرأتي عليَّ حرامٌ= فيمينٌ مكفَّرةٌ. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢). فهذه أصول المذاهب في هذه المسألة، وتتفرَّع إلى أكثر من عشرين مذهبًا. فصل فأمَّا من قال: التَّحريم كلُّه لغوٌ لا شيء فيه، فاحتجُّوا بأنَّ الله سبحانه لم يجعل للعبد تحريمًا ولا تحليلًا، وإنَّما جعل له تَعاطِيَ الأسباب التي تَحِلُّ بها العين وتَحْرُم، كالطَّلاق والنِّكاح والبيع والعتق، وأمَّا مجرَّد قوله: حرَّمتُ كذا، وهو عليَّ حرامٌ، فليس إليه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]. فإذا كان سبحانه لم يجعل لرسوله أن يحرِّم ما أحلَّ الله له، فكيف يجعل لغيره التَّحريم؟

стр. 3299

ثمَّ قالوا: وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (١)، وهذا التَّحريم كذلك، فيكون ردًّا باطلًا. قالوا: ولأنَّه لا فرقَ بين تحريم الحلال وتحليل الحرام، وكما أنَّ هذا الثَّاني لغوٌ لا أثر له، فكذلك الأوَّل. قالوا: ولا فرقَ بين قوله لامرأته: أنتِ عليَّ حرامٌ، وبين قوله لطعامه: هو (٢) حرامٌ. قالوا: وقوله: أنت عليَّ حرامٌ، إمَّا أن يريد به إنشاءَ تحريمها أو الإخبارَ عنها بأنَّها حرامٌ، وإنشاءُ التحريم محالٌ، فإنَّه ليس إليه، إنَّما هو إلى من أحلَّ الحلال وحرَّم الحرام وشرع الأحكام، وإن أراد الإخبار فهو كذبٌ، فهو إمَّا خبرٌ كاذبٌ أو إنشاءٌ باطلٌ، وكلاهما لغوٌ من القول. قالوا: ونظرنا فيما سوى هذا القول، فرأيناها أقوالًا مضطربةً متعارضةً، يردُّ بعضها بعضًا، فلم نُحرِّم الزَّوجة بشيءٍ منها بغير برهانٍ من الله ورسوله، فنكون قد ارتكبنا أمرين: تحريمها على الأوَّل، وإحلالها لغيره، والأصل بقاء النِّكاح حتَّى تُجمِع الأمَّة أو يأتي برهانٌ من الله ورسوله على زواله، فيتعيَّن القول به. فهذا حجَّة هذا الفريق (٣). فصل وأمَّا من قال: إنَّه ثلاثٌ بكلِّ حالٍ، إن ثبت هذا عنه فيُحتَجُّ له بأنَّ

стр. 3300

التَّحريم جُعِل كنايةً في الطَّلاق، وأعلى أنواعه تحريم الثَّلاث، فيُحمَل على أعلى أنواعه احتياطًا للأبضاع. وأيضًا فإنَّا تيقَّنَّا التَّحريم بذلك، وشككنا: هل هو تحريمٌ تُزِيله الكفَّارة كالظِّهار، أو يُزِيله تجديد العقد كالخلع، أو لا يُزِيله إلا زوجٌ وإصابةٌ كتحريم الثَّلاث؟ وهذا متيقَّنٌ، وما (١) دونه مشكوكٌ فيه، فلا يحلُّ بالشَّكِّ. قالوا: ولأنَّ الصَّحابة أفتوا في الخليَّة والبريَّة بأنَّها ثلاثٌ. قال الإمام أحمد (٢): هو عن علي (٣) وابن عمر (٤) صحيحٌ. ومعلومٌ أنَّ غاية الخليَّة والبريَّة أن تصير إلى التَّحريم، فإذا صرَّح بالغاية فهي أولى لأن تكون ثلاثًا. ولأنَّ المُحرِّم لا يسبق إلى وهمه تحريمُ امرأته بدون الثَّلاث، فكأنَّ هذا اللَّفظ صار حقيقةً عرفيَّةً في إيقاع الثَّلاث. وأيضًا فالواحدة لا تُحرِّم إلا بعوضٍ، أو قبل الدُّخول، أو عند تقييدها بكونها بائنةً عند من يراه، فالتَّحريم بها مقيَّدٌ. فإذا أطلق التَّحريم ولم يقيِّد انصرف إلى التَّحريم المُطْلَق، الذي يثبت قبل الدُّخول وبعده، وبعوضٍ وغيره، وهو الثَّلاث.

стр. 3301

فصل وأمَّا من جعله ثلاثًا في حقِّ المدخول بها، واحدةً بائنةً في حقِّ غيرها، فحجَّته: أنَّ المدخول بها لا يُحرِّمها إلا الثَّلاث، وغير المدخول بها تُحرِّمها الواحدة، فالزيادة (١) عليها ليست من لوازم التَّحريم. فأُورِدَ على هؤلاء أنَّ المدخول بها يملك الزَّوجُ إبانتَها بواحدةٍ بائنةٍ، فأجابوا بما لا يُجدِي عليهم شيئًا، وهو أنَّ الإبانة بالواحدة الموصوفة بأنَّها بائنةٌ إبانةٌ مقيَّدةٌ، بخلاف التَّحريم فإنَّ الإبانة به مطلقةٌ، ولا يكون ذلك إلا بالثَّلاث. وهذا القدر لا يُخلِّصهم من هذا الإلزام، فإنَّ إبانة التَّحريم أعظمُ تقييدًا من قوله: أنتِ طالقٌ طلقةً بائنةً، فإنَّ غاية البائنة أن تُحرِّمها، وهذا قد صرَّح بالتَّحريم، فهو أولى بالإبانة من قوله: أنتِ طالقٌ طلقةً بائنةً. فصل وأمَّا من جعلها واحدةً بائنةً في حقِّ المدخول بها وغيرها، فمأخذ هذا القول: أنَّها لا تفيد عددًا بوضعها، وإنَّما تقتضي بينونةً يحصلُ بها التَّحريم، وهو يملك إبانتَها بعد الدُّخول (٢) بواحدةٍ بدون عوضٍ، كما إذا قال: أنتِ طالقٌ طلقةً بائنةً، فإنَّ الرَّجعة حقٌّ له، فإذا أسقطَها سقطتْ. ولأنَّه إذا ملك إبانتَها بعوضٍ يأخذه منها ملكَ الإبانةَ بدونه، فإنَّه مُحسِنٌ بتركه. ولأنَّ العوض مستحقٌّ له لا عليه، فإذا أسقطَه وأبانَها فله ذلك.

стр. 3302

فصل وأمَّا من قال: إنَّها واحدةٌ رجعيَّةٌ، فمأخذه: أنَّ التَّحريم يفيد مطلقَ انقطاع الملك، وهو يَصْدُق بالمتيقَّن منه وهو الواحدة، وما زاد عليها فلا تعرُّضَ في اللَّفظ له، فلا يَسُوغُ إثباته بغير موجبٍ، وإذا أمكن إعمالُ اللَّفظ في الواحدة فقد وفَّى بموجبه، فالزِّيادة عليه لا موجِبَ لها. قالوا: وهذا ظاهرٌ جدًّا على أصل من يجعل الرَّجعيَّة محرَّمةً، وحينئذٍ فنقول: التَّحريم أعمُّ من تحريم رجعيَّةٍ أو تحريم بائنٍ، والدالُّ على الأعمِّ لا يدلُّ على الأخصِّ، وإن شئتَ قلت: الأعمُّ لا يستلزم الأخصَّ، أو ليس الأخصُّ من لوازم الأعمِّ، أو الأعمُّ لا يُنتِج الأخصَّ. فصل وأمَّا من قال: يُسأَل عمَّا أراد من ظهارٍ أو طلاقٍ رجعيٍّ أو محرَّمٍ أو يمينٍ، فيكون ما أراد من ذلك، فمأخذه: أنَّ اللَّفظ لم يوضع لإيقاع الطَّلاق خاصَّةً، بل هو محتملٌ للطَّلاق والظِّهار والإيلاء، فإذا صَرفَه إلى بعضها بالنِّيَّة فقد استعملَه فيما هو صالحٌ له وصَرَفَه إليه بنيَّته، فينصرف إلى ما أراده، ولا يتجاوز به ولا يقصر عنه. وكذلك لو نوى عِتْقَ أَمته بذلك عَتَقتْ، وكذلك لو نوى الإيلاء من الزَّوجة واليمينَ من الأمة لزِمَه ما نواه. قالوا: وأمَّا إذا نوى تحريمَ عينها لزِمَه بنفس اللَّفظ كفَّارةُ يمينٍ، اتِّباعًا لظاهر القرآن وحديثِ ابن عبَّاسٍ الذي رواه مسلم في «صحيحه» (١): إذا حرَّم الرَّجلُ امرأتَه فهي يمينٌ يُكفِّرها، وتلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 3303

وهذا يُشبِه ما قال مجاهد في الظِّهار: إنَّه يلزمه بمجرَّد التَّكلُّم به كفَّارةُ الظِّهار (١)، وهو في الحقيقة قول الشَّافعيِّ، فإنَّه يوجب الكفَّارة إذا لم يُطلِّق عقيبَه على الفور. قالوا: ولأنَّ اللَّفظ يحتمل الإنشاء والإخبار، فإن أراد الإخبار فقد استعمله فيما هو صالحٌ له، فيُقبَل منه. وإن أراد الإنشاء سئل عن السَّبب الذي حرَّمها به، فإن قال: أردتُ ثلاثًا أو واحدةً أو اثنتين قُبِل منه، لصلاحية اللَّفظ له واقترانِه بنيَّته. وإن نوى الظِّهار كان كذلك؛ لأنَّه صرَّح بموجب الظِّهار؛ لأنَّ قوله: «أنت عليَّ كظهر أمِّي» مُوجَبه التَّحريم، فإذا نوى ذلك بلفظ التَّحريم كان ظهارًا، واحتمالُه للطَّلاق بالنِّيَّة لا يزيد على احتماله للظِّهار بها. وإن أراد تحريمها (٢) مُطْلقًا فهو يمينٌ مكفَّرةٌ؛ لأنَّه امتناعٌ منها بالتَّحريم، فهو كامتناعه منها باليمين. فصل وأمَّا من قال: إنَّه ظهارٌ إلا أن ينوي به طلاقًا، فمأخذُ قوله: أنَّ اللَّفظ موضوعٌ للتَّحريم، فهو منكرٌ من القول وزورٌ، فإنَّ العبد ليس إليه التَّحريم والتَّحليل، وإنَّما إليه إنشاءُ الأسباب التي ترتَّب عليها ذلك، فإذا حرَّم ما أحلَّ الله له فقد قال المنكر والزُّور، فيكون كقوله: أنتِ عليَّ (٣) كظهر أمِّي، بل هذا أولى أن يكون ظهارًا، لأنَّه إذا شبَّهها بمن تَحرُم عليه دلَّ على التَّحريم

стр. 3304

باللُّزوم، فإذا صرَّح بتحريمها فقد صرَّح بموجب التَّشبيه في لفظ الظِّهار، فهو أولى أن يكون ظهارًا. قالوا: وإنَّما جعلناه طلاقًا بالنِّيَّة، فصرفناه إليه بها؛ لأنَّه يصلُح كنايةً في الطَّلاق، فيُصْرَف إليه بالنِّيَّة، بخلاف إطلاقه، فإنَّه ينصرف إلى الظِّهار. وإذا نوى به اليمين كان يمينًا، إذ من أصل أرباب هذا القول أنَّ تحريم الطَّعام ونحوِه يمينٌ مكفَّرةٌ، فإذا نوى بتحريم الزَّوجة اليمينَ نوى ما يصلُح له اللَّفظ، فقُبِل منه. وأمَّا من قال: إنَّه ظهارٌ وإن نوى به الطَّلاق أو وصَلَه بقوله: أعني به الطَّلاق، فمأخذ قوله: ما ذكرنا من تقرير كونه ظهارًا، ولا يخرج عن كونه ظهارًا بنيَّة الطَّلاق، كما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، ونوى به الطَّلاق، أو قال: أعني به الطَّلاق، فإنَّه لا يخرج بذلك عن الظِّهار، ويصير طلاقًا عند الأكثرين إلا على قولٍ شاذٍّ لا يُلتفَت إليه؛ لموافقته ما كان الأمر عليه في الجاهليَّة من جَعْلِ الظِّهار طلاقًا، ونَسْخِ الإسلام لذلك وإبطالِه، فإذا نوى به الطَّلاق فقد نوى ما أبطله الله ورسوله ممَّا كان عليه أهلُ الجاهليَّة عند إطلاق لفظ الظِّهار، وقد نوى ما لا يحتمله شرعًا، فلا تُؤثِّر نيَّتُه في تغيير ما استقرَّ عليه حكم الله الذي حكم به بين عباده. ثمَّ جرى أحمد وأصحابه على أصله من التَّسوية بين إيقاع ذلك والحلف به كالطَّلاق والعتاق، وفرَّق شيخ الإسلام بين البابين على أصله في التَّفريق بين الإيقاع والحلف، كما فرَّق الشَّافعيُّ وأحمد ومن وافقهما بين البابين في النَّذر: بين أن يحلف به فيكون يمينًا مكفَّرةً، وبين أن يُنجِّزه أو يُعلِّقه بشرطٍ يقصد وقوعه، فيكون نذرًا لازمَ الوفاءِ، كما سيأتي تقريره في الأيمان إن

стр. 3305

شاء الله. قال: فيلزمُهم على هذا أن يفرِّقوا بين إنشاء التَّحريم وبين الحلف به، فيكون في الحلف به حالفًا يلزمُه كفَّارة يمينٍ، وفي تنجيزه أو تعليقه بشرطٍ مقصودٍ مظاهرًا يلزمه كفَّارةُ الظِّهار. وهذا مقتضى المنقول عن ابن عبَّاسٍ، فإنَّه مرَّةً جعله ظهارًا (١)، ومرَّةً جعله يمينًا (٢). فصل وأمَّا من قال: إنَّه يمينٌ مكفَّرةٌ بكلِّ حالٍ، فمأخذ قوله: أنَّ تحريم الحلال من الطَّعام والشَّراب واللِّباس يمينٌ، تُكفَّر بالنَّصِّ والمعنى وآثار الصَّحابة، فإنَّ الله سبحانه قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]. ولا بدَّ أن يكون تحريم الحلال داخلًا تحت هذا الفرض؛ لأنَّه سببه، وتخصيصُ مَحلِّ السَّبب من جملة العامِّ ممتنعٌ قطعًا، إذ هو المقصود بالبيان أوَّلًا، فلو خُصَّ لَخَلا سببُ الحكم عن البيان، وهو ممتنعٌ. وهذا الاستدلال في غاية القوَّة، فسألتُ عنه شيخ الإسلام قدَّس الله روحه، فقال: نعم، التَّحريم يمينٌ، لكنه يمينٌ (٣) كبرى في الزَّوجة، كفَّارتُها كفَّارة الظِّهار، ويمينٌ صغرى فيما عداها، كفَّارتها كفَّارة اليمين باللَّه. قال:

стр. 3306

وهذا معنى قول ابن عبَّاسٍ وغيره من الصَّحابة ومن بعدهم: إنَّ التَّحريم يمينٌ تُكفَّر. فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة نقلًا، وتقريرها استدلالًا، ولا يخفى ــ على من آثرَ العلمَ والإنصافَ، وجانبَ التَّعصُّبَ ونصرةَ ما ينبني عليه من الأقوال ــ الرَّاجحُ من المرجوح، وباللَّه المستعان. فصل وقد تبيَّن بما ذكرنا أنَّ من حرَّم شيئًا غير الزَّوجة من الطَّعام أو الشَّراب أو اللِّباس أو أَمته لم يحرم عليه بذلك، وعليه كفَّارة يمينٍ، وفي هذا خلافٌ في ثلاثة مواضع. أحدها: أنَّه لا يحرم، وهذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: يحرم تحريمًا مقيَّدًا تُزيله الكفَّارة، كما إذا ظاهرَ من امرأته، فإنَّه لا يحلُّ له وطؤها حتَّى يكفِّر، ولأنَّ الله سبحانه سمَّى الكفَّارة في ذلك تَحِلَّةً، وهي ما يوجب الحلَّ، فدلَّ على ثبوت التَّحريم قبلها، ولأنَّه سبحانه قال لنبيِّه: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ولأنَّه تحريمٌ لما أبيح له، فيحرم بتحريمه كما لو حرَّم زوجته. ومنازعوه يقولون: إنَّما سُمِّيت الكفَّارة تَحِلَّةً من الحَلِّ الذي هو ضدُّ العَقْد، لا من الحِلِّ الذي هو مقابلَ التَّحريم، فهي تَحُلُّ اليمين بعد عقدها. وأمَّا قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، فالمراد تحريم الأَمة أو العسل، ومنْعُ نفسه منه، وذلك يسمَّى تحريمًا، فهو تحريمٌ بالقول لا إثباتٌ للتَّحريم شرعًا.

стр. 3307

وأمَّا قياسه على تحريم الزَّوجة بالظِّهار أو بقوله: أنتِ عليَّ حرامٌ، فلو صحَّ هذا القياس لوجب تقديم التَّكفير على الحنث قياسًا على الظِّهار، إذ كان في معناه، وعندهم لا يجوز التَّكفير إلا بعد الحنث، فعلى قولهم يلزم أحد أمرين ولا بدَّ: إمَّا أن يفعله حرامًا، وقد فرض الله تحلَّة اليمين، فيلزم كونُ المحرَّم مفروضًا أو من ضرورة المفروض؛ لأنَّه لا يصل إلى التَّحلَّة إلا بفعل المحلوف عليه. أو أنَّه لا سبيلَ له إلى فعله حلالًا؛ لأنَّه لا يجوز تقديم الكفَّارة، فيستفيد بها الحلَّ، وإقدامُه عليه وهو حرامٌ ممتنعٌ. هذا ما قيل في المسألة من الجانبين. وبعدُ، فلها غَورٌ، وفيها دقَّةٌ وغموضٌ، فإنَّ من حرَّم شيئًا فهو بمنزلة من حلف بالله على تركه، ولو حلف على تركه لم يجزْ له هتْكُ حرمة المحلوف به بفعله إلا بالتزام الكفَّارة، فإذا التزمها جاز له الإقدام على فعل المحلوف عليه، فلو عزم على ترك الكفَّارة فإنَّ الشَّارع لا يُبِيحُ له الإقدامَ على فعل ما حلف عليه ويأذنُ له فيه، وإنَّما يأذن له فيه ويُبيحه إذا التزم ما فرض له من الكفَّارة، فيكون إذنُه له فيه وإباحتُه بعد امتناعه منه بالحلف أو التَّحريم رخصةً من الله له (١)، ونعمةً منه عليه، بسبب التزامه لحكمه الذي فرض له من الكفَّارة، فإذا لم يلتزمه بقي المنعُ الذي عقدَه على نفسه إصْرًا عليه، فإنَّ الله إنَّما رفع الآصارَ عمَّن اتَّقاه والتزمَ حكْمَه، وقد كانت اليمين في شرْعِ من قبلنا يتحتَّم الوفاء بها، ولا يجوز الحِنثُ، فوسَّع الله على هذه الأمَّة وجوَّز لها الحنثَ بشرط الكفَّارة، فإذا لم يُكفِّر لا قبلُ ولا بعدُ لم يوسَّعْ له في الحنث. فهذا معنى قوله: إنَّه يَحرُم حتَّى يكفِّر.

стр. 3308

وليس هذا من مفردات أبي حنيفة ﵀، بل هو أحد القولين في مذهب أحمد. يُوضِّحه: أنَّ هذا التَّحريم والحلف قد تعلَّق به منْعانِ: منعٌ من نفسه لفعله، ومنعٌ من الشَّارع للحنث بدون الكفَّارة، فلو لم يُحرِّمه تحريمُه أو يمينُه لم يكن لمنعِه نفسَه ولا لمنع الشَّارع له أثرٌ، بل كان غاية الأمر أنَّ الشَّارع أوجب في ذمَّته بهذا المنع صدقةً أو عتقًا أو صومًا لا يتوقَّف عليه حِلُّ المحلوف عليه ولا تحريمُه البتَّةَ، بل هو قبلَ المنع وبعدَه على السَّواء من غير فرقٍ، فلا يكون للكفَّارة أثرٌ البتَّةَ، لا في المنع منه ولا في الإذن، وهذا لا يخفى فساده. وأمَّا إلزامه بالإقدام عليه مع تحريمه حيثُ لا يجوز تقديم الكفَّارة، فجوابه: أنَّه إنَّما يجوز له الإقدام عند عزمه على التَّكفير، فعزمُه على التَّكفير مَنَع من بقاء تحريمه عليه، وإنَّما يكون التَّحريم ثابتًا إذا لم يلتزم الكفَّارة، ومع التزامها لا يستمرُّ التَّحريم. فصل الثَّاني: أن يلزمه كفَّارةٌ بالتَّحريم، وهو بمنزلة اليمين. وهذا قول من سَمَّينا من الصَّحابة وقول فقهاء الرَّأي والحديث، إلا الشَّافعيَّ ومالكًا، فإنَّهما قالا: لا كفَّارة عليه بذلك. والَّذين أوجبوا الكفَّارة أسعدُ بالنَّصِّ من الذين أسقطوها، فإنَّ الله سبحانه ذكر تحلَّة الأيمان عقبَ قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وهذا صريحٌ في أنَّ تحريم الحلال قد فرض فيه تحلَّة الأيمان، إمَّا مختصًّا به وإمَّا شاملًا له ولغيره، فلا يجوز أن يُخلى سبب الكفَّارة المذكورة في السِّياق عن حكم الكفَّارة ويُعَلَّق بغيره، هذا ظاهر الامتناع.

стр. 3309

وأيضًا فإنَّ المنع من فعله بالتَّحريم كالمنع منه باليمين، بل أقوى، فإنَّ اليمين إن تضمَّنتْ (١) هَتْكَ حرمة اسمه سبحانه، فالتَّحريم تضمَّن هتْكَ حرمة شرعه وأمره، فإنَّه إذا شرع الشَّيء حلالًا، فحرَّمه المكلَّف= كان تحريمه هتكًا لحرمة ما شرعه. ونحن نقول: لم يتضمَّن الحنث في اليمين هتْكَ حرمة الاسم، ولا التَّحريمُ هتْكَ حرمة الشَّرع، كما يقوله من يقوله من الفقهاء، وهو تعليلٌ فاسدٌ جدًّا، فإنَّ الحنث إمَّا جائزٌ وإمَّا واجبٌ أو مستحبٌّ، وما جوَّز الله لأحدٍ البتَّةَ أن يَهتِكَ حرمةَ اسمه، وقد شرع لعباده الحنث مع الكفَّارة، وأخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّه إذا حلفَ على يمينٍ، ورأى غيرَها خيرًا منها كفَّر عن يمينه، وأتى المحلوفَ عليه (٢). ومعلومٌ أنَّ هتْكَ حرمة اسمه ﵎ لم يُبَحْ في شريعةٍ قطُّ، وإنَّما الكفَّارة كما سمَّاها الله تعالى تَحِلَّة، وهي تَفْعِلةٌ من الحَلِّ، فهي تَحُلُّ ما عَقَدتْه (٣) اليمينُ ليس إلّا، وهذا العقدُ كما يكون باليمين يكون بالتَّحريم. وظهر سرُّ قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] عقيبَ قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. فصل الفصل الثَّالث: أنَّه لا فرقَ في (٤) التَّحريم في غير الزَّوجة بين الأَمة

стр. 3310

وغيرها عند الجمهور، إلا الشَّافعيَّ وحده، فإنه (١) أوجب في تحريم الأَمة خاصَّةً كفَّارةَ اليمين، إذ التَّحريم له تأثيرٌ في الأبضاع عنده دون غيرها. وأيضًا فإنَّ سبب نزول الآية تحريم الجارية، فلا يَخرجُ محلُّ السَّبب عن الحكم ويتعلَّق بغيره. ومنازعوه يقولون: النَّصُّ علَّق فرْضَ تحلَّة اليمين بتحريم الحلال، وهو أعمُّ من تحريم الأمة وغيرها، فتجب الكفَّارة حيث وُجِد سببها، وقد تقدَّم تقريره. والله أعلم. حكم رسول الله ﷺ في قول الرجل لأمرته: الْحقي بأهلِكِ ثبت في «صحيح البخاريِّ» (٢): أنَّ ابنة الجَوْن لمَّا دخلتْ على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها (٣): «عُذْتِ بعظيمٍ، الْحَقِي بأهلك». وثبت في «الصَّحيحين» (٤): أنَّ كعب بن مالكٍ لمَّا أتاه رسول رسول الله ﷺ يأمره أن يعتزل امرأته قال لها: الْحَقِي بأهلكِ. فاختلف النَّاس في هذا، فقالت طائفةٌ: ليس هذا بطلاقٍ، ولا يقع به الطَّلاق، نواه أو لم ينْوِه، وهذا قول أهل الظَّاهر (٥).

стр. 3311

قالوا: والنَّبيُّ ﷺ لم يكن عَقدَ على ابنةِ الجَوْن، وإنَّما أرسل إليها ليخطبها. قالوا: ويدلُّ على ذلك ما في «صحيح البخاريِّ» (١) من حديث حمزة بن أبي (٢) أُسَيد عن أبيه، أنَّه كان مع رسول الله ﷺ ، وقد أُتِي بالجَونيَّة، فأُنزِلتْ في بيت أُميمة بنتِ النعمان بن شَراحيل في نخلٍ، ومعها دَايَتُها (٣)، فدخل عليها رسول الله ﷺ فقال: «هَبِي لي نفسَكِ»، فقالت: وهل تَهَبُ المَلِكةُ نفسَها للسُّوقة؟ فأهوى ليضعَ يدَه عليها لتَسْكُن، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: «قد عُذْتِ بمعاذٍ»، ثمَّ خرج فقال: «يا أبا أُسَيد، اكْسُها رَازِقيَّينِ (٤)، وأَلْحِقْها بأهلها». وفي «صحيح مسلم» (٥) عن سهل بن سعدٍ قال: ذكرتُ لرسول الله ﷺ امرأةً من العرب، فأمر أبا أُسَيد أن يرسل إليها، فأَرسل إليها، فقَدِمتْ، فنزلتْ في أُجُمِ (٦) بني ساعدة، فدخل رسول الله ﷺ عليها (٧)، فلمَّا كلَّمها قالت:

стр. 3312

أعوذ بالله منك، قال: «قد أَعذتُكِ منِّي»، فقالوا لها: أتدرينَ من هذا؟ قالت: لا، قالوا: هذا رسول الله ﷺ ، جاءكِ ليخطبكِ، قالت: أنا كنتُ أشقى من ذلك. قالوا: وهذه كلُّها أخبارٌ عن قصَّةٍ واحدةٍ في امرأةٍ واحدةٍ في مقامٍ واحدٍ، وهي صريحةٌ أنَّ رسول الله ﷺ لم يكن تزوَّجها بعدُ، وإنَّما دخل عليها ليخطبها. وقال الجمهور ــ منهم الأئمَّة الأربعة وغيرهم ــ: بل هذا من ألفاظ الطَّلاق إذا نوى به الطَّلاق، وقد ثبت في «صحيح البخاريِّ» (١) أنَّ أبانا إسماعيل بن إبراهيم طلَّق به امرأته لمَّا قال لها إبراهيم: مُرِيْهِ فلْيغيِّر عَتَبةَ بابه، فقال: أنتِ العَتَبة، وقد أمرني أن أفارقكِ، الْحَقِي بأهلك. وحديث عائشة كالصَّريح في أنَّه ﷺ كان عقدَ عليها، فإنَّها قالتْ لمَّا أُدخِلتْ عليه، فهذا دخول الزَّوج بأهله. ويُؤكِّده قولها: ودنا منها. وأمَّا حديث أبي أُسَيد، فغاية ما فيه قوله: «هَبِي لي نفسَكِ»، وهذا لا يدلُّ على أنَّه لم يتقدَّم نكاحه لها، وجاز أن يكون هذا استدعاءً منه ﷺ للدُّخول لا للعقد. وأمَّا حديث سهل بن سعدٍ، فهو أصرحُها في أنَّه لم يكن وُجِد عقدٌ (٢)، فإنَّ فيه أنَّه ﷺ لمَّا جاء إليها قالوا: هذا رسول الله ﷺ جاء ليخطبكِ، والظَّاهر أنَّها هي الجَوْنيَّة؛ لأنَّ سهلًا قال في حديثه: فأمر أبا أُسيد أن يُرسِل إليها،

стр. 3313

فأرسل إليها (١). فالقصَّة واحدةٌ (٢)، دارت على عائشة وأبي أُسَيد وسَهل، فكلٌّ منهم رواها، وألفاظهم فيها متقاربةٌ، ويبقى التَّعارض بين قوله: «جاء ليخطبكِ»، وبين قوله: «فلمَّا دخل عليها ودنا منها»، فإمَّا أن يكون أحد اللَّفظين وهمًا، أو الدُّخول ليس دخول الرَّجل على امرأته، بل الدُّخول العامُّ، وهذا محتملٌ. وحديث ابن عبَّاسٍ في قصَّة إسماعيل صريحٌ، ولم يزل هذا اللَّفظ من الألفاظ التي يُطلَّق بها في الجاهليَّة والإسلام، ولم يُغيِّره النَّبيُّ ﷺ ، بل أقرَّهم عليه. وقد أوقع أصحاب رسول الله ﷺ الطَّلاق ــ وهم القدوة ــ بـ: أنتِ حرامٌ، وأمركِ بيدك، واختارِي، ووهبتُكِ لأهلكِ، وأنتِ خليَّةٌ، وقد خَلوتِ منِّي، وأنتِ بريَّةٌ، وقد بَارَأْتُكِ (٣)، وأنتِ مُبرَّأةٌ، وحبلكِ على غاربكِ، وأنتِ الحَرَجُ. فقال علي وابن عمر (٤): الخليَّة ثلاثٌ. وقال عمر (٥): واحدةٌ وهو أحقُّ

стр. 3314

بها. وفرَّق معاوية بين رجلٍ وامرأته قال لها: إن خرجتِ فأنتِ خليَّةٌ (١). وقال علي وابن عمر وزيد في البريَّة: إنَّها ثلاثٌ (٢). وقال عمر: هي واحدةٌ وهو أحقُّ بها (٣). وقال علي في الحرج: هي ثلاثٌ (٤). وقال عمر: واحدةٌ (٥). وقد تقدَّم ذكر أقوالهم في «أمركِ بيدكِ» و «أنتِ حرامٌ». واللَّه سبحانه ذكر الطَّلاق ولم يُعيِّن له لفظًا، فعُلِم أنَّه ردَّ النَّاس إلى ما يتعارفونه طلاقًا، فأيُّ لفظٍ جرى عُرْفُهم به وقع به الطَّلاق مع النِّيَّة. والألفاظ لا تُراد لعينها، بل (٦) للدَّلالة على مقاصد لافظِها، فإذا تكلَّم بلفظٍ دالٍّ على معنًى، وقصد به ذلك المعنى= ترتَّب عليه حكمه، ولهذا يقع الطَّلاق من العجميِّ والتُّركيِّ والهنديِّ بألسنتهم، بل لو طلَّق أحدهم بصريح

стр. 3315

الطَّلاق بالعربيَّة، ولم يفهم معناه لم يقع به شيءٌ قطعًا، فإنَّه تكلَّم بما لا يفهم معناه ولا قَصَدَه. وقد دلَّ حديث كعب بن مالكٍ على أنَّ الطَّلاق لا يقع بهذا اللَّفظ وأمثالِه إلا بالنِّيَّة. والصَّواب أنَّ ذلك جارٍ في سائر الألفاظ صريحِها وكنايتِها، ولا فرقَ بين ألفاظ العتق والطَّلاق، فلو قال: غلامي غلامٌ حرٌّ لا يأتي الفواحش، أو أَمتي أمةٌ حرَّةٌ لا تَبغِي الفجور، ولم يخطُر بباله العتقُ ولا نواه= لم يَعتِقْ بذلك قطعًا. وكذلك لو كانت معه امرأته في طريقٍ فافترقا، فقيل له: أين امرأتك؟ فقال: فارقتُها، أو سَرَّح شعرها وقال: سَرَّحتُها ولم يُرِد طلاقًا= لم تطلق. وكذلك إذا ضربَها الطَّلْقُ (١) وقال لغيره إخبارًا عنها بذلك: إنَّها طالقٌ= لم تطلقْ بذلك. وكذلك إذا كانت المرأة في وثاقٍ فأُطلِقت منه، فقال لها: أنتِ طالقٌ، وأراد من الوثاق (٢). هذا كلُّه مذهب مالك وأحمد في بعض هذه الصُّور، وبعضها نظير ما نصَّ عليه، ولا يقع الطَّلاق حتَّى ينويه ويأتي بلفظٍ دالٍّ عليه، فلو انفرد أحد الأمرين عن الآخر لم يقع الطَّلاق ولا العتاق. وتقسيم الألفاظ إلى صريحٍ وكنايةٍ وإن كان تقسيمًا صحيحًا في أصل الوضع، لكن يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، فليس حكمًا ثابتًا للَّفظ لذاته، فربَّ لفظٍ صريحٍ عند قومٍ كنايةٌ عند آخرين، أو صريحٌ في زمانٍ ومكانٍ كنايةٌ في غير ذلك المكان والزَّمان، والواقع شاهدٌ بذلك، فهذا لفظ «السَّراح» لا يكاد أحدٌ يستعمله في الطَّلاق لا صريحًا ولا كنايةً، فلا يَسُوغُ أن يقال: إنَّ من تكلَّم به

стр. 3316

لزِمَه طلاقُ امرأته نواه أو لم ينوِه، ويُدَّعَى أنَّه ثبت (١) له عرف الشَّرع والاستعمال، فإنَّ هذه دعوى باطلةٌ شرعًا واستعمالًا: أمَّا الاستعمال فلا يكاد أحدٌ (٢) يطلِّق به البتَّة، وأمَّا الشَّرع فقد استعمله في غير الطَّلاق، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فهذا السَّراح غير الطَّلاق قطعًا. وكذلك «الفراق»، استعمله الشَّرع في غير الطَّلاق، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:١ - ٢]، فالإمساك هنا: الرَّجعة، والمفارقة: تركُ الرَّجعة لا إنشاء طلقةٍ ثانيةٍ، هذا ما لا خلافَ فيه البتَّةَ، فلا يجوز أن يقال: إنَّ من تكلَّم به طلقتْ زوجتُه، فَهِمَ معناه أو لم يفهمه، وكلاهما في البطلان سواءٌ، وباللَّه التَّوفيق.

стр. 3317

حكم رسول الله ﷺ في الظِّهار وبيان ما أنزل الله فيه، ومعنى العَوْد الموجب للكفَّارة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٢ - ٤]. ثبت في السُّنن والمسانيد (١) أنَّ أوس بن الصامت ظاهرَ من زوجته خَولة بنت مالك بن ثعلبة، وهي التي جادلت فيه رسول الله ﷺ واشتكت إلى اللَّه، وسمع الله شكواها من فوق سبع سماواتٍ (٢)، فقالت: يا رسول اللَّه،

стр. 3318

إنَّ أوس بن الصامت تزوَّجني وأنا شابَّةٌ مرغوبٌ فيَّ، فلمَّا خلا سنِّي، ونثرتُ (١) [له] (٢) بطني، جعلني كأمِّه عنده، فقال لها رسول الله ﷺ : «ما عندي في أمركِ شيءٌ»، فقالت: اللَّهمَّ إنِّي أشكو إليك. وروي (٣) أنَّها قالت: إنَّ لي صِبيةً صغارًا، إن ضَممتُهم (٤) إليه ضاعوا، وإن ضَممتُهم إليَّ جاعوا، فنزل القرآن. وقالت عائشة (٥): الحمد لله الذي وسع سَمْعُه الأصواتَ، لقد جاءت خولة بنت ثعلبة تشكو إلى رسول الله ﷺ وأنا في كِسْر البيت (٦) يَخفى عليَّ بعضُ كلامها، فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]. فقال (٧) النَّبيُّ ﷺ : «لِيُعتِقْ رقبةً»، قالت: لا يجد، قال: «فيصوم شهرين

стр. 3319

متتابعين»، قالت: يا رسول اللَّه، إنَّه شيخٌ كبيرٌ ما به من صيامٍ، قال: «فليُطعِم ستِّين مسكينًا»، قالت: ما عنده من شيءٍ يتصدَّق به، فأُتِيَ ساعتَئذٍ بعَرَقٍ (١) من تمرٍ، فقالت: يا رسول اللَّه، وأنا أُعِينه بعَرَقٍ آخر، قال: «أحسنتِ، فإن شئتِ (٢) فأَطعِمي (٣) عنه ستِّين مسكينًا، وارْجِعي إلى ابن عمِّك». وفي «السُّنن» (٤): أنَّ سلمة بن صخر البياضي ظاهَر من امرأته مدَّةَ شهر

стр. 3320

رمضان، ثمَّ واقعها ليلةً قبل انسلاخه، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «أنتَ بذاك يا سلمة؟»، قال: قلت: أنا بذاك يا رسول الله ــ مرَّتين ــ وأنا صابرٌ لأمر اللَّه، فاحكُمْ فيَّ بما أراك اللَّه. قال: «حَرِّرْ رقبةً»، قلت: والَّذي بعثك بالحقِّ ما أملِكُ رقبةً غيرها، وضربتُ صفحةَ رقبتي، فقال: «صُمْ شهرين متتابعين»، قال: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إلا في الصِّيام، قال: «فأطعِمْ وَسْقًا من تمرٍ بين ستِّين مسكينًا»، قلت: والَّذي بعثك بالحقِّ لقد بِتْنا وَحْشَيْن (١) ما لنا طعامٌ، قال: «فانطلِقْ إلى صاحبِ صدقةِ بني زُريقٍ، فليدفَعْها إليك، فأطعِمْ ستِّين مسكينًا وَسْقًا من تمرٍ، وكُلْ أنت وعيالك بقيَّتَها»، قال: فرجعتُ إلى قومي فقلت: وجدتُ عندكم الضِّيقَ وسوءَ الرَّأي، ووجدتُ عند رسول الله ﷺ السَّعةَ وحسنَ الرَّأي، وقد أمر لي بصدقتكم. وفي «جامع الترمذي» (٢) عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ قد ظاهرَ من امرأته فوقعَ عليها، فقال: يا رسول اللَّه، إنِّي ظاهرتُ من امرأتي فوقعتُ عليها قبل أن أُكفِّر، قال: «وما حَملَك على ذلك؟ يرحمك اللَّه». قال: رأيت خلخالَها في ضوء القمر، قال: «فلا تَقرَبْها حتَّى تفعل ما أمرك اللَّه».

стр. 3321

قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وفيه (١) أيضًا: عن سلمة بن صخر، عن النَّبيِّ ﷺ في المظاهِر يواقع قبل أن يكفِّر، فقال: «كفَّارةٌ واحدةٌ». وقال: حسنٌ غريبٌ. انتهى. وفيه انقطاعٌ بين سليمان بن يسارٍ وسلمة بن صخر. وفي «مسند البزّار» (٢): عن إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينارٍ، عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: أتى رجلٌ النبيَّ ﷺ فقال: إنِّي ظاهرتُ من امرأتي، ثمَّ وقعتُ عليها قبل أن أكفِّر، فقال رسول الله ﷺ : «ألم يقل الله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]؟»، قال: أعجبتْني، قال: «أَمْسِكْ حتَّى تُكفِّر». قال البزار: لا نعلمه يُروى بإسنادٍ أحسن من هذا، على أنَّ إسماعيل بن مسلم قد تُكلِّم فيه، وروى عنه جماعةٌ كثيرةٌ من أهل العلم. فتضمَّنت هذه الأحكام أمورًا: أحدها: إبطال ما كانوا عليه في الجاهليَّة وفي صدر الإسلام من كونِ الظِّهار طلاقًا، ولو صرَّح بنيَّته له، فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، أعني به الطَّلاق= لم يكن طلاقًا، وكان ظهارًا، وهذا بالاتِّفاق، إلا ما عساه من خلافٍ شاذٍّ، وقد نصَّ عليه أحمد والشَّافعيُّ وغيرهما. قال الشَّافعيُّ (٣): ولو تظاهر يريد طلاقًا كان ظهارًا، أو طلَّق يريد ظهارًا كان طلاقًا. هذا لفظه، فلا يجوز

стр. 3322

أن ينسب إلى مذهبه خلاف هذا. ونصَّ أحمد على أنَّه إذا قال (١): أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، أعني به الطَّلاق، أنَّه ظهارٌ ولا تَطْلُق به، وهذا لأنَّ الظِّهار كان طلاقًا في الجاهليَّة فنُسِخ، فلم يجز أن يُعاد إلى الحكم المنسوخ. وأيضًا فأوس بن الصامت إنَّما نوى به الطَّلاق على ما كان عليه، وأجرى عليه حكم الظِّهار دون الطَّلاق. وأيضًا فإنَّه صريحٌ في حكمه، فلم يجزْ جعلُه كنايةً في الحكم الذي أبطله الله بشرعه، وقضاء الله أحقُّ، وحكم الله أوجبُ. ومنها: أنَّ الظِّهار حرامٌ لا يجوز الإقدام عليه؛ لأنَّه كما أخبر الله عنه منكرٌ من القول وزورٌ، وكلاهما حرامٌ. والفرق بين جهةِ كونه منكرًا وجهةِ كونه زورًا أنَّ قوله: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي يتضمَّن إخباره عنها بذلك وإنشاءه تحريمها، فهو يتضمَّن إخبارًا وإنشاءً، فهو خبرُ زورٍ، وإنشاءٌ منكرٌ، فإنَّ الزُّور هو الباطل خلاف الحقِّ الثَّابت، والمنكر خلاف المعروف. وختم سبحانه الآية بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢]، وفيه إشعارٌ بقيام سبب الإثم الذي لولا عفو الله ومغفرته لوَاخَذَ به. ومنها: أنَّ الكفَّارة لا تجب بنفس الظِّهار، وإنَّما تجب بالعَود، وهذا قول الجمهور. وروى الثَّوريُّ عن ابن أبي نَجيحٍ عن طاوسٍ قال: إذا تكلَّم بالظِّهار فقد لزمه (٢)، وهذه رواية ابن أبي نَجيحٍ عنه، وروى معمر عن ابن (٣)

стр. 3323

طاوسٍ، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] قال: جعلها عليه كظهر أمِّه، ثمَّ يعود فيطؤها، فتحريرُ رقبةٍ (١). وحكى النَّاس عن مجاهد (٢): أنَّه تجب الكفَّارة بنفس الظِّهار، وحكاه ابن حزمٍ (٣) عن الثَّوريِّ وعثمان البتِّيِّ. وهؤلاء لم يَخْفَ عليهم أنَّ العَود شرطٌ في الكفَّارة، ولكن العود عندهم هو العود إلى ما كانوا عليه في الجاهليَّة من التَّظاهر، كقوله تعالى في جزاء الصَّيد: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾، أي عاد إلى الاصطياد بعد نزول تحريمه، ولهذا قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥]. قالوا: ولأنَّ الكفَّارة إنَّما وجبت في مقابلة ما تكلَّم به من المنكر والزُّور، وهو الظِّهار، دون الوطء أو العزم عليه. قالوا: ولأنَّ الله سبحانه لمَّا حرَّم الظِّهار ونهى عنه كان العود هو فعل المنهيِّ عنه، كما قال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]، أي: إن عدتم إلى الذَّنب عدنا إلى العقوبة. فالعود هنا (٤) نفس فعل المنهيِّ عنه. قالوا: ولأنَّ الظِّهار كان طلاقًا في الجاهليَّة، فنقلَ حكمَه من الطَّلاق إلى

стр. 3324

الظِّهار، ورتَّبَ عليه التَّكفيرَ وتحريمَ الزَّوجة حتَّى يُكفِّر، وهذا يقتضي أن يكون حكمه معتبرًا بلفظه كالطَّلاق. ونازعهم الجمهور في ذلك، وقالوا: العود أمرٌ وراء مجرَّد لفظ الظِّهار، ولا يصحُّ حمل الآية على العود إليه في الإسلام؛ لثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنَّ هذه الآية بيانٌ لحكم من يظاهر (١) في الإسلام، ولهذا أتى فيها بلفظ الفعل مستقبلًا، فقال: ﴿يُظَاهِرُونَ﴾، وإذا كان هذا بيانًا لحكم ظهار الإسلام، فهو عندكم نفس العود، فكيف يقول بعده: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾، وإنَّ معنى هذا العود غير (٢) الظِّهار عندكم؟ الثَّاني: أنَّه لو كان العود ما ذكرتم، وكان المضارع بمعنى الماضي تقديره (٣): والَّذين ظاهروا من نسائهم ثمَّ عادوا في الإسلام= لما (٤) وجبت الكفَّارة إلا على من تظاهر في الجاهليَّة ثمَّ عادوا (٥) في الإسلام، فمن أين يُوجِبونها على من ابتدأ الظِّهار في الإسلام غير عائدٍ؟ فإنَّ هنا أمرين: ظهارٌ سابقٌ، وعَودٌ إليه، وذلك يُبطِل حكم الظِّهار الآن بالكلِّيَّة، إلا أن يجعلوا ﴿يُظَاهِرُونَ﴾ لفرقةٍ، و ﴿يَعُودُونَ﴾ لفرقةٍ، ولفظ المضارع نائبًا (٦) عن لفظ الماضي، وذلك مخالفٌ للنَّظم، ومُخرِجٌ عن الفصاحة.

стр. 3325

الثَّالث: أنَّ رسول الله ﷺ أمر أوس بن الصامت وسلمة بن صَخْر بالكفَّارة، ولم يسألهما: هل تظاهرا في الجاهليَّة أم لا؟ فإن قلتم: ولم يسألهما عن العود الذي يجعلونه شرطًا، ولو كان شرطًا لسألَ عنه. قيل: أمَّا من يجعل العَوْدَ نفسَ الإمساك بعد الظِّهار زمنًا يمكن وقوعُ الطَّلاق فيه، فهذا جارٍ على قوله، وهو نفس حجَّته، ومن جعل العود هو الوطء أو العزم قال: سياق القصَّة بيِّنٌ في أنَّ المتظاهرين كان قصدهم الوطء، وإنَّما أمسكوا له. وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله. وأمَّا كون الظِّهار منكرًا من القول وزورًا فنعم هو كذلك، ولكنَّ الله إنَّما أوجب الكفَّارة في هذا المنكر والزُّور بأمرين: به وبالعَود، كما أنَّ حكم الإيلاء إنَّما ترتَّب عليه وعلى الوطء، لا على أحدهما. فصل (١) وقال الجمهور: لا تجب الكفَّارة إلا بالعَود بعد الظِّهار، ثمَّ اختلفوا في معنى العود، هل هو إعادة لفظ الظِّهار بعينه أو أمرٌ وراءه؟ على قولين: فقال أهل الظَّاهر كلُّهم: هو إعادة لفظ الظِّهار، ولم يحكُوا هذا عن أحدٍ من السَّلف البتَّةَ، وهو قولٌ لم يُسبَقوا إليه، وإن كانت هذه الشَّكاة لا يكاد مذهبٌ من المذاهب يخلو عنها. قالوا: فلم يُوجِب الله سبحانه الكفَّارة إلا بالظِّهار المُعَاد لا المبتدأ.

стр. 3326

قالوا: والاستدلال بالآية من ثلاثة أوجُهٍ، أحدها: أنَّ العرب لا تَعقِل في لغاتها العودَ إلى الشَّيء إلا فعلَ مثلِه مرَّةً ثانيةً. قالوا: وهذا كتاب الله وكلام رسوله وكلام العرب بيننا وبينكم. قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، فهذا نظير الآية سواءٌ في أنَّه عدَّى (١) فعلَ العود باللَّام، وهو إتيانهم مرَّةً ثانيةً بمثل ما أَتَوا به أوَّلًا. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]، أي إن كرَّرتم الذَّنب كرَّرنا العقوبة. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨]، وهذا في سورة الظِّهار نفسها، وهو يبيِّن المراد من العود فيه، فإنَّه نظيره فعلًا وأداةً (٢)، والعهد قريبٌ بذكره. قالوا: وأيضًا، فالَّذي قالوه هو لفظ الظِّهار، فالعود إلى القول هو الإتيان به مرَّةً ثانيةً، لا تَعقِلُ العرب غير هذا. قالوا: وأيضًا، فما عدا تكرار اللَّفظ إمَّا إمساكٌ وإمَّا عزمٌ وإمَّا فعلٌ، وليس واحدٌ منها بقولٍ، فلا يكون الإتيان به عَودًا، لا لفظًا ولا معنًى، ولأنَّ العزم والوطء والإمساك ليس ظهارًا، فيكون الإتيان بها عَودًا إلى الظِّهار. قالوا: ولو أريد بالعود الرُّجوعُ في الشَّيء الذي منعَ منه نفسَه كما يقال: عاد في الهبة، لقال: ثمَّ يعودون (٣) فيما قالوا، كما في الحديث: «العائدُ في هبتِه

стр. 3327

كالعائد في قَيْئِه» (١). واحتجَّ أبو محمد ابن حزم بحديث عائشة أنَّ أوس بن الصامت كان به لَممٌ، فكان إذا اشتدَّ لَممُه ظاهر من امرأته، فأنزل الله فيه كفَّارة الظِّهار (٢). فقال (٣): هذا يقتضي التَّكرار ولا بُدَّ (٤)، قال: ولا يصحُّ في الظِّهار إلا هذا الخبر وحده. قالوا: وأمَّا تشنيعكم علينا بأنَّ هذا القول لم يقل به أحدٌ من الصَّحابة، فأَرُونا من قال من الصَّحابة: إنَّ العود هو الوطء، أو العزم، أو الإمساك، أو هو العود إلى الظِّهار في الجاهليَّة، ولو عن رجلٍ واحدٍ من الصَّحابة، فلا تكونون أسعدَ بأصحاب رسول الله ﷺ منَّا أبدًا. فصل ونازعهم الجمهور في ذلك، وقالوا: ليس معنى العود إعادة اللَّفظ الأوَّل؛ لأنَّه لو كان ذلك هو العود، لقال: «ثمَّ يُعِيدون ما قالوا»؛ لأنَّه يقال: أعاد كلامه بعينه، وأمَّا عاد فإنَّما هو في الأفعال، كما يقال: عاد في فعله، وفي هبته، فهذا بـ (في). ويقال: عاد إلى عمله، وإلى ولايته، وإلى حاله، وإلى إحسانه وإساءته، ونحو ذلك، وعاد له أيضًا. وأمَّا القول فإنَّما يقال: أعاده،

стр. 3328

كما قال ضِمام (١) بن ثعلبة للنَّبيِّ ﷺ : «أعِدْ عليَّ كلماتِك» (٢)، وكما قال أبو سعيد: «أعِدْها عليَّ يا رسول اللَّه» (٣). وهذا ليس بلازمٍ، فإنَّه يقال: أعاد مقالته، وعاد لمقالته، وفي الحديث: فعاد لمقالته (٤)، بمعنى أعادها، سواءٌ. وأفسدُ من هذا ردُّ من ردَّ عليهم بأنَّ إعادة القول محالٌ كإعادة أمسِ، قال (٥): لأنَّه لا يتهيَّأ اجتماع زمانين. وهذا في غاية الفساد، فإنَّ إعادة القول من جنس إعادة الفعل، وهي الإتيان بمثل الأوَّل لا بعينه. والعجب من متعصِّبٍ يقول: لا يُعتدُّ بخلاف الظَّاهريَّة، ويبحث معهم بمثل هذه البحوث، ويردُّ عليهم بمثل هذا الرَّدِّ! وكذلك ردُّ من ردَّ عليهم بمثل العائد في هبته، فإنَّه ليس نظير الآية، وإنَّما نظيرها ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨]،

стр. 3329

ومع هذا فهذه الآية تُبيِّن المراد من آية الظِّهار، فإنَّ عودهم لما نُهوا عنه هو رجوعهم إلى نفس المنهيِّ، وهو النَّجوى، وليس المراد به إعادة تلك النَّجوى بعينها، بل رجوعهم إلى المنهيِّ عنه. وكذلك قوله في الظِّهار: ﴿يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أي لقولهم، فهو مصدرٌ بمعنى المفعول، والقول هو تحريم الزَّوجة بتشبيهها بالمحرَّمة، فالعود إلى المحرَّم هو العود إليه، وهو فعله. فهذا مأخذ من قال: إنَّه الوطء. ونكتة المسألة أنَّ القول في معنى المقول، والمقول هو التَّحريم، والعود له هو العود إليه، وهو استباحته عائدًا إليه بعد تحريمه، وهذا جارٍ على قواعد اللُّغة والعربيَّة (١) واستعمالها، وهذا الذي عليه (٢) جمهور السَّلف والخلف، كما قال قتادة وطاوس والحسن والزُّهريُّ ومالك وغيرهم (٣)، ولا يُعرف

стр. 3330

عن أحدٍ من السَّلف أنَّه فسَّر الآية بإعادة اللَّفظ البتَّةَ، لا من الصَّحابة ولا من التَّابعين ولا من بعدهم. وهاهنا أمرٌ خفيَ على من جعله إعادة اللَّفظ، وهو أنَّ العود إلى الفعل يستلزم مفارقةَ الحال التي هو عليها الآن، وعودَه إلى الحال التي كان عليها أوَّلًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]، ألا ترى أنَّ عودَهم مفارقةُ ما هم عليه من الإحسان وَعْوُدهم إلى الإساءة. وكقول الشَّاعر (١): وإن عادَ للإحسانِ فالعَوْد أحمدُ والحال التي هو عليها الآن التَّحريم بالظِّهار، والَّتي كان عليها إباحة الوطء بالنِّكاح الموجِب للحلِّ، فعَوْد المظاهر عودٌ إلى حلٍّ كان عليه قبل الظِّهار، وذلك هو الموجب للكفَّارة فتأمَّلْه، فالعود يقتضي أمرًا يعود إليه بعد مفارقته. وظهر سرُّ الفرق بين العود في الهبة وبين العود لما قال المظاهر، فإنَّ الهبة بمعنى الموهوب، وهو عينٌ يتضمَّن عودُه فيه إدخالَه في مِلكه وتصرُّفه فيه كما كان أوَّلًا، بخلاف المظاهر فإنَّه بالتَّحريم قد خرج عن الزوجة (٢)، وبالعود قد طلب الرُّجوع إلى الحال التي كان عليها معها قبل التَّحريم، فكان
следующие страницы →